Share

77

last update publish date: 2026-09-07 21:45:13

{أبقى معي}

لم تستطع سولي البقاء في الصالة.

بعد أن رأت الطريقة التي غادر بها لوكا، لحقت به دون تردد.

سارت بسرعة عبر الممر، حتى وصلت إلى باب مكتبه.

طرقت بخفة.

لم يأتِها رد.

فتحت الباب قليلًا.

كان لوكا واقفًا أمام النافذة، وظهره إليها.

لم يتحرك.

لكن هدوءه كان مخيفًا أكثر من أي غضب رأته منه من قبل.

دخلت سولي وأغلقت الباب خلفها.

— لوكا؟

ظل صامتًا.

اقتربت منه ببطء.

— هل أنت بخير؟

ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح.

— هل أبدو بخير؟

توقفت أمامه.

نظر إليها أخيرًا.

كانت عيناه تحملان غضبًا ووجعًا قديمًا.

— عادت... بعد كل هذه السنوات.

خفض نظره للحظة.

— عندما كنت طفلًا، تركتني.

سكت قليلًا.

— لم تقل لي إنها ستعود.

— لم تقل لي لماذا.

اشتدت قبضته.

— فقط اختفت.

شعرت سولي بغصة في صدرها.

تابع لوكا:

— كنت أنتظرها كل يوم.

ثم ابتسم بسخرية مريرة.

— وبعد سنوات تدخل من الباب وكأن شيئًا لم يحدث.

اقتربت سولي أكثر.

— لوكا...

— لا أستطيع أن أفهمها.

خفض رأسه قليلًا.

— كيف يمكن لأم أن تترك طفلها بهذه السهولة؟

رأت سولي أن صوته بدأ يفقد تماسكه.

وأن الهدوء الذي يحاول التمسك به لم يكن إلا غطاءً فوق شيء ينهار من الداخل.

لم تفكر طويلًا.

اقتربت منه وعانقته.

تجمد لوكا للحظة.

وضعت ذراعيها حوله بهدوء.

— لا بأس...

لم يجب.

— لا تحاول أن تكون قويًا طوال الوقت.

بقي ساكنًا.

ثم قالت:

— ربما هناك سبب لم تعرفه.

رفع عينيه قليلًا.

— هذا لا يمحو ما حدث.

— أعرف.

شدت ذراعيها حوله قليلًا.

— لكن لا تجعل ما حدث يأخذ منك كل شيء.

ظل صامتًا.

ثم قالت سولي بنبرة هادئة:

— أنت لست ذلك الطفل الذي تركته خلفها.

نظر إليها.

— أنت الآن شخص يستطيع أن يختار ماذا يفعل بهذا الألم.

لم يجب.

فقط بقي ينظر إليها.

رفعت سولي رأسها قليلًا، ثم أسندت جبينها إلى جبينه.

— لا تسمح للماضي أن يهزمك.

أغمض لوكا عينيه للحظة.

كان قريبًا منها، لكنه هذه المرة لم يحاول إخفاء تعبه.

قال بصوت منخفض:

— أنتِ دائمًا تقولين أشياء تجعلني أفكر.

ابتسمت سولي بخفة.

— لأنك تفكر كثيرًا أصلًا.

ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة رغمًا عنه.

تنفست سولي براحة عندما رأتها.

ثم قالت:

— إذا لم تكن مستعدًا للكلام معها الآن، فلا تتكلم.

— وماذا أفعل؟

— خذ وقتك.

ثم أضافت:

— لكن لا تهرب من نفسك.

نظر إليها طويلًا.

وبعد لحظات، رفع يده ووضعها بهدوء على كتفها.

— ابقي معي قليلًا.

ابتسمت سولي.

— سأبقى.

ولأول مرة منذ دخلت كارلي القصر...

شعر لوكا أن عودتها لم تعد تعني أنه سيواجه الماضي وحده.

---

بقي لوكا واقفًا أمام سولي للحظات، وكأن كلماتها جعلت شيئًا داخله يهدأ قليلًا.

لكنها لاحظت أن التعب ما زال واضحًا في عينيه.

أشارت إلى الكنبة الموجودة في زاوية المكتب.

— تعال، اجلس قليلًا.

نظر إليها باستغراب.

— أنا بخير.

— لم أقل إنك لست بخير، قلت إنك تحتاج أن ترتاح.

لم يجد ما يرد به، فجلس على الكنبة.

جلست سولي إلى جانبه، ثم أشارت إلى المكان بجانبها.

— استلقِ.

رفع حاجبه.

— سولي...

— فقط استلقِ، أنت منذ الصباح تحمل كل شيء في رأسك.

تنهد لوكا، ثم استلقى بهدوء، وأسند رأسه على ساقيها.

بقي للحظة متوترًا من الوضع، لكنه لم يتحرك.

أما سولي فبدأت تمرر أصابعها بين خصلات شعره السوداء بهدوء، ترتب بعضها وتترك بعضها الآخر يعود إلى مكانه.

كان شعره ناعمًا أكثر مما توقعت.

نظرت إليه وابتسمت.

— لم أخبرك من قبل...

فتح لوكا عينيه قليلًا.

— ماذا؟

قالت بخجل:

— أحب شعرك.

ظل ينظر إليها لثوانٍ.

— شعري؟

ضحكت.

— نعم، شعرك.

— هذا ما اخترتِ قوله الآن؟

— لماذا؟ إنه جميل.

أغمض لوكا عينيه مجددًا.

— أنتِ غريبة.

— وأنتَ متكبر.

— ربما.

تابعت سولي اللعب بخصلات شعره.

وبعد لحظات قالت:

— عندما رأيتك أول مرة، ظننت أنك شخص مخيف جدًا.

فتح عينيه.

— وكنتِ مخطئة؟

فكرت قليلًا.

— ليس تمامًا.

— ماذا تقصدين؟

ابتسمت.

— أنت مخيف فعلًا... لكن ليس دائمًا.

بقي صامتًا، ثم ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.

استمرت سولي في تمشيط شعره بأصابعها، بينما عاد الهدوء إلى المكتب.

وبعد دقائق، قالت:

— لوكا؟

— همم؟

— مهما حدث مع والدتك... لا تجعل هذا اليوم يغيّر الشخص الذي أصبحت عليه.

فتح عينيه ونظر إليها.

— ومن قال إنني لن أتغير؟

أجابته بهدوء:

— لأنني لن أسمح لك أن تتحول إلى شخص لا يشبهك.

ظل ينظر إليها للحظات.

ثم أغمض عينيه من جديد.

— ابقي هكذا قليلًا.

ابتسمت سولي.

— حسنًا.

وبقي المكتب هادئًا...

للمرة الأولى منذ عادت كارلي، لم يكن لوكا يحاول الهروب من الماضي أو مواجهته.

كان فقط يأخذ لحظة راحة، بينما سولي تذكره بصمت أن وجود شخص واحد إلى جانبه قد يجعل أصعب الأيام أقل قسوة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    .

    🥹❤️‍🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️‍🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة! [اتمنى سماع ارائكم كي أشعر أنه هناك حقاً من يقرأ روايتي وليس كأني اكتبها دون أن يقرئها أحد ،أردت فقط أخبركم أنها من الرويات القريبة إلي قلبي لذالك أحببت أن انقشها معكم، وشكراً لكل من سايعطين رئيه.]❤️‍?

  • حين أحببتكِ متأخرًا    199

    [عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    198

    [ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن

  • حين أحببتكِ متأخرًا    197

    [ هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ] كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فق

  • حين أحببتكِ متأخرًا    196

    [ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام

  • حين أحببتكِ متأخرًا    195

    [من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status