LOGINلم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ليالٍ كاحلة كهذه. جلستُ على الأرض منزوياً قرب الحائط البارد، أطوي ركبتيّ تحت ذقني بجمود، وأراقب الضوء البرتقالي وهو يتكسّر على وجوههن المتعبة، مشكلاً ظلالاً مشوهة تتحرك على الجدران العتيقة.
كنّ يأكلن ويضحكن ويتحدثن دفعة واحدة في حلقة دافئة؛ أحاديث متداخلة عن أحلامهن الصغيرة، وضحكات ممتدة تكسر كآبة المكان، ورائحة خبز ساخن طازج امتزجت بدخان الشموع العبق. كانت تفاصيل هذا الدار القديم، بزواياه المظلمة وأثاثه المستهلك، تلقي على كل شيء طبقة كثيفة من غبار العقود الماضية، وكأن عقارب الزمن قد توقفت عن الدوران هنا منذ أمد بعيد، لتسجننا جميعاً في روتين لا ينتهي. لكنني لم أكن معهن بالكامل في ذلك المجلس؛ كنت أسمع جلبتهن بجسدي فقط، بينما عقلي شارد يفكر في شيء آخر تماماً.. أو بالأحرى، في هاجس غريب لا أعرف إن كنت قد سمعته حقاً في غمرة ذكرياتي أم أنه مجرد وهم خلقه عقلي الباطن. فجأة، قطعت هاني حبل أفكاري وهي تتحدث بحماس وإثارة، ملتفتة نحو الفتيات بفضول: "سمعتن عن البيت القديم الذي يقابل الشارع الثاني مباشرة؟" رفعت رأسي ببطء شديد، ووقعت عيناي على الشمعة الارتجافية بينما أكملت هاني بنبرة غامضة: "يقال في الحي إنه مسكون." ضحكت فتاة مستهزئة من الطرف الآخر للغرفة، وهي تمسح فتات الخبز عن ثوبها: "أتقصدين ذاك البيت الذي انتقل إليه مؤخراً شاب غريب الأطوار مع أمه المسنة؟" هزّت هاني رأسها مؤكدة، وقربت وجهها من الفتيات لتزيد من حماسهن: "نعم، هو بذاته! تقول أمه المقعدة لجاراتها بإنها ترى أشياء غريبة تتحرك داخل العتمة في البيت… وتسمع في جوف الليل صوت طفل صغير يناديها من الممر الطويل." ساد صمت قصير وثقيل بين الفتيات، واختفت الضحكات تدريجياً لتترك المجال لصرير الرياح في الخارج. خفضت هاني صوتها إلى حد الهمس المريب وقالت: "لكن أغرب ما في الأمر كله… أن تلك العجوز في كل ليلة، وبحلول منتصف الليل، تنادي اسماً واحداً فقط بصرخات مبحوحة." توقفت يدي المعلقة في الهواء، وتجمدت الدماء في عروقي وأنا أستمع لكلمتها التالية: "تايونغ" لم أتنفّس للحظة واحدة، وشعرت برئتي تضيقان كأن الهواء انسحب من الغرفة دفعة واحدة. ليس لأن الاسم مخيف أو يحمل دلالة مرعبة في حد ذاته، بل لأنه لم يكن غريباً على مسامعي أبداً؛ كأنه خرج للتو من سرداب سري في ذاكرتي القديمة، مكان أعرفه جيداً وأدرك تفاصيله، لكنني لا أستطيع الوصول إليه الآن مهما حاولت. في تلك اللحظة بالذات، انطفأت الشمعة بفعل هبة هواء مفاجئة تسللت من النافذة، ساد الظلام للحظة قصيرة ثم أعادت هاني إشعالها، لكن الضحكات في الغرفة بدت لي بعيدة جداً، كأن حاجزاً زجاجياً سميكاً فُصل بيني وبينهن، وبقيتُ وحدي تماماً هنا، أصارع صدى ذلك الاسم. في اليوم التالي، كنتُ أقف خلف عداد البقالة الصغيرة في الحي حيث أعمل لبضع ساعات؛ كنت أرتب البضائع والمعلبات على الرفوف الخشبية بصمت مريب، بينما ظل ذلك الاسم، "تايونغ"، يضغط على رأسي كصداع خفيف مزمن لا يزول. لم أكن أفهم على الإطلاق لماذا بقي عالقاً في ذهني بهذا الشكل المزعج، وما هي الصلة الخفية التي تربطني به. رنّ جرس الباب النحاسي معلناً دخول زبون جديد، فدخلت فتاة هادئة الخطوات. لم تكن لافتة للانتباه بشكل واضح في ملابسها العادية، غير أن في حضورها وهدوئها شيئاً غامضاً دفعني إلى رفع رأسي بسرعة غير معتادة لمراقبتها. تقدمت نحو الرفوف بخطوات وئيدة، تتأمل المعروضات بعينين غائبتين دون أن يبدو عليها أنها تبحث عن شيء محدد أو تملك قائمة مشتريات. "أحتاج بعض الأشياء الضرورية لأمي." قالتها فجأة بصوت رتيب وهي تضع بعض علب الحساء الجاهز في سلتها البلاستيكية. أومأتُ برأسي دون أي تعليق لفظي، غير أن نظري ظل متابعاً لحركاتها بدقة؛ ذلك الإحساس الغريب والمألوف عاد ليتملّكني مجدداً، الإحساس نفسه الذي عجزت عن تفسيره منذ الليلة الماضية بعد حديث هاني في الملجأ، كأن هالة غير مرئية من الحزن والغموض تتحرك في صمت مطبق حول هذه الفتاة. دفعت الفتاة السلة نحو العداد لتسجيل الحساب، وبينما كنت أنقل البضائع، خرج السؤال من جوفي دفعة واحدة قبل أن أستوعب دوافعه أو عواقبه: "هل… سمعتِ عن البيت المقابل للشارع الثاني؟" توقفت يدها البيضاء للحظة فوق علبة معلبات، وتصلب جسدها بشكل طفيف، ثم أكملت وضع بقية الأغراض ببطء شديد، وكأنها تختار كل حركة بدقة بالغة لتخفي توترها. "لا…" قالتها بهدوء وجفاء، "لكن الناس في هذه الأحياء القديمة يتحدثون كثيرًا عن البيوت وحكاياتها." لم تنفِ الأمر بشكل قاطع، ولم تؤكده أيضاً، كأنها تتعمد وضع جدار عازل يخرجها تماماً من حدود أي حكاية أو إشاعة يتداولها العامة. سكتُّ للحظة أحاول جمع شجاعتي، ثم أضفت بصوت منخفض: "يقال إنه بيت مسكون." رفعت نظرها إليّ أخيرًا لتلتقي عيناها بعيني؛ كانت نظرة قصيرة، حادة ومحايدة في آن واحد، لا خوف يظهر فيها ولا اهتمام واضح يفسر حالتها. وقالت ببرود هادئ يثير الريبة: "غالبًا ما تُنسب هذه الأوصاف الخرافية إلى البيوت القديمة ذات الهندسة الكئيبة.. خصوصًا تلك التي تُهمل طويلًا وتترك للغبار." لم أعرف لماذا شعرت في أعماقي أن كلامها لم يكن جواباً عادياً على سؤالي، بقدر ما كان إغلاقاً صارماً لطريق النقاش وتحذيراً مبطناً لي بالتوقف. أكملتُ تسجيل الحساب في صمت، فتناولت الأكياس وحملتها بجرأة ثم قالت: "شكرًا لكِ." استدارت لترحل، لكنها توقفت عند الباب الزجاجي لثوانٍ معدودة دون أن تلتفت إليّ، ثم قالت بصوت أخف كاد يضيع في فراغ الشارع: "لا تعلقي قلبكِ وعقلكِ كثيراً بما يُقال في زوايا هذا الحي." خرجت واختفت بين الزقاق، وبقيتُ وحدي تماماً خلف العداد الخشبي، لكن جملتها الأخيرة لم تغادر المكان؛ بل بقيت معلّقة في الهواء البارد، كأنها تعرف طريقها اللعين إلى داخلي أكثر مما أعرف أنا نفسي. بعد أن أنهت سوو آه عملها المرهق في البقالة، خرجت إلى ممرات الحي الضيقة وهي تحمل حقيبتها القماشية الصغيرة على كتفها بنفاد صبر. كانت السماء قد بدأت تميل إلى العتمة، والمساء يلقي بظلاله الزرقاء على المدينة، بينما الهواء البارد يلامس وجهها وجسدها برفق قارس. تحركت بآلية بين الأزقة المتعرجة، وكانت خطواتها خفيفة لكنها تحمل ثقلاً هائلاً من القلق والتوجس؛ فالأفكار كانت تتزاحم وتتصارع في ذهنها الصغير، تماماً كما كانت تتزاحم أجساد المارة الغرباء على الأرصفة الضيقة. فكرت في حديثها المقتضب مع تلك الفتاة الغامضة قبل قليل؛ لم يكن الحديث يحمل أي أهمية في ظاهره، لكنه ظلّ عالقاً في حنجرتها بطريقة مزعجة، كأن هناك سراُ كبيراً لم يُقل بالكامل وراء تلك العينين الباردتين. ثم عاد الاسم ليقتحم عقلها دون استئذان وبقوة أكبر: "تايونغ". لم تكن تفهم على الإطلاق لماذا يرتبط هذا الاسم بكل فراغ عاطفي ونفسي تشعر به في حياتها مؤخراً، وكأنه المفتاح المفقود لشيء اندثر في ماضيها. كانت تمر بين البيوت القديمة المتلاصقة، حيث بدأت المصابيح الصفراء الباهتة تشتعل واحداً تلو الآخر بفعل المؤقت الآلي، راسمة ظلالاً مشوهة وطويلة على الجدران الإسمنتية المتشققة. تأملت الحدائق الصغيرة المهملة، النوافذ الخشبية المغلقة بإحكام لمنع تسلل البرد، والأبواب الموصدة. وتساءلت فجأة في سرها بكثير من التوجس: أيّ واحد من هذه البيوت الكئيبة يمكن أن يكون ذلك البيت الذي تتحدث عنه هاني؟ ذلك البيت الذي تُطفأ فيه الأنوار فجأة لتصرخ امرأة في عتمته باسم "تايونغ". توقفت لثوانٍ عند زاوية الشارع المظلمة تسترجع أنفاسها، ثم تابعت السير الحثيث، لكن شعوراً خفيفاً ومرعباً كان يتبعها كظلها، كأنها لم تعد تمشي في هذه الأزقة وحدها بل هناك عينان تراقبانها من خلف النوافذ المغلقة. واصلت طريقها الطويل حتى بدأ الشارع الرئيسي يضيق أكثر فأكثر، وصخب المدينة يختفي تدريجياً، كأن العالم بأسره يتراجع إلى الخلف ليدعها تواجه مصيرها. وصلت أخيراً إلى عتبة دار الأيتام؛ لم يكن هناك جرس يمكن رنه، فدفعت الباب الخشبي القديم ببطء، ليصدر عنه صرير حاد وخافت تردد صداه في الممر المظلم، ودخلت مسرعة. كان الممر طويلاً وبارداً، والضوء الشاحب يتسلل من النوافذ العالية المتربة، راسماً خطوطاً باهتة على الأرضية الإسمنتية. رأت جايون عند الطرف الآخر للممر، تستند بكبرياء وجفاء إلى الجدار وتقضم علكتها بملل، فنظرت إليها بنظرة باردة ومتفحصة كالمعتاد وقالت بتهكم: "رجعتِ متأخرة الليلة.. ظننتكِ وجدتِ مكاناً أفضل." لم تجب سوو آه على استفزازها، بل اكتفت بإغلاق الباب الخلفي بقوة لتقطع دابر الهواء البارد، ثم تقدمت في الممر بخطوات ثابتة. شعرت في تلك اللحظة أن الهواء داخل الدار أصبح أثقل بكثير من الخارج، كأن جدران هذا المكان تأبى أن تستقبل العائدين إليها برحابة أو غفران. في أعماقها، لم يكن هناك أي هدوء؛ بل صار الفراغ المرعب الذي يلتهم روحها يأخذ شكلاً ملموساً.. اسماً واحداً يزداد وضوحاً وصخباً في رأسها كلما حاولت جاهدة تجاهله: تايونغلم يكن الاستدعاء الثاني يشبه الأول بأي حال من الأحوال. ففي المرة السابقة، دخلت سو-آه مركز التحقيق لعدة ساعات ثم عادت إلى الميتم في اليوم نفسه، وكأن كابوسًا صغيرًا وانقضى. أما هذه المرة، فقد كان اسمها مطبوعًا ببرود على ورقة جديدة تحمل عنوانًا مختلفًا: مراجعة إضافية للتحقيق. جلست أمام المحقق نفسه، ووجهه الخالي من التعبير يكتنفه الغموض. وضع ملفًا جديدًا وسميكًا على الطاولة أمامه، وقال بجدية: "سنراجع بعض التفاصيل والشهادات مرة أخرى." نظرت إلى الملف بغضب مكتوم: "سبق أن أجبت عن كل هذه الأسئلة بالتفصيل." "نعرف ذلك تمامًا." فتح الصفحة الأولى من الملف وأردف: "لكن ظهرت معلومات جديدة تدعونا لإعادة النظر." رفعت عينيها إليه بحذر: "ما هي تلك المعلومات؟" لم يجب بشكل مباشر، بل أخرج تقريرًا ورقيًا وقرأ منه: "في إفادتك الأولى، قلتِ إنكِ غادرتِ المصنع يوم الحادث عند الساعة الخامسة وعشر دقائق." أومأت برأسها: "نعم، هذا صحيح." وضع تقريرًا آخر بجانبه على الط
بقيت ورقة الاستدعاء فوق الطاولة حتى الصباح، ولم تلمسها سو-آه إلا عندما حان موعد خروجها. طوتها بعناية فائقة، وضعتها داخل حقيبتها، ثم ارتدت معطفها بصمت. كانت جيني تنتظرها عند الباب بملامح قلقة: "سأرافقك." "لا." "سو-آه، أرجوكِ." "لن يحدث شيء." حدقت جيني فيها بتخوف: "أنتِ لا تعرفين ذلك حقًا." سكتت سو-آه لحظة، ثم قالت بنبرة هادئة وثابتة: "لهذا السبب بالذات سأذهب." وصلت إلى مركز التحقيق قبل الموعد المحدد بدقائق معدودة. قدمت الاستدعاء عند مكتب الاستقبال، فراجع الموظف البيانات على جهازه قبل أن يشير بيده نحو الممر: "الغرفة السابعة." أومأت برأسها وسارت وحدها بخطى هادئة، رغم أن أصابعها كانت تضغط بقوة وعصبية على حافة حقيبتها. فتحت باب الغرفة ودخلت. كان محققان يجلسان خلف طاولة مكتبية واسعة، وأمامهما ملف سميك للغاية. قال أحدهما بجدية: "اجلسي." جلست في المقعد المقابل، ففتح المحقق الملف وقال: "سنبدأ بإجراءات اعتيادية روتينية. في ال
لم يستغرق الأمر طويلًا بعد القبض على تشوي مين-جاي حتى نُقل إلى غرفة التحقيق. جلس أمام المحقق، ويداه على الطاولة. لم يكن مرتبكًا، بل كان ينظر إلى الكوب الموضوع أمامه دون أن يلمسه. فتح المحقق الملف وقال: "أنت كنت مصورًا في موقع حادث المصنع." "نعم." "والصور التي التقطتها..." توقف المحقق ثم رفع عينيه: "سلمت جزءًا منها." "والباقي؟" لم يجب. وضع المحقق صورة أمامه وأردف: "لدينا دليل على وجود نسخ أصلية لم تسلمها." ظل مين-جاي صامتًا، فسأله المحقق: "أين هي؟" خفض الرجل عينيه وقال: "في مكان آمن." "أين؟" "لن أخبركم." "لماذا؟" رفع عينيه مجددًا: "لأنكم لا تعرفون ما تحتويه." تبادل المحققان النظرات، ثم قال أحدهما: "وهذا تحديدًا سبب حاجتنا إليها." بعد ساعات، أُبلغ هيتشول رسميًا بالقبض على المصور. كان في مكتبه عندما جاءه الخبر: "تم القبض عليه." رفع رأسه وسأل: "والصور
لم يكن تشوي مين-جاي يعلم أن خطواته المحفوفة بالحذر عند غادره منزله في ذلك الصباح الباكر كانت مراقبة بعينين لا تفوتهما شاردة. غادر المبنى السكني قُبيل الثامنة بقليل، ممتشقاً حقيبة سوداء صغيرة على كتفه. سار بهدوء نحو محطة الحافلات، وتوقف لفترة وجيزة عند متجر قريب، ثم استأنف طريقه بخطى ثابتة دون أن يلتفت خلفه ولو لمرة واحدة. على بعد مسافة قصيرة، كانت سيارة رمادية داكنة تركن بصمت بجانب الرصيف. لم تتحرك عجلات السيارة إلا بعد أن ابتعد الرجل كفاية. داخل المقاعد الخلفية، كان أحد المحققين يحدق بتركيز في شاشة جهاز لوحي صغيرة تعرض صورة واضحة لوجه مين-جاي. همس المحقق لزميله السائق: "إنه هو حقًا." "أمتأكد من هويته؟" "راجعنا بدقة سجل أعماله وصورته القديمة في الأرشيف. إنه تشوي مين-جاي، مصور مستقل، وقد تواجد بالفعل في قلب موقع الحادث يوم وقوع الكارثة." تابعا عملية رصده بصمت مطبق. لم يكن الرجل يبدي أي علامات ارتباك أو ذعر تشي بأنه هارب من العدالة، وهو التفصيل ذاته الذي ضاعف شكوك المحققين ويثير الريبة في دوافعه. توجّه مين
رن هاتف المحقق مرة أخرى. ابتعد خطوات عن الخزانة وأجاب بصوت جاد: "نعم؟" جاءه صوت زميله من الطرف الآخر محملًا بالتوتر: "لدينا مشكلة." قطّب حاجبيه: "ما هي؟" "راجعنا سجل الأدلة بدقة قبل استلام الصور مباشرة." "وماذا وجدت؟" تردد الطرف الآخر لحظة قبل أن يجيب: "هناك اختلاف واهٍ في أرقام بعض المواد." نظر المحقق إلى الخزانة المعدنية: "أي مواد تقصد؟" "الصور." التفت بسرعة نحو مين-جاي. كان الرجل واقفًا قرب الباب، يراقبهم بصمت مريب. قال المحقق عبر الهاتف: "هل تقصد أن الصور مسجلة برقم مختلف في النظام؟" "لا.." جاءه الرد هذه المرة أكثر حذرًا وريبة: "أقصد أن الرقم المكتوب في سجل الأدلة لا يطابق نهائيًا الرقم المدون في ملف التحقيق القديم." سكت المحقق لبرهة، ثم قال: "أرسل لي نسخة من السجل فورًا." "حاضر." أنهى المكالمة، واقترب مجددًا من الخزانة. كان مين-جاي لا يزال واقفًا مكانه
لم يستمر الهدوء طويلًا؛ فما إن أطلّ صباح اليوم التالي حتى وُضع على مكتب المحقق المسؤول عن ملف حادث المصنع تقرير إضافي عاجل. مكث الملف مغلقًا لبرهة ثقيلة قبل أن تمتد يد المحقق لتفضّ صفحاته؛ قلب الورقة الأولى، ثم الثانية، حتى استقرت عيناه على ملاحظة مقتضبة كُتبت بخط اليد في ذيل الصفحة: > "توجد إشارة مؤكدة لوجود نسخة غير رسمية من الصور الفوتوغرافية الملتقطة مباشرة في موقع الحادث، احتفظ بها الشخص الذي التقطها لنفسه قبل أن يسلم النسخ الرسمية الأولى." > رفع المحقق رأسه بحدة نحو الموظف الواقف أمامه: "من أين جاءت هذه المعلومة؟" أجابه الموظف باقتضاب: "من أحد العاملين السابقين في الشركة." "وهل أدلى باسم المصور؟" ناولَه ورقة صغيرة دون كلام: "لقد ذكر هذا الاسم فقط." تأمل المحقق الاسم المكتوب بعناية: تشوي مين-جاي. أغلق الملف بقوة وقال بحزم: "ابحثوا عنه فورًا." وفي ذات اللحظة داخل الحرم الجامعي، كانت سو-آه أبعد ما تكون عن معرفة ما يدور؛ إذ جلست في زاوية المكتبة الهادئ
لكن هذا الصباح… مختلف. اليوم، أعود إلى المكان الذي هربت منه: دار الأيتام. لم يكن الأمر طوعياً بالكامل، فقد انتهى عقد السكن الجامعي ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق، لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني. وقفتُ أمام الباب الحد
في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا
كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاو