Share

فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه
فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه
Author: هيرو

الفصل ١

Author: هيرو
last update publish date: 2026-06-06 07:14:03

لم أكن أتخيل أن أسوأ كوابيسي سيتحقق؛ أن أقف مجدداً أمام البوابة الحديدية للدار التي أقسمت أنني لن أعود إليها أبداً لم يكن الأمر طوعياً بالكامل، فقد انتهى عقد السكن الجامعي ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق، لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني.

وقفتُ أمام الباب الحديدي للحظات أتأمل المكان؛ لم يتغير شيء على الإطلاق. الطلاء المتقشر لا يزال كما هو، والحديقة الصغيرة التي بالكاد تستحق هذا الاسم بدت ذابلة، بينما النافذة المكسورة في الطابق الثاني لم يكلف أحد نفسه عناء إصلاحها منذ سنوات. شددتُ قبضتي على حقيبتي، وتذكرت كيف احتضنني هذا المكان يوماً، ثم تركته وأنا أقسم ألا أعود إليه أبداً، لكن الحياة تملك حساً ساخراً في بعض الأحيان.

دفعت الباب ودخلت، وما إن خطوت عدة خطوات حتى سمعت صوتاً مألوفاً:

"مستحيل..."

رفعت رأسي لتلتقي عيناي بجايون التي كانت جالسة على حافة الدرج تمضغ علكتها بملل. حدقت بي لثوانٍ قبل أن تطلق ضحكة قصيرة متهكمة وقالت ملتفتة نحو الداخل:

"انظرن من عادت."

التفتت فتاتان كانتا بالقرب منها، فعبست إحداهما قبل أن تتسع عيناها بصدمة:

"سو آه؟"

أما الأخرى فاكتفت برفع حاجبها وقالت بنبرة جافة:

"ظننت أنكِ نسيتِ الطريق إلى هنا."

أجبتها بهدوء وثبات:

"وأنا ظننت أنكن كبرتُن."

أطلقت جايون صفيراً ساخراً وقالت:

"لا تزال تملكين لساناً حاداً."

وضعت الحقيبة على الأرض لأريح ذراعي وأردفت:

"وأنتِ لا تزالين تمضغين العلكة نفسها منذ طفولتنا."

كتمت إحدى الفتيات ضحكة صغيرة، لكن جايون لم يعجبها ذلك؛ فنهضت عن الدرج واقتربت مني خطوتين متحدية:

"إذن... ماذا تفعلين هنا؟ زيارة خيرية؟"

"أعيش هنا مؤقتاً."

ساد الصمت للحظة، ثم ظهرت هيجين من خلف الباب الزجاجي وهي تحمل كوباً ورقياً بين يديها. عندما رأتني توقفت مكانها وقالت بصوت هادئ يحمل شيئاً من الشماتة:

"حقاً؟ بعد كل تلك السنوات؟"

نظرت إليها مباشرة:

"نعم."

ابتسمت هيجين ابتسامة صغيرة وقالت:

"غريب كيف يعود الإنسان دائماً إلى المكان الذي حاول الهرب منه."

شعرت بشيء يضيق في صدري، لكنني حافظت على برودي وابتسمت بالمقابل:

"وغريب أيضاً كيف يبقى بعض الناس في المكان نفسه كل هذه السنوات."

اختفت الابتسامة عن وجهها للحظة، في حين اكتفت جايون بإطلاق ضحكة ساخرة وقالت:

"ما زلتِ تظنين نفسك أفضل منا."

هززت رأسي بنفاذ صبر:

"لو كنت أظن ذلك، لما كنت واقفة هنا الآن."

ساد الصمت من جديد، ثم استدارت جايون نحو الداخل وقالت بلا اهتمام وهي تبتعد:

"السرير قرب النافذة فارغ... إذا لم يسبقك إليه أحد."

دخلت الفتيات الواحدة تلو الأخرى، وبقيت واقفة وحدي في الممر. للحظة شعرت أن السنوات العشر الماضية لم تحدث أبداً، كأنني ما زلت تلك الفتاة الصغيرة التي تحمل حقيبة أكبر من جسدها وتحاول جاهدة إقناع نفسها بأنها لا تخاف. حملت حقيبتي مجدداً، ثم تبعتهن إلى الداخل.

دخلت غرفتي القديمة التي لم تتغير كثيراً؛ السرير الحديدي، المراتب القاسية، ورائحة العفن الندية التي تأبى أن تختفي من الزوايا. وضعت حقيبتي قرب قدمي، وتمددت بصمت أراقب السقف المتشقق. في السرير المجاور، كانت سويون تنظر إليّ دون أن تتحدث، قبل أن تقول فجأة بصوت خافت:

"هل عدتِ وتذكرتنا الآن فقط؟"

سؤالها أصابني كصفعة في وجه كبريائي. التفتُّ نحوها ثم قلت بصدق مرير:

"عدت لأنني... ضعت قليلاً. لم أعد أملك مكاناً أذهب إليه."

أخفضت عينيها للحظات ثم همست:

"كنا نظن أنكِ نسيتِنا."

"لم أنسَ."

"لكن لم تعودي."

لم أعرف ماذا أجيب، فبعض الأسئلة لا تملك إجابات جميلة يمكن قولها بصوت عالٍ. صمتت سويون وأدارت ظهرها لي، وفي الطرف الآخر من الغرفة، سمعت ضحكة مكتومة من جايون كالعادة. لم أرد، لكنني شعرت به... ذلك الغضب القديم يعود ليتسلل إلى صدري ببطء. هذه المرة لم أفعل شيئاً، فقط تنفست عميقاً، وأغمضت عيني للاستسلام للنوم.

وحين أغلقت عينيّ… عاد الماضي بكل ثقله، وعاد معه حي هونغدوك.

كان حي هونغدوك يتنفس الحياة بكل تفاصيله الصغيرة؛ شارع ضيق مليء بالبائعين الصغار الذين يعرضون سلعهم البسيطة، وأطفال يركضون ويلعبون في الأزقة الضيقة بين البيوت القديمة المتلاصقة. ورغم ضيق المكان وقسوته، كانت هناك روح دافئة تسكنه؛ فالنساء يخرجن من بيوتهن لتبادل الحديث عند زاوية الشارع، بينما يتجمع الرجال حول البقالة الصغيرة لشراء مستلزماتهم والحديث عن تفاصيل يومهم.

الحياة هناك كانت تدور حول أشياء بسيطة، لكن تلك البساطة كانت تغني عن الكثير. وفي تلك الزاوية المزدحمة، كانت ترتفع لافتة كُتب عليها بخط يدوي: "تبرعات للدار". كان الحي بأسره يجتمع لدعمنا نحن الأيتام، ورأيت الأطفال يذهبون مع آبائهم حاملين أكياساً مليئة بالطعام، تزامناً مع صرخات الفرح التي تملأ المكان. لكنني كنتُ دائماً أتسلل من بينهم بصمت دون أن يشعر بي أحد.

لم أكن أعتقد أنني سأعود يوماً إلى هنا؛ إلى هذا الحي الذي تربيتُ فيه حتى تم التخلي عني. زقاقه الضيق، وجدرانه القديمة المتآكلة تشهد على كل لحظة انكسار مرت في حياتي. كانت الحياة هنا قاسية بلا شك، ولكنها كانت منزلي الوحيد في يوم من الأيام، قبل أن تقرر العائلة التي تبنتني ذات يوم أن تعيدني إلى الملجأ.

ورغم مرور السنوات، لا أستطيع نسيان تلك اللحظة الثقيلة؛ كانت كل كلمة منهم، وكل نظرة اعتذار أو برود، بمثابة جرح نازف في روحي. المنزل الجديد الذي عشت فيه بعد التبني كان مختلفاً تماماً؛ كان أكبر، وأكثر حداثة وفخامة، لكنه كان يفتقر تماماً إلى روح الحياة التي شعرت بها في زواريب هونغدوك. كانت الجدران بيضاء باردة، والشوارع واسعة وصامتة كالمقابر، والجيران بالكاد يعرف بعضهم بعضاً.

كنت أعتقد في البداية أن تلك العائلة ستمنحني الحياة المستقرة التي طالما حلمت بها، لكن مع مرور السنوات بدأت الفجوات تظهر بيننا بوضوح، ولم أستطع أن أجد نفسي في عالمهم المخملي. كنتُ أشعر دائماً أنني جسد غريب في بيتهم؛ كانوا يحبونني، نعم، ولكن الحب هناك كان مختلفاً… كان حباً مشروطاً، يتطلب مني دائماً أن أرتدي قناعاً وأكون شخصاً آخر لا يشبهني.

ثم جاءت اللحظة التي كنا نهرب منها جميعاً؛ فبعد عشر سنوات كاملة من التبني، أعادتني العائلة إلى دار الأيتام مجدداً وأنا في الخامسة عشرة من عمري. لم يكن القرار ناتجاً عن كراهية مباشرة، بل عن ضغوط مالية وعاطفية واجتماعية متراكمة جعلت سقف عالمهم ينهار ببطء فوق رؤوسنا. كانوا يشعرون في أعماقهم أنهم خذلوني، وأنا أيضاً كنت أستيقظ كل ليلة وأنا أشعر أنني خذلتهم ولم أكن الابنة المثالية التي تمنوها.

فتحتُ عينيّ ببطء ليعود سقف الغرفة المتشقق إلى الظهور فوق رأسي، معلناً عودتي الصادمة إلى الحاضر.. إلى الدار، وإلى الغرفة نفسها التي بدأت منها كل الحكاية.

في الصباح، كان الجو بارداً على غير عادته، والسماء ملبدة بغيوم رمادية كافية لإغراق المدينة بأكملها في صمت ثقيل. رشفتُ قهوتي واقفة كالعادة دون أن أملك رغبة في تذوقها، كنت فقط أحتاج إلى ملامسة شيء دافئ يذكرني أنني ما زلت هنا… أتنفس وأقاوم. وضعتُ دفتر المحاضرات في حقيبتي، ثم التقطت بطاقة المتطوعين الموضوعة فوق الطاولة الصغيرة قرب السرير، ولم أكن أحب النظر إليها كثيراً لأنني أعرف جيداً الظروف المريرة التي أوصلتني إليها.

الآن، وأنا في الحادية والعشرين من عمري، كطالبة جامعية في المرحلة الثالثة، أجد نفسي أدور في نفس الدائرة المغلقة، أصارع الزمن والذكريات لأشتري حريتي من جديد من خلال ساعات التطوع المعدودة هذه في تدريس الطلاب الأصغر سناً ومجالستهم كجزء من روتين إقامتي المؤقتة، بينما عقلي يغلي بالتفكير في كيفية جمع ما يكفي من المال لأهرب من هنا مجدداً.

كل شيء بدأ قبل أشهر عندما طلبت مديرة الدار متطوعين لمساعدة الأطفال في الدراسة والأنشطة اليومية. في البداية رفضت بشدة، فلم أكن أريد قضاء وقت أطول داخل هذا المكان الذي أحاول النجاة منه لا التعلق به، لكنني وافقت في النهاية؛ ربما بسبب إلحاح المديرة، أو ربما لأنني كنت أحاول واهمة إقناع نفسي بأنني لم أعد تلك الطفلة الخائفة التي تنتظر خلف الباب أملاً في أن يأتي أحد ليأخذها.

في أول يوم لي، جلست وسط مجموعة من الأطفال أساعدهم في حل واجباتهم المدرسية؛ كانوا يرفعون أيديهم باستمرار، ويسألون بفضول عن كل شيء، يضحكون بصخب على أشياء لا تستحق الضحك، ويتشاجرون بضراوة بسبب أقلام التلوين وكأنها كنوز وطنية ثمينة. أذكر أن طفلة صغيرة حدقت في وجهي وسألتني فجأة:

"أنتِ هنا لأنكِ موظفة؟"

هززت رأسي نفياً:

"لا."

"إذن لماذا تساعديننا؟"

توقفت للحظة، ابتلعت غصتي ثم قلت بصوت خافت:

"لأن أحداً ساعدني عندما كنت في عمرك." لم تكن إجابة كاملة، لكنها كانت كافية لإسكات فضولها الصغير.

مع مرور الوقت، أصبحت ساعات التطوع هذه الجزء الأكثر هدوءاً وسلاماً في يومي المزدحم؛ فهناك، بين هؤلاء الأطفال، لم يكن أحد يسألني لماذا عدت، ولا لماذا فشلت، ولا كيف انتهى بي الأمر في نقطة الصفر مجدداً. الأطفال لا يهتمون بكل تلك التعقيدات الاجتماعية، كل ما كانوا يريدونه هو شخص صادق يستمع إليهم بحب… وربما، كنت أنا أيضاً بحاجة ماسة إلى شخص يستمع إليّ.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٣٠

    وفي المساء، أعيدت سو-آه مجددًا إلى الغرفة الباردة المخصصة للموقوفين مؤقتًا. جلست على السرير الخشبي الصلب، وأخرجت ورقة الاستدعاء القديمة من حقيبتها الصغيرة. حدقت فيها مطولًا؛ فقبل أيام قليلة فقط، كانت تلك القضية مجرد شيء عابر قررت تركه خلفها والابتعاد عنه، والآن.. أصبح كل تفصيل صغير من ذلك اليوم الملعون يُستخدم كسلاح موجه ضد رأسها. طوت الورقة بعناية، ووضعتها جانبًا. ثم رفعت رأسها المفزوع عندما سمعت صوت قفل الباب يُغلق بقسوة من الخارج. ولم تكن تدري بعد أن أول تناقض صغير ظهر في السجلات لم يكن سوى بداية لسلسلة طويلة ومرعبة من الأكاذيب التي ستُكتب باسمها وحدها.. دون أن تكون قد نطقت بكلمة منها أبدًا.لم تتحرك ولم تنطق بحرف. حدقت فيه مطولًا، وكأن الكلمات الصادمة استغرقت وقتًا طويلًا لتصل إلى عقلها. قفز المحامي بسرعة قائلًا: "سنطعن في هذا القرار فورًا!" لكنها لم تسمعه جيدًا، فقد كانت عيناها معلقتين بالورقة المشؤومة.

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٢٩

    "ما الغريب في الأمر؟" "لأن سجل الدخول إلكتروني ولا يمكن التلاعب به بسهولة." صمتت سو-آه تمامًا، وعجزت عن إيجاد تفسير مقنع يحارب الأرقام الجامدة. أغلق المحقق الورقة ووضعها جانبًا قائلًا: "لنترك هذا البند مؤقتًا." ثم تابع: "إذن، إلى أين ذهبتِ فور دخولكِ؟" "إلى القسم الرئيسي في المصنع." "لماذا؟" "لأن المشرف كان بانتظار مجموعتنا هناك." "ثم ماذا حدث؟" "بدأ يشرح لنا إجراءات السلامة وقواعد الموقع." "كم استغرق ذلك الوقت؟" "نحو عشرين دقيقة تقريبًا." "وبعد انتهاء الشرح؟" "انقسمت المجموعة للبدء بالعمل." "وأين ذهبتِ أنتِ بالتحديد؟" "إلى القسم الجانبي." "لماذا اخترتِ ذلك القسم؟" "لأننا كنا بحاجة ماسة لجمع معلومات ميدانية للمشروع."

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٢٨

    لم تعد سو-آه تعرف كم ساعة مرّت منذ مُنعت من مغادرة المركز. في البداية، كانت تجلس في الغرفة نفسها وتنتظر وصول محاميها، ثم بدأت الأبواب تُفتح وتُغلق أمامها بلا توقف؛ موظفون يدخلون بملفات، ومحققون يتبادلون الأوراق العاجلة، وفي كل مرة كانت تسأل فيها عن سبب بقائها، يأتيها الجواب ذاته باقتضاب: "انتظري." حتى دخل المحامي أخيرًا وبخطوات سريعة. جلس إلى جوارها، فتح حقيبته الجلدية، وأخرج نسخة مطبوعة من ملف القضية الجديد. قال بصوت منخفض: "علينا أن نتحدث بهدوء وتأنٍ." نظرت إليه بترقب: "ماذا حدث هناك؟" لم يجب مباشرة، بل قلب عدة صفحات بتردد، ثم وضع إحداها أمامها مباشرة على الطاولة. قال: "ظهرت اتهامات جديدة خطيرة." حدقت في الورقة المطبوعة، قرأتها مرة بتمعن، ثم رفعت عينيها إليه بذهول: "ما معنى هذا الكلام؟" أجابها المحامي بجدية بالغة: "هم لم يعودوا يتعاملون معكِ كشاهدة في ال

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٢٧

    شعرت سو-آه أن الجلسة قد انتهت أخيرًا. لكن في تلك اللحظة بالذات، فتح باب الغرفة ودخل أحد الموظفين مسرعًا ليضع ورقة جديدة وعاجلة أمام المسؤول. قرأها المسؤول بتمعن شديد، ثم رفع عينيه نحوها. تغيرت ملامحه قليلًا وقال بنبرة رسمية: "سو-آه." وقفت مكانها بخطوات بطيئة: "نعم؟" "لقد صدر للتو قرار قضائي رسمي بتوقيفكِ احتياطيًا على ذمة القضية." وفي الجهة المقابلة من المدينة، كان هيتشول يقلب الأوراق في مكتبه المظلم بإحباط بالغ. دخل مساعده الخاص فجأة وقال بملامح منقبضة: "سيدي.. هناك مشكلة جديدة ظهرت." رفع هيتشول رأسه بتعب: "ماذا جرى أيضًا؟" وضع المساعد أمامه نسخة مطبوعة من سجل قديم: "هذا المستند كان مثبتًا وموجودًا بوضوح في الملف الرئيسي قبل إعادة فتح القضية رسميًا." حدق هيتشول فيه بتركيز: "والآن أين هو؟"

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٢٦

    لم يكن الاستدعاء الثاني يشبه الأول بأي حال من الأحوال. ففي المرة السابقة، دخلت سو-آه مركز التحقيق لعدة ساعات ثم عادت إلى الميتم في اليوم نفسه، وكأن كابوسًا صغيرًا وانقضى. أما هذه المرة، فقد كان اسمها مطبوعًا ببرود على ورقة جديدة تحمل عنوانًا مختلفًا: مراجعة إضافية للتحقيق. جلست أمام المحقق نفسه، ووجهه الخالي من التعبير يكتنفه الغموض. وضع ملفًا جديدًا وسميكًا على الطاولة أمامه، وقال بجدية: "سنراجع بعض التفاصيل والشهادات مرة أخرى." نظرت إلى الملف بغضب مكتوم: "سبق أن أجبت عن كل هذه الأسئلة بالتفصيل." "نعرف ذلك تمامًا." فتح الصفحة الأولى من الملف وأردف: "لكن ظهرت معلومات جديدة تدعونا لإعادة النظر." رفعت عينيها إليه بحذر: "ما هي تلك المعلومات؟" لم يجب بشكل مباشر، بل أخرج تقريرًا ورقيًا وقرأ منه: "في إفادتك الأولى، قلتِ إنكِ غادرتِ المصنع يوم الحادث عند الساعة الخامسة وعشر دقائق." أومأت برأسها: "نعم، هذا صحيح." وضع تقريرًا آخر بجانبه على الط

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٢٥

    بقيت ورقة الاستدعاء فوق الطاولة حتى الصباح، ولم تلمسها سو-آه إلا عندما حان موعد خروجها. طوتها بعناية فائقة، وضعتها داخل حقيبتها، ثم ارتدت معطفها بصمت. كانت جيني تنتظرها عند الباب بملامح قلقة: "سأرافقك." "لا." "سو-آه، أرجوكِ." "لن يحدث شيء." حدقت جيني فيها بتخوف: "أنتِ لا تعرفين ذلك حقًا." سكتت سو-آه لحظة، ثم قالت بنبرة هادئة وثابتة: "لهذا السبب بالذات سأذهب." وصلت إلى مركز التحقيق قبل الموعد المحدد بدقائق معدودة. قدمت الاستدعاء عند مكتب الاستقبال، فراجع الموظف البيانات على جهازه قبل أن يشير بيده نحو الممر: "الغرفة السابعة." أومأت برأسها وسارت وحدها بخطى هادئة، رغم أن أصابعها كانت تضغط بقوة وعصبية على حافة حقيبتها. فتحت باب الغرفة ودخلت. كان محققان يجلسان خلف طاولة مكتبية واسعة، وأمامهما ملف سميك للغاية. قال أحدهما بجدية: "اجلسي." جلست في المقعد المقابل، ففتح المحقق الملف وقال: "سنبدأ بإجراءات اعتيادية روتينية. في ال

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٥

    في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٤

    كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٣

    كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاو

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٢

    لم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status