Share

الفصل ٣

Penulis: هيرو
last update Tanggal publikasi: 2026-06-06 07:50:27

كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاوية معزولة داخل مكتبة الحرم الجامعي الصغيرة، أفتح كتاباً دراسياً ثقيلاً دون أن أقرأ سطوره فعلياً، بل كانت عيناي تائهتين بين الصفحات، حين جاءت صديقتي جيني وسحبت الكرسي المقابل لتجلس قبالتي بهدوء.

نظرت جيني إليّ لزمن طويل، تتفحص ملامحي بدقة وقلق قبل أن تنطق بأولى كلماتها:

"وجهكِ شاحب للغاية اليوم يا سو آه… هل أنتِ بخير حقاً؟"

أغلقتُ الكتاب ببطء شديد أداري به توتري وأجبتها:

"أنا بخير، لا تقلقي."

لكن نبرة صوتي المبحوحة والجافة لم تقنع حتى نفسي، فكيف لها أن تقنعها؟ أمالت جيني رأسها قليلًا، وخفضت صوتها وهي تلامس طرف الطاولة:

"منذ عودتكِ الاضطرارية إلى دار الأيتام، وأنتِ تبدين طوال الوقت وكأن جسدكِ معنا هنا بينما روحكِ وعقلكِ في مكان آخر بعيد لا يمكننا الوصول إليه."

تجمد الهواء في صدري لثوانٍ معدودة، ولم أملك القدرة على إجابتها؛ لأن الجواب الحقيقي كان أثقل وأكثر تعقيداً من أن يُقال أو يُفهم. في داخلي، كان هناك اسم واحد فقط يتحرك بهدوء مزعج يمزق طمأنينتي: "تشانغو". حاولت جاهدة التخلص من هذا الحصار النفسي، فقلت لتغيير اتجاه الحديث تماماً:

"جيني.. هل سبق لكِ أن شعرتِ بأن شيئاً غريباً سمعتِ به فجأة لم يعد مجرد قصة عابرة يتداولها الناس، بل تحول إلى حقيقة تلاحقكِ؟"

رمشت جيني بعينيها بعدم فهم واستغربت سؤالي المفاجئ:

"مثل ماذا؟ عن ماذا تتحدثين تحديداً؟"

لكنني لم أجبها، بل آثرت الصمت وتراجعت. أخرجت دفتري الصغير من الحقيبة، وفتحته بشكل عشوائي دون تفكير لتهرب عيناي إلى إحدى الصفحات؛ وهناك، رصدت جملة مبهمة كنت قد كتبتها بخط يدي قبل أيام قليلة فقط دون أن أفهم دافعي وراءها: «قطة… شيء صغير أليف، لا يسأل كثيراً ولا يملك ماضياً يطارده». أغلقت الدفتر بسرعة البرق حين لاحظت نظرات جيني الفضولية التي تتابع تصفحي، فسألتني بنبرة هادئة:

"هل تفكرين في اقتناء حيوان أليف ليؤنس وحدتكِ في الدار؟"

"لا… مجرد فكرة عابرة خطرت ببالي." قلتها بسرعة محاولة إنهاء الموضوع.

لكن الحقيقة المرة التي أخفيتها عنها هي أنني لم أعد أعرف الفرق بين الفكرة الواعية والهروب من الواقع. سكتت جيني قليلًا، وتأملت وجهي بنظرة دافئة ثم قالت كمن يقرأ أفكاري:

"أحياناً، نحن نبحث بنفاد صبر عن شيء بسيط وهامشي في حياتنا، فقط حتى نشغل عقولنا به ولا نفكر في الأشياء الكبيرة والمرعبة التي تعجز قُدراتنا عن حلها."

لم أعلق على كلامها؛ لأن الأشياء الكبيرة التي كانت تعصف برأسي في تلك اللحظة لم تكن مجرد فكرة واحدة يمكن مناقشتها، بل كانت مزيجاً مخيفاً من أصوات قديمة، وأسماء غامضة، وصمت طويل كئيب لا يبدو أنه سينتهي قريباً.

بعد انتهاء المحاضرات الجامعية الروتينية، خرجت من مبنى الكلية بخطوات متباطئة ومثقلة. كان الهواء في الخارج قد أصبح أبرد بكثير مما كان عليه في الصباح، والسماء تميل إلى لون رمادي خفيف ينذر بالمطر أو بالظلمة الباكرة. سرت بين الممرات الخارجية للحرم دون هدف واضح أو وجهة محددة، حتى وجدت نفسي أتوقف عند ممر جانبي شبه فارغ من الطلاب، وهناك رأيته؛ لم أكن متأكدة من رؤيتي في البداية وظننت أن عيني تخدعني.

كان شاباً يقف وحيداً مستنداً قرب الجدار الإسمنتي البارد، يحمل حقيبة قماشية سوداء على كتفه، وينظر إلى الأرض بجمود شديد وكأنه ينتظر شيئاً يعلم في أعماقه أنه لن يأتي أبداً. توقفت قدماي عن الحراك تماماً قبل أن يتخذ عقلي القرار، وهمس شيء خفي في أعماقي بنبرة مرعبة: «هذا المظهر ليس غريباً عليكِ..». لكنني لم أكن أعرف لماذا شعرت بذلك! فأنا لم أره في حياتي من قبل، ومع ذلك… كان في تفاصيل ملامحه الهادئة والحزينة شيء يشبه صورة قديمة لم ألتقطها يوماً، لكنها بقيت محفورة في زوايا رأسي.

ارتبك صدري، وتسارعت دقات قلبي بطريقة مرعبة جعلتني أتراجع خطوة صغيرة إلى الوراء دون أن أنتبه لنفسي. هل يمكن أن يكون هذا الشاب هو ذاته…؟ أم أن عقلي الباطن بات يجسد لي ما سمعته من هاني في الليلة الماضية؟ في تلك اللحظة الوجلة، رفع رأسه قليلًا؛ لم ينظر إليّ مباشرة، لكن قلبي انقبض بشدة كما لو أنه فعل واختلقت نظراته روحي. ثم مرّ بجانبي ببرود ومضى في طريقه، دون أن أتحدث أو أتحرك خطوة واحدة؛ فقط بقيت واقفة في مكاني كالصنم، أراقب أثره وظله وهو يختفي تدريجياً بين الممرات البعيدة.

في المساء، عدت أجر أذيال الخيبة والخوف إلى دار الأيتام. لم يكن هناك أي شيء مختلف في أرجاء المكان؛ نفس الجدران الباردة، نفس الإضاءة الشاحبة، لكنني أنا من كنت مختلفة تماماً هذه المرة. أغلقت الباب الخشبي للغرفة خلفي بصمت، وسرت في الممر البارد حتى وصلت إلى سريري، وهناك، حين نزعتُ سترتي الشتوية الثقيلة لأعلقها، سقط شيء صغير وخفيف من جيبها الداخلي على الأرض الإسمنتية.

انحنيت ببطء والتقطته، لتتسع عيناي بصدمة؛ لقد كانت تذكرة حافلة قديمة للغاية، باهتة اللون، ومطوية بعناية عند الأطراف كأنها بقيت مخبأة في طيات النسيج لسنوات طويلة دون أن يلحظها أحد. حدقت في قطعة الورق الصغيرة لزمن طويل، ولم أستوعب لماذا كانت موجودة في جيبي الآن بالذات، لكن شيئاً في أعماقي عرف الحقيقة المخبأة وفهمها قبل أن يستوعبها عقلي الواعي. حدّت في التذكرة، ولم تكن جديدة بالطبع، لكن وجودها بين أصابعي في هذه اللحظة بدا كأنه خطأ فادح في حسابات الزمن.

تسلّل شعور الذكرى ببطء شديد، كأن الذاكرة لا تفتح بابها الموصد دفعة واحدة خوفاً من انهيار صاحبه، بل تزيحه قليلًا قليلًا حتى تمنعك من الهرب. وتذكّرت كل شيء بوضوح مرعب؛ في ذلك اليوم البعيد، لم يكن هناك أحد يدفعني للرحيل، ولم يكن هناك صوت قاصٍ يقول لي اذهبي واديري ظهركِ للجميع؛ كنت أنا فقط، أنا وقرار متهور لم أكن أفهمه بالكامل لكنني اتخذته تحت وطأة الضغط النفسي وشعوري بأنني عبء على عائلتي البديلة.

في ذلك اليوم، خرجت من الدار وأنا أحمل حقيبة يد صغيرة لا تشبه حقائب الرحيل الطويل في شيء، بل كانت تشبه محاولة يائسة لإقناع نفسي بأن الأمر بسيط ومجرد نزهة قصيرة. كان الطريق إلى محطة الحافلات طويلاً ومضنياً أكثر مما يجب، ومع كل خطوة كنت أخطوها، كنت أواسي نفسي وأكذب عليها قائلة: "يمكنني أن أتراجع وأعود في أي لحظة إلى حضن عائلتي". لكنني كنت أعلم في أعماق قلبي أنني لا أعود، حتى وأنا بكامل جسدي أذهب نحو المجهول.

وقفت في موقف الحافلات، وكان الهواء هناك بارداً بطريقة موحشة لا علاقة لها بطقس ذلك اليوم، بل كانت برودة تخص ما بعد اتخاذ القرارات المصيرية. وقفت أمام نافذة التذاكر الزجاجية، وأخرجت بضع عملات نقدية بيد ترتجف ولم تكن ثابتة كما تمنيت لها أن تكون أمام البائع البارد.

"إلى أين الوجهة؟" سألني الرجل من خلف الزجاج دون أن يرفع عينه عن سجلاته.

لم أكن أعرف الإجابة حقاً، لكن الصمت بيننا طال أكثر مما يجب وبدأ يثير ريبته، فاخترت على عجل اسماً عابراً لمدينة بعيدة لا تحمل لي أي معنى أو ذكرى، فقط لتكون الإجابة ممكنة وأهرب من الموقف. أخذت التذكرة، وكانت مجرد قطعة ورق صغيرة ورخيصة، لكن يدي شعرت بثقلها الهائل بشكل غير مبرر، كأنه لم يكن مجرد ورق لركوب حافلة، بل كان اختباراً قاسياً لمدى قدرتي على الصمود.

وقفت أخيراً عند باب الحافلة الكبيرة وكانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها تستقبل الركاب، ولم يكن صوت المحرك الضخم مجرد ضجيج ميكانيكي عابر، بل كان يتردد في مسمعي كشيء يشبه نداء الهاوية الأخير. كان يكفي فقط أن أتحرك خطوة واحدة للأمام وأصعد؛ كنت أستطيع حينها أن أبدأ كل شيء من جديد في مدينة غريبة، أو أن أهرب من ماضيّ وانكساري دفعة واحدة دون التفات. لكنني توقفت مكاني وتصلبت، ليس لأن أحداً من المارة أوقفني أو أمسك بيدي… بل لأنني أنا، من داخلي، من عجزت عن التقدم وتوقفت خائفة.

شعرت برعب شديد يتأكل أحشائي؛ ولم يكن خوفاً من مشقة الرحيل أو الغربة، بل كان خوفاً حقيقياً من أن أكون أنا نفسي، بنفس انكساري وعيوبي، في مكان آخر جديد لا يعرفني ولا يرحمني؛ خوفاً من أن أذهب بعيداً ولا أستطيع أبداً العودة إلى هذه النسخة التي أعرفها وأألفها من نفسي، حتى لو كانت نسخة مؤلمة ومليئة بالندوب. تراجعت إلى الخلف ببطء شديد، ثم أسرعت في تراجعي قليلاً وهربت، حتى أُغلقت أبواب الحافلة الحديدية بعنف أمامي، ومضت بعيداً تبتلعها الشوارع دوني.

لم أبكِ وقتها، ولم أركض خلفها نادمة؛ فقط بقيت واقفة في رصيف المحطة المهجور، والتذكرة مجعدة ومسجونة في قبضة يدي كأنها دليل مادي على رحلة كاملة لم تحدث قط، لكنها في الوقت ذاته لم تُلحَ أو تُمحَ من حسابات حياتي تماماً.

فتحت عيني ببطء من غمرة ذكرياتي لأجد نفسي في الغرفة نفسها تحت السقف المتشقق ذاته، والتذكرة القديمة لا تزال قابعة بين أصابعي المرتجفة. لكن الغريب والمخيف في الأمر لم يكن بقاء هذه الورقة معي طوال هذه السنين… بل هو أنني ما زلت أتذكر تفاصيل تلك اللحظة بكل وضوح وحرقة، كأنها حدثت الآن أمامي، لا قبل سنوات طويلة. وهنا فقط، في عتمة غرفتي، فهمت شيئاً صغيراً ومخيفاً عن طبيعتي: لم يكن هناك أحد يملك القوة ليمنعني من الرحيل وتغيير حياتي، لكنني أنا… لم أكن أعرف أبداً كيف أملك الشجاعة لأختار أن أرحل فعلاً.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٧٢

    تراجعت سو-آه عدة خطوات إلى الخلف.وقعت عيناها على الكرسي القريب منها، فتقدمت نحوه بسرعة، أمسكت بمسنده وسحبته أمامها، لتضعه حاجزًا بينهما."كانغ وو، أحذرك... لا تقترب."انفجر ضاحكًا.لم تكن ضحكته عالية، لكنها حملت سخرية واضحة من رد فعلها."ألم تكوني شجاعة قبل قليل؟"أمال رأسه وهو ينظر إلى الكرسي الذي وضعته بينهما."كنتِ تتحدثين عن ضربي به وإضافة خمسين سنة إلى حكمك."ثم ابتسم."ما بك الآن؟"توقفت عيناه عند يديها المشدودتين حول مسند الكرسي."أترتجفين لمجرد أنني اقتربت منك؟"هدأت سو-آه قليلًا.ثم قالت دون أن ترفع صوتها:"لقد اقتربت مني بسبب رهان مع أصدقائك في الجامعة."اختفت ابتسامتها."هل ظننتني غبية إلى درجة أن أصدق أن شخصًا غنيًا مثلك يقترب من فتاة وسط فضيحة المشروع من دون نية واضحة؟"توقفت ضحكته.لم يجب.بقي ينظر إليها لثوانٍ، ثم أدار جسده وعاد إلى الكرسي.جلس بهدوء، وأسند ظهره إليه.لم ينفِ كلامه

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٧١

    كان النهار يمضي ببطء داخل السجن. على الأرضية الطويلة، كانت سو-آه تجثو مع مجموعة من السجينات، تحرك قطعة القماش المبللة ذهابًا وإيابًا فوق البلاط. الماء البارد يتسرب إلى أطراف أصابعها، ورائحة مواد التنظيف تملأ المكان. لم تعد تتذمر من ذلك. لم تعد تسأل متى ستنتهي. كانت فقط تؤدي ما عليها، ثم تنتقل إلى المهمة التالية. بعد عامين، أصبح هذا المكان جزءًا من يومها. ليس بيتًا. وليس مكانًا تحبه. لكنه لم يعد غريبًا عنها كما كان في البداية. رفعت سو-آه يدها ومسحت قطرة عرق عن جانب جبينها، ثم عادت إلى الأرض. وفجأة، جاء صوت حاد من آخر الممر. "سو-آه!" توقفت يدها. رفعت رأسها نحو الحارسة الواقفة عند الباب. "نعم؟" "لديك زيارة." بقيت سو-آه جاثية لثانية. زيارة؟ وضعت قطعة القماش جانبًا، ثم وقفت. غسلت يديها سريعًا،

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٧٠

    رفع رأسه. توقف الصوت. ثم عاد. خطوة. ثم أخرى. صوت حذاء يلامس الأرضية الرخامية بهدوء. لم تكن الخطوات سريعة. بل هادئة، ثابتة، وكأن صاحبها لا يملك سببًا واحدًا يجعله يستعجل الوصول. شد المحامي ظهره. وضع يده فوق ركبته. ثم ظهر رجل عند نهاية الممر. توقفت أنفاسه للحظة. كان طويلًا. يرتدي قميصًا أسود بأكمام مطوية إلى منتصف ساعديه، وسروالًا داكنًا. لم يكن يرتدي شيئًا مبالغًا فيه. ومع ذلك... كان حضوره يملأ المكان. اقترب. كان وجهه واضحًا الآن.

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٦٩

    لم تمر سوى دقائق على خروج هيتشول من المطار حتى توقفت أمامه سيارة سوداء ضخمة. كانت سيارة دفع رباعي فاخرة، ذات زجاج داكن وهيكل يوحي بأنها لم تُرسل لاستقبال رجل عادي. توقفت أمامه بسلاسة. نزل أحد الرجال من المقعد الأمامي بسرعة. أغلق الباب خلفه، ثم اتجه نحو هيتشول. فتح له الباب الخلفي. وانحنى باحترام. «سيدي.» توقفت عينا هيتشول عليه للحظة. لم يقل شيئًا. فقط صعد إلى السيارة. أغلق الرجل الباب، ثم عاد إلى مقعده. تحركت السيارة. استند هيتشول إلى المقعد ونظر من النافذة. كانت كوريا تمر أمامه من جديد. الشوارع التي عرفها يومًا. المباني التي تغيرت. الطرق التي لم يع

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١٦٨

    لم يعد هيتشول ذلك الشاب الذي دخل عالم فيكتور هاربًا من ماضيه. مرّ عامان منذ اختفى. عامان كانا كافيين ليتغير صوته، نظرته، وحتى الطريقة التي يقف بها أمام الآخرين. لم يعد يتلفت خلفه. لم يعد يسأل نفسه إن كان ما يفعله صوابًا أم خطأ. في هذا العالم، كان التردد رفاهية لا يملكها أحد. وكان هيتشول قد تعلم ذلك بالطريقة الأصعب. في تلك الليلة، وقف داخل أحد المستودعات القديمة قرب الميناء، بينما كانت رائحة الحديد والرطوبة عالقة في الهواء. حولَه رجال فيكتور ينقلون الصناديق بصمت. كان هيتشول يراقبهم دون أن يشاركهم الحركة. عيناه توقفتا عند أحد الصناديق. علامة صغيرة محفورة على الخشب. تقدم خطوة. تأملها لثوانٍ. ثم قال: «توقفوا.» توقفت الأيدي. التفت إليه الرجال. اقترب أحدهم. «ماذا هناك؟» أشار هيتشول إلى العلامة.

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   فصل ١٦٧

    في ذلك المساء، دفعت الأم كرسيها حتى وصلت إلى مكتبه. كان الباب مفتوحًا، الضوء يتسلل إلى الممر. رأته جالسًا أمام الأوراق، ظهره منحني قليلًا. لم يرفع رأسه عندما دخلت. صوت العجلات كان كافيًا ليعرفها. «هل وجدت شيئًا؟» توقف عن تقليب الأوراق، أصابعه تتجمد على الورقة. ثم قال، دون أن ينظر إليها: «لا.» كانت الإجابة قصيرة. قاسية في بساطتها. لكنها لم تغضب. اعتادت على هذه الكلمة. اقتربت أكثر، عجلات الكرسي تتوقف قرب مكتبه. «لا تتوقف.» رفع عينيه إليها، عيناه حمراوان من السهر. «لن أتوقف.» «حتى لو طال الأمر؟» «حتى لو احتاج الأمر بقية عمري.» نظرت إليه لثوانٍ، تدرس وجهه المتعب. ثم ابتعدت دون كلمة، العجلات تعود للدوران. ***

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٥

    في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٤

    كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ٢

    لم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ل

  • فخ خلف الجدران: جريمة المصنع التي غيّرت حياة سوو آه   الفصل ١

    لكن هذا الصباح… مختلف. اليوم، أعود إلى المكان الذي هربت منه: دار الأيتام. لم يكن الأمر طوعياً بالكامل، فقد انتهى عقد السكن الجامعي ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق، لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني. وقفتُ أمام الباب الحد

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status