Se connecter"إزاي...؟!"خرجت الكلمة من بين شفتي حور بالكاد، بينما كانت أصابعها ترتجف وهي تحدق في الصورة القديمة التي سقطت من داخل الظرف، وكأن الزمن كله توقف عند تلك اللحظة. لم تعد ترى الجدران الخرسانية للمستودع، ولا القيود التي تكبل يديها، ولا حتى آدم الجالس إلى جوارها، بل بقيت عيناها معلقتين بذلك الطفل الصغير الذي يقف بجوار والدتها... الطفل الذي تعرف ملامحه جيدًا.مالك.همس آدم باستغراب:"في إيه يا حور؟ الصورة دي فيها إيه؟"لم تجبه.اقتربت بالصورة من وجهها، كأنها تبحث عن دليل يثبت أن ما تراه مجرد خدعة بصرية.خلف أمها كانت تقف امرأة أخرى، تضع يدها فوق كتف الطفل الصغير، وعلى ظهر الصورة تاريخ باهت يعود إلى أكثر من عشرين عامًا.رفعت رأسها ببطء نحو حسام، الذي كان لا يزال يقف عند الباب، ثم قالت بصوت اختلط فيه الغضب بالحيرة:"مالك كان يعرف أمي؟"هز الرجل رأسه نفيًا."لا.""أمال الصورة دي معناها إيه؟"أجاب بهدوء لم يتغير:"اللي تعرفيه عن أمك... أقل بكتير من الحقيقة."عقدت حاجبيها."اتكلم."تنهد حسام طويلًا، ثم تقدم بضع خطوات حتى أصبح يقف أمامهما مباشرة."أمك ما كانتش مجرد ست بتحاول تربي بنتها بعيد عن ال
ساد الصمت داخل المبنى المهجور، حتى إن صوت أنفاس الواقفين بدا أعلى من أي شيء آخر، بينما بقيت شاشة الحاسوب المحمول أمامهم تعرض اسم صاحب الحساب الذي استقبل التحويل الضخم من أموال جلال، ولم يكن ما أصابهم بالصدمة هو قيمة المبلغ، بل الاسم نفسه.تراجع إلياس خطوة إلى الخلف وهو يتمتم بعدم تصديق:"لا... مستحيل..."قطب مالك حاجبيه، ثم نظر إلى الشاشة مرة أخرى."إنت تعرفه؟"ظل إلياس صامتًا عدة ثوانٍ، قبل أن يرفع رأسه ببطء."أعرفه... كويس."اقترب آسر."مين هو؟"أخذ إلياس نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت أثقل مما اعتادوه منه:"التحويل راح لشركة اسمها الأفق للاستيراد والتصدير."نظر فارس باستغراب."وشركة استيراد هتخوفنا في إيه؟"ابتسم إلياس بسخرية مريرة."لأنها شركة على الورق بس... أما في الحقيقة فهي واحدة من أكبر واجهات غسيل الأموال اللي اشتغل بيها المجلس زمان."شعر الجميع بأن الصورة بدأت تتضح شيئًا فشيئًا.لكن مالك كان ينظر إلى إلياس وكأنه ينتظر شيئًا آخر.وبالفعل...أكمل الرجل بصوت خافت:"وصاحب الشركة..."توقف للحظة."...هو سامر عز الدين."تغيرت ملامح كمال فجأة.أما آسر فحدق فيه باستغراب."مين سامر ده؟"ر
ظل هاتف حور يرن.رنّة...ثم ثانية...ثم ثالثة...لكن أحدًا لم يمد يده إليه، فقد كانت المفارقة وحدها كافية لتزرع الرعب في القلوب؛ فآدم كان يقف أمامهم، ينظر إلى الشاشة هو الآخر، بينما الاسم الظاهر على الهاتف يحمل الاسم نفسه.همس فارس بعد لحظات:"هو... إيه الهزار التقيل ده؟"لم تجبه حور، بل رفعت الهاتف بيد مرتجفة وضغطت زر الرد، ثم رفعت مكبر الصوت حتى يسمع الجميع.ساد صمت قصير.ثم جاء صوت رجل هادئ للغاية.هادئ بصورة مرعبة."مساء الخير يا حور."تجمدت ملامحها.أما مالك فاقترب منها خطوة دون أن يشعر.قالت وهي تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها:"إنت مين؟"ضحك الرجل ضحكة خافتة."أنا مستغرب إنك لسه بتسألي."نظر الجميع إلى بعضهم.أما كمال، فما إن سمع الصوت حتى تغير وجهه.همس:"... جلال."رفع مالك السلاح غريزيًا، وكأن الرجل يقف أمامه بالفعل.قال جلال بهدوء:"واضح إنكم لقيتوا المخزن... بس كالعادة وصلتوا متأخر."لم يرد أحد.تابع الرجل:"بالمناسبة... الورقة عجبتكم؟"قبضت حور على الهاتف بقوة.وقالت بغضب:"إنت عايز إيه؟"جاء الرد سريعًا."عايز أنهي اللعبة."ابتسم ابتسامة باردة يمكن للجميع أن يتخيلوها من ن
ساد الصمت بعد كلمات إلياس، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق الانفجار، فقد تبادل الجميع النظرات بحذر، ولم يعد أحد ينظر إلى الآخر بالطريقة نفسها، وكأن الشك تسلل بينهم في لحظة واحدة وبدأ يلتهم الثقة التي تشكلت بينهم بصعوبة طوال الأيام الماضية.كان أول من تكلم هو فارس.قال وهو ينظر إلى إلياس باستنكار:"يعني إيه حد مننا؟ إنت شايف إن في واحد فينا بيبيعنا؟"أجابه إلياس بهدوء:"أنا مش بتهم حد... لكن دي الحقيقة الوحيدة اللي تفسر اللي بيحصل."تدخل آسر وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:"كل مرة بنخطط لحاجة... جلال بيكون سابقنا بخطوة."أومأ يزن مؤيدًا."ودي مش أول مرة."نظر سليم إلى الجميع واحدًا تلو الآخر.ثم قال:"يبقى من النهارده... مفيش حد يعرف الخطة كاملة غير وقت التنفيذ."وافقه مالك دون تردد."صح."أما حور...فكانت تراقب الوجوه بصمت، لكنها لم تشعر أن الخائن بينهم بالفعل، بل كان هناك شيء آخر يزعجها، شيء لم تستطع تحديده منذ شاهدت البث المباشر.قالت فجأة:"استنوا."التفت الجميع إليها.أكملت وهي تنظر إلى يزن:"شغّل الفيديو تاني... حتى لو آخر ثواني بس."نظر إليها باستغراب."ليه؟"
"لو حور شايفة البث ده... قولي لمالك إن أبوه ما ماتش في السرداب... أبوه اتقتل... على إيد جلال بنفسه."انقطع الصوت فجأة.ثم تحولت الشاشة إلى سوادٍ كامل.لم يكن أحد قادرًا على الكلام، فقد بدت الجملة الأخيرة وكأنها صفعة أصابت الجميع في اللحظة نفسها، أما مالك فظل واقفًا دون أن يرمش، بينما كانت أصابعه تنقبض ببطء حتى ابيضّت مفاصلها، وكأن جسده كله يحاول أن يمنعه من الانفجار.كان أول من قطع الصمت هو فارس.قال وهو ينظر إلى يزن:"ارجع الفيديو... بسرعة."ضغط يزن على الشاشة أكثر من مرة.ثم زفر بضيق."البث اتقفل... والاتصال انقطع."اقترب آسر."قدرت تحدد مكانه؟"أخذ يزن عدة ثوانٍ يفحص البيانات التي ظهرت قبل انقطاع الإرسال، ثم قال وهو يرفع رأسه:"آه... بس الإشارة ضعيفة. المكان على أطراف المدينة الصناعية القديمة... قريب من مخازن الشحن اللي اتقفلت من سنين."نظر مالك إليه مباشرة."قد إيه بعيد؟""بعربياتنا... حوالي نص ساعة."قال سليم بجدية:"يبقى نتحرك حالًا."لكن إلياس رفع يده معترضًا."لا."استدار الجميع نحوه.قال بهدوء:"اللي بعت الفيديو عارف إننا هنجري عليه، ولو روحنا بالشكل ده هنبقى داخلين مصيدة بإر
"عمكِ هو الشخص اللي بدأ المشروع من الأساس."كأن العالم توقف للحظة.تجمدت حور في مكانها وهي تحدق في الصورة القديمة بين يدي إلياس، بينما أخذت الكلمات تدور داخل رأسها بصورة عبثية وكأن عقلها يرفض استيعابها.قالت أخيرًا بصوت مرتجف:"لا..."نظر إليها إلياس بصمت.أما هي فهزت رأسها بعنف."لا... مستحيل."اقتربت منه بسرعة.وانتزعت الصورة من يده.وأعادت النظر فيها.مرة.ومرتين.وثلاثًا.لكن الوجه لم يتغير.كان بالفعل عمها.الوحيد المتبقي من عائلة والدتها.الرجل الذي ساعدها بعد وفاة والدها.الرجل الذي كان يرسل المال أحيانًا عندما تسوء الظروف.الرجل الذي أخبرها دائمًا أنه يحبها هي وآدم كأبنائه.شعرت ببرودة غريبة تسري في جسدها.وقالت:"أكيد في غلط."أجاب إلياس بهدوء:"مفيش.""إنت متعرفوش أصلاً.""أعرفه أكتر مما تتخيلي."ساد الصمت.أما آدم الصغير...فنظر بينهما بعدم فهم.وقال:"هو عمو جلال عمل إيه؟"كأن السؤال البسيط كان أشد إيلامًا من أي شيء آخر.التفتت حور إليه.ورأت براءته.فشعرت بأن قلبها ينقبض.اقترب منها مالك بهدوء.وقال:"اسمعي الباقي الأول."رفعت عينيها إليه.كانت مضطربة.مرهقة.وخائفة.لكنه
لو أن أحدًا أخبر حور قبل عدة أشهر فقط أن يومًا سيأتي وتقف فيه وسط كل هذا الجنون، تتلقى صدمة بعد أخرى حتى تكاد تفقد قدرتها على التمييز بين الحقيقة والوهم، لما صدقت أبدًا، لكنها في تلك اللحظة كانت تنظر إلى الصورة الموجودة على شاشة الهاتف بينما تشعر أن الأرض تهتز تحت قدميها من جديد، فقد كانت الصورة وا
لثانية واحدة فقط توقف كل شيء.توقف صوت الاشتباكات البعيدة.وتوقف الهواء داخل الرئتين.وتوقفت حور عن التفكير.بينما كانت تحدق في البقعة الحمراء التي بدأت تنتشر فوق قميص مالك ببطء مرعب.أما مالك نفسه فلم يستوعب في البداية ما حدث، إذ بقي واقفًا مكانه بينما كانت حور بين ذراعيه، ثم شعر بحرارة حادة تخترق
شعرت حور وكأن الزمن توقف تمامًا عند تلك اللحظة، بينما كانت تحدق في الصورة الموضوعة أمامها فوق الطاولة الخشبية القديمة، ولم تعد تسمع صوت أنفاسها أو صوت الرياح التي تضرب النوافذ المهترئة للمبنى، بل انحصرت كل أفكارها داخل تلك الصورة وحدها، الصورة التي ظهر فيها مالك أصغر سنًا، يقف بجوار الرجل الذي قضى
في تلك اللحظة تحديدًا لم يسمع أحد صوت الرياح التي كانت تضرب جدران المخزن القديم، ولم يعد أي منهم يشعر ببرودة الليل أو رائحة الغبار المنتشرة في المكان، لأن جميع الحواس انحصرت في الشاشة الصغيرة التي ظهر عليها وجه عماد السيوفي، الوجه الذي ظن أبناؤه أنهم فقدوه منذ سنوات طويلة، والوجه نفسه الذي تحول فجأ







