LOGINفي صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب عند أول الممر، واتسعت عيناها بصدمة وخوف جمد الدماء في عروقها. هناك… عند نهاية الممر البارد، كانت سو آه مستلقية بجمود على الأرض الإسمنتية؛ بقميصها الأزرق الباهت، وشعرها الأسود متناثر بفوضى حول وجهها الشاحب كالموت، وبجانب جسدها المرتخي كان حذاؤها المهترئ ملقى بإهمال. لم تكن هناك أي أوراق أو مقتنيات في يدها؛ لا تذكرة حافلة قديمة، لا دفتر ملاحظات صغير، لا شيء على الإطلاق سوى الفراغ المطبق. اقتربت المشرفة منها بسرعة البرق والهلع يأكل قلبها، وانحنت فوق جسدها لتتحقق برعب من أنفاسها الضعيفة والمتقطعة، ثم التفتت نحو الممر ونادت بصوت مرتجف ومليء بالذعر: "اتصلوا بالإسعاف… بسرعة! هناك فتاة تموت هنا!"
في الطريق نحو العيادة الطبية القريبة من الحي، كان الصمت المطبق داخل سيارة الإسعاف المسرعة مشحوناً بثقلٍ غير مرئي وضغط نفسي هائل يطبق على الصدور. الأطباء والممرضون المحيطون بجسد سو آه النحيل لم يتحدثوا كثيراً، بل تبادلوا نظرات قلقة وسريعة وهم يراقبون الأجهزة الطبية، واكتفوا بالتشخيص الأولي السريع لحالتها: "إنهيار عصبي حاد ومفاجئ… نتيجة إرهاق جسدي شديد وقلة نوم مزمنة تسببت في غياب الوعي". وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان صباحٌ آخر يتشكّل تفاصيله بشكل مختلف تماماً لكنه يلتقي في نفس نقطة الألم والتوجس. كان جيهون يسند والدته المقعدة ببطء وحرص شديد، بينما تسير بجانبه أخته جيون بخطوات قلقة ومتوترة نحو العيادة الطبية ذاتها تقريباً. كانت خطوات الأم متعثرة وثقيلة بعد سقوطها الغامض والخطير من أعلى درج القبو المظلم في منزلهم، لكن الطبيب المسؤول في العيادة طمأنهم سريعاً بعد الفحص الإشعاعي: "لا يوجد أي كسر في العظام.. مجرد تورم ورضوض مؤلمة في الأضلاع، ستتحسن حالتها تماماً مع الراحة التامة وتناول المسكنات". لكن هذه الطمأنينة المؤقتة لم تدم لأكثر من دقائق معدودة في قلوبهم؛ إذ رفعت الأم رأسها فجأة نحو الفراغ، وعيناها متسعتان بجحوظ مرعب كأنها ترى شبحاً أو شيئاً خفياً يتحرك خلف جدران الغرفة البيضاء نفسها. قالت بصوت منخفض جداً، متهدج ومتقطع كمن ينازع: "لا… ليس هو..". سكتت لبرهة صامتة التقطت فيها أنفاسها بصعوبة، ثم ارتجف صوتها المبحوح أكثر وهي تكمل بصرامة وخوف: "أنا متأكدة ومستعدة لأقسم على ذلك… لم يكن هو من فعلها". اقتربت ابنتها جيون خطوة للأمام، ونطقت بصوت مليء بالقلق والارتباك: "أمي… عن من تتحدثين تحديداً؟ من الذي كان هناك في القبو؟ ماذا رأيتِ في العتمة؟" لكن الأم لم تكن تسمع كلماتها أو تعي وجودهم حولها بالكامل؛ كانت تحدق بجمود وهلع في الفراغ الممتد خلفهم، وكأن شيئاً ما زال واقفاً هناك يراقبها بصمت. ثم قالت فجأة، بصوت مكسور حزين: "لقد كان يقف خلفي… خلفي مباشرة في عتمة الدرج". توقفت عن الكلام مجدداً كأن الهواء انقطع داخل رئتيها فجأة، وتابعت وهي تضع يدها المرتجفة على موضع قلبها بسرعة: "لم أرَ ملامح وجهه.. لم أستطع الالتفات في الوقت المناسب… لكنني شعرت بوضوح بهالته وبرودته، كان هناك شخصٌ حقيقي دفعني بقوة ليسقطني.. ليس أحداً منكم، شخص غريب تماماً لا أعرفه… لكنه كان هناك في الظلام… فقط في الظلام القاطع". خرج جيهون بخطوات مثقلة إلى الممر الطويل للعيادة الطبية محاولاً الهروب من كلمات أمه التي تثير الريبة. توجه نحو آلة البيع وأخذ كوباً من القهوة السوداء الساخنة بلا سكر، وجلس على أحد المقاعد المعدنية يحاول بشتى الطرق أن يُسكت الفوضى والشكوك والتساؤلات التي تتصارع بعنف داخل رأسه؛ لكن شيئاً ما في حديث والدته عن الظل الذي دفعها في القبو ظل يتكرر في ذهنه كصدمة كهربائية لا تستقر. في تلك اللحظة بالذات، مرّ ممرضو الطوارئ مسرعين من أمامه وهم يدفعون سريراً متنقلاً على عجل، وفوقه كانت تقبع فتاة شاحبة الوجه للغاية، غائبة عن الوعي بالكامل. توقف جيهون عن الشرب دون أن يشعر، ونظر بنظرة متفحصة نحو السرير، لتتحجر ملامحه وتتجمد في مكانها لثوانٍ من فرط المفاجأة؛ إنها هي بلا أدنى شك! الفتاة ذاتها التي رآها في ممرات الجامعة قبل فترة وجيزة، تلك التي ارتبكت واضطربت نظراتها وتراجعت للوراء حين التقت عيناه بعينيها. لم يتحرك من مكانه، ولم ينطق بكلمة واحدة؛ فقط بقيت عيناه تتابعان السرير الطبي وهو يختفي وراء بابٍ أبيض ثقيل في نهاية الممر. "مرّت ثلاثة أشهر كاملة بعد تلك الحادثة.. وكانت وتيرة الأيام تمر بطيئة ورتيبة للغاية". لم تتغير تفاصيل الحياة بشكل مفاجئ أو دراماتيكي، بل تسربت التغيرات والتساؤلات إلى تفاصيلها اليومية بهدوء شديد كالمياه الراكدة. تعافت سو آه تدريجياً من انهيارها العصبي الحاد، وعادت مرغمة إلى روتين عملها في البقالة الصغيرة، إلى ترتيب البضائع والاستماع لصوت الآلة الحاسبة القديمة، وإلى المشي في ذلك الطريق الترابي الذي باتت تحفظ تفاصيل أحجاره. لكن شيئاً ما في أعماق روحها لم يعد كما كان في السابق؛ إذ كانت تستيقظ أحياناً في منتصف الليل دون أي سبب واضح، وتجلس على سريرها لتحدق في ظلام الغرفة الدامس وكأنها تتوقع أو تنتظر بشغف وخوف أن ترى ذلك الظل مجدداً. وفي الجامعة، بدأت تقترب من صديقتها جيني بشكل طبيعي، بطيء، ودون وعود أو خطط مسبقة. كانت جلساتهما المتكررة في المكتبة أو الممرات الطويلة مليئة بكلام بسيط وعادي، لكنه كان مريحاً جداً لقلب سو آه المجهد؛ أسئلة صغيرة من قبيل: "هل أكلتِ جيداً اليوم؟" أو "هل نمتِ بارتياح في الليلة الماضية؟".. أسئلة هامشية لكنها كانت تعيد ترتيب فوضى يومها وتمنحها شعوراً دافئاً بالانتماء. ومع مرور الوقت، أصبحت جيني الرسمية الصديقة الأقرب والوحيدة إليها في هذا العالم البارد. وفي أحد الأيام، قادها قدمها بلا خطة واضحة أو هدف محدد إلى النادي الرياضي القريب من الحرم الجامعي، وبدأت سو آه تتردد عليه بانتظام؛ ليس لأنها رغبت فجأة في أن تصبح قوية جسدياً أو بارزة… بل لأنها كانت تبحث يائسة عن وسيلة فريدة تفرغ بها تلك الشحنات السلبية والأفكار التي لا تستطيع تفسيرها أو البوح بها لأي شخص. وهناك… في زاوية النادي المليئة بأكياس الملاكمة الثقيلة، رأته مجدداً؛ جيهون. كان يتدرب بكثافة مفرطة ويلاكم الكيس الجلدي بحركات عنيفة وخشنة، كأن كل ضربة قوية يوجهها بقبضته لم تكن مجرد تدريب رياضي عادي، بل كانت محاولة بائسة ووحشية للهروب من شيء داخلي يطارده ويمزق روحه. لم يكن جيهون يلاحظ وجود أي شخص حوله من فرط تركيزه وغضبه المكبوت، لكنها هي لاحظته بوضوح، وظلت تراقبه من بعيد بتوجس وفضول غامض. ثم، في أحد الأيام الممطرة في المقهى الصغير الهادئ القريب من الجامعة، جمعتهما لحظة قصيرة لم تكن في الحسبان. كانت سو آه تجلس عند الطاولة الخشبية القريبة من النافذة، تراجع بعض المسودات والأفكار رفعت رأسها فجأة لتأخذ نفساً، لتجده واقفاً أمام طاولة المقهى تماماً وعيناه الحادتان تلتقيان بعينيها، لتتوقف حركة المكان في نظرهما وكأن القدر يصر على تشابك خيوطهما رغماً عنهماتراجعت سو-آه عدة خطوات إلى الخلف.وقعت عيناها على الكرسي القريب منها، فتقدمت نحوه بسرعة، أمسكت بمسنده وسحبته أمامها، لتضعه حاجزًا بينهما."كانغ وو، أحذرك... لا تقترب."انفجر ضاحكًا.لم تكن ضحكته عالية، لكنها حملت سخرية واضحة من رد فعلها."ألم تكوني شجاعة قبل قليل؟"أمال رأسه وهو ينظر إلى الكرسي الذي وضعته بينهما."كنتِ تتحدثين عن ضربي به وإضافة خمسين سنة إلى حكمك."ثم ابتسم."ما بك الآن؟"توقفت عيناه عند يديها المشدودتين حول مسند الكرسي."أترتجفين لمجرد أنني اقتربت منك؟"هدأت سو-آه قليلًا.ثم قالت دون أن ترفع صوتها:"لقد اقتربت مني بسبب رهان مع أصدقائك في الجامعة."اختفت ابتسامتها."هل ظننتني غبية إلى درجة أن أصدق أن شخصًا غنيًا مثلك يقترب من فتاة وسط فضيحة المشروع من دون نية واضحة؟"توقفت ضحكته.لم يجب.بقي ينظر إليها لثوانٍ، ثم أدار جسده وعاد إلى الكرسي.جلس بهدوء، وأسند ظهره إليه.لم ينفِ كلامه
كان النهار يمضي ببطء داخل السجن. على الأرضية الطويلة، كانت سو-آه تجثو مع مجموعة من السجينات، تحرك قطعة القماش المبللة ذهابًا وإيابًا فوق البلاط. الماء البارد يتسرب إلى أطراف أصابعها، ورائحة مواد التنظيف تملأ المكان. لم تعد تتذمر من ذلك. لم تعد تسأل متى ستنتهي. كانت فقط تؤدي ما عليها، ثم تنتقل إلى المهمة التالية. بعد عامين، أصبح هذا المكان جزءًا من يومها. ليس بيتًا. وليس مكانًا تحبه. لكنه لم يعد غريبًا عنها كما كان في البداية. رفعت سو-آه يدها ومسحت قطرة عرق عن جانب جبينها، ثم عادت إلى الأرض. وفجأة، جاء صوت حاد من آخر الممر. "سو-آه!" توقفت يدها. رفعت رأسها نحو الحارسة الواقفة عند الباب. "نعم؟" "لديك زيارة." بقيت سو-آه جاثية لثانية. زيارة؟ وضعت قطعة القماش جانبًا، ثم وقفت. غسلت يديها سريعًا،
رفع رأسه. توقف الصوت. ثم عاد. خطوة. ثم أخرى. صوت حذاء يلامس الأرضية الرخامية بهدوء. لم تكن الخطوات سريعة. بل هادئة، ثابتة، وكأن صاحبها لا يملك سببًا واحدًا يجعله يستعجل الوصول. شد المحامي ظهره. وضع يده فوق ركبته. ثم ظهر رجل عند نهاية الممر. توقفت أنفاسه للحظة. كان طويلًا. يرتدي قميصًا أسود بأكمام مطوية إلى منتصف ساعديه، وسروالًا داكنًا. لم يكن يرتدي شيئًا مبالغًا فيه. ومع ذلك... كان حضوره يملأ المكان. اقترب. كان وجهه واضحًا الآن.
لم تمر سوى دقائق على خروج هيتشول من المطار حتى توقفت أمامه سيارة سوداء ضخمة. كانت سيارة دفع رباعي فاخرة، ذات زجاج داكن وهيكل يوحي بأنها لم تُرسل لاستقبال رجل عادي. توقفت أمامه بسلاسة. نزل أحد الرجال من المقعد الأمامي بسرعة. أغلق الباب خلفه، ثم اتجه نحو هيتشول. فتح له الباب الخلفي. وانحنى باحترام. «سيدي.» توقفت عينا هيتشول عليه للحظة. لم يقل شيئًا. فقط صعد إلى السيارة. أغلق الرجل الباب، ثم عاد إلى مقعده. تحركت السيارة. استند هيتشول إلى المقعد ونظر من النافذة. كانت كوريا تمر أمامه من جديد. الشوارع التي عرفها يومًا. المباني التي تغيرت. الطرق التي لم يع
لم يعد هيتشول ذلك الشاب الذي دخل عالم فيكتور هاربًا من ماضيه. مرّ عامان منذ اختفى. عامان كانا كافيين ليتغير صوته، نظرته، وحتى الطريقة التي يقف بها أمام الآخرين. لم يعد يتلفت خلفه. لم يعد يسأل نفسه إن كان ما يفعله صوابًا أم خطأ. في هذا العالم، كان التردد رفاهية لا يملكها أحد. وكان هيتشول قد تعلم ذلك بالطريقة الأصعب. في تلك الليلة، وقف داخل أحد المستودعات القديمة قرب الميناء، بينما كانت رائحة الحديد والرطوبة عالقة في الهواء. حولَه رجال فيكتور ينقلون الصناديق بصمت. كان هيتشول يراقبهم دون أن يشاركهم الحركة. عيناه توقفتا عند أحد الصناديق. علامة صغيرة محفورة على الخشب. تقدم خطوة. تأملها لثوانٍ. ثم قال: «توقفوا.» توقفت الأيدي. التفت إليه الرجال. اقترب أحدهم. «ماذا هناك؟» أشار هيتشول إلى العلامة.
في ذلك المساء، دفعت الأم كرسيها حتى وصلت إلى مكتبه. كان الباب مفتوحًا، الضوء يتسلل إلى الممر. رأته جالسًا أمام الأوراق، ظهره منحني قليلًا. لم يرفع رأسه عندما دخلت. صوت العجلات كان كافيًا ليعرفها. «هل وجدت شيئًا؟» توقف عن تقليب الأوراق، أصابعه تتجمد على الورقة. ثم قال، دون أن ينظر إليها: «لا.» كانت الإجابة قصيرة. قاسية في بساطتها. لكنها لم تغضب. اعتادت على هذه الكلمة. اقتربت أكثر، عجلات الكرسي تتوقف قرب مكتبه. «لا تتوقف.» رفع عينيه إليها، عيناه حمراوان من السهر. «لن أتوقف.» «حتى لو طال الأمر؟» «حتى لو احتاج الأمر بقية عمري.» نظرت إليه لثوانٍ، تدرس وجهه المتعب. ثم ابتعدت دون كلمة، العجلات تعود للدوران. ***
لم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ل
لكن هذا الصباح… مختلف. اليوم، أعود إلى المكان الذي هربت منه: دار الأيتام. لم يكن الأمر طوعياً بالكامل، فقد انتهى عقد السكن الجامعي ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق، لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني. وقفتُ أمام الباب الحد
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا
كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاو







