تسجيل الدخولفلاش باك كان جاد يحاول اللحاق بأمه التي اختفت عن الأنظار وسط تلك الفوضى، لكن بحكم أنه كان يحمل ابنة عمه، وكان مثقلًا بها وهو لا يزال صغيرًا، لم يستطع اللحاق بها. وفي تلك اللحظة، شعر بأن أصوات القصف تقترب من جديد، وأن الخطر قد يصل إليه في أي لحظة. غيّر اتجاهه، وخرج من باب المطبخ، وأطلق ساقيه للريح، متجهًا نحو الغابة، لا يريد سوى الابتعاد عن الحي والاختباء قدر الإمكان وحمايتها. اختبأ تحت إحدى الأشجار، وهو يحتضنها بقوة، خائفًا ومرتجفًا، بينما كانت هي تبكي بلا توقف. حاول إسكاتها بكل الطرق، لكنها لم تهدأ، فاضطر إلى وضعها هناك، على أمل أن يعود إلى أمه ويجلبها فيما بعد. وفي الوقت نفسه، كانت أم جاد في الحي تبحث بجنون عن جاد والصغيرة، قلبها كان يخفق بقوة، والخوف ينهشها من الداخل. وما إن استدارت حتى لمحت ابنها قادمًا يركض. أسرعت نحوه، واحتضنته وهي تبكي. — أمي... تعالي معي! إيميلي تبكي... أرجوكِ، تعالي! جرّها معه، وهي تركض خلفه، حتى وصلا إلى المكان. وقبل أن يقتربا أكثر، توقّفا فجأة. كانت إيميلي بين يدي رجل أجنبي غريب مع حارسه الشخصي، يحملها وهو ينظر اليهم نظرة باردة. تجمّدا ف
كان يسمع في أذنيه صوت بكاء ليرا، وكأنه يسمع بكاء أمه من جديد. ذلك الشيء الذي قضى حياته كلها يهرب منه حتى لا يتذكره… ها هو الآن يعود إليه بكل تفاصيله. كره نفسه. قبض يده بقوة، ثم أعادها إلى جانبه وهو يحاول أن يتمالك نفسه. — لماذا جئتِ؟ لماذا تفعلين بي هذا؟ لماذا تجعلينني أؤذيك؟ أزاحت ليرا يدها عن وجهها، ونظرت إليه بخوف، ثم قالت بارتباك: — خفت عليك. — خافي على نفسك مني… أنا لا أستحق شيئًا. اقتربت منه وهي ترتجف، ووضعت يدها على وجهه برفق. — لا تفعل هذا بنفسك. خفض جاد رأسه، وكأنه شعر بلمستها رغم كل السعير بداخله. — لم أكن أريد أن أفعل بك هذا … منذ أن رأيتك وأنا أظلمك، وأنت صابرة عليّ. كان يجب أن تهربي مني يوم كانت لديك الفرصة. أمسكت بيديه: — لا أريد الهرب… أريد أن أبقى معك. نظر جاد إلى أنفها الدامي: — لا أشعر أنني بخير… سأؤذيك. نهضت ببطء، ثم أمسكت بيده وساعدته على الوقوف. وقف أمامها، ينظر إليها بصمت. اقتربت منه أكثر، وكانت عيناها تحملان خوفًا حقيقيًا، لكنها حاولت أن تظهر القوة. — أنا بين يديك. افعل بي ما تريد، ولكن لا تبقَ هكذا. وضع جاد جبهته على جبهت
كان الغيظ يغلي في عروق جاد، الشيء الوحيد الذي كان يمنحه الصبر هو أنه سيعود ليرى ليرا ويرتاح في حضنها... وينسى كل ما وقع. عادوا إلى هولندا في المساء... دخلوا القصر والخدم يستقبلونهم، لم يكونوا على علم بموعد قدومهم حتى أطلوا عليهم فجأة، حينها فقط سارعوا إلى المطبخ ليعدوا العشاء. توجه جاد مباشرة إلى غرفتها وفتح عليها الباب ليجدها نائمة... كان يعلم أنها ستستيقظ من سباتها قريبًا. خلع ملابسه بالكامل واندس بجانبها نائمًا، ضمها إليه وهو يستنشق رائحتها... ولم يشعر بنفسه إلا والنوم يسلبه وعيه. دخل "هندريك" عندهما بعدما كان يطرق الباب ولا مجيب، كان يريد مناداة سيده لتناول العشاء، ولكنه عندما رآهما نائمين بتلك الوضعية عاد أدراجه وخرج مغلقًا الباب. أما "لوكاس" فكان في غرفة معشوقته، يطرق بابها وهي لا تفتح له رغم أنها مستيقظة وتسمع كلامه كله... لوكاس: افتحي الباب... أريد رؤيتك... (وضع رأسه على الباب) أنا لم أتزوج... لقد عدت إليكِ. كان يتحدث معها، حتى أحست بأنه لم يعد موجود، مشت بهدوء وفتحت الباب تطل برأسها، وخرجت تلفت رأسها يمينًا ويسارًا... تراجعت خطوتين إلى الوراء لتصطدم بشيء صلب خلفها
✦ ألمانيا ✦ كان جاد جالسًا يشرب قهوته ليلًا ويقرأ الجريدة بهدوء، حتى جلس إلى جواره لوكاس. لوكاس: «كنت أظن أن الزفاف سيكون بيننا فقط.» جاد: «أنت تعرف أن أناليس أرسلت الدعوات إلى جميع الشخصيات، ومن حقها أن تجعل هذه الليلة مميزة، فهي ليلة واحدة في العمر.» لوكاس: «جاد…» (ابتلع ريقه.) جاد: «نعم؟» (وضع الجريدة جانبًا ونظر إليه.) لوكاس: «هل أنت متأكد من هذا الزواج؟» جاد: «كيف ذلك؟ ما هذا السؤال؟» (رفع حاجبه.) لوكاس: «لست مرتاحًا… ومنذ مدة وأنا أريد أن أخبرك بذلك.» جاد: (ابتسم.) «يبدو أن توتر الزفاف أصابك. هذا أمر طبيعي، ويحدث للجميع. أنا لم أقل لك أن تدفن حياتك بجوار أختي… ستظل تعيش حياتك كما تريد.» لوكاس: «ولماذا لا تتزوج أنت أيضًا ونرتاح جميعًا؟ لماذا أنا؟ هل لديك شيء ضدي؟» جاد: «انظر، في هذا الزمن من النادر أن تجد امرأة تحبك فعلًا، وأناليس تحبك، وأنا لن أشعر بالاطمئنان عليها إلا معك. لذلك أرى أن زواجكما هو أفضل قرار.» لوكاس: «حتى ليرا تحبك، اذهب وتزوج بها.» جاد: «ليرا لا تحبني، وأنا لا أحبها… وما يجمعني بها حتى نحن لا نفهمه، وأنت تعرفني، أنا لن أتزوج أبدًا…» لو
ألغت لينا فكرة الخروج تمامًا، وصعدا معًا الدرج المؤدي إلى غرفة دايمون. وما إن تجاوزا عتبة الباب حتى استدار نحوها، وجذبها إليه في اندفاع أربك أنفاسها. تراجعت حتى اصطدمت بالزجاج، وشعرت للحظة أنها قد تفقد توازنها من شدة اقترابه منها. لم يمنحها فرصة للكلام. انحنى يقبلها بشغف، بينما راحت أصابعه تعبث بأزرار قميصه في عجلة، وكأن صبره قد نفد تمامًا. كانت في عينيه نار تلتهم الأخضر واليابس؛ رغبة صريحة تختلط بلهفة لا يمكن كبحها، حتى بدا وكأنه يريد قطع المسافة بينهما بأي طريقة. ابتعد عنها للحظة ليلتقط أنفاسه، ثم عاد إليها، يغمر وجهها وعنقها بقبلات متتابعة، قبل أن يحملها بين ذراعيه ويضعها برفق فوق السرير. اقترب منها، وما إن مد يده نحو ملابسها حتى أوقفته لينا. — «لا أستطيع يا دايمون... أنا في فترة الحيض.» تجمد في مكانه. عقد حاجبيه، وارتسمت على وجهه خيبة واضحة جعلتها تكاد تضحك. — «هذا ظلم بحقي! انظري إلى حالتي الآن!» ضحكت بخفة وهي تحاول تهدئته: — «ليس بيدي حيلة... الأمر خارج عن إرادتي.» أطلق دايمون تنهيدة طويلة، ثم نظر إليها من رأسها حتى قدميها، وكأنه يبحث عن حل سحري لهذه ال
✦ سويسرا ✦ استيقظت لينا في الصباح، وفتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها وحيدة فوق السرير، غارقة وسط الفراش الواسع. مدّت يدها إلى الجانب الآخر، فلم تجد دايمون. رفعت رأسها ونظرت حولها باستغراب. أين ذهب؟ التفتت إلى الساعة، فاتسعت عيناها حين وجدتها تشير إلى التاسعة صباحًا. أين يمكن أن يكون قد ذهب في هذا الوقت؟ سرعان ما قفزت إلى ذهنها الفكرة الأكثر استفزازًا. ربما انتظر حتى غفت، ثم ذهب إلى الملهى وأحضر فتاةً إلى غرفة أخرى ليقضي معها الليل. عقدت حاجبيها بضيق. يا له من رجل مكبوت! فليذهب إلى الجحيم! تنهدت بعمق، فهي لم يكن من حقها أن تغضب. لم يكن دايمون ملزمًا بتقديم تفسير لها، ولا كانت هي زوجته أو حبيبته حتى تحاسبه على المكان الذي يذهب إليه أو الفتيات اللواتي يعرفهن. لكن المشكلة الحقيقية أنها بدأت تشعر نحوه بشيء لم تعد قادرة على تجاهله. ولو لم تكن قد تعلقت به بهذا الشكل، لأخذت أغراضها ورحلت من دون أن تلتفت خلفها. نهضت من السرير بوجه عابس، ودخلت الحمام لتأخذ حمامًا سريعًا. وبعد أن انتهت، تركت شعرها يجف على طبيعته، ثم لفّت جسدها بمنشفة واتجهت نحو النافذة الزجاجية الضخمة. وما إن أطلت من
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ







