LOGIN{أنا بخير}
حلّ المساء ببطء. كانت سولي جالسة قرب النافذة، تحدق في الحديقة دون أن ترى شيئًا فعلًا. منذ أن خرج مورفيون من الغرفة، بقيت كلماته تدور في رأسها. لا علاقة لكِ بحفيدي. لا تخلطي بين الشفقة والحب. مسحت عينيها بسرعة عندما سمعت صوت الباب. استدارت. دخل لوكا. كان يبدو متعبًا بعد المهمة، وملابسه تحمل آثار يوم طويل. أغلق الباب خلفه، ثم رفع عينيه نحوها. توقف. لاحظ فورًا أنها كانت جالسة بهدوء غير معتاد. اقترب منها. — سولي. رفعت رأسها وابتسمت. — عدت. أومأ. ثم نظر إليها للحظات. — هل أنتِ بخير؟ توقفت ابتسامتها لجزء من الثانية. ثم عادت. — نعم. كان جوابها سريعًا جدًا. ضيق لوكا عينيه قليلًا. — متأكدة؟ — طبعًا. ثم حاولت أن تبدو طبيعية. — كيف كانت مهمتك؟ لم يجب فورًا. كان ينظر إلى عينيها. حمراوان قليلًا. وجهها شاحب. وحتى ابتسامتها بدت مختلفة. — لماذا عيناكِ هكذا؟ ارتبكت. — أنا؟ — نعم. لم تجد جوابًا. خفضت عينيها. — ربما... كنت تعبانة. اقترب أكثر. — هل حدث شيء وأنا غائب؟ هزت رأسها بسرعة. — لا. صمت. ثم قال بهدوء: — سولي. رفعت عينيها إليه. — ماذا؟ — لا تكذبي عليّ. تجمدت. لثوانٍ لم تستطع أن تقول شيئًا. كان يستطيع أن يرى أنها تحاول التماسك. لكنها في النهاية ابتسمت ابتسامة صغيرة. — أنا بخير يا لوكا. نظر إليها طويلًا. كان يعرف أنها تخفي شيئًا. لكنه لم يضغط عليها. ليس الآن. جلس على المقعد المقابل لها. — حسنًا. تفاجأت من هدوئه. — لن تسألني؟ — سأنتظر حتى تخبريني بنفسك. نظرت إليه بصمت. ثم قالت: — شكرًا. رفع عينيه إليها. — على ماذا؟ ابتسمت. — لأنك... لم تجبرني على الكلام. ساد الصمت بينهما. وللمرة الأولى، شعرت سولي أن وجوده بجانبها لا يشبه وجود أي شخص آخر. أما لوكا، فكان يفكر بشيء واحد فقط: من الذي جعلها تبكي؟ وكان يعرف في أعماقه أن الإجابة على هذا السؤال لن تكون بعيدة. ...... بعد أن بقي لوكا صامتًا أمامها، حاولت سولي أن تخفف من ثقل الجو. ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: — لوكا... رفع عينيه إليها. — ماذا؟ — اذهب وخذ حمامًا وارتَح قليلًا. نظر إليها باستغراب بسيط. — لماذا؟ — لأنك تبدو متعبًا. ثم وقفت. — وأنا سأذهب لأحضر لنا شيئًا نأكله. نظر إليها وهي تتجه نحو الباب. — سولي، لا داعي لأن تتعبي نفسك. استدارت نحوه. — ومن قال إنني أتعب؟ ابتسمت بخفة. — سأحضر الطعام وأعود. وقبل أن يعترض، خرجت من الغرفة. بقي لوكا ينظر إلى الباب المغلق. ثم تنهد. — عنيدة... --- نزلت سولي إلى الطابق السفلي. كانت خطواتها هادئة في البداية. لكن عندما وصلت إلى الصالة، رأت إيلينا وإيزابيل جالستين معًا. خفضت عينيها فورًا، وأكملت طريقها دون أن تتحدث. دخلت المطبخ. أخذت بعض الطعام، ورتبته بعناية على صينية صغيرة. لكن عندما حملت الصينية وخرجت... بدأ تنفسها يصبح أسرع. لم تكن قد مشت سوى عدة خطوات. توقفت للحظة. وضعت يدها على صدرها. أغمضت عينيها. — اهدئي... أخذت نفسًا ببطء. ثم آخر. انتظرت حتى هدأ خفقان قلبها قليلًا. رفعت الصينية من جديد، وصعدت الدرج. كانت كل درجة تبدو أثقل من التي قبلها. لكنها لم تتوقف. لم تكن تريد أن يلاحظ لوكا شيئًا. خصوصًا بعد أن سألها قبل قليل إن كانت بخير. وصلت أخيرًا إلى الطابق العلوي، ثم وقفت أمام الباب لحظة حتى استعادت أنفاسها. طرقت الباب. — لوكا؟ جاء صوته من الداخل: — ادخلي. فتحت الباب. توقفت للحظة. كان لوكا قد انتهى من الاستحمام. كان يرتدي قميصًا أسود مريحًا، وشعره الأسود الذي يصل إلى أذنيه كان مبللًا، يقطر منه بعض الماء على جبينه. كان يمسح شعره بالمنشفة بهدوء. رفع عينيه إليها. — قلت لكِ ألا تتعبي نفسك. ابتسمت وهي تضع الصينية على الطاولة. — وأنا قلت لك إنني لم أتعب. نظر إليها. كان واضحًا أنه لم يصدقها. لكن هذه المرة لم يعلق. جلسا وتناولا الطعام معًا. وللمرة الأولى، لم تكن وجبتهما صامتة تمامًا. كانت سولي تسأله عن يومه، وهو يجيب بإجابات قصيرة. وفي إحدى اللحظات، لاحظ أنها كانت تحدق بطبقها بدلًا من الطعام. — سولي. رفعت رأسها. — نعم؟ — كلي. ابتسمت. — أنا آكل. — ببطء شديد. ضحكت ضحكة صغيرة. — وأنت تراقبني كثيرًا. توقف لوكا. ثم رفع حاجبه. — هل يزعجك ذلك؟ احمر وجهها قليلًا. — لا... خفضت عينيها إلى طبقها. ولم يقل أي منهما شيئًا بعدها. لكن تلك اللحظة الصغيرة بقيت في ذهن الاثنين. --- بعد أن انتهيا، وقف لوكا. — سأخرج قليلًا. نظرت إليه سولي. — إلى أين؟ — إلى مكتب جدي. تغيرت ملامحه. — أريد أن أسأله عن شيء. شعرت سولي بالتوتر. — هل حدث شيء؟ نظر إليها. — لا تقلقي. ثم غادر. --- بعد دقائق، وصل لوكا أمام مكتب مورفيون. طرق الباب. جاءه الصوت: — ادخل. فتح الباب. كان مورفيون جالسًا خلف مكتبه، يراجع بعض الأوراق. رفع عينيه عندما رأى حفيده. — ماذا تريد؟ أغلق لوكا الباب خلفه. — أريد أن أسألك عن سولي. توقف مورفيون عن تقليب الأوراق. — ماذا عنها؟ اقترب لوكا. — لماذا تتعمد أن تجعلها تبتعد عني؟ بقي مورفيون صامتًا. — لا تقل لي إن الأمر مجرد تقاليد. قال لوكا ببرود: — سمعتك وأنت تتحدث معها. تغيرت ملامح مورفيون. — سمعت ماذا؟ — كل شيء. نهض مورفيون ببطء. — لوكا... — لماذا؟ ساد صمت طويل. ثم قال مورفيون: — لأنك لا تعرف الحقيقة. ضاقت عينا لوكا. — أي حقيقة؟ توجه مورفيون نحو خزانة قديمة في زاوية المكتب. فتحها. أخرج ملفًا قديمًا، كان غطاؤه أسود وقد علاه الغبار. وضعه أمام لوكا. — هذا الملف لم يفتحه أحد منذ سنوات. نظر لوكا إليه. — ما هذا؟ قال مورفيون بصوت منخفض: — ملف عائلة سولي. تجمد لوكا. — عائلتها؟ أومأ مورفيون. — والداها لم يكونا مجرد شخصين ماتا وتركوا طفلة يتيمة. فتح الملف. كانت هناك صورة قديمة لامرأة ورجل. وبجانبها... شعار عائلة لم يرَه لوكا من قبل. قال مورفيون: — عائلة سولي كانت مرتبطة بعائلة فيتالي منذ زمن بعيد. رفع لوكا عينيه إليه. — كيف؟ أغلق مورفيون الملف. — هذا هو الشيء الذي لا أريدك أن تعرفه الآن. — جدي. — عندما يحين الوقت، ستعرف كل شيء. ثم نظر إليه بجدية. — لكن تذكر شيئًا واحدًا... اقترب منه. — زواجك من سولي لم يكن صدفة. تجمد لوكا. وفي تلك اللحظة فقط... بدأ يفهم أن الدين القديم الذي جمع سولي بعائلة فيتالي ربما لم يكن دينًا ماليًا أصلًا. كان هناك شيء آخر. شيء دُفن لسنوات... والآن بدأت سولي، دون أن تعرف، تقترب من قلبه.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا