Share

79

last update publish date: 2026-09-07 21:46:52

{أبقي بقربي}

بعد أن انتهى لوكا من تناول الطعام، بقي جالسًا قليلًا بصمت.

كانت سولي تراقبه، ولاحظت أن التعب ما زال ظاهرًا في عينيه رغم أنه يحاول إخفاءه.

قالت بهدوء:

— هل تريد أن نذهب إلى الغرفة؟

رفع عينيه إليها.

— نعم.

نهض، وسارا معًا عبر الممر الهادئ حتى وصلا إلى غرفتهما.

دخل لوكا أولًا، ثم جلس على طرف السرير.

أما سولي فأغلقت الباب خلفهما.

كان الصمت مختلفًا هذه المرة.

لا توجد أصوات العائلة، ولا ضجة القصر.

فقط الهدوء.

استلقى لوكا على السرير، وأغمض عينيه.

جلست سولي إلى جانبه.

وبعد لحظات، قالت:

— هل ما زلت تفكر فيها؟

فتح عينيه قليلًا.

— في أمي؟

أومأت.

— نعم.

تنهد.

— لا أعرف ماذا أفعل معها.

نظرت إليه بحزن.

— ليس عليك أن تعرف الآن.

ثم سكت قليلًا.

أغمض لوكا عينيه من جديد.

كانت ملامحه الهادئة تجعله يبدو مختلفًا تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع.

لا وريث.

ولا رجلًا يخشاه الآخرون.

فقط شخص متعب يحمل ذكريات قديمة لا يعرف كيف يضعها جانبًا.

رفعت سولي يدها وبدأت تمرر أصابعها بين شعره الأسود بهدوء.

لم يعترض.

بل بدا أن جسده ارتاح أكثر.

راقبته سولي للحظات.

ثم ابتسمت لنفسها.

— تبدو مثل طفل صغير الآن.

فتح إحدى عينيه.

— ماذا قلتِ؟

ضحكت بسرعة.

— لا شيء.

— سمعتك.

— كنت أقول إنك... هادئ.

أغلق عينيه مرة أخرى.

— كاذبة.

ضحكت سولي بصوت منخفض.

ثم عادت تلعب بشعره.

وبعد دقائق، بدأ تنفسه يصبح أبطأ.

عرفت أنه بدأ ينام.

توقفت للحظة، ثم أبقت يدها على شعره بحذر.

همست:

— مسكين...

لم تكن تشعر بالشفقة عليه.

بل بشيء أعمق.

كانت ترى الطفل الذي كانه ذات يوم خلف الرجل الذي أصبح عليه الآن.

طفل انتظر أمه.

طفل لم يفهم لماذا رحلت.

وربما لهذا السبب، شعرت سولي برغبة أكبر في ألا تتركه يواجه كل شيء وحده.

بعد وقت قصير، غرق لوكا في النوم.

بقيت سولي تنظر إليه.

ثم ابتسمت وقالت بصوت خافت:

— نام... أنا هنا.

وللمرة الأولى، نام لوكا دون أن يشعر أنه مضطر لأن يبقى مستيقظًا ويحرس نفسه من العالم.

أما سولي، فظلت تمرر أصابعها بين شعره بهدوء...

حتى غلبها النعاس هي الأخرى.

---

في آخر الممر، كان القصر قد غرق في هدوء الليل.

خرجت كارلي من غرفتها ببطء.

لم تكن تعرف إلى أين ستذهب، لكنها وجدت قدميها تقودانها وحدهما نحو الجناح الذي ينام فيه لوكا.

كلما اقتربت، أصبحت خطواتها أبطأ.

حتى توقفت أمام الباب.

باب غرفة ابنها.

بقيت تحدق فيه للحظات، وكأنها تخشى أن تلمسه.

ثم رفعت يدها أخيرًا، ووضعتها على الخشب.

أغمضت عينيها.

وسقطت دمعة على خدها.

— لوكا...

خرج اسمه من بين شفتيها كهمسة مكسورة.

اقتربت أكثر من الباب، وأسندت جبينها إليه.

— أنا آسفة.

ارتجف صوتها.

— أعرف أن الاعتذار بعد كل هذه السنوات لا يكفي.

وضعت يدها فوق صدرها محاولة أن تمنع نفسها من البكاء.

— لكنني لم أتركك لأنني لم أحبك.

نزلت دمعة أخرى.

— كنت مجبرة.

توقفت لحظة، ثم همست:

— لو بقيت... كانوا سيؤذونك بسببي.

أغمضت عينيها بقوة.

— كنت طفلًا، وأنا لم أكن أملك القوة لأحميك.

سكتت طويلًا.

ثم ابتسمت بحزن رغم دموعها.

— لكنني كنت أراك من بعيد.

مررت أصابعها على الباب برفق.

— كنت أعرف أنك كبرت.

— وكنت أعرف أنك أصبحت رجلًا قويًا.

انخفض صوتها.

— لكنني لم أعرف أن قوتك ستخفي كل هذا الألم.

بقيت مكانها، تستمع إلى الصمت خلف الباب.

لم تكن تعرف أن سولي كانت نائمة في الجهة الأخرى، وأن لوكا كان غارقًا في النوم للمرة الأولى منذ وقت طويل.

رفعت كارلي رأسها.

— سامحني عندما تستطيع.

ثم سحبت يدها ببطء.

لكن قبل أن تبتعد، وضعت كفها على الباب مرة أخيرة.

— أحبك يا لوكا.

همست بها وكأنها تقولها لطفلها الذي لم تستطع احتضانه منذ سنوات.

ثم ابتعدت بخطوات هادئة، ومسحت دموعها قبل أن تصل إلى نهاية الممر.

لكنها لم تعرف أن خلف ذلك الباب...

كان الماضي لا يزال ينتظر يومًا واحدًا فقط كي يظهر بالكامل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    138

    [حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها

  • حين أحببتكِ متأخرًا    137

    [ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب

  • حين أحببتكِ متأخرًا    136

    [ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت

  • حين أحببتكِ متأخرًا    135

    [ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر

  • حين أحببتكِ متأخرًا    134

    [حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه

  • حين أحببتكِ متأخرًا    133

    [بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status