FAZER LOGIN
لكن هذا الصباح… مختلف.
اليوم، أعود إلى المكان الذي هربت منه: دار الأيتام. لم يكن الأمر طوعياً بالكامل. انتهى عقد السكن الجامعي، ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق. لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني. وقفتُ أمام الباب الحديدي للحظات. لم يتغير شيء. الطلاء المتقشر، الحديقة الصغيرة التي بالكاد تستحق هذا الاسم، والنافذة المكسورة في الطابق الثاني التي لم يكلف أحد نفسه عناء إصلاحها منذ سنوات. شددتُ قبضتي على حقيبتي. هذا المكان احتضنني يوماً، ثم تركته وأنا أقسم ألا أعود إليه أبداً. لكن الحياة تملك حساً ساخراً في بعض الأحيان. دفعت الباب ودخلت. ما إن خطوت عدة خطوات حتى سمعت صوتاً مألوفاً. "مستحيل..." رفعت رأسي. كانت جايون جالسة على حافة الدرج، تمضغ علكتها بملل. حدقت بي لثوانٍ قبل أن تطلق ضحكة قصيرة. "انظرن من عادت." التفتت فتاتان كانتا بالقرب منها. عبست إحداهما قبل أن تتسع عيناها. "سو آه؟" أما الأخرى فاكتفت برفع حاجبها. "ظننت أنكِ نسيتِ الطريق إلى هنا." أجبت بهدوء: "وأنا ظننت أنكن كبرتُن." أطلقت جايون صفيراً ساخراً. "لا تزال تملكين لساناً حاداً." وضعت الحقيبة على الأرض لأريح ذراعي. "وأنتِ لا تزالين تمضغين العلكة نفسها منذ طفولتنا." كتمت إحدى الفتيات ضحكة صغيرة. لكن جايون لم يعجبها ذلك. نهضت عن الدرج واقتربت خطوتين. "إذن... ماذا تفعلين هنا؟ زيارة خيرية؟" "أعيش هنا مؤقتاً." ساد الصمت للحظة. ثم ظهرت هيجين من خلف الباب الزجاجي. كانت تحمل كوباً ورقياً بين يديها، وعندما رأتني توقفت مكانها. "حقاً؟" كان صوتها هادئاً، لكنه يحمل شيئاً من الشماتة. "بعد كل تلك السنوات؟" نظرت إليها. "نعم." ابتسمت ابتسامة صغيرة. "غريب كيف يعود الإنسان دائماً إلى المكان الذي حاول الهرب منه." شعرت بشيء يضيق في صدري. لكنني ابتسمت بالمقابل. "وغريب أيضاً كيف يبقى بعض الناس في المكان نفسه كل هذه السنوات." اختفت الابتسامة عن وجهها للحظة. أما جايون فاكتفت بإطلاق ضحكة ساخرة. "ما زلتِ تظنين نفسك أفضل منا." هززت رأسي. "لو كنت أظن ذلك، لما كنت واقفة هنا الآن." ساد الصمت من جديد. ثم استدارت جايون نحو الداخل وقالت بلا اهتمام: "السرير قرب النافذة فارغ... إذا لم يسبقك إليه أحد." دخلت الفتيات الواحدة تلو الأخرى. وبقيت واقفة وحدي في الممر. للحظة شعرت أن السنوات العشر الماضية لم تحدث أبداً. كأنني ما زلت تلك الفتاة الصغيرة التي تحمل حقيبة أكبر من جسدها وتحاول إقناع نفسها بأنها لا تخاف. حملت حقيبتي مجدداً. ثم تبعتهن إلى الداخل. دخلت غرفتي القديمة. لم تتغير كثيراً. السرير الحديدي، المراتب القاسية، ورائحة العفن التي تأبى أن تختفي. وضعت حقيبتي قرب قدمي، وتمددت بصمت أراقب السقف المتشقق. في السرير المجاور، كانت سويون تنظر إليّ دون أن تتحدث. قالت فجأة بصوت خافت: "هل عدتِ وتذكرتنا الآن فقط؟" سؤالها أصابني كصفعة. التفتُّ نحوها ثم قلت: "عدت لأنني... ضعت قليلاً. لم أعد أملك مكاناً أذهب إليه." أخفضت عينيها للحظات. ثم قالت: "كنا نظن أنكِ نسيتِنا." "لم أنسَ." "لكن لم تعودي." لم أعرف ماذا أجيب. فبعض الأسئلة لا تملك إجابات جميلة. صمتت سويون وأدارت ظهرها لي. وفي الطرف الآخر من الغرفة، سمعت ضحكة مكتومة. جايون كالعادة. لم أرد. لكنني شعرت به... ذلك الغضب القديم يعود ببطء. هذه المرة، لم أفعل شئ فقط تنفست. وأغمضت عيني. وحين أغلقت عينيّ... عاد الماضي. عاد حي هونغدوك. كان حي هونغدوك يتنفس الحياة بكل تفاصيله الصغيرة. شارع ضيق مليء بالبائعين الصغار الذين يعرضون سلعهم، وأطفال يلعبون في الزقاق الضيق بين البيوت القديمة. ورغم ضيق المكان، كانت هناك روح غريبة تسكنه. كانت النساء يخرجن من بيوتهن لتبادل الحديث عند زاوية الشارع، بينما كان الرجال يتجمعون حول البقالة الصغيرة ليشتروا كل ما يحتاجونه. الحياة هنا كانت تدور حول أشياء بسيطة، لكن تلك البساطة كانت تغني عن الكثير. وفي تلك الزاوية المزدحمة، كانت هناك لافتة مكتوب عليها: "تبرعات للدار". كان الحي بأسره يجتمع لدعم الأيتام. رأيت الأطفال يذهبون مع آبائهم حاملين أكياساً مليئة بالطعام، تزامن ذلك مع صرخات الفرح التي تملأ الشوارع. لكنني كنتُ أتسلل بينهم دون أن يشعر أحد. لم أكن أعتقد أنني سأعود يوماً إلى هنا. هذا الحي، حيث تربيتُ فيه حتى تم التخلي عني. زقاقه الضيق، جدرانه القديمة التي تشهد على كل لحظة مرت في حياتي. كانت الحياة هنا قاسية، ولكنها كانت منزلي في يوم من الأيام. في أحد الأيام، قررت العائلة التي تبنتني أن تعيدني إلى دار الأيتام. كان ذلك اليوم مثل أي يوم آخر، لكنني شعرت بشيء ثقيل في قلبي. ورغم مرور السنوات، لا أستطيع نسيان تلك اللحظة. كانت كل كلمة منهم، كل نظرة، هي بمثابة جرح نازف في روحي. أما المنزل الذي عشت فيه بعد التبني، فكان مختلفاً تماماً. كان أكبر وأكثر حداثة، لكنه لم يكن يحتوي على روح الحياة التي شعرت بها في هونغدوك. كانت الجدران بيضاء وباردة، والشوارع واسعة وصامتة، والجيران بالكاد يعرف بعضهم بعضاً. كنت أعتقد في البداية أن تلك العائلة ستمنحني الحياة التي طالما حلمت بها. لكن مع مرور السنوات بدأت الفجوات تظهر بيننا. لم أستطع أن أجد نفسي في عالمهم. كنتُ أشعر دائماً أنني غريبة. كانوا يحبونني، لكن الحب هناك كان مختلفاً. حباً مشروطاً، عليّ فيه أن أكون شخصاً آخر. ثم جاءت اللحظة التي كنا نهرب منها جميعاً. بعد عشر سنوات من التبني، أعادتني العائلة إلى دار الأيتام. لم يكن القرار ناتجاً عن الكراهية، بل عن ضغوط مالية وعاطفية واجتماعية جعلت كل شيء ينهار ببطء. كانوا يشعرون أنهم خذلوني. وأنا أيضاً كنت أشعر أنني خذلتهم. فتحتُ عينيّ ببطء. عاد سقف الغرفة المتشقق إلى الظهور فوق رأسي. عدت إلى الحاضر. إلى الدار. إلى الغرفة نفسها التي بدأت منها كل الحكاية. في الصباح كان الجو بارداً على غير عادته، والسماء ملبدة بما يكفي من الرماد لتغرق المدينة في صمت ثقيل. رشفتُ قهوتي واقفة، كما أفعل كل صباح، دون أن أملك رغبة في تذوقها. كنت فقط أحتاج شيئاً دافئاً يذكرني أنني ما زلت هنا... أتنفس. وضعتُ دفتر المحاضرات في حقيبتي، ثم التقطت بطاقة المتطوعين الموضوعة فوق الطاولة الصغيرة قرب السرير. لم أكن أحب النظر إليها كثيراً. ربما لأنني كنت أعرف جيداً المكان الذي أوصلني إليها. لم يكن بقائي في الدار هذه المرة كالسابق، فبعد أن انتهى عقد سكني الجامعي ولم أملك المال لتجديده، وجدتُ نفسي مضطرة للعودة إلى جدران الملجأ مؤقتاً. كان عليّ أن أتحمل ساعات التطوع المعدودة هذه في تدريس الطلاب الأصغر سناً ومجالستهم كجزء من روتين إقامتي المؤقتة، بينما عقلي مشغول بكيفية جمع ما يكفي من المال لأهرب من هنا مجدداً. المفارقة الساخرة أنني أقف اليوم في نفس الممرات التي ظننتُ أنني ودعتها إلى الأبد وأنا في الخامسة من عمري، يوم أخذتني تلك العائلة البديلة وظننتُ أنني امتلكتُ أخيراً بيتاً حقيقياً. لكن "الأبد" في حياتي لا يدوم طويلًا؛ فبعد عشر سنوات كاملة عشتها معهم، وعندما بلغتُ الخامسة عشرة، أعادوني إلى هنا بكل برود بسبب ضغوطهم المادية والاجتماعية، وكأنني مجرد عبء انتهت صلاحيته والآن، وأنا في الحادية والعشرين من عمري، كطالبة جامعية في المرحلة الثالثة، أجد نفسي أدور في نفس الدائرة المغلقة، أصارع الزمن والذكريات لأشتري حريتي من جديد. كل شيء بدأ قبل أشهر، عندما طلبت مديرة الدار متطوعين لمساعدة الأطفال الأصغر سناً في الدراسة والأنشطة اليومية. في البداية رفضت. لم أكن أريد قضاء وقت أطول داخل هذا المكان. كنت أحاول النجاة منه، لا التعلق به. لكن في النهاية وافقت. ربما بسبب إلحاح المديرة. أو ربما لأنني كنت أحاول إقناع نفسي بأنني لم أعد تلك الطفلة التي كانت تنتظر عند الباب كل مرة أملاً بأن يأتي أحد ليأخذها. في أول يوم، جلست وسط مجموعة من الأطفال أساعدهم في حل واجباتهم المدرسية. كانوا يرفعون أيديهم باستمرار. يسألون عن كل شيء. يضحكون على أشياء لا تستحق الضحك. ويتشاجرون بسبب أقلام التلوين وكأنها كنوز وطنية. أذكر أن طفلة صغيرة سألتني فجأة: "أنتِ هنا لأنكِ موظفة؟" هززت رأسي. "لا." "إذن لماذا تساعديننا؟" توقفت للحظة. ثم قلت: "لأن أحداً ساعدني عندما كنت في عمرك." لم تكن إجابة كاملة. لكنها كانت كافية. مع مرور الوقت أصبحت ساعات التطوع الجزء الأكثر هدوءاً في يومي. هناك لم يكن أحد يسألني لماذا عدت. ولا لماذا فشلت. ولا لماذا انتهى بي الأمر هنا مجدداً. الأطفال لا يهتمون بكل تلك الأشياء. كل ما كانوا يريدونه هو شخص يستمع إليهم. وربما... كنت أنا أيضاً بحاجة إلى شخص يستمع إليّ.تجمدتُ في مكاني تماماً، وشعرتُ برعشة باردة تسري في أطراف جسدي. كانت الصرخة الحادة ما تزال تتردد بقوة بين جدران المنزل الطويلة والضيقة، كأنها امتدت لتصطدم بالسقف الإسمنتي، ثم عادت لتسقط وتتراكم فوقنا من جديد في ذلك الممر المعتم. رفعتُ رأسي ببطء والوجل يتملكني نحو الطابق العلوي حيث مصدر ذلك الصوت البشري المشوه، وفي اللحظة نفسها التي انقطع فيها الهواء، نهض جيهون من على الأرض فجأة وحركة مباغتة.مع نهوضه السريع، تناثرت قطع الزجاج المكسور التي كان يجمعها من بين يديه المرتجفتين لتعود وتسقط على الأرض محدثة رنيناً مكتوماً. في تلك الثواني المعدودة، اختفى ذلك الشرود الطويل والمعتاد الذي كان يملأ عينيه دائماً، وحلّ مكانه ذعر صامت وصدمة حادة شلت ملامحه. التفت نحوي بسرعة كبيرة وعيناه متسعتان، وقال بنبرة صوت حادة وجافة لم أسمعها منه من قبل في كل المرات التي راقبته فيها: "ابقَي هنا". ثم اندفع دون انتظار ردي نحو السلم الخشبي القديم ليعلو درجاته بسرعة.لكن قدميّ تحركتا من تلقاء نفسيهما دون وعي مني أو تفكير، ولم أستطع البقاء وحيدة في ذلك الممر السفلي الموحش؛ فتبعتُ خطواته المسرعة نحو الأعلى. كانت درجات
بعد انتهاء المحاضرات الثقيلة، وساعات العمل المرهقة في البقالة، وقفت سوو آه في الشارع الترابي وهي تحتضن الدفتر المستعمل والبطاقة الجامعية التي وجدتها داخل الأثاث القديم. كان في داخلها شيء يتحرك ببطء… ليس فضولًا فقط، بل شعورٌ غامض بالمسؤولية، كأن الأوراق التي بين يديها ليست مجرد ذكريات، بل أثر حياة لم تُغلق بعد. بدأت تسير في الحي القديم. سألت المارة واحدًا تلو الآخر، عن الاسم المكتوب على البطاقة، حتى دلّها أحد أصحاب المحال على منزلٍ صغير في طرف الحي، تسكنه امرأة مسنّة تعرف كل عائلات المنطقة. --- كان البيت بسيطًا، قديمًا، لكن دافئًا بشكل غريب. استقبلتها العجوز بابتسامة واسعة، وكأنها تعرفها منذ زمن بعيد، ثم دعتها للدخول دون تردد. جلسا معًا، ارتفعت رائحة الشاي في الغرفة، وامتلأ المكان بصوت حديث خفيف يشبه الطمأنينة. لم تكن الأسئلة كثيرة، ولا الإجابات معقدة. فقط حياة قديمة تُروى بسهولة. وضعت سوو آه البطاقة أمامها، فحدقت العجوز فيها طويلًا، ثم أومأت برأسها قائلة: "نعم… هذه جيون، طالبة الماجستير." سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة أقرب إلى الأسى: "مسكينة… دائمًا كانت خارج الم
في المساء، جلستُ في زاوية غرفتي المؤقتة بالملجأ، أتأمل ذلك المكتب الخشبي المستعمل الذي اشتريته قبل أيام من أجر عملي اليومي في البقالة. كان هزيلاً ومليئاً بالخدوش، لكني أصررتُ على شرائه لأدرس عليه وأستعد لامتحاناتي؛ فكل دينار كنتُ أجمعه من وقوفي الطويل خلف رفوف البقالة كان خطوة تقربني من هدفي الأساسي: دفع رسوم تجديد عقد السكن الجامعي والخروج من هذا المكان. كانت تمسك قلمها بين أصابعها دون أن تكتب شيئًا. فقط تفكر. ثلاثة أشهر مرّت منذ ذلك الصباح الذي استيقظت فيه في العيادة، لكنها لم تعد كما كانت. الأيام عادت إلى شكلها البطيء، لكن داخلها ظلّ عالقًا في لحظة لا تتحرك. لم يكن فراغها هادئًا كما يبدو من الخارج. كان ممتلئًا بأسئلة لا تنتهي. وخاصة… ذلك الشاب. جيهون. لم تتحدث إليه يومًا، ومع ذلك، كانت تراه في أماكن متفرقة، كأنه ظلّ يتكرر في أكثر من حياة. في النادي، في المقهى، في الممرات. كانت تتساءل بصمت: لماذا يبدو كأنه بعيد حتى وهو قريب؟ ولماذا في عينيه ذلك التعب… كأن شيئًا ما ينهشه من الداخل ببطء؟ أغلقت دفترها ببطء، ثم نهضت. توجهت نحو المكتبة الخشبية المستعملة التي اشترتها قبل أيا
في صباحٍ باكر، كانت ممرات دار الرعاية غارقة في صمتٍ ثقيل لا يقطعه سوى صرير الأبواب القديمة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي ببطء، وهي تحمل مفاتيحها المعدنية، لتتوقف فجأة عند أول الممر. هناك… كانت سو آه. ملقاة على الأرض، بقميصها الأزرق الباهت، وشعرها متناثر حول وجهها، وبجانبها حذاؤها المهترئ. لم تكن هناك أي أوراق في يدها. لا تذكرة، لا دفتر، لا شيء. اقتربت المشرفة بسرعة، وانحنت تتحقق من تنفّسها، ثم نادت بصوت مرتجف: "اتصلوا بالإسعاف… بسرعة!" في الطريق إلى العيادة القريبة، كان الصمت داخل سيارة الإسعاف مشحونًا بثقلٍ غير مرئي. الأطباء لم يتحدثوا كثيرًا. الاكتفاء كان بالتشخيص: "انهيار عصبي حاد… نتيجة إرهاق شديد وقلة نوم." في الجهة الأخرى من المدينة، كان صباحٌ آخر يتشكّل بشكل مختلف. جيهون يسند والدته، بينما تسير بجانبه أخته جيون، نحو العيادة نفسها تقريبًا. كانت خطوات الأم متعثرة بعد سقوطها من درج القبو، لكن الطبيب طمأنهم سريعًا: "لا يوجد كسر… مجرد تورم في الأضلاع، ستتحسن مع الراحة." لكن الطمأنينة لم تدم. رفعت الأم رأسها فجأة، وعيناها متسعتان كأنها ترى شيئًا خلف الجدران نفسها. قالت بص
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجًا من علكة الفراولة، وصابون الأواني، والدخان العالق في أركان الجدران الخشبية. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة، وأتعامل مع الزبائن. لم يكن الأمر صعبًا… بل كان مرهقًا.كان روتيني بسيطًا، متكررًا، مثل ظلٍ لا يتبدّل: أستيقظ عند السادسة، أرتدي قميصي الأزرق الباهت، أُصلح حذائي المهترئ بشريط لاصق إن احتاج، وأمشي في الطريق الترابي نحو المتجر. كنت أعرف كل حجر على الطريق، وكل صوت يعبر الحي الصامت. وفي بعض الأيام، كنت أسبق ضوء الشمس.الحذاء… لم يكن مجرد حذاء. كان شاهدًا على حياتي هنا، وكل خدش فيه يشبه لحظة من الماضي. بدأت أطرافه تتآكل أكثر، تُصدر صريرًا خافتًا في كل خطوة. كنت أتجنّب النظر إليه كثيرًا، كأنه يعيدني لصوت طرقات دار الرعاية القديمة، للشتاء الأول الذي قضيته هناك، حين ضاق بي البرد وبكيت دون صوت.بعد أسبوع من العمل، قررت أن أشتري شيئًا صغيرًا… رفيقًا بصمت لا يطلب الكثير. كنت أفكر بقطّ أو كلب، لكنني تراجعت."القطط تحتاج الدفء، والكلاب تحتاج الساحات… وأنا لا أملك سوى زاوية من الغرفة، ونافذة تطل على الظلال."وقفتُ أمام حوض صغير في
كان الصباح في الجامعة ثقيلاً على غير عادته. لم أكن قد نمت جيدًا، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي. لم أعد أفرّق. جلست في زاوية مكتبة صغيرة داخل الحرم، أفتّح كتابًا دون أن أقرأ فعليًا، حين جاءت "جين" وجلست قبالتي. نظرت إليّ طويلًا قبل أن تتكلم. "وجهك شاحب… هل أنتِ بخير؟" أغلقتُ الكتاب ببطء. "أنا بخير." لكن صوتي لم يقنع حتى نفسي. أمالت رأسها قليلًا. "منذ عودتكِ إلى دار الأيتام وأنتِ تبدين وكأنكِ في مكان آخر." تجمّد الهواء لثوانٍ. لم أجب. لأن الجواب كان أثقل من أن يُقال. في داخلي، كان اسم واحد فقط يتحرك بهدوء مزعج. تشانغو. ثم قلت لتغيير الاتجاه: "هل سبق لكِ أن شعرتِ أن شيئًا سمعتيه لم يعد مجرد قصة؟" رمشت جين. "مثل ماذا؟" لكنني لم أجب. أخرجت دفتري الصغير، وفتحته دون تفكير. في إحدى الصفحات، كانت هناك جملة كتبتها قبل أيام فقط، دون أن أفهم لماذا: "قطة… شيء صغير لا يسأل كثيرًا." أغلقت الدفتر بسرعة حين لاحظت نظرتها. "تفكرين في اقتناء حيوان؟" سألت بهدوء. "لا… مجرد فكرة." قلت بسرعة. لكن الحقيقة أنني لم أعد أعرف الفرق بين الفكرة والهروب. سكتت جين قليلًا، ثم قالت: "أحيانًا نب







