Masuk— غدًا... يصادف يوم ميلادي. توقفت لحظة لتتأمل وجهه، ثم تابعت بنبرة أكثر دفئًا وحنينًا: — وكانت عائلتي في الماضي دائمًا تحتفل بي وتوزع الحلوى على الجميع. رفع جاد حاجبه باهتمام، وارتسمت على شفتيه ابتسامة واعدة: — تستحقين كل خير وسعادة في هذا الوجود... وحتمًا ستكون هنا الاحتفالات نفسها وأكثر. — الخدم يجهزن الحلوى في المطبخ الآن... وأردت أن أخبرك بنفسي لتكون على علم. نظر إليها جاد طويلًا، ثم قال بصوت عميق: — غدًا... سيكون يومًا تاريخيًا لن تنسيه طوال حياتك. أعدكِ بذلك. اتسعت عيناها بفضول: — وماذا ستفعل يا ترى؟! شوقتني... قال جاد بابتسامة غامضة: — اصبري قليلًا وستعرفين بنفسك حين يحين الوقت... والآن، هيا اذهبي واتركيني أتم أعمالي المتراكمة قبل أن أفقد صوابي معك. ضغط بيديه بقوة وعبث على مؤخرتها المتكوّرة. انتفضت ليرا، ونظرت إليه باستنكار ممزوج بضحكة خفيفة: — هذه العادة السيئة لن تتركها أبدًا، صحيح؟! ابتسم جاد، بينما حملت هي صينية الطعام. خرجت من المكتب تدندن بسعادة تملأ روحها، وما إن وصلت إلى الخارج حتى التقت بهندريك، الذي كان يهم بالدخول.. تبادلا التحية السريعة، ثم أشار جاد
دلفت إلى الداخل، فوجدته منغمسًا في عمله وأوراقه الرسمية. وضعت الطبق أمامه باعتزاز وفخر. رفع جاد عينيه إليها، ثم تراجع إلى الخلف قليلًا ببطء، عاقدًا حاجبيه بعلامات استفهام. لكنه ما لبث أن ابتسم فور أن رأى سعادتها: — يبدو هذا الطبق... شهيًا حقًا... أمسك يدها وقبّلها ببطء. — سلمت يداكِ يا نور حياتي. تلألأت عينا ليرا بفرحة لا توصف: — ستعجبك أكلتي حتمًا ودون شك... سكتت لحظة ثم تابعت: لقد تناولت هذا الطبق من قبل وأعجبك بشدة. رمش جاد بدهشة حقيقية: — تناولته من قبل؟! أقسم أنني لم أره أو أتناوله في حياتي قط يا ليرا... — بل تناولته... فقط حاول التذكر. حدق في الطبق مجددًا بريبة، ثم سأل بابتسامة خفيفة: — لا أذكر أبدًا... ما اسم هذا الطبق الخارق يا ترى؟ حركت ليرا عينيها في حيرة، فقد نسيت الاسم. — اسمه... اسمه... توقفت لحظة لتخترع اسمًا مبهرًا، ثم قالت بثقة: — قنافذ محشية بالبهارات الملكية... رفع جاد حاجبه بدهشة مضحكة، ونظر إلى الطبق المشبوه ثم إليها. — قنافذ محشية؟! — هيا يا حبيبي، ابدأ الأكل حالًا ولا تكثر الأسئلة... التقط جاد السكين والشوكة بتردد، وبدأ يقطع جزءًا صغيرًا من
— ما الذي دفعكِ لتتفوهِي بتلك الأكاذيب وتتهميني زورًا أمام جاد؟! استدارت أناليس إليها، وبدا الإنهاك والهلع واضحين على ملامحها الشاحبة. — ما بي يكفيني ويحرق روحي... أرجوكِ اتركيني وحدي الآن ولا تزيدي عليّ الهموم. — أجننتِ رسميًا؟! تنسجين التهم الباطلة وتورطينني وتطلبين مني بكل تبجح أن أترككِ وحدكِ؟! انهارت أناليس عصبيًا: — يا غبية!! ألم تفهمي بعد أنها هي السبب وراء كل هذا الجحيم؟! إنها تدور حولي كالثعبان السام، تلوي ذراعي الموجوعة، وتريد الإطاحة بي وبكِ معًا في وقت واحد. قطبت كاترينا حاجبيها بجمود: — ولماذا تنصتين لها، وتخضعين لما تقول؟! صرخت أناليس بانفعال هستيري: — لقد هددتني! إما أن أمنع جاد من تناول طعامك، أو تفضح أمري وتكشف للجميع أفعالي السابقة... حدقت بها كاترينا ببرود: — وما شأني أنا بمصائبك؟! — كيف تقولين: ما شأنكِ؟! لو انفضح أمري وانكشفت، فسأكشف للجميع بلا تردد أنكِ كنتِ على علم بكل التفاصيل، وحينها سنذهب أنا وأنتِ إلى الجحيم سويًا... تراجعت كاترينا خطوة إلى الوراء، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى أعماقها. — لا تحاولي إقحامي في ألاعيبك... لن أتورط معكِ في هذا الوحل! حد
اتجها معًا نحو مكتبه الخاص، طامعين في بعض العزلة بعيدًا عن الضجيج والصخب. كانت ليرا تضغط على كفه بقوة، وعيناها تبرقان بعشق جارف، وقد بدأ الغضب يتبدد ويتلاشى من ملامحها شيئًا فشيئًا. وقبل أن ينطق جاد بكلمة واحدة، سبقته بابتسامة ناعمة: — لم يهن عليّ أبدًا أن تظل جائعًا هكذا... أتريدني أن أطبخ لك شيئًا خاصًا بيديّ؟ نظر إليها جاد لحظة متأملًا إياها: — لم أعد جائعًا على الإطلاق، لا تقلقي من أجلي. اتسعت عيناها باستنكار. — أهذا معقول؟! هي يحق لها أن تطبخ وتطعمك وزوجتك لا تستطيع؟! — ليس الأمر هكذا... أنا فقط لا أود أن تتعبي نفسك... هزت رأسها بإصرار عنيد: — لن أتعب أبدًا... سأطهو لك وجبة تفوق لذة طعامها مئات المرات، وأنت القاضي والحاكم... زينت ابتسامة واسعة ثغره، وقد بدا عليه الاستمتاع بغيرتها الطفولية أكثر بكثير من رغبته الحقيقية في الطعام. — حقًا؟! ممم... حسنًا إذن، لنجرب ونرى. أشرقت ملامحها بفرحة غامرة لا توصف. — انتظرني... سأطبخ شيئًا سريعًا... استدارت بخطوات متلهفة، لكنها لم تبتعد كثيرًا حتى عادت إليه فجأة، وتعالت على أطراف أصابعها، وطَبعت قبلة سريعة وعميقة على وجنته، ثم ترك
أمسك جاد بيد ليرا، ودلفا معًا إلى الداخل بخطى متناغمة نحو الصالة الفسيحة. جلسا جنبًا إلى جنب، بينما كانت الخادمات يتحركن بخفة، ويضعن اللمسات الأخيرة على المائدة. لم تمضِ سوى لحظات قليلة حتى أقبلت كاترينا بخطوات متبخترة، حاملة طبقها بين يديها، ووضعته أمام جاد بابتسامة واسعة، أشعلت فتيل الغيرة السوداء في صدر ليرا. قالت كاترينا بنبرة مشبعة بالدلال: — بالصحة والهناء... تذوقه، وأنا واثقة أنه سينال إعجابك. مدّ جاد يده إلى الشوكة، والتقط لقمة صغيرة وضعها في فمه بهدوء، لكنه لم يكد يتذوقها حتى دوّت صيحة أناليس الحادة والمفزعة في أرجاء المكان بأسره: — أخيييي... إياك أن تأكل هذا الطعام! سيضرك بلا شك. توقفت كاترينا في مكانها مذهولة، والتوت شفتاها بدهشة ممزوجة باستنكار. — ما الذي تخرفين به؟! قالت أناليس، وقد بدا الذعر متقنًا ومحفورًا بعمق على ملامح وجهها: — رأيتكِ وأنتِ تضعين شيئًا مريبًا وغامضًا فيه، ثم التفتِّ خلفكِ بخوف وهلع، كأنكِ تتأكدين من ألّا أحد قد رصدكِ في تلك اللحظة. وضعت ليرا يدها على كتف جاد فورًا، وحدقت في وجهه بعيون يملؤها القلق المصطنع. — هل أنت بخير؟! استبدّ الشك بقلب
وضعت ليرا يدها تحت ذقنها، وأخذت تفكر بعمق. ثم سألت بصوت خافت: — أين توجد أناليس الآن؟ — ستجدينها تقيس فستان الزفاف للمرة الألف، تنتظر انقضاء هذا الأسبوع بفارغ الصبر لكي تتزوج أخيرًا... رفعت ليرا بصرها إليها، وقالت ببرود: — ممم... جميل... نهضت من مكانها بخفة، واتجهت مباشرة نحو غرفة أناليس. لم تكلف نفسها عناء طرق الباب؛ بل دفعته بعنف ودخلت، لتجد أناليس منهمكة في تعديل هندام فستانها أمام مرآتها الكبيرة. جلست ليرا على الأريكة المجاورة، بملامح حادة، باردة كالجليد. التفتت إليها أناليس باستنكار شديد وغضب. — كيف تتجرئين على دخول غرفتي هكذا بلا استئذان؟! — أنا أدخل إلى أي مكان يحلو لي متى شئت... نهضت ببطء، واقتربت منها بخطوات ثابتة حتى وقفت على مقربة شديدة منها. — والآن، افتحي أذنيكِ جيدًا وأصغي لي بتركيز تام... ساد الصمت الغرفة للحظة. ثم أردفت بصوت منخفض: — لا أود بتاتًا أن أرى أخاكِ يتناول لقمة واحدة من طعام تلك الحقيرة مجددًا... وإن رأيت خلاف ذلك، فلن يعجبك أبدًا ما سيحدث... اتسعت عينا أناليس ذعرًا واستياءً. — وما ذنبي أنا في هذا الهراء؟! اذهبي وتحدثي معه هو إن شئتِ.. ارت
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ







