LOGINالفصل الخامس
حين يصبح الماضي شاهدًا لم تستطع ليان أن تقرأ الرسالة مرة ثانية. كانت الكلمات أمام عينيها، لكنها لم تعد تراها ككلمات. كانت ترى وجه أبيها. تسمع صوته. تتذكر يده وهي تربت على كتفها عندما كانت طفلة. وتتذكر آخر مرة قال لها فيها: "لا تخافي من الناس يا ليان... خافي فقط من أن تصبحي مثلهم." لم تفهم وقتها ماذا كان يقصد. ظنت أنه يتحدث عن الحياة. عن العمل. عن العالم الذي يكبر فيه الإنسان ويكتشف أن الخير والشر ليسا دائمًا واضحين كما كان يظن. لكنها الآن فهمت أن والدها كان يخفي شيئًا. شيئًا أكبر منها. وأكبر من آدم. وأكبر من كريم. رفعت عينيها ببطء. كان آدم واقفًا أمامها. لم يحاول الاقتراب. ربما لأنه رأى في عينيها أنها لم تكن مستعدة للمزيد. قالت: "منذ متى تعرف؟" "منذ سنوات." "كم سنة؟" "سبع سنوات." ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح. "سبع سنوات." لم يجب. "سبع سنوات وأنت تعرف أن أبي كان يخاف من كريم." "نعم." "سبع سنوات وأنت تحمل هذه الرسالة." "نعم." "وسبب إخفائك لها كان ماذا؟" قال: "كنت أحاول أن أحميك." أغلقت عينيها. "قلت لك ألا تقول هذه الجملة." "أعرف." "ومع ذلك قلتها." "لأنها الحقيقة." فتحت عينيها. "الحقيقة؟" اقترب خطوة واحدة فقط. "لو أخبرتك منذ سبع سنوات، كنت ستبحثين عن كريم." "ربما." "وكان سيعرف أنك تعرفين." "ثم؟" "ثم كان سيؤذيك." هزت رأسها. "أنت لا تعرف." "بل أعرف." "لا. أنت تظن أنك تعرف." ثم رفعت الرسالة أمامه. "أبي كتب لي أنا." "كتب لك من خلالي." "لا." كانت نبرتها حادة. "كتب لي، وأنت قررت أن تصبح صاحب الرسالة." سكت. كانت تلك الجملة أقسى مما أرادت. لكنها لم تستطع التراجع عنها. قال آدم: "معك حق." رفعت عينيها إليه. ربما كانت تتوقع أن يدافع عن نفسه. أن يخبرها أنه كان مضطرًا. أن يبرر. لكنه لم يفعل. قال فقط: "معك حق." ثم أضاف: "ولهذا سأتركك الآن." استدار. لكن صوتها أوقفه. "انتظر." توقف. لم يلتفت. قالت: "أريد أن أعرف كل شيء." ظل واقفًا. "هل أنت مستعدة؟" "لا." ثم نظرت إلى الرسالة. "لكنني تعبت من ألا أكون مستعدة." التفت إليها. قال: "حسنًا." جلسا في السيارة. لم يكن هناك ما يقال في الطريق. ظلت ليان تنظر من النافذة. القاهرة تمر بجوارها. المحال. المقاهي. الوجوه. الأطفال. الزحام. كل شيء كان عاديًا بشكل يثير الغضب. كيف يمكن للعالم أن يستمر في الدوران بينما حياتها تتغير بهذه السرعة؟ قال آدم: "سنذهب إلى مكان كان والدك يزوره." التفتت إليه. "أين؟" "مكتبه القديم." "لكنه أغلق منذ سنوات." "أعرف." "كيف ستدخل؟" "لم يُغلق بالكامل." نظرت إليه باستغراب. "ماذا يعني ذلك؟" "بعض الأشياء بقيت كما هي." --- كان المكتب في مبنى قديم بوسط القاهرة. صعدا الدرج. لم تستخدم ليان المصعد. لم يكن هناك مصعد أصلًا. وعندما توقف آدم أمام باب خشبي داكن، أخرج مفتاحًا. نظرت إلى يده. "من أين حصلت عليه؟" "والدك أعطاني إياه." "متى؟" "قبل وفاته بثلاثة أيام." توقفت. "لماذا؟" "قال لي: ستحتاجه عندما يأتي الوقت." "أي وقت؟" نظر إليها. "الوقت الذي تعرفين فيه الحقيقة." فتح الباب. دخلت ليان. رائحة الورق القديم ضربتها فورًا. توقفت عند المدخل. كانت تعرف المكان. كانت قد زارته عشرات المرات وهي طفلة. لكنها لم تدخل منذ وفاة أبيها. كان مكتبًا صغيرًا، بسيطًا. مكتبة خشبية. مكتب واسع. كرسي جلدي. صورة عائلية. ساعة حائط توقفت عند الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة. اقتربت من الصورة. كانت هي ووالدها ووالدتها. كانت ليان في التاسعة عشرة. شعرها قصير. تبتسم. أمها بجوارها. وأبوها يقف خلفهما. وضعت يدها على الصورة. قالت: "كنت أظن أنني أعرفه." قال آدم: "كنت تعرفينه." "لا." التفتت إليه. "كنت أعرف أبي. لكنني لا أعرف الرجل الذي كانه عندما لم أكن موجودة." لم يجب. دخلت أكثر. كانت الأشياء كما تتذكرها. حتى قلم أبيها القديم كان على المكتب. اقتربت منه. لمسته. وانهارت دمعة واحدة. مسحتها بسرعة. لم تكن تريد أن يبكي الماضي أمام آدم. قال: "كان والدك رجلًا طيبًا." ابتسمت بحزن. "كل الناس يقولون ذلك عن الموتى." "أنا لا أقصد المجاملة." "كيف تعرف؟" "لأنه خاطر بحياته من أجل أشخاص لم يكن يعرفهم." نظرت إليه. "ماذا كان يعمل؟" "كان محاميًا." "أعرف." "لكنه كان يتعامل مع ملفات مالية كبيرة." "وأنت؟" "كنت أعمل في الاستثمار." "وكريم؟" "كان يعمل معي." صمتت. قال: "في البداية، كانت علاقتنا جيدة." "ثم؟" "اكتشفت أنه كان يزور بعض المستندات." "لماذا؟" "لتحويل أموال." "أموال من أين؟" "من شركات كان يديرها لصالح مستثمرين." "وأبي؟" "والدك اكتشف ذلك." سألت: "كيف؟" "كان يتولى مراجعة بعض العقود." ثم أخرج آدم ملفًا من درج المكتب. وضعه أمامها. "هذا أول جزء من الحقيقة." فتحت الملف. صفحات. عقود. أسماء شركات. توقيعات. وتاريخ يعود إلى سنوات. قالت: "أنا لا أفهم." "انظري إلى هذا الاسم." أشار إلى أحد المستندات. قرأته. ثم تجمدت. كان اسم كريم. لكن بجواره اسم آخر. اسم لم تسمعه من قبل. قالت: "من هذا؟" "شخص كان شريكًا سريًا لكريم." "أين هو الآن؟" "مات." رفعت عينيها. "مات؟" "قبل ست سنوات." "كيف؟" "حادث سيارة." صمتت. ثم قالت: "هل كان حادثًا؟" لم يجب. فهمت. "لا." قال: "لا نعرف." "أنت تعرف أكثر مما تقول." "نعم." "آدم!" رفع يده. "أعرف، لكنني لا أملك دليلًا." جلست على الكرسي. كانت تشعر بدوار. قالت: "وماذا حدث لأبي؟" جلس أمامها. "بعد أن اكتشف الأمر، بدأ يجمع الأدلة." "ضد كريم." "نعم." "ثم مات." "نعم." "في حادث." "نعم." "وتعتقد أن كريم قتله." "أعتقد أن هناك من أراد إسكات والدك." نظرت إليه. "والفرق؟" "أن كريم قد لا يكون وحده." --- ساد الصمت. كان صوت الساعة القديمة هو الشيء الوحيد الذي يملأ الغرفة. قالت ليان: "لماذا كنت أنت الشخص الذي وثق به أبي؟" "لأنني كنت أعرف كريم." "لكن هذا لا يفسر شيئًا." "والدك اكتشف أنني كنت أبحث في الأمر." "ولماذا؟" "لأنني خسرت أموالًا كثيرة." نظرت إليه. "كنت شريكًا." "نعم." "هل خسرت؟" "أكثر مما تتخيلين." "وكنت تستطيع تعويضها." "ليس المال هو المشكلة." "إذن؟" قال: "الناس." سكتت. "عندما تعرف أن رجلًا تثق به يستطيع تدمير حياة آخرين من أجل المال، لا يعود الأمر متعلقًا بالمال." خفض عينيه. "كان كريم يعرف أنني سأفضحه." "ولهذا انتقم منك." "نعم." "ومنّي." "نعم." قالتها بمرارة: "وأنت أحببتني." رفع عينيه إليها. "نعم." "متى؟" صمت. ثم قال: "لا أعرف." "حاول." ابتسم ابتسامة صغيرة. "ربما في المرة الأولى التي رأيتك فيها." "كنت تراقبني." "في البداية." "وكنت تعرف أنني ابنة الرجل الذي تبحث عنه." "نعم." "ثم ماذا؟" "ثم نسيت كل شيء." "كيف؟" قال: "لأنك لم تعودي ابنة الرجل الذي أريد معرفة قصته." توقف. "أصبحتِ ليان." شعرت بعينيها تدمعان. قال: "كنت أبحث عن فتاة أحتاج إلى حمايتها." ثم أضاف: "فوجدت امرأة أحتاج إلى حبها." خفضت رأسها. لم تكن تريد أن تسمع هذا الآن. لأنها كانت تعرف أنها لو سمحت لنفسها أن تسمعه، فسوف تصدقه. وهي لم تكن مستعدة لأن تثق به بالكامل. ليس بعد. --- قالت: "هل كانت علاقتي بكريم حقيقية؟" فهم السؤال. "نعم." "هل كان يعرفني قبل أن أعرفه؟" "كان يعرف اسمك." "هل اقترب مني بسببه؟" سكت. وكان ذلك كافيًا. قالت: "أجب." "في البداية، نعم." وضعت يدها على فمها. أغمضت عينيها. تذكرت الجامعة. أول مرة التقت كريم. كان في المكتبة. سألها عن كتاب. ثم بدأ الحديث. ثم الصداقة. ثم الحب. ثم كل شيء. قالت: "كان يحبني؟" قال آدم: "ربما." "ربما؟" "لا أستطيع أن أعرف ما في قلبه." "لكنني كنت جزءًا من خطته." "في البداية." رفعت عينيها إليه. "وهذا أسوأ." "أعرف." "لماذا لم تخبرني قبل أن أحبك؟" صمت. "لأنني خفت." "من ماذا؟" "أن ترحلي." ابتسمت بمرارة. "وهكذا كذبت عليّ حتى لا أرحل." "كنت مخطئًا." "نعم." ثم وقفت. "أريد العودة." لم يمنعها. --- في الطريق، لم تتحدث. عندما وصلا أمام منزلها، فتحت الباب. قال آدم: "ليان." لم تلتفت. "لن أطلب منك أن تسامحيني." توقفت. "ولا أن تثقي بي." نظرت إليه. "لكن هناك شيء واحد أريدك أن تعرفيه." "ماذا؟" "أنا لم أحبك لأنني وعدت والدك بحمايتك." سكت. "أنا أحببتك رغم أنني كنت أعرف أن حبك سيجعل كل شيء أصعب." كانت تحدق فيه. قال: "ولو عاد بي الزمن، لاخترت الحقيقة منذ البداية." ثم نزل من السيارة. وقفت عند الباب تراقبه وهو يبتعد. كان بإمكانها أن تناديه. لكنها لم تفعل. دخلت شقتها. أغلقت الباب. ثم أسندت ظهرها إليه. وانزلقت إلى الأرض. لأول مرة منذ سنوات، سمحت لنفسها بالبكاء. --- في اليوم التالي، لم تذهب إلى العمل. جلست طوال الصباح تقرأ الملفات. كل ورقة كانت تكشف جزءًا من عالم لم تكن تعرفه. وجدت اسم والدها في أكثر من وثيقة. وجدت توقيع كريم. وجدت اسم آدم. ثم وجدت شيئًا آخر. ورقة صغيرة. كانت بخط والدها. لم تكن موجهة إلى آدم. بل إليها. "ليان..." توقفت. أكملت القراءة. "إذا وصلت هذه الورقة إليك، فهذا يعني أنني لم أستطع أن أخبرك بنفسي." شعرت بأن قلبها يتوقف. "هناك أشياء أخفيتها عنك لأحمي طفولتك." توقفت. ثم تابعت. "لكنني لم أخفِ الحقيقة لأنني أخجل منها. أخفيتها لأنني كنت أعرف أن الحقيقة أحيانًا تكون أخطر من الكذب." جلست على الأرض. تابعت. "إذا عاد كريم إلى حياتك، فلا تثقي به." ثم سطر آخر. "أما آدم، فلا تجعلي أخطائه سببًا في الحكم على قلبه." توقفت. "أبي..." وضعت الورقة على صدرها. كان والدها يعرف. يعرف آدم. يعرف كريم. وكان يعرف أنها قد تحب أحدهما يومًا. لكن لماذا؟ ولماذا تحديدًا آدم؟ --- في المساء، جاءتها مريم. جلست بجوارها. "أنتِ لم تأكلي." "لست جائعة." "منذ يومين." نظرت إليها ليان. "هل تؤمنين أن بعض الناس يدخلون حياتنا قبل أن نعرف سبب دخولهم؟" قالت مريم: "طبعًا." "وأن شخصًا قد يحبك، لكنه يبدأ معك بكذبة؟" "هذه أصعب." "هل يمكن أن يغفر له؟" "إذا كانت الكذبة لحمايتك؟" "وإذا لم تطلبي الحماية؟" سكتت مريم. ثم قالت: "الحب ليس محكمة." "ماذا يعني ذلك؟" "يعني أنك لا تستطيعين أن تحكمي على آدم من أسوأ شيء فعله، ولا من أجمل شيء قاله." نظرت إليها. "وماذا أفعل؟" "راقبيه." "ماذا؟" "افعلي ما كنتِ تفعلينه قبل أن تحبيه." "ماذا؟" "انظري إلى أفعاله." صمتت ليان. كانت مريم محقة. آدم لم يضغط عليها. لم يحاول استغلال ضعفها. وعندما طلبت منه الابتعاد، ابتعد. وعندما طلبت الحقيقة، أخبرها بها. متأخرًا. لكن أخبرها. --- في الساعة العاشرة ليلًا، رن جرس الباب. توقعت مريم. لكنها عندما فتحت، لم تجد أحدًا. وجدت صندوقًا صغيرًا. أخذته. كان بلا اسم. فتحت الصندوق. في داخله صورة. صورة قديمة لوالدها. وبجواره كريم. وفي الخلفية آدم. تجمدت. كانت الصورة مختلفة. ليست من المكتب. بل من مكان آخر. قلبتها. كان مكتوبًا خلفها: "اسألي آدم عمّا حدث في هذه الليلة." شعرت بالخوف. هذه المرة لم يكن خوفًا من الماضي. كان خوفًا من أن تكون الحقيقة التي اكتشفتها مجرد بداية. --- اتصلت بآدم. أجاب فورًا. "ليان؟" قالت: "وصلتني صورة." صمت. "أنت تعرفها؟" "نعم." "متى التُقطت؟" "قبل وفاة والدك بشهر." "أين؟" "في بيروت." "وماذا كنت تفعل هناك؟" "كنت أبحث عن كريم." "وأبي؟" صمت. "كان هناك أيضًا." "لماذا؟" "لأنه طلب مقابلتي." "عن ماذا؟" قال: "عن أشياء لم يخبرني بها إلا في تلك الليلة." "ما هي؟" تردد. "آدم." "كان يريد أن يخبرني أن هناك أموالًا خرجت من حسابات شركته." "وأين ذهبت؟" "إلى حسابات خارجية." "لمن؟" "لم يكن يعرف." "إذن لماذا كان في بيروت؟" قال: "لأن الشخص الذي كان يملك تلك الحسابات يعيش هناك." "من؟" صمت. ثم قال: "والدتك." لم تتحرك ليان. لم تتنفس. حتى بدا صوتها غريبًا عندما قالت: "ماذا؟" "ليان..." "أنت قلت والدتي؟" "نعم." "أمي كانت تعرف؟" "لا أعرف." "أمي لم تكن تعرف شيئًا عن عمل أبي." "كنت أظن ذلك." "أين هي الآن؟" صمت. قالت: "آدم!" قال أخيرًا: "والدتك لم تمت." سقط الهاتف من يدها. وظلت تنظر إليه على الأرض. أمها. المرأة التي أخبروها أنها ماتت بعد والدها بأشهر. المرأة التي دفنوها في مقبرة العائلة. المرأة التي عاشت ليان سبع سنوات وهي تحمل صورتها وتبكيها. لم تمت. لم تكن ميتة. كانت حية. --- في صباح اليوم التالي، ذهبت ليان إلى المقبرة. وقفت أمام قبر أمها. كانت تقرأ الاسم المحفور على الرخام. اسم المرأة التي ظنت أنها تركتها إلى الأبد. وضعت يدها على القبر. "أين أنتِ؟" لم يجبها أحد. لكنها شعرت للمرة الأولى أن القبر لم يعد نهاية. بل دليلًا. عندما عادت إلى منزلها، وجدت ظرفًا تحت الباب. فتحته. في داخله عنوان. لا اسم. فقط العنوان. وتحت العنوان جملة: "إذا أردتِ معرفة أين اختفت أمك، تعالي وحدك." قرأت الجملة مرتين. ثم اتصلت بآدم. قالت: "أعرف أين أذهب." قال: "أين؟" "لا." صمت. "قلت إنني سأذهب وحدي." قال: "لن أتركك." "لماذا؟" "لأن الشخص الذي أرسل لك العنوان يريدك وحدك." "وربما يريدك أنت." "ربما." "إذن لا تأتِ." قال: "لن أفعل." شعرت بالراحة. لكن بعد لحظات قال: "سأكون قريبًا." أغلقت الهاتف. --- كان العنوان منزلًا قديمًا في منطقة هادئة. وقفت أمام الباب. ترددت. ثم طرقت. لا إجابة. طرقت مرة أخرى. انفتح الباب ببطء. دخلت. كان المكان مظلمًا. رائحة العطر القديم تملأ الهواء. ثم سمعت صوتًا. صوت امرأة. "ليان." تجمدت. كانت تعرفه. حتى لو مرّت مئة سنة. صوت أمها. استدارت. كانت امرأة تقف في نهاية الممر. شعرها أقصر مما تتذكر. وجهها تغير. لكن العينين... العينان نفسهما. شهقت ليان. "أمي؟" رفعت المرأة يدها إلى فمها. وبكت. ثم قالت: "سامحيني." لم تتحرك ليان. كانت سبع سنوات من الحزن تقف بينها وبين تلك المرأة. سبع سنوات من الأسئلة. سبع سنوات من الصور. سبع سنوات من الاعتقاد أنها وحيدة. ثم قالت: "لماذا؟" أجابتها أمها: "لأنني لم أكن أملك خيارًا." "كان بإمكانك العودة." "لا." "كان بإمكانك الاتصال." "كانوا سيقتلونك." "من؟" نظرت أمها خلفها بخوف. ثم قالت: "الرجل الذي قتل أباك." شعرت ليان بقشعريرة. "من؟" وقبل أن تجيب، سُمع صوت باب يُغلق في الخارج. ثم صوت رجل: "لقد تأخرتِ يا ليان." عرفت الصوت. كريم. استدارت. كان يقف عند الباب. وفي يده ملف. قال: "أظن أن الوقت حان لتعرفي الحقيقة كاملة." تراجعت ليان. لكن أمها أمسكت يدها. "لا تثقي به." ابتسم كريم. "وأخيرًا قلتِ لها." ثم نظر إلى ليان. "لكنها لم تخبرك الجزء الأهم." سألته: "ما هو؟" قال: "أن آدم كان حاضرًا ليلة مات والدك." تجمدت. "كريم..." قال: "وكان آخر شخص تحدث إليه." ثم أضاف: "لكن هناك شيء لم يخبرك به آدم." اقترب خطوة. "والدك لم يمت في حادث." صمت. ثم قال: "لقد قُتل." شهقت ليان. "ومن قتله؟" ابتسم كريم ابتسامة باردة. "اسألي الرجل الذي تحبينه." ثم وضع الملف أمامها. "لأن اسمه موجود هنا." فتحت ليان الملف. وكانت الصفحة الأولى تحمل اسمًا واحدًا. آدم السيوفي. وفي اللحظة التي رفعت فيها عينيها عن الورق، أدركت أن كل ما ظنته حبًا قد يصبح الآن أكبر اختبار لقلبها. لأنها للمرة الأولى لم تعد تسأل: هل يحبني آدم؟ بل أصبحت تسأل: هل كان الرجل الذي أحببته يعرف كيف مات أبي؟ وخارج المنزل، كانت سيارة سوداء تتوقف في الشارع. نزل منها آدم. رفع عينيه نحو الباب. وكأنه شعر أن اللحظة التي خاف منها طوال سبع سنوات قد وصلت أخيرًا. لحظة اكتشاف ليان للحقيقة التي لم يستطع هو أن يقولها. الحقيقة التي قد تنقذ حبهما... أو تنهيه إلى الأبد.الفصل العشرونالحقيقة التي تأخرت عشرين عامًالم تنم ليان طوال الليل.كانت جملة محمود الأخيرة تدور في رأسها بلا توقف:«هو ليس والدك فقط.»لم تكن تعرف ماذا يقصد.لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا.أنها لم تعد مستعدة لتصديق أي شخص لمجرد أنه يحمل اسمًا تعرفه أو وجهًا أحبته.جلست في غرفة المعيشة، والدفتر الأسود أمامها.كان آدم يقف بجوار النافذة.يوسف جلس في المقعد المقابل.أما سيف، أو كريم كما عرفوه لسنوات، فكان صامتًا تمامًا.لم يكن أحد منهم يعرف ماذا يقول.وأخيرًا قال آدم:"لن نذهب إلى الرجل الذي أرسل الصورة."رفعت ليان رأسها."لماذا؟""لأن محمود قال لا."قال يوسف:"ولأن محمود أخفى عنا أشياء كثيرة."نظر آدم إليه."أعرف."قال سيف:"المشكلة ليست في الرجل.""إذن في ماذا؟""في أن الرسالة وصلت إلى ليان وحدها."قالت:"ماذا تقصد؟"أجاب:"لو كان يريد مقابلتنا جميعًا، لكان أرسل الرسالة للجميع."قال آدم:"صحيح."قال يوسف:"إذن يريد ليان لسبب محدد."قالت ليان:"ربما لأنه أبي."صمت الجميع.قال سيف:"أو لأنه يريدك أن تظني ذلك."وضعت يدها على الدفتر."إذن لنذهب."قال آدم فورًا:"لا."نظرت إليه."لن أسمح لك
الفصل التاسع عشرتحت شجرة الليمونلم يكن الممر السري طويلًا.لكنه بدا لهم أطول من عشرين عامًا.كان ضيقًا، تتدلى من سقفه أسلاك قديمة، وتغطي جدرانه طبقة من الغبار، بينما كانت خطواتهم تتردد كأن شخصًا آخر يسير خلفهم.في المقدمة كان محمود.خلفه آدم.ثم ليان.ثم يوسف وكريم.لم يتحدث أحد.كان كل واحد منهم يحاول استيعاب حقيقة واحدة فقط:أصبحوا أربعة.أربعة أطفال فصلتهم يد واحدة، ثم أعادتهم إليها بعد سنوات طويلة.لكن ليان لم تستطع أن تتوقف عن النظر إلى كريم.أو إلى سيف.لم تكن تعرف أي الاسمَين يجب أن تناديه به.كان يمشي أمامها ببطء، كتفاه مثقلتان بشيء أكبر من جسده.ربما كان يحاول هو الآخر أن يفهم كيف يمكن لإنسان أن يقضي نصف حياته باسم، ثم يكتشف فجأة أن الاسم لم يكن له.اقتربت منه.قالت:"سيف."توقف.لم يلتفت.قالت مرة أخرى:"سيف."أغمض عينيه.ثم استدار.كانت عيناه ممتلئتين بشيء لم تره فيهما من قبل.الخوف.قال:"لا أعرف هذا الاسم."ابتسمت بحزن."لكنك كنت تحبه.""كنت طفلًا.""وأنا أيضًا.""هل تتذكرينني حقًا؟"اقتربت منه."أتذكر يدك."نظر إليها."يدي؟""كنت تمسك يدي عندما نخاف."سأل:"وماذا كنت أ
الفصل الثامن عشرأبي الذي عاد من الموتلم تتحرك ليان.كانت تنظر إلى الرجل الواقف أمامها، وكأن عقلها يرفض أن يمنح عينيها الإذن بتصديق ما تراه.الرجل لم يكن صورة.ولم يكن تسجيلًا قديمًا.ولم يكن ذكرى مدفونة في عقلها.كان حيًا.يقف أمامها.يتنفس.ينظر إليها بالطريقة نفسها التي كانت تتذكرها من طفولتها.نفس العينين.نفس الهدوء.حتى الندبة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر كانت موجودة.الندبة التي كانت تلمسها بأصابعها عندما كانت طفلة وتسأله دائمًا:"هل تؤلمك؟"وكان يجيبها:"تؤلمني فقط عندما تخافين."ارتجفت شفتاها.قالت بصوت بالكاد خرج:"أبي؟"لم يجب.فقط نظر إليها.ثم تحرك خطوة.تراجعت هي.توقفت عيناه عند حركتها.وفهم.قال:"كنت أعرف أنك ستفعلين ذلك."سألته:"كيف؟""لأنك كبرتِ.""أنت حي.""نعم.""كل هذه السنوات؟""نعم.""كنت تراقبني؟"خفض رأسه."أحيانًا."ضحكت.لكن ضحكتها كانت مليئة بالألم."أحيانًا؟"لم يجب.اقترب آدم منه.قال:"أنت تعرف من أنا."رفع محمود عينيه إليه.ابتسم بحزن."عرفتك قبل أن تعرف نفسك.""أنت أبي.""نعم.""لماذا لم تقل لي؟""لأنني لم أكن أملك الحق."صرخ آدم:"أنا ابنك!""وأنا من س
الفصل السابع عشرالاسم الذي لم يكن يجب أن يكون هناكلم تفهم ليان.حدقت في الصفحة الأخيرة من الدفتر، ثم رفعت عينيها ببطء نحو مريم.كان الاسم واضحًا.ليان.لا مجال للخطأ.لا مجال لتفسير آخر.كان اسمها مكتوبًا بخط محمود، وتحت الاسم دائرة سوداء كثيفة، كأن الرجل الذي كتبها كان يريد أن يمنحها معنى أكبر من مجرد اسم.قال آدم بصوت خافت:"هذا مستحيل."لم تجبه.مد يده نحو الدفتر، لكنه لم يلمسه.قال:"ليان، انظري إليّ."رفعت عينيها إليه.كان وجهه هادئًا، لكنه لم يكن هدوءًا طبيعيًا.كان هدوء رجل يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار.قال:"أنت لم تقتلي أبي."قالت:"لكن اسمي هنا.""أعرف.""ومحمود كتبه.""أعرف.""إذن ماذا يعني؟"نظر إلى مريم.قالت:"يعني أن محمود كان يعرف أنها ستصل إلى هذه الصفحة."قال آدم:"وهذا لا يفسر شيئًا."أجابت مريم:"بل يفسر كل شيء."اقتربت منها ليان."قولي."تنهدت مريم."اسمك لم يكن مكتوبًا باعتبارك قاتلة.""إذن؟""كان مكتوبًا باعتبارك المفتاح.""مفتاح ماذا؟"نظرت مريم إلى الدفتر."لمحمود عادة غريبة."قالت ليان:"أي عادة؟""كان عندما يخشى أن تقع أوراقه في يد شخص آخر، يكتب اسم الشخ
الفصل السادس عشرالرجل الذي كان قريبًاظل الهاتف في يد آدم بعد أن انقطع الاتصال.لم يقل شيئًا.ولم تسأله ليان في البداية.كانت تعرف أن بعض الأخبار تحتاج إلى لحظة صمت قبل أن تجد طريقها إلى الكلام.قالت أخيرًا:"أمك قالت إنك تعرف أخاك."لم يجب."وقالت إنه الرجل الذي قتل أبي."ظل صامتًا.ثم رفع عينيه إليها."كريم."قالت ليان:"هذا ما أفكر فيه.""وأنا أيضًا.""لكن كريم قال إن أخي هو شخص آخر.""كريم قال أشياء كثيرة.""وأنت؟"تنهد."أنا لم أعد أعرف من أصدق."كان ذلك أول اعتراف صريح بالخوف تسمعه منه.آدم الذي كان دائمًا يتقدم أمامها.آدم الذي كان يتعامل مع كل خطر كأنه شيء يمكن كسره.آدم الذي لم يسمح لنفسه يومًا بأن يبدو ضعيفًا.كان الآن واقفًا أمامها كإنسان فقد الخريطة.اقتربت منه."إذن لنصدق شيئًا واحدًا."نظر إليها."ماذا؟""أننا لن نسمح لهم بتفريقنا."ظل ينظر إليها.ثم ابتسم.ابتسامة صغيرة متعبة."أنت تعرفين أنني أحب هذه الجملة منك.""أي جملة؟""لن نسمح لهم."قالت:"لأنني أقصدها."أمسك يدها."وأنا أيضًا."---عادا إلى المنزل قبل الفجر بقليل.كانت نورا تنتظرهما.لكنها لم تكن وحدها.كانت مر
الفصل الخامس عشرالأخ الذي لم يمتلم تنم ليان تلك الليلة.لم تستطع.كانت مستلقية على السرير، وعيناها معلقتان بالسقف، بينما تتردد في رأسها جملة واحدة:كان لك أخ توأم.لم تكن تعرف لماذا كانت تلك الجملة تحديدًا أكثر رعبًا من كل ما عرفته خلال الأيام الماضية.ربما لأن الإنسان يستطيع أن يتقبل كذبة عن أبيه.يمكنه أن يكتشف أن شخصًا أحبه خانه.يمكنه حتى أن يعرف أن حياته كلها بُنيت على أسرار.لكن أن يخبرك أحدهم بأن شخصًا خرج من رحم أمك معك، ثم عاش في مكان ما من العالم دون أن تعرفه...فهذا ليس سرًا.هذا جزء مفقود من روحك.نهضت من السرير.فتحت النافذة.كان الفجر لم يظهر بعد، والمدينة غارقة في زرقة داكنة.في الجهة الأخرى من الغرفة كان آدم واقفًا.لم تنم عيناه هو الآخر.قال دون أن يلتفت:"كنت أعرف أنك لن تنامي."قالت:"وأنت؟""كنت أحاول أن أفهم.""هل تصدق ما قالته نور؟"استدار إليها."لا أعرف.""أنا أصدقها."اقترب."لماذا؟""لأنني منذ بدأت هذه القصة وأنا أشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.""شيئًا في ماذا؟""في حياتي."جلس على حافة السرير.قال:"أنا أيضًا."نظرت إليه."هل تتذكر شيئًا عن طفولتك؟"صمت طويلًا.







