Share

80

last update publish date: 2026-09-08 05:26:53

{هل يمكن لأم أن تتخل عن طفلها}

استيقظت سولي في الصباح على ضوء الشمس الهادئ المتسلل من بين الستائر.

فتحت عينيها ببطء، ثم التفتت نحو الجانب الآخر من السرير.

كان لوكا لا يزال نائمًا.

بدت ملامحه أكثر هدوءًا من المعتاد، وكأن النوم أخيرًا منحه فرصة لينسى كل ما حدث في اليوم السابق.

ابتسمت سولي.

مدت يدها بحذر، ومررت أصابعها بين خصلات شعره السوداء.

لم يتحرك.

ابتسمت أكثر.

— يبدو أنك فعلًا تحتاج إلى النوم.

ثم اقتربت قليلًا، وطَبعت قبلة خفيفة على جبينه.

ابتعدت بسرعة، وكأنها خجلت حتى من نفسها.

— صباح الخير، لوكا...

نهضت بهدوء، وغسلت وجهها، وبدلت ملابسها، ثم خرجت من الغرفة دون أن توقظه.

توجهت إلى الحديقة.

كانت الورود قد بدأت تتفتح مع ضوء الصباح، فحملت إبريق الماء وبدأت تسقيها واحدة تلو الأخرى.

كانت منهمكة في عملها عندما سمعت صوتًا خلفها.

— يبدو أنكِ تحبين الورود.

توقفت سولي.

التفتت.

كانت كارلي تقف خلفها.

ابتسمت سولي بأدب.

— نعم. أحبها كثيرًا.

اقتربت كارلي قليلًا، ونظرت إلى الحديقة.

— واضح.

ثم صمتت للحظات قبل أن تسأل:

— سولي... هل تعتقدين أن الأم يمكن أن تترك ابنها دون سبب؟

توقفت يد سولي فوق إحدى الزهور.

رفعت عينيها إلى كارلي.

— لا.

بدت الإجابة بسيطة، لكنها خرجت بثقة.

— لا أعتقد أن أمًا يمكن أن تفعل ذلك دون سبب.

خفضت كارلي عينيها.

— حتى لو تركته لسنوات؟

— حتى لو مرت سنوات.

ثم أضافت سولي بهدوء:

— ربما لا نعرف كل شيء عن حياة الآخرين.

نظرت كارلي إليها بدهشة بسيطة.

— أنتِ لا تكرهينني؟

ترددت سولي.

— لا أعرفك بما يكفي لأكرهك.

كانت الكلمات هادئة، لكنها صادقة.

تنفست كارلي ببطء.

— لوكا لا يظن مثلك.

وقبل أن تجيب سولي، جاء صوت من خلفهما.

— لأنها لا تحتاج إلى أن تعرف كل شيء.

استدارتا معًا.

كان لوكا يقف عند مدخل الحديقة.

ملامحه هادئة، لكن عينيه كانتا حادتين.

اقترب بخطوات ثابتة.

— أمي.

تجمدت كارلي.

— لوكا...

نظر إليها.

— ابتعدي عن سولي.

تغيرت ملامح كارلي.

— أنا فقط كنت أتحدث معها.

— أعرف.

ثم نظر إلى سولي.

— تعالي.

وضعت سولي إبريق الماء جانبًا، وتقدمت نحوه.

اقتربت كارلي خطوة.

— لوكا، انتظر...

لكن لوكا تراجع عنها.

لم يسمح لها بالاقتراب.

ثم أمسك يد سولي بهدوء.

— لنذهب.

نظرت سولي إلى كارلي للحظة، ثم مشت بجانبه.

كانت يد لوكا مشدودة قليلًا حول يدها، وكأن وجودها إلى جانبه يمنحه شيئًا من الثبات.

ابتعدا عن الحديقة.

وبقيت كارلي مكانها، تراقبهما بصمت.

ثم وضعت يدها على صدرها.

لم تكن غاضبة من سولي.

بل كانت تعرف أن المشكلة لم تكن فيها أصلًا.

المشكلة كانت في السنوات التي ضاعت...

وفي الحقيقة التي لم يكن لوكا مستعدًا لسماعها بعد.

---

استمر لوكا في السير بصمت، وكانت سولي تمشي إلى جانبه، تراقب ملامحه القاسية دون أن تعرف ماذا تقول.

بعد لحظات، توقفت أمامه.

— لوكا...

لم يجب.

اقتربت خطوة.

— أنا أعرف أنك غاضب، لكن—

استدار إليها فجأة.

— قلت لكِ لا تتدخلي!

ارتفع صوته أكثر مما توقعته سولي.

تجمدت في مكانها.

سقط الصمت بينهما.

اتسعت عيناها، وتراجعت خطوة صغيرة.

ثم أخرى.

لم تكن تخاف منه، لكنها تألمت من صوته.

تجمعت الدموع في عينيها دون أن تشعر.

وعندما رأى لوكا وجهها، اختفت القسوة من ملامحه فورًا.

— سولي...

لم تجبه.

خفضت عينيها ومسحت دمعة بسرعة.

— سأتركك قليلًا.

استدارت لتبتعد.

لكن لوكا أمسك يدها قبل أن تذهب.

— انتظري.

توقفت دون أن تلتفت.

قال بصوت منخفض:

— أنا آسف.

لم تجب.

اقترب منها، ثم وقف أمامها.

— لم يكن يجب أن أصرخ عليكِ.

رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع قد بدأت تنزل على خديها.

— أنا لم أكن أحاول أن أزعجك...

تغير وجهه.

— أعرف.

ثم قال بسرعة:

— أعرف أنكِ كنتِ تحاولين مساعدتي.

سكت لحظة، وكأن الاعتذار لم يكن سهلًا عليه.

— غضبي لم يكن منكِ.

نظرت إليه بصمت.

ثم أضاف:

— أنا فقط... لا أعرف كيف أتعامل مع كل هذا.

ارتجف صوت سولي قليلًا.

— كان بإمكانك أن تقول لي ذلك بدل أن تصرخ.

أخفض لوكا عينيه.

— معك حق.

ثم اقترب منها وعانقها بهدوء.

ترددت سولي للحظة، قبل أن تسمح لنفسها بالاسترخاء بين ذراعيه.

قال قربها:

— أنا آسف يا سولي.

انهمرت دموعها أكثر.

— أخفتني قليلًا...

أغمض لوكا عينيه.

— لن أكررها.

رفعت يدها ومسحت دموعها، ثم قالت بصوت متقطع:

— فقط... لا تجعل غضبك يؤذيني عندما أكون الشخص الذي يحاول البقاء بجانبك.

شد لوكا عناقه قليلًا.

— لن أفعل.

وبقيا هكذا للحظات، دون كلام.

كانت سولي تبكي بهدوء، بينما كان لوكا يدرك أن غضبه هذه المرة لم يجرح شخصًا غريبًا...

بل الشخص الوحيد الذي لم يطلب منه أن يكون قويًا طوال الوقت.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    138

    [حين يتحول الحب إلى قيد] مرّت أيام أخرى. وبدأت حالة سولي تتحسن تدريجيًا. صارت قادرة على الوقوف مدة أطول، والمشي لمسافات قصيرة، والجلوس قرب النافذة من دون أن تشعر بالإرهاق كما في الأيام الأولى. لكن رغم تحسن جسدها... كان قرارها يزداد ثباتًا. كانت ستغادر المدينة. كانت قد رتبت مع جدتها معظم أغراضهما، وبدأت تختار الأشياء التي ستأخذها معها. القليل فقط. ملابسها. بعض الصور القديمة. أغراض جدتها. وقلادة صغيرة احتفظت بها منذ طفولتها. أما كل ما يربطها بقصر فيتالي... فلم تكن تريد أن تأخذ منه شيئًا. حتى ذكرياتها مع لوكا حاولت أن تخبئها في مكان لا تستطيع الوصول إليه. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان لوكا يراقبها من بعيد. لم يكن يتدخل. كان فقط يسأل لورينزو عنها أحيانًا. — كيف حالها؟ وكان لورينزو يجيبه: — تتحسن. فيتنفس لوكا براحة. لم يكن يعلم أن سولي كانت تستعد للرحيل. كان يظن أنها فقط تحتاج إلى وقت، وأنها ستبقى في بيت جدتها حتى تستعيد قوتها. وكان ذلك الوهم هو الشيء الوحيد الذي يسمح له بالاستمرار. --- وفي صباح أحد الأيام... كان لوكا جالسًا في مكتبه. الأوراق أمامه، والها

  • حين أحببتكِ متأخرًا    137

    [ قبل الرحيل] مرّت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام بدت طويلة على الجميع، لكنها كانت أثقل على لوكا تحديدًا. منذ أن خرجت سولي من مرحلة الخطر الأولى، لم يمر يوم واحد من دون أن يأتي إلى المستشفى. كان يصل في الصباح، ويبقى لبعض الوقت في الممر، ثم يسأل عن حالتها. وفي كل مرة... كان يقف أمام باب غرفتها. لكنه لم يدخل. احترامًا لطلبها. كان يكتفي بسؤال جدتها. — كيف حالها اليوم؟ وكانت الجدة تجيبه دائمًا: — بخير. فيبتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — الحمد لله. وفي اليوم الثاني كرر السؤال. وفي اليوم الثالث أيضًا. وفي كل مرة كانت الإجابة نفسها تقريبًا. — سولي أفضل. لكن الجدة كانت ترى ما وراء عينيه. كان يريد أن يسأل سؤالًا آخر. هل ما زالت تريد الطلاق؟ هل تحدثت عني؟ هل تفكر بي؟ هل يمكن أن تسامحني؟ لكنه لم يسأل. ربما لأنه كان يخشى الإجابة. كان يفضّل كلمة «بخير» على أن يسمع شيئًا يؤلمه أكثر. أما سولي... فكانت تعرف أنه يأتي. كانت تسمع أحيانًا صوته من بعيد. وتعرف من خطواته أنه وصل. لكنها لم تطلب رؤيته. كانت تحتاج إلى الهدوء. وإلى الوقت. وإلى بداية مختلفة. وفي اليوم الثالث، أخبرها الطبيب

  • حين أحببتكِ متأخرًا    136

    [ بين الحب والرحيل] في المستشفى... كانت غرفة سولي هادئة. جلست جدتها إلى جانب السرير، تحمل وعاء الطعام بيدها، وتطعمها ببطء. كانت سولي لا تزال ضعيفة جدًا، وكانت كل حركة تتطلب منها جهدًا. — تناولي المزيد قليلًا. قالت جدتها بحنان. فتحت سولي فمها وتناولت لقمة صغيرة، ثم توقفت. — لقد شبعت. هزّت جدتها رأسها. — من لقمتين فقط؟ ابتسمت سولي ابتسامة ضعيفة. — لا أشعر برغبة في تناول الطعام. — يجب أن تأكلي حتى تستعيدي قوتك. نظرت سولي إلى الطعام للحظة، ثم تناولت لقمة أخرى. بعد ذلك، رفعت عينيها نحو النافذة. كان ضوء النهار يملأ الغرفة، والمدينة تبدو بعيدة خلف الزجاج. وظلت تحدّق هناك طويلًا. لاحظت الجدة شرودها. — إلى ماذا تنظرين؟ لم تجب سولي مباشرة. ثم قالت بهدوء: — إلى المدينة. ابتسمت جدتها قليلًا. — ماذا بها؟ خفضت سولي عينيها. — لا أعلم... ثم سكتت لحظة. — لكنني لم أعد أرغب في رؤيتها. توقفت يد جدتها. ونظرت إليها باستغراب. — ماذا تقصدين؟ رفعت سولي عينيها إليها. — أعني أنني لا أريد البقاء هنا. — سولي... — أريد مغادرة المدينة. ساد الصمت. وضعت الجدة الوعاء جانبًا، ثم اقت

  • حين أحببتكِ متأخرًا    135

    [ بين الحب والرحيل] بعد وقت قصير، خرجت كارلي وجدّة سولي من الغرفة. أغلقت كارلي الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظة تنظر إلى لوكا. كان واقفًا في الممر، بالقرب من النافذة، وعيناه لا تفارقان باب الغرفة. اقتربت منه. — لوكا... التفت إليها. — نعم؟ ترددت كارلي لحظة. ثم قالت: — سولي تريد التحدث إليك. ثبت عيناه عليها. — معي؟ أومأت. — نعم. سكت لثوانٍ. ظهرت على وجهه ملامح توتر لم تستطع كارلي تجاهلها. — هل قالت ماذا تريد؟ هزّت رأسها. — لا. ثم وضعت يدها على ذراعه. — مهما قالت.... حاول أن تستمع إليها حتى النهاية. نظر إليها لوكا طويلًا. ثم أومأ. — حسنًا. ابتعدت كارلي، وتركت له الطريق. بقي لوكا أمام الباب للحظات. رفع يده، لكنه لم يطرقه مباشرة. كان يشعر بأن هناك شيئًا مختلفًا هذه المرة. شيئًا أثقل من مجرد حديث بعد الاستيقاظ. وأخيرًا... طرق الباب بهدوء. لم تأته إجابة. طرق مرة أخرى. ثم جاء صوت سولي ضعيفًا: — ادخل. فتح الباب. دخل ببطء. كانت سولي مستلقية على السرير، وقد أدارت وجهها نحو النافذة. كانت الشمس تدخل من بينها وبين الستائر

  • حين أحببتكِ متأخرًا    134

    [حين فتحت عينيها ] ثم أعاد لوكا نظره إلى سولي. وظلّت عيناه معلّقتين بها، وكأن العالم بأسره يستطيع الانتظار... أما هي، فلا. لكن شيئًا ما تغيّر هذه المرة. في البداية، كانت مجرد حركة صغيرة جدًا. تحرّكت أصابع سولي تحت الغطاء. توقّف لوكا عن الحركة. رفع رأسه بسرعة. حدّق في يدها. ثم نظر إلى وجهها. — سولي؟ لم تجبه. انتظر. وبعد لحظات، تحرّكت أصابعها مرة أخرى. ثم ارتجفت رموشها قليلًا. اتّسعت عينا لوكا. — سولي... اقترب منها أكثر. كان صوته مليئًا بالخوف والأمل في الوقت نفسه. — هل تسمعينني؟ تحرّكت رموشها مجددًا. وببطء شديد... بدأت عيناها تنفتحان. كان الضوء يزعجها في البداية، فحاولت إغلاق عينيها مرة أخرى. تنفّست ببطء. ثم فتحتهما من جديد. كانت نظرتها شاردة. لم تعرف أين هي. كان كل شيء حولها ضبابيًا. السقف. الجدران. الأجهزة. ثم بدأت ذاكرتها تعود إليها شيئًا فشيئًا. المستشفى. العملية. الخوف. ثم شعرت بيد تمسك يدها. التفتت ببطء. ورأته. لوكا. كان جالسًا إلى جوارها، وشعره الأسود غير مرتّب من النوم، وملامح التعب واضحة على وجهه

  • حين أحببتكِ متأخرًا    133

    [بين القلق والأمل] وبقي لوكا إلى جوار سولي. مرّت الدقائق ببطء، ثم تحوّلت إلى ساعات. لم يشعر بمرورها. ظلّ ممسكًا بيدها، وكان إبهامه يتحرّك بين الحين والآخر فوق أصابعها بحركة خفيفة، وكأنّه يطمئن نفسه إلى أنّها ما تزال هنا. كانت الغرفة هادئة. يملأ صوت الأجهزة المنتظم الفراغ. ويتسلّل ضوء خافت من المصباح القريب من السرير. ومع مرور الوقت، بدأ التعب يثقل جفنيه. حاول مقاومته. فعدّل جلسته. ثم رفع رأسه قليلًا. ونظر إلى وجه سولي. — سأبقى... همس. لكن صوته خرج ضعيفًا من شدّة الإرهاق. — لا تخافي. وبعد ذلك بقليل... غلبه النوم. لم يترك يدها. حتى وهو نائم، ظلّت أصابعه تحيط بأصابعها برفق. وأسند رأسه إلى طرف السرير، بينما بقي جسده منحنيًا قليلًا نحوها. كانت ملامحه مختلفة تمامًا عن الرجل الذي يعرفه الجميع. لا برود. ولا قسوة. بل تعب وخوف وحب صامت. مرّت ليلة كاملة وهو على تلك الحال. --- في الصباح... بدأ ضوء الشمس يتسلّل من بين الستائر. فتح لوكا عينيه ببطء. واستغرقه الأمر بضع ثوانٍ حتى تذكّر أين هو. ثم رفع رأسه بسرعة. ونظر إلى سولي. كانت لا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status