LOGINكانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذاته… بل كان مرهقاً للروح، يستنزف ما تبقى من طاقة جسدي المنهك.
كان روتيني اليومي بسيطاً، متكرراً كعقوبة أبدية، مثل ظلٍ لا يتبدّل ولا يزول: أستيقظ مجبرة عند السادسة صباحاً، أرتدي قميصي الأزرق الباهت، أُصلح حذائي المهترئ بشريط لاصق إن غدرتني أطرافه واقتضت الحاجة، ثم أمشي في الطريق الترابي الوعر نحو المتجر. كنت من فرط التكرار أعرف مكان كل حجر على الطريق، وأميز كل صوت يعبر الحي الصامت؛ وفي بعض الأيام، كنت أجد نفسي أسبق ضوء الشمس قبل أن يشرق. هذا الحذاء… لم يكن مجرد حذاء أرتديه. كان شاهداً صامتاً وقاسياً على حياتي هنا، وكل خدش عميق في جلده المتشقق يشبه لحظة انكسار من الماضي لا تُمحى. بدأت أطرافه وتجاويفه تتآكل أكثر مع مرور الأيام، مسببة صريراً خافتاً في كل خطوة أخطوها. كنت أتجنّب النظر إليه كثيراً، كأنه مرآة تعيدني رغماً عني لصوت طرقات دار الرعاية القديمة، وللشتاء الأول الذي قضيته هناك، حين ضاق بصدري البرد الشديد والغربة فجثوت وبكيت دون أن أصدر صوتاً واحداً. بعد أسبوع من العمل المتواصل، قررت أن أشتري شيئاً صغيراً… رفيقاً يشاركني وحدتي بصمت مطبق ولا يطلب الكثير. كنت أفكر باقتناء قطّ أو جرو صغير، لكنني تراجعت بسرعة: "القطط تحتاج الدفء، والكلاب تحتاج الساحات… وأنا لا أملك سوى زاوية مظلمة من غرفة مشتركة، ونافذة تطل على الظلال المهجورة". وقفتُ أمام حوض مائي صغير في المتجر المجاور، وتأملت سمكة ذات ذيل طويل متموج ولون برنتقالي ناصع. "هي تشبهني تماماً…" قلتها همساً للزجاج البارد، "تعيش في مساحة ضيقة، وتسبح بلا صوت… وتبدو وكأنها نسيت كيف تتذمر". ابتعتها، وأطلقتُ عليها اسم "هُدنة"، ووضعتها داخل كأس زجاجي قرب نافذة غرفتي. في تلك الليلة، جلست على الأرض خضراء، خلعتُ حذائي، ونظرت إليه؛ كنت أشعر بشيء من الراحة، كأنني نجحت في إطفاء جزء من الضجيج الداخلي. في آخر الليل، حين هدأت الأنفاس وسكنت أصوات السيارات البعيدة، جلستُ قرب النافذة. كانت السمكة الصغيرة تسبح ببطء، تتحرك بحذر كأنها تدرك أن الليل لا يحب الضجيج العالي. أسندتُ رأسي المتعب إلى الزجاج، وخاطبتها بصوت خافت: "هُدنة… أتعلمين؟" صمتت للحظة كأنني أُصغي لردّها المنتظر، ثم تابعت بمرارة: "الجميع يقولون إننا نحتاج لمن يسمعنا، لكن ربما… نحن فقط نحتاج لمن يصمت معنا". راقبتُ حركتها وهي تدور بكسل، كأنها تكتب دائرة لا تنتهي. "أنتِ لا تبكين، لا تصرخين، ولا تهربين من الزوايا مثلي… وربما لهذا أحببتكِ". مددتُ يدي ببطء نحو الكأس، لم ألمسها، فقط وضعت إصبعي على الزجاج البارد. "لن أطلب منكِ شيئاً، فقط ابقي هنا… واسبحي… لا تتركيني وحدي يا صديقتي الوحيدة". وفي زاوية الغرفة، كان حذائي المهترئ يستند إلى الجدار، كأنه يسمعني أيضاً. "غداً سأخيطك مرة أخرى… لا تنكسر قبلي، رجاءً". سادت الغرفة سكينة ناعمة، لا يُكسر صمتها إلا بفقاعات صغيرة تصعد من الحوض. لكن النوم في تلك الليلة لم يكن هادئاً. لم يكن نوماً أصلًا… بل كان سقوطاً بطيئاً داخل شيء يشبه الحلم الملعون. وجدتُ نفسي في مكان ضيق؛ جدران رطبة، متقاربة كأنها تتنفس بصعوبة وتطبق على أنفاسي. كانت هناك رائحة بخور قديم تختلط بالتراب المبلل. لم يستغرق الأمر طويلاً لأدرك المكان، لقد كان البيت الذي سمعت عنه؛ البيت المقابل للشارع الثاني. لم أسأل في غمرة الحلم كيف وصلت، ففي الأحلام… الوصول لا يحتاج تفسيراً. فجأة، سمعت صوت تنفّس؛ كان بطيئاً… ومتقطعاً… كأنه يصدر من داخل الجدران نفسها. كان الصوت آتياً من جهة المطبخ، فاقتربت بخطوات وجلة. كان الإبريق على النار، والماء بداخله يغلي وحده. لم يكن هناك أحد، لكن النار كانت مشتعلة بزُرقتها. ثم… دوت ثلاث طرقات على الباب الخلفي. كانت طرقات منتظمة، كأنها ليست طلباً للدخول… بل أمر صارم. اقتربتُ ببطء، مددت يدي المرتجفة، وفتحت الباب. كنتُ أنا.. لكنني لستُ أنا. فتاة تقف في الخارج، شعرها أسود مبتل يلتصق بوجهها الشاحب، ووشاح رمادي يلتصق بكتفيها. رفعت رأسها نحوي، ونظرت في عيني كأنها تعرفني منذ زمن طويل. قالت بصوت خافت: "أنا هنا… افتحي الباب". تراجعت خطوة، لكن الباب لم يعد خلفي؛ بل أصبح حولي من كل جانب، كأن البيت أغلق نفسه علينا تماماً. استيقظتُ فجأة، وكان صدري يعلو ويهبط بسرعة جنونية ملتقطاً الأنفاس بصعوبة. الغرفة مظلمة، وهادئة… هادئة أكثر من اللازم. التفتُ نحو النافذة فوراً، وكان الكأس الزجاجي ما زال هناك. لكن الماء بداخله… كان ساكناً بشكل غريب. اقتربتُ ببطء، ثم توقفت؛ لا شيء يتحرك داخله على الإطلاق. ثم رأيت الفراغ: "هُدنة"… لم تكن هناك. كان الكأس فارغاً تماماً، جافاً كأنه لم يُملأ يوماً بقطرة ماء. تراجعتُ خطوة والصدمة تلجم لساني، وفي تلك اللحظة بالذات… سمعت صوتاً خلف الجدار. لم يكن صوت طرق، بل صوت امرأة تبكي بنحيب مرير ثم تضحك فجأة بهستيرية، وتهمس باسم واحد، كأنه يُنزع من فمها بالقوة: "سو اه… سو اه…" تجمّدتُ في مكاني، والهواء لم يعد يتحرك. تملّكني رعبٌ أعمى، ورغبةٌ وحشية في الهروب من الغرفة، من هذا الجدار الذي يهمس. دون أن أعِي ما أفعل، انحنيتُ والتفطتُ حذائي المهترئ من الأرض، أطبقتُ عليه أصابعي بقوة كأنه طوق نجاتي الوحيد، وركضتُ بـ خطواتٍ مرتجفة نحو الممر البعيد داخل الدار، علّني أصل إلى الباب الخارجي. لكنني توقفتُ فجأة... هناك، في آخر الممر المظلم، رأيتُ ظلاً. طويلاً، وساكناً بلا حراك. يحمل حقيبة على كتفه... إنه هو! الشاب نفسه الذي مرّ بجانبي في ممرات الجامعة هذا الصباح. تثبّتت عيناي عليه برعب خالص. كيف وصل إلى هنا والدار مقفلة؟ رفع رأسه ببطء شديد نحوي، وقبل أن أرى وجهه في العتمة، ارتخت يدّي من الصدمة... فسقط حذائي من بين أصابعي على الأرض. أصدر صوتاً صغيراً في الممر الصامت… كأنه بداية شيء أكبر مني.في ذلك المساء، دفعت الأم كرسيها حتى وصلت إلى مكتبه. كان الباب مفتوحًا، الضوء يتسلل إلى الممر. رأته جالسًا أمام الأوراق، ظهره منحني قليلًا. لم يرفع رأسه عندما دخلت. صوت العجلات كان كافيًا ليعرفها. «هل وجدت شيئًا؟» توقف عن تقليب الأوراق، أصابعه تتجمد على الورقة. ثم قال، دون أن ينظر إليها: «لا.» كانت الإجابة قصيرة. قاسية في بساطتها. لكنها لم تغضب. اعتادت على هذه الكلمة. اقتربت أكثر، عجلات الكرسي تتوقف قرب مكتبه. «لا تتوقف.» رفع عينيه إليها، عيناه حمراوان من السهر. «لن أتوقف.» «حتى لو طال الأمر؟» «حتى لو احتاج الأمر بقية عمري.» نظرت إليه لثوانٍ، تدرس وجهه المتعب. ثم ابتعدت دون كلمة، العجلات تعود للدوران. ***
بعد عدة أيام، حاولت الممرضة مساعدتها على الجلوس على حافة السرير. وضعت قدميها على الأرض الباردة. انتظرت. لم يحدث شيء. العضلات لم تتقلص. القدمان بقيتا هامدتين. كانت تحدق فيهما، كأنها تنظر إلى أطراف شخص آخر. «حاولي رفع قدمك قليلًا. فقط إصبع القدم.» شدت عضلات ساقها بكل ما أوتيت من قوة إرادة. عرق يتجمع على جبينها. لم تستجب. فراغ تام. حاولت مرة أخرى. ثم أغمضت عينيها، اليأس يتسلل إليها. «لا أستطيع.» قالت الممرضة بهدوء وتعاطف: «لا بأس. الجسم يحتاج وقتًا ليتعلم الثقة مرة أخرى. سنحاول مرة أخرى غدًا.» لم تجب. اكتفت بإغلاق عينيها. بعد قليل، أُحضرت لها كرسي متحرك جديد، لامع ومعقم. جلست فيه للمرة الأولى. الإحساس بالعجز كان ساحقًا. بقيت يداها فوق فخذيها، عاجزة عن لمس العجلات. نظرت إلى الكرسي. ثم إلى ساقيها الميتتين. لم تبكِ. الدموع جفت.
كان الصباح هادئًا أكثر مما ينبغي. صمت ثقيل يخنق أروقة القصر، كأن الهواء نفسه يحبس أنفاسه انتظارًا لكارثة. جلست والدة هيتشول في غرفتها منذ وقت مبكر، جالسة على حافة السرير، تحدق في النافذة الزجاجية دون أن ترى شيئًا من العالم الخارجي. عيناها زجاجيتان، فارغتان من الحياة. منذ اختفائه، تغيرت ساعات نومها جذريًا. لم يعد للنوم طعم، ولا للراحة معنى. تستيقظ قبل الجميع، حين يكون الظلام لا يزال متمسكًا بالأرض. تبقى مستيقظة حتى الفجر، تراقب تحرك الضوء ببطء على الجدران. ثم تقضي النهار متنقلة بين الغرف الكبيرة والخالية، خطواتها خفيفة، كأنها شبح يطوف في بيته الخاص، تبحث عن شيء تعرف مسبقًا أنها لن تجده. صوت خطواته. رائحة عطره. دفء وجوده. في ذلك الصباح، وقفت ببطء شديد. مفاصلها تصرخ احتجاجًا على الجمود. وضعت يدها المرتجفة على حافة الطاولة الخشبية لتثبت نفسها. بقيت للحظات دون حركة، رأسها يدور بدوار خفيف. ثم خرجت من الغرفة. كانت تحمل كوبًا من الماء البارد، يداها تشدان الزجاج بقوة بيضاء. خطت
لم يكن غياب هيتشول مجرد اختفاء شخص. كان فراغًا ثقيلاً، كثيفًا، يملأ ممرات القصر الواسعة ويخنق أنفاس من بقي فيه. في الأيام الأولى، بقيت غرفته كما تركها، متحفًا صغيرًا لحياة توقفت فجأة. الباب مغلق بإحكام. السرير مرتب بدقة عسكرية، الملاءات مشدودة بلا تجاعيد. بعض الملابس ما تزال معلقة في الخزانة، تفوح منها رائحة عطره الباهتة. وعلى المكتب الخشبي الداكن، بقي هاتف قديم، شاشته مطفأة، لم يعد أحد يلمسه أو يشحنه. غبار رقيق بدأ يستقر عليه كطبقة نسيان. لكن الوقت مر. والغرفة بقيت فارغة. الصمت فيها أصبح صاخبًا. في صباح اليوم الثالث، وقف والد هيتشول أمام مكتب ابنه. الضوء الرمادي يتسلل عبر الستائر، يلقي ظلالاً طويلة على وجهه المتحجر. مد يده نحو أحد الأدراج العلوية. فتحه ببطء. لم يجد شيئًا. أوراق مرتبة. أقلام. لا رسائل سرية. لا وداع. أغلقه بصوت خافت. ثم فتح الدرج الثاني. صمت طويل. ثقيل. أغلقه أيضًا. دخل أحد رجاله، خطواته حذرة عل
سحبت الكرسي البلاستيكي المقابل للسرير وجلست. صوت احتكاك الأرجل بالأرض كان عاليًا في الصمت. وضعت حقيبتها الجلدية على قدميها. شبكت أصابعها فوقها بقوة، لتخفي ارتعاشها. قالت: «كيف حالك؟» «أفضل.» «هذا جيد.» سكتا. كانت هناك كلمات كثيرة تزحم رأسها، تريد الخروج دفعة واحدة. *أين كنت؟ هل تعرف كم انتظرت؟ هل تتذكر الأيام التي...* توقفت. ابتلعت الكلمات. لم تقل شيئًا. نظر جيهون إليها، رأسه مائل قليلاً. «هل أعرفك؟» السؤال سقط مثل حجر في بئر عميق. تجمدت أصابعها للحظة. عقدت مفاصلها حتى ابيضّت. ثم رفعت عينيها إليه. عيناها لامعتان، لكن دمعتها حبستها بإرادة قوية. «نعم.» «منذ متى؟» فتحت فمها. ثم أغلقته. كانت تعرف أن أي إجابة محددة قد تجر سؤالًا آخر، وقد يؤدي السؤال الآخر إلى كشف الصدع الكبير في ذاكرته.
كان الحمام هادئًا، تعزل جدرانه المبللة ضجيج المستشفى الخارجي. صوت الماء المتساقط من الصنبور ملأ الفراغ للحظات، قطرة تلو الأخرى، إيقاع بطيء ومميت، ثم توقف فجأة. رفع جيهون رأسه. نظر إلى المرآة. بقي ساكنًا أمامها، كأن تمثالًا من لحم ودم يقف في مواجهة انعكاسه. كان وجهه وجهه. لم يشك في ذلك للحظة. العينان. الأنف. الفك. كل شيء في مكانه الصحيح، مرتب وفق هندسة مألوفة. ومع ذلك، ظل يحدق فيه كأنه يرى غريبًا للمرة الأولى. اقترب خطوة، حتى لامس أنفاسه الزجاج البارد. رفع يده إلى حاجبه الأيسر. مرر إصبعه فوق ندبة صغيرة، بيضاء اللون، تكسر خط الحاجب. توقف. لم يتذكر متى ظهرت. هل كانت من شجار طفولي؟ من سقوط دراجة؟ من حادث لم يعد يتذكره؟ أنزل يده ببطء. فتح ياقة ملابس المستشفى الخضراء الباهتة قليلًا. كانت هناك ندبة أخرى، أطول وأعمق، قرب كت
لم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ل
لكن هذا الصباح… مختلف. اليوم، أعود إلى المكان الذي هربت منه: دار الأيتام. لم يكن الأمر طوعياً بالكامل، فقد انتهى عقد السكن الجامعي ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق، لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني. وقفتُ أمام الباب الحد
في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع
كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاو







