ログインفي الخارج، كانت لينا وفلوريان يعتصرهما ألم الترقب، وهما يتابعان النيران تندفع بقوة عمياء وبلا هوادة. رفعت لينا صوتها، والدموع تنهمر بغزارة على وجهها الشاحب: — اتصلوا برجال الإطفاء حالًا! اللعنة، الحريق يلتهم كل شيء ولا يتوقف! أجابها فلوريان بصوت مرتجف يكسوه الذهول: — لقد تم الاتصال بهم! إنهم في الطريق... شهقت لينا بانهيار تام: — هم متأخرون! والوقت ينفد... يا إلهي، سأجن... ضرب فلوريان فخذيه، عاجزًا عن استيعاب حجم الكارثة التي تفوق الاحتمال أمام عينيه... كانت ألسنة اللهب تلتهم أرجاء الفيلا بضراوة تعجز الأيدي البشرية عن احتوائها؛ فقد بلغ الحريق ذروته المدمرة، وتحول المكان إلى مشهد تراجيدي من الفوضى والرعب الأعمى. بدأ الرجال يتراجعون حين امتدت ألسنة الجحيم، ووصلت بلسعاتها إلى الطابق الأرضي. وقف الجميع في الخارج مسمّرين في أماكنهم، يحدقون في الفيلا المشتعلة بقلوب خافقة متألمة، مترقبين وصول رجال الإطفاء، بينما غطى سحاب أسود حالك أفق السماء. لم يعد أحد يتفوه بكلمة واحدة؛ فقد غرق الجميع في صدمة عميقة، وكأن شبح الموت جمّد الكلمات والأنفاس في الحناجر. وفجأة... شقّ صرير
لم تمر سوى دقائق معدودات، حتى دوّت صرخات مذعورة ومفجوعة شقّت السكون، اندفعت «إيرما» نحوهم بخطوات مترنحة، وقد اصفرّ وجهها تمامًا وفقد لون الحياة، فيما كانت أنفاسها تتقطع من شدة الرعب والهلع. هتفت بصوت مرتجف: — يا إلهي... سيد دايمون! النيران... لقد اشتعلت النيران بشراسة في الطابق العلوي! جحظت عينا لينا حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وكأن ومضة كهربائية ضربت كيانها بالكامل وجمّدت الدم في عروقها. انقبض قلبها بفزع، وكأن يدًا خفية اعتصرته بلا رحمة ولا شفقة، قبل أن تصرخ بصوت مخنوق يقطر رعبًا: — أطفالي... دايمون! لقد تركتَ الصغار في الأعلى... لم تدرك حتى كيف تحركت قدماها المرتجفتان؛ اندفعت نحو الفيلا بجنون مطلق، دون أدنى تفكير في العواقب، وهي تصرخ، ودموعها الغزيرة لا تتوقف: — آه... أزاااد وأريااا بالداخل سيحترقااان. لكن دايمون كان أسرع منها بكثير؛ اعترض طريقها في اللحظة الحاسمة، قبل أن تتجاوز عتبة الباب المشؤوم، وأحاط بها بذراعيه القويتين كالحديد، مانعًا إياها بصرامة من الاندفاع نحو الجحيم المشتعل. هتف بصوته الآمر والمهدئ في آن واحد، وهو يشدد قبضته حولها بحماية: — اهدئي يا
توقفت لينا عن جذب خصلات شعره المبعثرة، لكنها ظلت جالسة فوق ظهره بثقل كأنها تعاقبه، وهي تلهث بشدة، ووجهها محمر من آثار الركض والانفعال والغيظ. رفعت عينيها المشتعلتين إلى دايمون وقالت بصوت مرتجف من الأعصاب: — أتعرف ماذا فعل هذا الأحمق المعتوه للتو يا دايمون؟! لقد.. لقد تجرأ و.. و.. قاطعها فلوريان وهو يصرخ من تحتها كالأطفال: — لم أكن أعني شيئًا سيئًا أقسم بالله! كانت مزحة بريئة طائشة لا أكثر.. رفع دايمون حاجبه الأيمن باستنكار، واتسعت عيناه ببريق مظلم، وهو يسأل بصوت خفيض، لكنه مرعب كفحيح الأفعى: — مزحة؟! وما هذه المزحة يا فلوريان التي دفعَتها إلى هذا الجنون؟ انطق حالًا وبدون لف ودوران قبل أن أكسر عظامك وأدفنك حيًّا هنا... أدركت لينا في تلك اللحظة الحرجة خطورة ما قد يؤول إليه الأمر لو علم دايمون بالحقيقة. تداركت الموقف سريعًا، وابتلعت ريقها بتوتر خفي لا يُرى، ثم نهضت عن ظهره، وهي ترتب ثيابها المبعثرة. — لا شيء يستحق يا دايمون! لا تشغل بالك! كل ما في الأمر أن هذا المغفل سخر مني ومن طريقة مشيتي، ووصفني بـ«البطة السمينة». إنه يستفزني معظم الأوقات، ولم أستطع التحمل أكثر...
مرت الساعات تباعًا بخطى بطيئة، وأقبل المساء بظلاله الداكنة. كان دايمون يجلس منعزلًا في حديقة المزرعة، ينفث دخان سيجارته ببطء، بينما راحت عيناه تفيضان بنظرات مظلمة وغامضة. وفجأة، دوّى صوت محرك سيارة، معلنًا عن وصول الشريك المنتظر. وما إن توقفت السيارة، حتى ترجل ماتياس منها، ثم اتجه بخطواته نحو دايمون. استقبله بصوته العميق: — أهلًا بك ماتياس. لقد غبت عنا طويلًا، ولم تعد عيوننا تراك منذ زمن. ابتسم ماتياس بخفة: — أشغال الحياة فقط، لم أعد أجد متسعًا من الوقت لنفسي حتى. جلسا معًا على الأرائك تحت الأضواء الخافتة، وسرعان ما انخرطا في أمور العمل، يتبادلان الحديث حول الصفقات والمشاريع الكبرى، ويتناقشان في التفاصيل الدقيقة التي لا تحتمل أي خطأ أو تأجيل. وفي تلك الأثناء، كان فلوريان قد خرج لتوه من غرفته وهو يشعر بملل يكاد يخنقه، وقرر التوجه إلى لينا لكسر هذا السكون المزعج. طرق الباب، ثم دخل بخطواته المتمايلة، ليجدها متمددة بكسل على السرير، تحيط بها الوسائد من كل جانب. رفعت عينيها إليه بضجر، وهمست بصوت خافت: — فلوريان..؟ ماذا تريد؟ اقترب منها بخطوات ماكرة، وقال بنبرة آمرة
✨ ألمانيا ما إن توقفت سيارة دايمون في باحة المزرعة الواسعة، حتى ترجل منها بخطوات ثابتة ومهيبة، ولينا إلى جواره، اتجها معًا نحو مدخل الفيلا العريقة، وحين بلغا الباب الخشبي، استقبلتهما «إيرما»، تلك المرأة الستينية التي أفنت سنوات طويلة من عمرها في خدمة هذه المزرعة، بعدما أُسندت إليها وإلى زوجها مهمة رعايتها والإشراف على شؤونها. أشرقت ملامح إيرما بترحيب صادق، وهتفت بحرارة: — أهلًا وسهلًا، سيد دايمون.. لقد أنرتَ المزرعة بأسرها بحضورك الكريم. أجابها دايمون بهدوئه المعتاد، بينما كانت عيناه تتفقدان المكان بنظرات سريعة وثاقبة ترصد أدق التفاصيل: — كيف حالكِ يا إيرما؟ وكيف حال زوجكِ؟ ابتسمت إيرما بامتنان غامر: — نحن بألف خير، بفضل الله، ثم بفضلك يا سيدي. التفتت نحو لينا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة بشوشة ودافئة: — مرحبًا بكِ، سيدتي. إنه لشرف عظيم لي أن ألقاكِ أخيرًا. بادلتها لينا الابتسامة بودّ: — شكرًا لكِ يا إيرما، هذا من لطفك. في تلك اللحظة، وقعت عينا إيرما على التوأم الصغيرين بين ذراعي دايمون، فأشرق وجهها أكثر: — ألف مبروك يا سيدي.. لقد سررت من قلبي لأنك اجتمعت بعائلتك... نظر د
— غدًا... يصادف يوم ميلادي. توقفت لحظة لتتأمل وجهه، ثم تابعت بنبرة أكثر دفئًا وحنينًا: — وكانت عائلتي في الماضي دائمًا تحتفل بي وتوزع الحلوى على الجميع. رفع جاد حاجبه باهتمام، وارتسمت على شفتيه ابتسامة واعدة: — تستحقين كل خير وسعادة في هذا الوجود... وحتمًا ستكون هنا الاحتفالات نفسها وأكثر. — الخدم يجهزن الحلوى في المطبخ الآن... وأردت أن أخبرك بنفسي لتكون على علم. نظر إليها جاد طويلًا، ثم قال بصوت عميق: — غدًا... سيكون يومًا تاريخيًا لن تنسيه طوال حياتك. أعدكِ بذلك. اتسعت عيناها بفضول: — وماذا ستفعل يا ترى؟! شوقتني... قال جاد بابتسامة غامضة: — اصبري قليلًا وستعرفين بنفسك حين يحين الوقت... والآن، هيا اذهبي واتركيني أتم أعمالي المتراكمة قبل أن أفقد صوابي معك. ضغط بيديه بقوة وعبث على مؤخرتها المتكوّرة. انتفضت ليرا، ونظرت إليه باستنكار ممزوج بضحكة خفيفة: — هذه العادة السيئة لن تتركها أبدًا، صحيح؟! ابتسم جاد، بينما حملت هي صينية الطعام. خرجت من المكتب تدندن بسعادة تملأ روحها، وما إن وصلت إلى الخارج حتى التقت بهندريك، الذي كان يهم بالدخول.. تبادلا التحية السريعة، ثم أشار جاد
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ







