LOGIN{سر مدفون}
ظل لوكا واقفًا أمام مكتب جده، وعيناه مثبتتان على الملف القديم. لم يكن يستطيع تحريك نظره عنه. — افتح فمك يا جدي. رفع مورفيون عينيه إليه. — لوكا... — قلت لك أخبرني بالحقيقة. كانت نبرته هادئة، لكنها أخافت مورفيون أكثر من لو كان قد صرخ. اقترب لوكا من المكتب. — لماذا سولي تحديدًا؟ لم يجب مورفيون. ضرب لوكا يده على سطح المكتب. — لماذا هي؟! ساد الصمت. وأخيرًا تنهد مورفيون. — لأن والدها كان عدوي. تجمد لوكا. — والدها؟ أومأ مورفيون. — كان بين عائلته وعائلتنا خيلاف قديم. وفي ذلك الوقت... طلبت من والدك أن ينهي الأمر. نظر إليه لوكا بصدمة. — ماذا تعني بـ"ينهي الأمر"؟ خفض مورفيون عينيه. — طلبت منه أن يقتل والد سولي ووالدتها. توقفت أنفاس لوكا. لم يستطع الكلام. ثم جاء السؤال بصوت منخفض: — وأنت كنت تعرف أن لديهم طفلة؟ — لم أكن أعرف. رفع مورفيون عينيه. — لم نكن نعرف بوجودها أصلًا. شعر لوكا ببرودة تسري في جسده. — إذًا... توقف للحظة. — أبي هو من قتل والديها؟ — نعم. أغمض لوكا عينيه. ظهرت أمامه صورة سولي. ابتسامتها الصغيرة. صوتها الهادئ. اهتمامها به عندما كان مصابًا. وكل مرة كانت تسأله فيها إن كان بخير. فتح عينيه. — وأين كانت هي؟ — في الميتم. ثم تابع مورفيون: — بقيت هناك سنوات طويلة. لم يعرف أحد أنها نجت. صمت قليلًا. — وبعدها مات الشخص الذي كان مسؤولًا عن دين قديم لي، وقبل موته أخبرني أنه تكفل بتربيتها. رفع لوكا رأسه. — ماذا؟ ابتسم مورفيون ابتسامة باردة. — عندما عرفت أنها كبرت... رأيت فيها فرصة لم أنتظرها منذ سنوات. فهم لوكا. — سولي. — نعم. قال مورفيون: — هي ابنة الرجل الذي كرهته. ثم أضاف: — وقررت أن أجعلها تدفع ثمن ما فعله والدها. تغير وجه لوكا. — لهذا أجبرتها على الزواج مني؟ — بالضبط. اقترب مورفيون منه. — أردت أن تعيش داخل العائلة التي دمرت عائلتها دون أن تعرف الحقيقة. ثم ضحك ضحكة قصيرة باردة. — وكنت أريد أن تراها تتألم ببطء. تجمد لوكا. لم يشعر بالغضب فقط. بل بشيء أسوأ. الذنب. لأن سولي لم تكن تعرف شيئًا. كانت تعيش معه في الغرفة نفسها. تنام على السرير بينما هو ينام على الأريكة. تهتم به عندما يمرض. وتحاول كسب محبة عائلته... بينما الرجل الذي يظن أنه يحميه كان السبب في كل هذا. قال لوكا بصوت منخفض: — أنت استخدمتني. — فعلت ما كان ضروريًا. رفع لوكا عينيه إليه. — لا. كانت الكلمة هادئة. لكنها خرجت بثقل. — أنت دمرت حياة فتاة لا علاقة لها بأي شيء. ثم استدار وغادر. --- عندما عاد لوكا إلى غرفته، وجد سولي جالسة على السرير. كان كتاب مفتوحًا بين يديها. رفعت رأسها عندما سمعت الباب. ابتسمت له ابتسامتها الصغيرة المعتادة. — عدت. توقف عند الباب. نظر إليها طويلًا. لم يعرف كيف يستطيع أن ينظر إلى وجهها بعد الآن. هي لم تكن تعرف. لم تكن تعرف أن الرجل الذي تزوجته هو ابن الرجل الذي قتل والديها. ولم تكن تعرف أن زواجها كله بدأ كجزء من انتقام جده. قالت: — هل أنت بخير؟ ابتلع لوكا ريقه. — نعم. وضعت الكتاب جانبًا. — تبدو متعبًا. اقترب وجلس بعيدًا عنها قليلًا. كانت أفكاره تتصارع داخله. هل يخبرها؟ هل يطلب منها أن تكره عائلته؟ هل يخبرها أن كل ما حدث لها لم يكن مصادفة؟ لم يستطع. ليس الآن. بعد لحظات، قالت سولي: — لوكا؟ — نعم؟ ترددت. ثم قالت: — هل يمكن أن تأتي معي غدًا؟ نظر إليها. — إلى أين؟ خفضت عينيها. — أريد زيارة قبر والديّ. شعر لوكا بوخزة قوية في صدره. لم يستطع سوى أن يهز رأسه. — سأأتي. ابتسمت سولي. — شكرًا. لم تعرف أن تلك الكلمة كانت أثقل عليه من أي شيء سمعه الليلة. --- في صباح اليوم التالي كانت السماء رمادية عندما خرجت سولي من القصر. كانت جدتها معها، تحمل بعض الزهور. أما لوكا فكان يسير خلفهما بصمت. عندما وصلوا إلى المقبرة، توقفت السيارة. نزلت سولي. ثم التفتت نحو لوكا. — لن تأتي؟ نظر إلى بوابة المقبرة. ثم إليها. — سأنتظرك هنا. لم تسأله عن السبب. اكتفت بهز رأسها. — حسنًا. دخلت سولي مع جدتها. أما لوكا فبقي خارج البوابة. وقف تحت السماء الرمادية، ويداه في جيبي معطفه. كان يستطيع الدخول. لكنه لم يستطع. لأن خلف تلك البوابة كان هناك قبر رجل وامرأة... والده هو من أنهى حياتهما. ولأول مرة منذ عرف الحقيقة، شعر لوكا أنه لا يستحق الوقوف أمام قبرهما. وفي الداخل، كانت سولي تمشي بجانب جدتها بين القبور، تحمل الزهور إلى المكان الذي اعتادت زيارته منذ سنوات. ولم تكن تعرف أن الرجل الذي تركته خلف البوابة كان يحمل الآن سرًا قادرًا على تغيير حياتها بالكامل.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا