LOGINكان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاوية معزولة داخل مكتبة الحرم الجامعي الصغيرة، أفتح كتاباً دراسياً ثقيلاً دون أن أقرأ سطوره فعلياً، بل كانت عيناي تائهتين بين الصفحات، حين جاءت صديقتي جيني وسحبت الكرسي المقابل لتجلس قبالتي بهدوء.
نظرت جيني إليّ لزمن طويل، تتفحص ملامحي بدقة وقلق قبل أن تنطق بأولى كلماتها: "وجهكِ شاحب للغاية اليوم يا سو آه… هل أنتِ بخير حقاً؟" أغلقتُ الكتاب ببطء شديد أداري به توتري وأجبتها: "أنا بخير، لا تقلقي." لكن نبرة صوتي المبحوحة والجافة لم تقنع حتى نفسي، فكيف لها أن تقنعها؟ أمالت جيني رأسها قليلًا، وخفضت صوتها وهي تلامس طرف الطاولة: "منذ عودتكِ الاضطرارية إلى دار الأيتام، وأنتِ تبدين طوال الوقت وكأن جسدكِ معنا هنا بينما روحكِ وعقلكِ في مكان آخر بعيد لا يمكننا الوصول إليه." تجمد الهواء في صدري لثوانٍ معدودة، ولم أملك القدرة على إجابتها؛ لأن الجواب الحقيقي كان أثقل وأكثر تعقيداً من أن يُقال أو يُفهم. في داخلي، كان هناك اسم واحد فقط يتحرك بهدوء مزعج يمزق طمأنينتي: "تشانغو". حاولت جاهدة التخلص من هذا الحصار النفسي، فقلت لتغيير اتجاه الحديث تماماً: "جيني.. هل سبق لكِ أن شعرتِ بأن شيئاً غريباً سمعتِ به فجأة لم يعد مجرد قصة عابرة يتداولها الناس، بل تحول إلى حقيقة تلاحقكِ؟" رمشت جيني بعينيها بعدم فهم واستغربت سؤالي المفاجئ: "مثل ماذا؟ عن ماذا تتحدثين تحديداً؟" لكنني لم أجبها، بل آثرت الصمت وتراجعت. أخرجت دفتري الصغير من الحقيبة، وفتحته بشكل عشوائي دون تفكير لتهرب عيناي إلى إحدى الصفحات؛ وهناك، رصدت جملة مبهمة كنت قد كتبتها بخط يدي قبل أيام قليلة فقط دون أن أفهم دافعي وراءها: «قطة… شيء صغير أليف، لا يسأل كثيراً ولا يملك ماضياً يطارده». أغلقت الدفتر بسرعة البرق حين لاحظت نظرات جيني الفضولية التي تتابع تصفحي، فسألتني بنبرة هادئة: "هل تفكرين في اقتناء حيوان أليف ليؤنس وحدتكِ في الدار؟" "لا… مجرد فكرة عابرة خطرت ببالي." قلتها بسرعة محاولة إنهاء الموضوع. لكن الحقيقة المرة التي أخفيتها عنها هي أنني لم أعد أعرف الفرق بين الفكرة الواعية والهروب من الواقع. سكتت جيني قليلًا، وتأملت وجهي بنظرة دافئة ثم قالت كمن يقرأ أفكاري: "أحياناً، نحن نبحث بنفاد صبر عن شيء بسيط وهامشي في حياتنا، فقط حتى نشغل عقولنا به ولا نفكر في الأشياء الكبيرة والمرعبة التي تعجز قُدراتنا عن حلها." لم أعلق على كلامها؛ لأن الأشياء الكبيرة التي كانت تعصف برأسي في تلك اللحظة لم تكن مجرد فكرة واحدة يمكن مناقشتها، بل كانت مزيجاً مخيفاً من أصوات قديمة، وأسماء غامضة، وصمت طويل كئيب لا يبدو أنه سينتهي قريباً. بعد انتهاء المحاضرات الجامعية الروتينية، خرجت من مبنى الكلية بخطوات متباطئة ومثقلة. كان الهواء في الخارج قد أصبح أبرد بكثير مما كان عليه في الصباح، والسماء تميل إلى لون رمادي خفيف ينذر بالمطر أو بالظلمة الباكرة. سرت بين الممرات الخارجية للحرم دون هدف واضح أو وجهة محددة، حتى وجدت نفسي أتوقف عند ممر جانبي شبه فارغ من الطلاب، وهناك رأيته؛ لم أكن متأكدة من رؤيتي في البداية وظننت أن عيني تخدعني. كان شاباً يقف وحيداً مستنداً قرب الجدار الإسمنتي البارد، يحمل حقيبة قماشية سوداء على كتفه، وينظر إلى الأرض بجمود شديد وكأنه ينتظر شيئاً يعلم في أعماقه أنه لن يأتي أبداً. توقفت قدماي عن الحراك تماماً قبل أن يتخذ عقلي القرار، وهمس شيء خفي في أعماقي بنبرة مرعبة: «هذا المظهر ليس غريباً عليكِ..». لكنني لم أكن أعرف لماذا شعرت بذلك! فأنا لم أره في حياتي من قبل، ومع ذلك… كان في تفاصيل ملامحه الهادئة والحزينة شيء يشبه صورة قديمة لم ألتقطها يوماً، لكنها بقيت محفورة في زوايا رأسي. ارتبك صدري، وتسارعت دقات قلبي بطريقة مرعبة جعلتني أتراجع خطوة صغيرة إلى الوراء دون أن أنتبه لنفسي. هل يمكن أن يكون هذا الشاب هو ذاته…؟ أم أن عقلي الباطن بات يجسد لي ما سمعته من هاني في الليلة الماضية؟ في تلك اللحظة الوجلة، رفع رأسه قليلًا؛ لم ينظر إليّ مباشرة، لكن قلبي انقبض بشدة كما لو أنه فعل واختلقت نظراته روحي. ثم مرّ بجانبي ببرود ومضى في طريقه، دون أن أتحدث أو أتحرك خطوة واحدة؛ فقط بقيت واقفة في مكاني كالصنم، أراقب أثره وظله وهو يختفي تدريجياً بين الممرات البعيدة. في المساء، عدت أجر أذيال الخيبة والخوف إلى دار الأيتام. لم يكن هناك أي شيء مختلف في أرجاء المكان؛ نفس الجدران الباردة، نفس الإضاءة الشاحبة، لكنني أنا من كنت مختلفة تماماً هذه المرة. أغلقت الباب الخشبي للغرفة خلفي بصمت، وسرت في الممر البارد حتى وصلت إلى سريري، وهناك، حين نزعتُ سترتي الشتوية الثقيلة لأعلقها، سقط شيء صغير وخفيف من جيبها الداخلي على الأرض الإسمنتية. انحنيت ببطء والتقطته، لتتسع عيناي بصدمة؛ لقد كانت تذكرة حافلة قديمة للغاية، باهتة اللون، ومطوية بعناية عند الأطراف كأنها بقيت مخبأة في طيات النسيج لسنوات طويلة دون أن يلحظها أحد. حدقت في قطعة الورق الصغيرة لزمن طويل، ولم أستوعب لماذا كانت موجودة في جيبي الآن بالذات، لكن شيئاً في أعماقي عرف الحقيقة المخبأة وفهمها قبل أن يستوعبها عقلي الواعي. حدّت في التذكرة، ولم تكن جديدة بالطبع، لكن وجودها بين أصابعي في هذه اللحظة بدا كأنه خطأ فادح في حسابات الزمن. تسلّل شعور الذكرى ببطء شديد، كأن الذاكرة لا تفتح بابها الموصد دفعة واحدة خوفاً من انهيار صاحبه، بل تزيحه قليلًا قليلًا حتى تمنعك من الهرب. وتذكّرت كل شيء بوضوح مرعب؛ في ذلك اليوم البعيد، لم يكن هناك أحد يدفعني للرحيل، ولم يكن هناك صوت قاصٍ يقول لي اذهبي واديري ظهركِ للجميع؛ كنت أنا فقط، أنا وقرار متهور لم أكن أفهمه بالكامل لكنني اتخذته تحت وطأة الضغط النفسي وشعوري بأنني عبء على عائلتي البديلة. في ذلك اليوم، خرجت من الدار وأنا أحمل حقيبة يد صغيرة لا تشبه حقائب الرحيل الطويل في شيء، بل كانت تشبه محاولة يائسة لإقناع نفسي بأن الأمر بسيط ومجرد نزهة قصيرة. كان الطريق إلى محطة الحافلات طويلاً ومضنياً أكثر مما يجب، ومع كل خطوة كنت أخطوها، كنت أواسي نفسي وأكذب عليها قائلة: "يمكنني أن أتراجع وأعود في أي لحظة إلى حضن عائلتي". لكنني كنت أعلم في أعماق قلبي أنني لا أعود، حتى وأنا بكامل جسدي أذهب نحو المجهول. وقفت في موقف الحافلات، وكان الهواء هناك بارداً بطريقة موحشة لا علاقة لها بطقس ذلك اليوم، بل كانت برودة تخص ما بعد اتخاذ القرارات المصيرية. وقفت أمام نافذة التذاكر الزجاجية، وأخرجت بضع عملات نقدية بيد ترتجف ولم تكن ثابتة كما تمنيت لها أن تكون أمام البائع البارد. "إلى أين الوجهة؟" سألني الرجل من خلف الزجاج دون أن يرفع عينه عن سجلاته. لم أكن أعرف الإجابة حقاً، لكن الصمت بيننا طال أكثر مما يجب وبدأ يثير ريبته، فاخترت على عجل اسماً عابراً لمدينة بعيدة لا تحمل لي أي معنى أو ذكرى، فقط لتكون الإجابة ممكنة وأهرب من الموقف. أخذت التذكرة، وكانت مجرد قطعة ورق صغيرة ورخيصة، لكن يدي شعرت بثقلها الهائل بشكل غير مبرر، كأنه لم يكن مجرد ورق لركوب حافلة، بل كان اختباراً قاسياً لمدى قدرتي على الصمود. وقفت أخيراً عند باب الحافلة الكبيرة وكانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها تستقبل الركاب، ولم يكن صوت المحرك الضخم مجرد ضجيج ميكانيكي عابر، بل كان يتردد في مسمعي كشيء يشبه نداء الهاوية الأخير. كان يكفي فقط أن أتحرك خطوة واحدة للأمام وأصعد؛ كنت أستطيع حينها أن أبدأ كل شيء من جديد في مدينة غريبة، أو أن أهرب من ماضيّ وانكساري دفعة واحدة دون التفات. لكنني توقفت مكاني وتصلبت، ليس لأن أحداً من المارة أوقفني أو أمسك بيدي… بل لأنني أنا، من داخلي، من عجزت عن التقدم وتوقفت خائفة. شعرت برعب شديد يتأكل أحشائي؛ ولم يكن خوفاً من مشقة الرحيل أو الغربة، بل كان خوفاً حقيقياً من أن أكون أنا نفسي، بنفس انكساري وعيوبي، في مكان آخر جديد لا يعرفني ولا يرحمني؛ خوفاً من أن أذهب بعيداً ولا أستطيع أبداً العودة إلى هذه النسخة التي أعرفها وأألفها من نفسي، حتى لو كانت نسخة مؤلمة ومليئة بالندوب. تراجعت إلى الخلف ببطء شديد، ثم أسرعت في تراجعي قليلاً وهربت، حتى أُغلقت أبواب الحافلة الحديدية بعنف أمامي، ومضت بعيداً تبتلعها الشوارع دوني. لم أبكِ وقتها، ولم أركض خلفها نادمة؛ فقط بقيت واقفة في رصيف المحطة المهجور، والتذكرة مجعدة ومسجونة في قبضة يدي كأنها دليل مادي على رحلة كاملة لم تحدث قط، لكنها في الوقت ذاته لم تُلحَ أو تُمحَ من حسابات حياتي تماماً. فتحت عيني ببطء من غمرة ذكرياتي لأجد نفسي في الغرفة نفسها تحت السقف المتشقق ذاته، والتذكرة القديمة لا تزال قابعة بين أصابعي المرتجفة. لكن الغريب والمخيف في الأمر لم يكن بقاء هذه الورقة معي طوال هذه السنين… بل هو أنني ما زلت أتذكر تفاصيل تلك اللحظة بكل وضوح وحرقة، كأنها حدثت الآن أمامي، لا قبل سنوات طويلة. وهنا فقط، في عتمة غرفتي، فهمت شيئاً صغيراً ومخيفاً عن طبيعتي: لم يكن هناك أحد يملك القوة ليمنعني من الرحيل وتغيير حياتي، لكنني أنا… لم أكن أعرف أبداً كيف أملك الشجاعة لأختار أن أرحل فعلاً.لم يكن الاستدعاء الثاني يشبه الأول بأي حال من الأحوال. ففي المرة السابقة، دخلت سو-آه مركز التحقيق لعدة ساعات ثم عادت إلى الميتم في اليوم نفسه، وكأن كابوسًا صغيرًا وانقضى. أما هذه المرة، فقد كان اسمها مطبوعًا ببرود على ورقة جديدة تحمل عنوانًا مختلفًا: مراجعة إضافية للتحقيق. جلست أمام المحقق نفسه، ووجهه الخالي من التعبير يكتنفه الغموض. وضع ملفًا جديدًا وسميكًا على الطاولة أمامه، وقال بجدية: "سنراجع بعض التفاصيل والشهادات مرة أخرى." نظرت إلى الملف بغضب مكتوم: "سبق أن أجبت عن كل هذه الأسئلة بالتفصيل." "نعرف ذلك تمامًا." فتح الصفحة الأولى من الملف وأردف: "لكن ظهرت معلومات جديدة تدعونا لإعادة النظر." رفعت عينيها إليه بحذر: "ما هي تلك المعلومات؟" لم يجب بشكل مباشر، بل أخرج تقريرًا ورقيًا وقرأ منه: "في إفادتك الأولى، قلتِ إنكِ غادرتِ المصنع يوم الحادث عند الساعة الخامسة وعشر دقائق." أومأت برأسها: "نعم، هذا صحيح." وضع تقريرًا آخر بجانبه على الط
بقيت ورقة الاستدعاء فوق الطاولة حتى الصباح، ولم تلمسها سو-آه إلا عندما حان موعد خروجها. طوتها بعناية فائقة، وضعتها داخل حقيبتها، ثم ارتدت معطفها بصمت. كانت جيني تنتظرها عند الباب بملامح قلقة: "سأرافقك." "لا." "سو-آه، أرجوكِ." "لن يحدث شيء." حدقت جيني فيها بتخوف: "أنتِ لا تعرفين ذلك حقًا." سكتت سو-آه لحظة، ثم قالت بنبرة هادئة وثابتة: "لهذا السبب بالذات سأذهب." وصلت إلى مركز التحقيق قبل الموعد المحدد بدقائق معدودة. قدمت الاستدعاء عند مكتب الاستقبال، فراجع الموظف البيانات على جهازه قبل أن يشير بيده نحو الممر: "الغرفة السابعة." أومأت برأسها وسارت وحدها بخطى هادئة، رغم أن أصابعها كانت تضغط بقوة وعصبية على حافة حقيبتها. فتحت باب الغرفة ودخلت. كان محققان يجلسان خلف طاولة مكتبية واسعة، وأمامهما ملف سميك للغاية. قال أحدهما بجدية: "اجلسي." جلست في المقعد المقابل، ففتح المحقق الملف وقال: "سنبدأ بإجراءات اعتيادية روتينية. في ال
لم يستغرق الأمر طويلًا بعد القبض على تشوي مين-جاي حتى نُقل إلى غرفة التحقيق. جلس أمام المحقق، ويداه على الطاولة. لم يكن مرتبكًا، بل كان ينظر إلى الكوب الموضوع أمامه دون أن يلمسه. فتح المحقق الملف وقال: "أنت كنت مصورًا في موقع حادث المصنع." "نعم." "والصور التي التقطتها..." توقف المحقق ثم رفع عينيه: "سلمت جزءًا منها." "والباقي؟" لم يجب. وضع المحقق صورة أمامه وأردف: "لدينا دليل على وجود نسخ أصلية لم تسلمها." ظل مين-جاي صامتًا، فسأله المحقق: "أين هي؟" خفض الرجل عينيه وقال: "في مكان آمن." "أين؟" "لن أخبركم." "لماذا؟" رفع عينيه مجددًا: "لأنكم لا تعرفون ما تحتويه." تبادل المحققان النظرات، ثم قال أحدهما: "وهذا تحديدًا سبب حاجتنا إليها." بعد ساعات، أُبلغ هيتشول رسميًا بالقبض على المصور. كان في مكتبه عندما جاءه الخبر: "تم القبض عليه." رفع رأسه وسأل: "والصور
لم يكن تشوي مين-جاي يعلم أن خطواته المحفوفة بالحذر عند غادره منزله في ذلك الصباح الباكر كانت مراقبة بعينين لا تفوتهما شاردة. غادر المبنى السكني قُبيل الثامنة بقليل، ممتشقاً حقيبة سوداء صغيرة على كتفه. سار بهدوء نحو محطة الحافلات، وتوقف لفترة وجيزة عند متجر قريب، ثم استأنف طريقه بخطى ثابتة دون أن يلتفت خلفه ولو لمرة واحدة. على بعد مسافة قصيرة، كانت سيارة رمادية داكنة تركن بصمت بجانب الرصيف. لم تتحرك عجلات السيارة إلا بعد أن ابتعد الرجل كفاية. داخل المقاعد الخلفية، كان أحد المحققين يحدق بتركيز في شاشة جهاز لوحي صغيرة تعرض صورة واضحة لوجه مين-جاي. همس المحقق لزميله السائق: "إنه هو حقًا." "أمتأكد من هويته؟" "راجعنا بدقة سجل أعماله وصورته القديمة في الأرشيف. إنه تشوي مين-جاي، مصور مستقل، وقد تواجد بالفعل في قلب موقع الحادث يوم وقوع الكارثة." تابعا عملية رصده بصمت مطبق. لم يكن الرجل يبدي أي علامات ارتباك أو ذعر تشي بأنه هارب من العدالة، وهو التفصيل ذاته الذي ضاعف شكوك المحققين ويثير الريبة في دوافعه. توجّه مين
رن هاتف المحقق مرة أخرى. ابتعد خطوات عن الخزانة وأجاب بصوت جاد: "نعم؟" جاءه صوت زميله من الطرف الآخر محملًا بالتوتر: "لدينا مشكلة." قطّب حاجبيه: "ما هي؟" "راجعنا سجل الأدلة بدقة قبل استلام الصور مباشرة." "وماذا وجدت؟" تردد الطرف الآخر لحظة قبل أن يجيب: "هناك اختلاف واهٍ في أرقام بعض المواد." نظر المحقق إلى الخزانة المعدنية: "أي مواد تقصد؟" "الصور." التفت بسرعة نحو مين-جاي. كان الرجل واقفًا قرب الباب، يراقبهم بصمت مريب. قال المحقق عبر الهاتف: "هل تقصد أن الصور مسجلة برقم مختلف في النظام؟" "لا.." جاءه الرد هذه المرة أكثر حذرًا وريبة: "أقصد أن الرقم المكتوب في سجل الأدلة لا يطابق نهائيًا الرقم المدون في ملف التحقيق القديم." سكت المحقق لبرهة، ثم قال: "أرسل لي نسخة من السجل فورًا." "حاضر." أنهى المكالمة، واقترب مجددًا من الخزانة. كان مين-جاي لا يزال واقفًا مكانه
لم يستمر الهدوء طويلًا؛ فما إن أطلّ صباح اليوم التالي حتى وُضع على مكتب المحقق المسؤول عن ملف حادث المصنع تقرير إضافي عاجل. مكث الملف مغلقًا لبرهة ثقيلة قبل أن تمتد يد المحقق لتفضّ صفحاته؛ قلب الورقة الأولى، ثم الثانية، حتى استقرت عيناه على ملاحظة مقتضبة كُتبت بخط اليد في ذيل الصفحة: > "توجد إشارة مؤكدة لوجود نسخة غير رسمية من الصور الفوتوغرافية الملتقطة مباشرة في موقع الحادث، احتفظ بها الشخص الذي التقطها لنفسه قبل أن يسلم النسخ الرسمية الأولى." > رفع المحقق رأسه بحدة نحو الموظف الواقف أمامه: "من أين جاءت هذه المعلومة؟" أجابه الموظف باقتضاب: "من أحد العاملين السابقين في الشركة." "وهل أدلى باسم المصور؟" ناولَه ورقة صغيرة دون كلام: "لقد ذكر هذا الاسم فقط." تأمل المحقق الاسم المكتوب بعناية: تشوي مين-جاي. أغلق الملف بقوة وقال بحزم: "ابحثوا عنه فورًا." وفي ذات اللحظة داخل الحرم الجامعي، كانت سو-آه أبعد ما تكون عن معرفة ما يدور؛ إذ جلست في زاوية المكتبة الهادئ
في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا
لم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ل
لكن هذا الصباح… مختلف. اليوم، أعود إلى المكان الذي هربت منه: دار الأيتام. لم يكن الأمر طوعياً بالكامل، فقد انتهى عقد السكن الجامعي ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق، لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني. وقفتُ أمام الباب الحد







