Masukمضى في طريقه تحت أنظارها الباكية، تاركًا قلبها مثقلًا بالانكسار. ظلت تراقبه عاجزةً عن الدخول، حتى اختفى تمامًا عن ناظريها.دخلت تجرّ قدميها، والدموع تنهمر من عينيها بحرقة. وما إن سمعت صوته حتى استدارت نحوه، فوجدته واقفًا أمام باب المكتب، واضعًا يديه خلف ظهره.جاد: (بعصبية.) أتبكين عليه؟! بعد كل ما فعله؟ليرا: (واجهته وهي تمسح دموعها.) أبكي على ما آلت إليه أحوالنا... أبكي لأنني تعبت، تعبت منك ومن قسوتك ومن هذا الألم الذي لا ينتهي... (هزّت رأسها باستسلام.) لم أعد ألومك، بل ألوم نفسي... أنا من اختارت البقاء، وأنا من قبلت أن أعيش هذا الجحيم بملء إرادتي...جاد: (تقدّم نحوها رافعًا سبّابته.) لولاكِ، لما أبقيته حيًّا... لكن إياكِ أن تقفي في وجهي مرة أخرى!ليرا: (نظرت إليه بعينين فارغتين.) لن تكون هناك مرة أخرى، يا جاد... لن تكون أبدًا.جاد: (أنزل سبّابته، وأخذ يتأملها، ملاحظًا نظراتها الذابلة.) ماذا تقصدين؟ليرا: إن جاء أبي ليأخذني، فسأذهب معه... لقد أصبحت الحياة معك لا تُطاق، ولم أعد أملك القدرة على تحمّل المزيد.جاد: (قطّب حاجبيه محاولًا السيطرة على أعصابه.) لو كان صريحًا معي، لما حرمتكِ م
ليرا: (تنظر إليه متوسلةً.) أرجوك... لا تقتله...أمسك جاد بيدها وجذبها خلف ظهره:جاد: ابتعدي، وسنتفاهم لاحقًا.تقدم نحو هندريك، ثم هزّه بقدمه في حركة تنم عن احتقار شديد.شعر هندريك بوجوده، فاستجمع ما بقي لديه من طاقة وقوة، رغم أن جسده لم يعد يحتمل المزيد. قاوم ألمه وحاول أن ينهض، حتى استطاع أخيرًا الجلوس، ثم جثا على ركبتيه فوق الأرض.كان جسده مغطى بالدماء اليابسة نتيجة أيام من التعذيب المتواصل.كان حلقه شديد الجفاف. أما النظرة التي طالما حملها تجاه جاد، تلك النظرة المليئة بالاحترام، فلم يعد لها أثر.تحرر جسده من القيود، لكن قيود قلبه اشتدت أكثر، والجرح الذي خلّفه جاد في أعماقه لن يندمل أبدًا.جاد: هل عقلت أخيرًا وعرفت مقامك؟هندريك: (بصوت قاسٍ، أثقله الألم.) كنت أحترمك... لم أكن أراك سيدي فحسب، بل كنت أراك أخًا أفديه بروحي. لو طلبت مني حياتي، لمنحتك إياها دون تردد، لكنك انتزعت مني أغلى ما أملك!نهض بصعوبة، ثم تابع:هندريك: فلا تلمني بعد الآن على ما قد يصدر مني تجاهك. لم تعد سيدي، ولم أعد خادمك... والأيام بيننا!جاد: (انحنى قليلًا نحوه، ينظر إليه باشمئزاز.) وما زلت تملك الجرأة على النظر
ليرا: تمهّل، لا تُجهد نفسك. هندريك: (أعاد السؤال وهو يحدّق في عينيها.) هل تزوجت نيهان؟ هزّت ليرا رأسها بالإيجاب، والدموع تنهمر من عينيها. أما هندريك، فخفض رأسه بصمت، وكأن الكلمات قد خانته. سقطت دموعه على وجنتيه، مختلطةً بالدماء التي لطّخت وجهه. كان منظره يمزّق قلبها، ولم تعد قادرة على الاحتمال. أسرعت بالخروج من القبو، وقد عقدت العزم على إنقاذه. لم تجد نفسها إلا وهي تقتحم مكتب جاد، ويداها ملطّختان بدماء هندريك. كانت ترتجف وتبكي بحرقة، وما إن رآها على تلك الحال حتى نهض مسرعًا، وقد ارتسم الخوف على وجهه. جاد: ما بكِ؟! ما هذا الدم؟! هل أصبتِ نفسكِ؟! ليرا: (شهقت وهي تبكي.) كيف استطعت فعل هذا به؟! لماذا قلبك قاسٍ إلى هذا الحد؟! ألا تفرّق بين القريب والغريب؟! حرام عليك... والله حرام! جاد: ماذا تقصدين بكلامكِ؟ ليرا: (صرخت.) هندريك! تركته يتعذّب هناك! ألم يكفِ أنك زوّجت نيهان وحرمتَه منها؟! والآن تجلس وتعذّبه! هل تريد قتله؟! جاد: (بغضب.) وأنتِ، ما علاقتكِ به؟! ما الذي يربطكِ به؟! ولماذا ذهبتِ إليه؟! ليرا: لست ممن يستطيع رؤية إنسان في حالته تلك والوقوف مكتوف اليدين! لقد كان ظلك الذي لا
كاترينا: (ابتلعت ريقها بتردد.) أخبره أنا؟! لا، لا أستطيع... سيضربني كما فعل في ذلك اليوم! ليرا: (أغمضت عينيها، محاولةً السيطرة على أعصابها، وقد بلغت قمة الغضب.) ستكونين تحت حمايتي. كاترينا: أنا خائفة منه... ثم إنه... (ارتجفت.) لن يصدقني، مهما قلتُ. ليرا: (بنبرة حادة.) إذن، اذهبي وتزوجي، فهذا أفضل لي، وأنتهي من صداعك ومشاكلك... كاترينا: (أمسكت بيديها.) أرجوكِ، تمهّلي! لا تتخلي عني! (قالتها بصوت منكسر، وعيناها تفيضان بالدموع.) أنا لا أريد الزواج! ليرا: إذا كنتِ لا تريدين الزواج، فافضحيها أمامه، ولننهِ هذه المهزلة! أما إذا لم تستطيعي، فتزوجي واصمتي! تركتها ليرا في مكانها بعدما وضعتها أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما أن تفعل ما طلبته منها وتكشف حقيقة أناليس، وإما أن تمضي إلى الزواج وتبتعد عن المشاكل إلى الأبد. أما ليرا، فلم تكن غاضبة فحسب، بل شعرت بالحزن الشديد، وأدركت إلى أي حد يمكن أن يصل خبث البشر. لقد كادت تموت بسبب حقد لم تكن تعرف سببه، لكنها لم تعد قادرة على السماح لأحد بالتعدي عليها، أو التغاضي عن الأخطاء التي ألحقت بها الأذى ودمّرت حياتها. وبينما كانت تسير، صادفت بعض الحراس
استقلا السيارة عائدين إلى القصر. وما إن وصلا حتى اتجهت ليرا إلى غرفتها، حاملةً معها الأغراض التي اشترتها، بينما كانت أناليس وكاترينا تراقبانها. وحين رأتا جاد يتجه إلى مكتبه، تبعتاه ودخلتا عليه. كانت أناليس أول من بادر بالكلام. أناليس: أخي، هل صحيح ما سمعته؟ أتريد تزويج كاترينا؟ جاد: وأين المشكلة في ذلك؟ أناليس: لا يا أخي... لا تجبرها على ذلك كما فعلت مع نيهان! جاد: الزواج أفضل لها.أناليس: ستزوجها رغمًا عنها! ماذا فعلت حتى تعاقبها بهذه الطريقة؟! جاد: (نظر إلى كاترينا.) ألم تخبركِ بالأمر؟ أناليس: لم تخبرني شيئًا؟! جاد: إنها ليست ابنة عمي. لقد أرسلوها لتأخذ مكانها. أناليس: (نظرت إليه بصدمة.) كيف؟! جاد: هي وألكسندر دبّرا هذه اللعبة ليقنعاني بأنها ابنة عمي. كنت أعرف حقيقتها منذ البداية، لكنني أردت أن أرى إلى أين سيصلان. أناليس: (استدارت نحو كاترينا بغضب.) هل هذا الكلام صحيح؟! كاترينا: لقد كنت مجبرة... أناليس: (رفعت يدها وصفعتها.) أيتها الحقيرة! لقد اعتبرتك واحدة من العائلة، وأنتِ تكذبين علينا! كاترينا: (نظرت إليها غير مصدقة.) أناليس... أناليس: لا تنطقي باسمي! لا يشرفني أن ت
✨ هولندا أقبل صباح جديد، استيقظ فيه جاد إلى جوار ليرا، يتأمل وجهها بابتسامة هادئة. نهض من فراشه، ووضع سيجارته بين شفتيه، يدخنها ليستعيد مزاجه، ثم اتجه نحوها محاولًا إيقاظها، لكنها عبست بضيق، رافضةً الاستيقاظ. حملها بين ذراعيه ونزل بها إلى الساونا. وضعها برفق على كرسي هناك، وأغرق وجهها بالقبلات قبل أن يسكب الماء عليها ببطء، حتى شهقت فجأة واستيقظت مذعورة. ليرا: يا إلهي! ماذا تفعل؟! جاد: استيقظي... كفى نومًا! ليرا: يا لك من ظالم! جاد: سنستحم معًا، وبعدها سنخرج. ليرا: (بدأت تخلع ملابسها.) إلى أين؟ جاد: إلى أي مكان يعجبك. اليوم يومك أنتِ. (نظر إلى القلادة التي أهداها إليها، مبتسمًا.) سنذهب إلى الصائغ، لتختاري كل ما تحبين. ليرا: ما كل هذا الاهتمام المفاجئ؟ جاد: ولماذا؟ ألستُ حنونًا معك؟ ليرا: فقط عندما يحلو لك ذلك. جاد: يحلو لي ذلك عندما تتصرفين بعقلك. ماذا قلتِ؟ ليرا: حسنًا... لنخرج. ...استحمّا معًا، وحاول جاد أن يقترب منها أكثر، لكنه لم يستطع إقناعها بمعاشرته، إذ تحججت بأنها متعبة ولا تملك الطاقة، ووعدته بأنها ستتركه يفعل ما يشاء بعد عودتهما. ارتديا رداءَي الحمام، ثم صعدا إ
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ







