LOGIN{أبقى معي}
لم تستطع سولي البقاء في الصالة. بعد أن رأت الطريقة التي غادر بها لوكا، لحقت به دون تردد. سارت بسرعة عبر الممر، حتى وصلت إلى باب مكتبه. طرقت بخفة. لم يأتِها رد. فتحت الباب قليلًا. كان لوكا واقفًا أمام النافذة، وظهره إليها. لم يتحرك. لكن هدوءه كان مخيفًا أكثر من أي غضب رأته منه من قبل. دخلت سولي وأغلقت الباب خلفها. — لوكا؟ ظل صامتًا. اقتربت منه ببطء. — هل أنت بخير؟ ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح. — هل أبدو بخير؟ توقفت أمامه. نظر إليها أخيرًا. كانت عيناه تحملان غضبًا ووجعًا قديمًا. — عادت... بعد كل هذه السنوات. خفض نظره للحظة. — عندما كنت طفلًا، تركتني. سكت قليلًا. — لم تقل لي إنها ستعود. — لم تقل لي لماذا. اشتدت قبضته. — فقط اختفت. شعرت سولي بغصة في صدرها. تابع لوكا: — كنت أنتظرها كل يوم. ثم ابتسم بسخرية مريرة. — وبعد سنوات تدخل من الباب وكأن شيئًا لم يحدث. اقتربت سولي أكثر. — لوكا... — لا أستطيع أن أفهمها. خفض رأسه قليلًا. — كيف يمكن لأم أن تترك طفلها بهذه السهولة؟ رأت سولي أن صوته بدأ يفقد تماسكه. وأن الهدوء الذي يحاول التمسك به لم يكن إلا غطاءً فوق شيء ينهار من الداخل. لم تفكر طويلًا. اقتربت منه وعانقته. تجمد لوكا للحظة. وضعت ذراعيها حوله بهدوء. — لا بأس... لم يجب. — لا تحاول أن تكون قويًا طوال الوقت. بقي ساكنًا. ثم قالت: — ربما هناك سبب لم تعرفه. رفع عينيه قليلًا. — هذا لا يمحو ما حدث. — أعرف. شدت ذراعيها حوله قليلًا. — لكن لا تجعل ما حدث يأخذ منك كل شيء. ظل صامتًا. ثم قالت سولي بنبرة هادئة: — أنت لست ذلك الطفل الذي تركته خلفها. نظر إليها. — أنت الآن شخص يستطيع أن يختار ماذا يفعل بهذا الألم. لم يجب. فقط بقي ينظر إليها. رفعت سولي رأسها قليلًا، ثم أسندت جبينها إلى جبينه. — لا تسمح للماضي أن يهزمك. أغمض لوكا عينيه للحظة. كان قريبًا منها، لكنه هذه المرة لم يحاول إخفاء تعبه. قال بصوت منخفض: — أنتِ دائمًا تقولين أشياء تجعلني أفكر. ابتسمت سولي بخفة. — لأنك تفكر كثيرًا أصلًا. ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة رغمًا عنه. تنفست سولي براحة عندما رأتها. ثم قالت: — إذا لم تكن مستعدًا للكلام معها الآن، فلا تتكلم. — وماذا أفعل؟ — خذ وقتك. ثم أضافت: — لكن لا تهرب من نفسك. نظر إليها طويلًا. وبعد لحظات، رفع يده ووضعها بهدوء على كتفها. — ابقي معي قليلًا. ابتسمت سولي. — سأبقى. ولأول مرة منذ دخلت كارلي القصر... شعر لوكا أن عودتها لم تعد تعني أنه سيواجه الماضي وحده. --- بقي لوكا واقفًا أمام سولي للحظات، وكأن كلماتها جعلت شيئًا داخله يهدأ قليلًا. لكنها لاحظت أن التعب ما زال واضحًا في عينيه. أشارت إلى الكنبة الموجودة في زاوية المكتب. — تعال، اجلس قليلًا. نظر إليها باستغراب. — أنا بخير. — لم أقل إنك لست بخير، قلت إنك تحتاج أن ترتاح. لم يجد ما يرد به، فجلس على الكنبة. جلست سولي إلى جانبه، ثم أشارت إلى المكان بجانبها. — استلقِ. رفع حاجبه. — سولي... — فقط استلقِ، أنت منذ الصباح تحمل كل شيء في رأسك. تنهد لوكا، ثم استلقى بهدوء، وأسند رأسه على ساقيها. بقي للحظة متوترًا من الوضع، لكنه لم يتحرك. أما سولي فبدأت تمرر أصابعها بين خصلات شعره السوداء بهدوء، ترتب بعضها وتترك بعضها الآخر يعود إلى مكانه. كان شعره ناعمًا أكثر مما توقعت. نظرت إليه وابتسمت. — لم أخبرك من قبل... فتح لوكا عينيه قليلًا. — ماذا؟ قالت بخجل: — أحب شعرك. ظل ينظر إليها لثوانٍ. — شعري؟ ضحكت. — نعم، شعرك. — هذا ما اخترتِ قوله الآن؟ — لماذا؟ إنه جميل. أغمض لوكا عينيه مجددًا. — أنتِ غريبة. — وأنتَ متكبر. — ربما. تابعت سولي اللعب بخصلات شعره. وبعد لحظات قالت: — عندما رأيتك أول مرة، ظننت أنك شخص مخيف جدًا. فتح عينيه. — وكنتِ مخطئة؟ فكرت قليلًا. — ليس تمامًا. — ماذا تقصدين؟ ابتسمت. — أنت مخيف فعلًا... لكن ليس دائمًا. بقي صامتًا، ثم ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه. استمرت سولي في تمشيط شعره بأصابعها، بينما عاد الهدوء إلى المكتب. وبعد دقائق، قالت: — لوكا؟ — همم؟ — مهما حدث مع والدتك... لا تجعل هذا اليوم يغيّر الشخص الذي أصبحت عليه. فتح عينيه ونظر إليها. — ومن قال إنني لن أتغير؟ أجابته بهدوء: — لأنني لن أسمح لك أن تتحول إلى شخص لا يشبهك. ظل ينظر إليها للحظات. ثم أغمض عينيه من جديد. — ابقي هكذا قليلًا. ابتسمت سولي. — حسنًا. وبقي المكتب هادئًا... للمرة الأولى منذ عادت كارلي، لم يكن لوكا يحاول الهروب من الماضي أو مواجهته. كان فقط يأخذ لحظة راحة، بينما سولي تذكره بصمت أن وجود شخص واحد إلى جانبه قد يجعل أصعب الأيام أقل قسوة.[حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها
[ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب
[ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت
[ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر
[حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه
[بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا