Se connecterوقف هندريك أمام أحد الأكواخ في قلب غابة سويسرية، مرتديًا بدلة سوداء أنيقة، وقد أخفت قبعته الكدمات التي غطّت وجهه، بينما كان يتكئ على عكاز يستعين به بسبب إصابة ساقه. ما إن فُتح الباب حتى دخل إلى المكان الذي يلفّه هدوء مريب. كان الكوخ بسيطًا إلى حدّ يصعب معه تصديق أن أعضاء منظمة العين السوداء يتخذونه مقرًا لاجتماعاتهم السرية. هندريك: (نزع قبعته.) كنت متأكدًا من أنني سأجدكم هنا. كلود: (بحدة.) من أمرك بترك دي فالك وحده؟! جاك: (ضحك.) هل هو من فعل بك كل هذا؟! هندريك: (توجه إلى أحد المقاعد وجلس ليستريح.) لا أريد الحديث عن هذا الأمر... أرسلوا شخصًا آخر ليأتيكم بأخباره. كلود: ماذا حدث؟! هل هناك شيء يجب أن نعرفه؟ هندريك: هناك الكثير مما يجب أن تعرفوه. جاك: إذن كنت تتستر عليه؟! هندريك: (ابتسم.) وهل تظنون أنني سأخبركم بكل ما أراه أو أسمعه؟ مارسيل: (اقترب منه.) من الواضح أنك لم تأتِ إلى هنا لمجرد الزيارة... تكلّم وأرحنا! كلود: ماذا فعل جاد؟! ما المصيبة التي أوقع نفسه فيها هذه المرة؟! هندريك: دي فالك ليس رجلًا يسهل إخضاعه أو التأثير في قراراته. وأنتم بأنفسكم لن تستطيعوا مجاراة عناده...
ما إن دخلت ليرا غرفتها حتى خرّت على ركبتيها فوق الأرض. كان جسدها يرتجف، والدموع تنهمر من عينيها بلا توقف، عاجزةً عن الاستيعاب. دخل جاد خلفها، ثم انحنى أمامها. ليرا: لقد أصبحت أتمنى الموت على أن أعيش شيئًا آخر... تعبت، لم أعد أحتمل! جاد: ستمر هذه الصدمة كما مرّت الصدمات التي سبقتها. (راح يمسح دموعها برفق.) أنا معكِ. ليرا: ظلّ يتحكم بي كما لو كنت دمية! عشت تحت الضغط، وكنت أبرر ذلك لكونه يراني أمامه حيةً، بينما زوجته ترقد تحت التراب بسببي! رفعت رأسها نحو السماء وصرخت من أعماق قلبها: ليرا: يا رب، لقد نفد صبري، ولم تعد روحي تقوى على احتمال المزيد! أرجوك، أطفئ النار المشتعلة في داخلي! جاد: (ضمّها إليه.) لا تخيفيني عليكِ... أخبريني بما يريحكِ، وسأفعله. أرجوكِ، لا تبقي على هذه الحال. ليرا: (وضعت يدها على قلبها.) صدري يؤلمني بشدة يا جاد... لا أستطيع التقاط أنفاسي... أشعر وكأنني أختنق. ابتلع جاد ريقه بخوف، إذ خشي أن تكون قد دخلت في صدمة جديدة، وأن تعيش الحالة نفسها مرة أخرى. لم يعرف ماذا يفعل، فأسرع لإحضار الماء، ثم راح يبلل وجهها ويديها، بينما كان جسدها كله يرتجف. ندم على اللحظة التي
ليرا: (تراجعت خطوتين، تنظر إليه ثم إلى جاد، غير مستوعبة ما يحدث.) لا يمكن...! ألكسندر: عندما قررت أختي الزواج من رجل سوري، لم أستطع تقبّل الأمر. حاولت مرارًا إقناعها بالتراجع، لكنها لم تكن تستمع إليّ. فعلت كل ما بوسعي؛ هددتها وضربتها، لكن ذلك لم يغيّر رأيها. كان عقلها معلقًا به، حتى إنها هربت معه. أثرت غضب والدنا عليها، فحرمها من الميراث. وكنت أقضي معظم وقتي أحاول إعادتها، لكنها كانت متمسكة بزوجها. كلما بدأ العمل، كنت أفسده عليه، ووقفت في طريقهما بكل ما أملك، لكنهما واصلا التمسك ببعضهما رغم كل الظروف. حتى ماتت هي وزوجها في الحرب، لم أستطع أن أتقبل فقدانها بهذه الطريقة. حين رأيتكِ، رأيت أختي التي ضاعت مني، ولم أرد أن أسمح بخسارتكِ أنتِ أيضًا. لذلك اختطفتكِ وربيتك، واعتبرتكِ ابنتي. والله شاهد على كلامي، فأنتِ ابنتي، ولن يغيّر أحد هذه الحقيقة. ليرا: (تخللت أصابعها خصلات شعرها، بينما راحت تلتقط أنفاسها بصعوبة.) لا... لا، هذا كذب! أنت تكذب عليّ! استدارت نحو جاد، وراحت تضرب صدره بيديها. ليرا: أنت من أجبره على قول هذا الكلام حتى لا أذهب معه، أليس كذلك؟! أنت من فعل ذلك! فقط قل إنك أنت
✨ قصر دي فالك حلّ الليل، ونزل الجميع لتناول العشاء، باستثناء ليرا التي رفضت مغادرة غرفتها. حتى جاد لم يأكل كثيرًا، إذ ظلّ يفكّر فيها. نهض بتثاقل، وملأ طبقًا بالطعام، ثم وضعه على صينية وصعد إليها. دخل الغرفة، فوجدها جالسة على الأريكة في الشرفة، تحدّق في السماء. وما إن شعرت بوجوده حتى مسحت دموعها بسرعة، بينما جلس إلى جوارها. جاد: أحضرت لكِ العشاء... لا تبقي جائعة. ليرا: لا رغبة لي في الأكل... جاد: لا تبقي منزعجة... لا يعجبني أن أراكِ هكذا. ليرا: لست منزعجة، ومهما حاولت أن أشرح لك ما أشعر به، فلن تفهمني أبدًا. جاد: بل أفهمكِ حتى من دون أن تتكلمي... هذا أنا يا ليرا، ولا أستطيع تغيير نفسي. الظلام متجذّر في أعماقي، من رأسي إلى أخمص قدمي... أما أنتِ، فنقيّة وحنونة إلى حدّ كبير. والعيش مع طاغية مثلي ليس بالأمر السهل... ليرا: حاولت أن أغيّرك... حاولت أن أجعلك مختلفًا، لكنني أدركت أخيرًا أنك ستظل كما أنت. جاد: ومع ذلك، لا أحد يستطيع تهدئتي كما تفعلين أنتِ... أنتِ الوحيدة التي تعيدني إلى رشدي. ليرا: أنت بحاجة إلى امرأة تفهم طبيعتك أكثر، ولا تجد مشكلة في ظلامك... وأنا أيضًا أحتاج إلى ر
مضى في طريقه تحت أنظارها الباكية، تاركًا قلبها مثقلًا بالانكسار. ظلت تراقبه عاجزةً عن الدخول، حتى اختفى تمامًا عن ناظريها.دخلت تجرّ قدميها، والدموع تنهمر من عينيها بحرقة. وما إن سمعت صوته حتى استدارت نحوه، فوجدته واقفًا أمام باب المكتب، واضعًا يديه خلف ظهره.جاد: (بعصبية.) أتبكين عليه؟! بعد كل ما فعله؟ليرا: (واجهته وهي تمسح دموعها.) أبكي على ما آلت إليه أحوالنا... أبكي لأنني تعبت، تعبت منك ومن قسوتك ومن هذا الألم الذي لا ينتهي... (هزّت رأسها باستسلام.) لم أعد ألومك، بل ألوم نفسي... أنا من اختارت البقاء، وأنا من قبلت أن أعيش هذا الجحيم بملء إرادتي...جاد: (تقدّم نحوها رافعًا سبّابته.) لولاكِ، لما أبقيته حيًّا... لكن إياكِ أن تقفي في وجهي مرة أخرى!ليرا: (نظرت إليه بعينين فارغتين.) لن تكون هناك مرة أخرى، يا جاد... لن تكون أبدًا.جاد: (أنزل سبّابته، وأخذ يتأملها، ملاحظًا نظراتها الذابلة.) ماذا تقصدين؟ليرا: إن جاء أبي ليأخذني، فسأذهب معه... لقد أصبحت الحياة معك لا تُطاق، ولم أعد أملك القدرة على تحمّل المزيد.جاد: (قطّب حاجبيه محاولًا السيطرة على أعصابه.) لو كان صريحًا معي، لما حرمتكِ م
ليرا: (تنظر إليه متوسلةً.) أرجوك... لا تقتله...أمسك جاد بيدها وجذبها خلف ظهره:جاد: ابتعدي، وسنتفاهم لاحقًا.تقدم نحو هندريك، ثم هزّه بقدمه في حركة تنم عن احتقار شديد.شعر هندريك بوجوده، فاستجمع ما بقي لديه من طاقة وقوة، رغم أن جسده لم يعد يحتمل المزيد. قاوم ألمه وحاول أن ينهض، حتى استطاع أخيرًا الجلوس، ثم جثا على ركبتيه فوق الأرض.كان جسده مغطى بالدماء اليابسة نتيجة أيام من التعذيب المتواصل.كان حلقه شديد الجفاف. أما النظرة التي طالما حملها تجاه جاد، تلك النظرة المليئة بالاحترام، فلم يعد لها أثر.تحرر جسده من القيود، لكن قيود قلبه اشتدت أكثر، والجرح الذي خلّفه جاد في أعماقه لن يندمل أبدًا.جاد: هل عقلت أخيرًا وعرفت مقامك؟هندريك: (بصوت قاسٍ، أثقله الألم.) كنت أحترمك... لم أكن أراك سيدي فحسب، بل كنت أراك أخًا أفديه بروحي. لو طلبت مني حياتي، لمنحتك إياها دون تردد، لكنك انتزعت مني أغلى ما أملك!نهض بصعوبة، ثم تابع:هندريك: فلا تلمني بعد الآن على ما قد يصدر مني تجاهك. لم تعد سيدي، ولم أعد خادمك... والأيام بيننا!جاد: (انحنى قليلًا نحوه، ينظر إليه باشمئزاز.) وما زلت تملك الجرأة على النظر
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ







