FAZER LOGINكان الصباح في الجامعة ثقيلاً على غير عادته.
لم أكن قد نمت جيدًا، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي. لم أعد أفرّق. جلست في زاوية مكتبة صغيرة داخل الحرم، أفتّح كتابًا دون أن أقرأ فعليًا، حين جاءت "جين" وجلست قبالتي. نظرت إليّ طويلًا قبل أن تتكلم. "وجهك شاحب… هل أنتِ بخير؟" أغلقتُ الكتاب ببطء. "أنا بخير." لكن صوتي لم يقنع حتى نفسي. أمالت رأسها قليلًا. "منذ عودتكِ إلى دار الأيتام وأنتِ تبدين وكأنكِ في مكان آخر." تجمّد الهواء لثوانٍ. لم أجب. لأن الجواب كان أثقل من أن يُقال. في داخلي، كان اسم واحد فقط يتحرك بهدوء مزعج. تشانغو. ثم قلت لتغيير الاتجاه: "هل سبق لكِ أن شعرتِ أن شيئًا سمعتيه لم يعد مجرد قصة؟" رمشت جين. "مثل ماذا؟" لكنني لم أجب. أخرجت دفتري الصغير، وفتحته دون تفكير. في إحدى الصفحات، كانت هناك جملة كتبتها قبل أيام فقط، دون أن أفهم لماذا: "قطة… شيء صغير لا يسأل كثيرًا." أغلقت الدفتر بسرعة حين لاحظت نظرتها. "تفكرين في اقتناء حيوان؟" سألت بهدوء. "لا… مجرد فكرة." قلت بسرعة. لكن الحقيقة أنني لم أعد أعرف الفرق بين الفكرة والهروب. سكتت جين قليلًا، ثم قالت: "أحيانًا نبحث عن شيء بسيط فقط حتى لا نفكر في الأشياء الكبيرة." لم أعلّق. لأن الأشياء الكبيرة في رأسي لم تكن فكرة واحدة. بل أصوات. وأسماء. وصمت طويل لا ينتهي. --- بعد انتهاء المحاضرات، خرجت من المبنى ببطء. كان الهواء أبرد، والسماء تميل إلى لون رمادي خفيف. سرت بين الممرات دون هدف واضح، حتى توقفت عند ممر جانبي شبه فارغ. هناك رأيته. لم أكن متأكدة في البداية. شاب يقف قرب الجدار، يحمل حقيبة على كتفه، ينظر إلى الأرض وكأنه ينتظر شيئًا لا يأتي. توقفت قدماي قبل أن أقرر ذلك. شيء داخلي همس: "ليس غريبًا…" لكنني لم أعرف لماذا. لم أرَه من قبل. ومع ذلك… كان في ملامحه شيء يشبه صورة لم ألتقطها، لكنها بقيت في رأسي. . ارتبك صدري. تراجعت خطوة صغيرة، دون أن أنتبه. هل هذا هو…؟ أم أنني أرى ما سمعتُه فقط؟ في تلك اللحظة، رفع رأسه قليلًا. لم ينظر إليّ. لكن قلبي انقبض كما لو أنه فعل. ثم مرّ بجانبي ومضى. لم أتحدث. لم أتحرك. فقط بقيت واقفة، أراقب أثره يختفي بين الممرات. في المساء، عدت إلى دار الأيتام. لم يكن هناك شيء مختلف في المكان. لكنني كنت مختلفة. أغلقت الباب خلفي، وسرت في الممر البارد حتى وصلت إلى غرفتي. هناك، حين نزعتُ سترتي، سقط شيء صغير على الأرض. انحنيت. تذكرة حافلة قديمة. باهتة، مطوية عند الأطراف، كأنها بقيت مخبأة لسنوات. حدقت فيها طويلًا. لم أعرف لماذا كانت في جيبي. لكن شيئًا في داخلي عرف قبل أن أفهم حدّقتُ في التذكرة طويلًا. لم تكن جديدة، لكن وجودها في يدي الآن بدا كأنه خطأ في الزمن. تسلّل الشعور ببطء، كأن الذاكرة لا تفتح بابها دفعة واحدة، بل تزيحه قليلًا قليلًا حتى لا تستطيع الهرب. تذكّرت. لم يكن هناك أحد يدفعني. لم يكن هناك صوت يقول لي اذهبي. كنت أنا فقط. أنا وقرار لم أكن أفهمه بالكامل. في ذلك اليوم، خرجت من المكان وأنا أحمل حقيبة صغيرة لا تشبه حقيبة الرحيل، بل تشبه محاولة لإقناع نفسي أن الأمر بسيط. الطريق كان طويلًا أكثر مما يجب. وكل خطوة كنت أقول لنفسي: “يمكنني أن أعود في أي لحظة إلى عائلتي.” لكنني كنت أكذب. كنت أعرف أنني لا أعود، حتى وأنا أذهب. في موقف الحافلات، كان الهواء باردًا بطريقة لا تخص الطقس فقط، بل تخص ما بعد القرار. وقفت أمام نافذة التذاكر، أخرجت المال بيد لم تكن ثابتة كما أردت لها أن تكون. "إلى أين؟" سألني الرجل خلف الزجاج. لم أكن أعرف. لكن الصمت طال أكثر مما يجب، فاخترت اسمًا عابرًا، مدينة لا تحمل معنى، فقط لتبدو الإجابة ممكنة. أخذت التذكرة. كانت قطعة ورق صغيرة، لكن يدي شعرت بثقلها بشكل غير مبرر، كأنها ليست وسيلة سفر بل اختبار. وقفت عند الحافلة. الأبواب مفتوحة. وصوت المحرك لم يكن مجرد ضجيج، بل شيء يشبه النداء. كان يكفي أن أتحرك. خطوة واحدة فقط. كنت أستطيع أن أبدأ كل شيء من جديد، أو أن أهرب من كل شيء دفعة واحدة. لكنني توقفت. ليس لأن أحدًا أوقفني… بل لأنني أنا من توقفت. شعرت بالخوف. ليس من الرحيل. بل من أن أكون أنا نفسها في مكان آخر لا يعرفني. من أن أذهب ولا أستطيع أن أعود إلى هذه النسخة التي أعرفها، حتى لو كانت مؤلمة. تراجعت. ببطء. ثم أسرع قليلًا. حتى أُغلقت أبواب الحافلة أمامي، ومضت دوني. لم أبكِ. لم أركض. فقط بقيت واقفة. والتذكرة في يدي. كأنها دليل على شيء لم يحدث، لكنه أيضًا لم يُلغَ تمامًا. فتحت عيني. كنت في الغرفة نفسها. التذكرة بين أصابعي. لكن الغريب ليس أنها ما زالت معي… بل أنني ما زلت أتذكر اللحظة بكل وضوح، كأنها حدثت الآن، لا قبل سنوات. وهنا فقط فهمت شيئًا صغيرًا ومخيفًا: لم يكن أحد يمنعني من الرحيل. لكنني أيضًا… لم أكن أعرف كيف أختار أن أرحل فعلًا.تجمدتُ في مكاني تماماً، وشعرتُ برعشة باردة تسري في أطراف جسدي. كانت الصرخة الحادة ما تزال تتردد بقوة بين جدران المنزل الطويلة والضيقة، كأنها امتدت لتصطدم بالسقف الإسمنتي، ثم عادت لتسقط وتتراكم فوقنا من جديد في ذلك الممر المعتم. رفعتُ رأسي ببطء والوجل يتملكني نحو الطابق العلوي حيث مصدر ذلك الصوت البشري المشوه، وفي اللحظة نفسها التي انقطع فيها الهواء، نهض جيهون من على الأرض فجأة وحركة مباغتة.مع نهوضه السريع، تناثرت قطع الزجاج المكسور التي كان يجمعها من بين يديه المرتجفتين لتعود وتسقط على الأرض محدثة رنيناً مكتوماً. في تلك الثواني المعدودة، اختفى ذلك الشرود الطويل والمعتاد الذي كان يملأ عينيه دائماً، وحلّ مكانه ذعر صامت وصدمة حادة شلت ملامحه. التفت نحوي بسرعة كبيرة وعيناه متسعتان، وقال بنبرة صوت حادة وجافة لم أسمعها منه من قبل في كل المرات التي راقبته فيها: "ابقَي هنا". ثم اندفع دون انتظار ردي نحو السلم الخشبي القديم ليعلو درجاته بسرعة.لكن قدميّ تحركتا من تلقاء نفسيهما دون وعي مني أو تفكير، ولم أستطع البقاء وحيدة في ذلك الممر السفلي الموحش؛ فتبعتُ خطواته المسرعة نحو الأعلى. كانت درجات
بعد انتهاء المحاضرات الثقيلة، وساعات العمل المرهقة في البقالة، وقفت سوو آه في الشارع الترابي وهي تحتضن الدفتر المستعمل والبطاقة الجامعية التي وجدتها داخل الأثاث القديم. كان في داخلها شيء يتحرك ببطء… ليس فضولًا فقط، بل شعورٌ غامض بالمسؤولية، كأن الأوراق التي بين يديها ليست مجرد ذكريات، بل أثر حياة لم تُغلق بعد. بدأت تسير في الحي القديم. سألت المارة واحدًا تلو الآخر، عن الاسم المكتوب على البطاقة، حتى دلّها أحد أصحاب المحال على منزلٍ صغير في طرف الحي، تسكنه امرأة مسنّة تعرف كل عائلات المنطقة. --- كان البيت بسيطًا، قديمًا، لكن دافئًا بشكل غريب. استقبلتها العجوز بابتسامة واسعة، وكأنها تعرفها منذ زمن بعيد، ثم دعتها للدخول دون تردد. جلسا معًا، ارتفعت رائحة الشاي في الغرفة، وامتلأ المكان بصوت حديث خفيف يشبه الطمأنينة. لم تكن الأسئلة كثيرة، ولا الإجابات معقدة. فقط حياة قديمة تُروى بسهولة. وضعت سوو آه البطاقة أمامها، فحدقت العجوز فيها طويلًا، ثم أومأت برأسها قائلة: "نعم… هذه جيون، طالبة الماجستير." سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة أقرب إلى الأسى: "مسكينة… دائمًا كانت خارج الم
في المساء، جلستُ في زاوية غرفتي المؤقتة بالملجأ، أتأمل ذلك المكتب الخشبي المستعمل الذي اشتريته قبل أيام من أجر عملي اليومي في البقالة. كان هزيلاً ومليئاً بالخدوش، لكني أصررتُ على شرائه لأدرس عليه وأستعد لامتحاناتي؛ فكل دينار كنتُ أجمعه من وقوفي الطويل خلف رفوف البقالة كان خطوة تقربني من هدفي الأساسي: دفع رسوم تجديد عقد السكن الجامعي والخروج من هذا المكان. كانت تمسك قلمها بين أصابعها دون أن تكتب شيئًا. فقط تفكر. ثلاثة أشهر مرّت منذ ذلك الصباح الذي استيقظت فيه في العيادة، لكنها لم تعد كما كانت. الأيام عادت إلى شكلها البطيء، لكن داخلها ظلّ عالقًا في لحظة لا تتحرك. لم يكن فراغها هادئًا كما يبدو من الخارج. كان ممتلئًا بأسئلة لا تنتهي. وخاصة… ذلك الشاب. جيهون. لم تتحدث إليه يومًا، ومع ذلك، كانت تراه في أماكن متفرقة، كأنه ظلّ يتكرر في أكثر من حياة. في النادي، في المقهى، في الممرات. كانت تتساءل بصمت: لماذا يبدو كأنه بعيد حتى وهو قريب؟ ولماذا في عينيه ذلك التعب… كأن شيئًا ما ينهشه من الداخل ببطء؟ أغلقت دفترها ببطء، ثم نهضت. توجهت نحو المكتبة الخشبية المستعملة التي اشترتها قبل أيا
في صباحٍ باكر، كانت ممرات دار الرعاية غارقة في صمتٍ ثقيل لا يقطعه سوى صرير الأبواب القديمة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي ببطء، وهي تحمل مفاتيحها المعدنية، لتتوقف فجأة عند أول الممر. هناك… كانت سو آه. ملقاة على الأرض، بقميصها الأزرق الباهت، وشعرها متناثر حول وجهها، وبجانبها حذاؤها المهترئ. لم تكن هناك أي أوراق في يدها. لا تذكرة، لا دفتر، لا شيء. اقتربت المشرفة بسرعة، وانحنت تتحقق من تنفّسها، ثم نادت بصوت مرتجف: "اتصلوا بالإسعاف… بسرعة!" في الطريق إلى العيادة القريبة، كان الصمت داخل سيارة الإسعاف مشحونًا بثقلٍ غير مرئي. الأطباء لم يتحدثوا كثيرًا. الاكتفاء كان بالتشخيص: "انهيار عصبي حاد… نتيجة إرهاق شديد وقلة نوم." في الجهة الأخرى من المدينة، كان صباحٌ آخر يتشكّل بشكل مختلف. جيهون يسند والدته، بينما تسير بجانبه أخته جيون، نحو العيادة نفسها تقريبًا. كانت خطوات الأم متعثرة بعد سقوطها من درج القبو، لكن الطبيب طمأنهم سريعًا: "لا يوجد كسر… مجرد تورم في الأضلاع، ستتحسن مع الراحة." لكن الطمأنينة لم تدم. رفعت الأم رأسها فجأة، وعيناها متسعتان كأنها ترى شيئًا خلف الجدران نفسها. قالت بص
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجًا من علكة الفراولة، وصابون الأواني، والدخان العالق في أركان الجدران الخشبية. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة، وأتعامل مع الزبائن. لم يكن الأمر صعبًا… بل كان مرهقًا.كان روتيني بسيطًا، متكررًا، مثل ظلٍ لا يتبدّل: أستيقظ عند السادسة، أرتدي قميصي الأزرق الباهت، أُصلح حذائي المهترئ بشريط لاصق إن احتاج، وأمشي في الطريق الترابي نحو المتجر. كنت أعرف كل حجر على الطريق، وكل صوت يعبر الحي الصامت. وفي بعض الأيام، كنت أسبق ضوء الشمس.الحذاء… لم يكن مجرد حذاء. كان شاهدًا على حياتي هنا، وكل خدش فيه يشبه لحظة من الماضي. بدأت أطرافه تتآكل أكثر، تُصدر صريرًا خافتًا في كل خطوة. كنت أتجنّب النظر إليه كثيرًا، كأنه يعيدني لصوت طرقات دار الرعاية القديمة، للشتاء الأول الذي قضيته هناك، حين ضاق بي البرد وبكيت دون صوت.بعد أسبوع من العمل، قررت أن أشتري شيئًا صغيرًا… رفيقًا بصمت لا يطلب الكثير. كنت أفكر بقطّ أو كلب، لكنني تراجعت."القطط تحتاج الدفء، والكلاب تحتاج الساحات… وأنا لا أملك سوى زاوية من الغرفة، ونافذة تطل على الظلال."وقفتُ أمام حوض صغير في
كان الصباح في الجامعة ثقيلاً على غير عادته. لم أكن قد نمت جيدًا، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي. لم أعد أفرّق. جلست في زاوية مكتبة صغيرة داخل الحرم، أفتّح كتابًا دون أن أقرأ فعليًا، حين جاءت "جين" وجلست قبالتي. نظرت إليّ طويلًا قبل أن تتكلم. "وجهك شاحب… هل أنتِ بخير؟" أغلقتُ الكتاب ببطء. "أنا بخير." لكن صوتي لم يقنع حتى نفسي. أمالت رأسها قليلًا. "منذ عودتكِ إلى دار الأيتام وأنتِ تبدين وكأنكِ في مكان آخر." تجمّد الهواء لثوانٍ. لم أجب. لأن الجواب كان أثقل من أن يُقال. في داخلي، كان اسم واحد فقط يتحرك بهدوء مزعج. تشانغو. ثم قلت لتغيير الاتجاه: "هل سبق لكِ أن شعرتِ أن شيئًا سمعتيه لم يعد مجرد قصة؟" رمشت جين. "مثل ماذا؟" لكنني لم أجب. أخرجت دفتري الصغير، وفتحته دون تفكير. في إحدى الصفحات، كانت هناك جملة كتبتها قبل أيام فقط، دون أن أفهم لماذا: "قطة… شيء صغير لا يسأل كثيرًا." أغلقت الدفتر بسرعة حين لاحظت نظرتها. "تفكرين في اقتناء حيوان؟" سألت بهدوء. "لا… مجرد فكرة." قلت بسرعة. لكن الحقيقة أنني لم أعد أعرف الفرق بين الفكرة والهروب. سكتت جين قليلًا، ثم قالت: "أحيانًا نب







