تسجيل الدخولكان المقهى هادئاً على غير العادة في ذلك الوقت من النهار، يقع منزوياً في أحد الأزقة الجانبية الضيقة والبعيدة تماماً عن ضوضاء الحرم الجامعي وصخبه المزعج. كانت تنساب عبر نوافذه الزجاجية العتيقة رائحة ذكية ومحببة للقهوة المحمصة والمخبوزات الطازجة الدافئة. في الزاوية الأبعد والأكثر عزلة عن أعين الزبائن القلائل، جلستُ أمام طاولة خشبية صغيرة، بينما وضعت جيني صينية الطعام والمشروبات بيننا بحركة حازمة وقاطعة. نظرتْ إليّ بجدية صارمة ونبرة لا تقبل النقاش وقالت: "كلي. الآن." رفعتُ عينيّ الغائرتين نحوها بتعب شديد وهتفتُ بخفوت: "لستُ جائعة يا جيني، حلقي جاف تماماً." عقدت جيني ذراعيها فوق صدرها، وقطبت حاجبيها متمسكة بموقفها: "أنا لم أسألكِ إن كنتِ جائعة أم لا؛ عقلكِ يعمل في جحيم التفكير منذ أيام دون لحظة توقف واحدة، وإذا كنتِ تنوين حقاً حل هذه القضية المعقدة واستعادة كرامتكِ، فعليكِ أن تأكلي وتستعيدي قوتكِ أولاً." لأول مرة منذ وقوع تلك الحادثة المشؤومة، شعرتُ بغصة دافئة، وكادت ابتسامة صغيرة باهتة تظهر على وجهي الشاحب امتناناً لوجودها. أخذتُ قطعة صغيرة من المخبوزات على مضض وبدأتُ أمضغها
مرّت الأيام التالية على روحي كأنها كتلٌ ثقيلة، صلبة، وداكنة من الرصاص. لم تعد هناك صباحات واضحة الملامح تشجعني على النهوض، ولا ليالٍ حقيقية تمنحني الطمأنينة والنوم؛ كان وقتي يمر برتابة وبطءٍ مؤلم وقاتل فوق جسدٍ أنهكه التفكير المفرط والجلد الذاتي. عدتُ إلى غرفتي الضيقة في السكن الجامعي بعد انتهاء جلسة التحقيق القاسية وصدور قرار إيقافي المؤقت عن الدراسة. أغلقتُ الباب الخشبي خلف ظهري بوجه واجم، ووقفتُ متسمرة في منتصف الغرفة؛ بلا حراك، بلا أفكار واضحة، وبلا دموع تسعف كبريائي المنكسر. وضعتُ حقيبتي القماشية بإهمال على الأرض، ثم جلستُ على حافة سريري القديم. وظللتُ هناك، ساكنة كصنم من رخام، كأن روحي قد انتُزعت مني وبقيت معلقة في مكان آخر. مرّت الساعات ثقيلة، ثم تلاها يوم كامل، ثم يوم آخر. كانت زميلاتي في الغرفة المشتركة يدخلن ويخرجن، يتحدثن في شؤونهن، يضحكن بصوت مرتفع، ويدرسن للامتحانات القادمة؛ أما أنا... فبقيتُ متجمدة في البقعة نفسها تقريباً. الأطباق الفارغة تراكمت بكآبة قرب سريري، كتبي الجامعية بقيت مغلقة يعلوها الغبار، ودفاتر المحاضرات التي طالما قاتلتُ لتدوينها لم تُفتح أبداً. حتى ها
مرت الأيام التالية ببطءٍ مؤلم وخانق؛ ببطء شديد جعل الساعات القليلة تبدو في نظري أطول من المعتاد، والليالي المظلمة أكثر قسوة وبرودة مما أحتمل. كان هيتشول لا يزال يرقد في قسم العناية المركزة، معلقاً بين الحياة والموت، تحت رحمة الأجهزة الطبية التي تقرر مصيره. أما أنا... فكنتُ أزور المستشفى كل يوم تقريباً بمجرد أن تنتهي محاضراتي أو مناوبات عملي الجزئي القاسي. لم يكن ذلك لأن أحداً طلب مني الحضور، أو لأن عائلته تنتظرني، بل لأنني ببساطة لم أستطع الهرب من ذلك الشعور الرهيب بالذنب الذي كان يأكل أحشائي. في كل مرة كنتُ أقف فيها خلف الزجاج السميك المخصص للمراقبة، كنتُ أرى الجسد الشاحب نفسه؛ ممدداً بلا حراك، محاطاً بالأجهزة المعقدة والأسلاك المتشابكة، بينما كان صوت أجهزة مراقبة نبضات القلب الرتيب يقطع الصمت المطبق على فترات منتظمة ليذكرني بحجم الكارثة. وفي أحد الأيام، وبينما كنتُ أقوم بوقفتي المعتادة في الممر البارد إلى جانب جيهون الذي كان يرافقني بصمت، خرج الطبيب المشرف مع فريق التمريض لتبديل الضمادات لهيتشول. فُتح باب الغرفة الزجاجي للحظات قصيرة جداً، لكنها كانت كافية لتهز أركاني. وقع بصري تل
لم أستوعب ما حدث لي ولحياتي في تلك الدقائق المجنونة إلا عندما أُغلقت أبواب سيارة الإسعاف الحديدية بقوة وارتطام جاف خلفي. تلاشت أصوات المصنع الصاخبة وضجيج تروسه شيئاً فشيئاً مع ابتعاد السيارة وسرعتها الجنونية في الشوارع، لكن صورة واحدة مرعبة وثقيلة ظلت عالقة وعنيدة أمام عينيّ المفتوحتين بذهول؛ صورة الدم القاني المتدفق، التروس المعدنية الدوارة بلا رحمة، وجسد هيتشول الملقى بلا حراك كجثة هامدة قرب تلك الآلة القاتلة. وصلنا جميعاً إلى المستشفى وسط فوضى خانقة تصم الآذان؛ أصوات الأطباء المستنفرين، صرير عجلات الأسرّة المتحركة بسرعة في الممرات، نداءات الممرضين المتكررة عبر مكبرات الصوت، ووجوه أفراد مجموعتنا الدراسية الشاحبة التي ملأها الذعر والترقب. جلستُ وحدي في زاوية بعيدة، مظلمة ومنعزلة من صالة الانتظار الباردة. لم أجرؤ على رفع رأسي أو النظر في عيون أي بشر كنتُ أنظر فقط إلى يديّ المرتجفتين اللتين استقرتا فوق حجري. حدقتُ بذهول في تلك البقع الحمراء الداكنة التي لطخت أصابعي وجفت على أكمام ملابسي الجديدة. التنورة البنية الأنيقة التي اشتريتها برفقة جيني قبل أيام قليلة لتمنحني بعض الثقة، والحذا
اجتمع أفراد مجموعتنا الدراسية في ساحة الجامعة الفسيحة منذ ساعات الصباح الأولى، حيث كانت الحافلة الكبيرة المخصصة لنقلنا في هذه الزيارة الميدانية الهامة تنتظر بالقرب من البوابة الرئيسية. كان الجو يحمل لسعات الخريف الباردة، والطلاب يتجمعون في حلقات صغيرة، يتبادلون الأحاديث والضحكات المريحة بصوت مرتفع. وقفتُ على مسافة قريبة منهم، ممسكة بدفتري وجاهزة للركوب، ومكتفية بمراقبة الأجواء من حولي بصمتي المعتاد. وصل هيتشول كعادته قبل الجميع تقريباً، وكأن التأخر لا ينتمي لقاموسه الصارم. وقف يتفقد قائمة الأسماء والملفات الفنية المطلوبة للمشروع، وعيناه الحادتان تراقبان الوافدين ببرود تام. وعندما خطوتُ مقتربة من تجمع الطلاب، التفتَ نحوي تلقائياً، وتوقفت عيناه عليّ لثانية كاملة... ثانية واحدة كانت أطول من اللازم، وأثقل مما ينبغي. لم يكن التغيير في مظهري كبيراً أو باذخاً، لكنه كان كافياً تماماً ليلفت انتباه شخص يدقق في التفاصيل مثله. لم أعد أرتدي تلك الملابس الباهتة والممزقة التي اعتاد الجميع رؤيتي بها طوال الأشهر الماضية، ولم يعد ذلك الحذاء القديم المرهق يرافق خطواتي. بدلًا منه، كنتُ أرتدي حذاءً أح
وصلتُ إلى السكن الجامعي القديم مع اقتراب خيوط المساء الأولى من الاختفاء. وقفتُ للحظات طويلة متهدجة الأنفاس أمام عتبة المبنى المتهالك، أُحدق بجدرانه الباهتة المقشرة ونوافذه المتراصة الكئيبة التي تشبه الزنازين المظلمة. كان المكان تماماً كما تركته قبل عشرين يوماً؛ لم يتغير فيه شبر واحد، ولم تتبدل تفاصيله... الشيء الوحيد الذي تغير واختلف جذرياً في هذا الكون، هو أنا. صعدتُ درجات السلم الحجري ببطء شديد أجر ثقل أفكاري، ثم دفعتُ باب الغرفة المشتركة المألوفة. استقبلتني فوراً تلك الضوضاء الخفيفة والروتينية المعتادة لزميلات السكن؛ إحدى الفتيات كانت مستلقية تطالع كتاباً سميكاً على سريرها، وأخرى ترتب أكوام ملابسها بإهمال، وثالثة كانت تتحدث وتضحك بصوت منخفض مع زميلتها في الزاوية. لكن، ما إن وقعت أعينهن عليّ ودخلتُ الغرفة، حتى انقطعت أحاديثهن وارتفعت الأصوات بلهفة وتفاجؤ: "سو-آه!" "لقد عدتِ أخيرًا يا فتاة!" "أين اختفيتِ وغبتِ عن الأنظار كل هذه المدة الطويلة؟" توقفتُ في مكاني للحظة ارتباك عابرة. في السابق، لو كنتُ في نفس هذا الموقف، لكنتُ اكتفيتُ بهزة رأس باردة وجافة، ولأشحتُ بنظري عنهن منه
كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاو
لم أكن أحبّ التجمعات يوماً، بل كنت أجد في الانعزال درعاً يحميني من نظرات العتب والفضول، لكن الفتيات في الدار أصررن على جلوسي معهن هذه الليلة. قالت هاني وهي تقرب يديها من اللهب الصغير إن الجو بارد للغاية في الخارج، وإن الشموع الذائبة تبعث في النفوس طمأنينة دافئة لا يمكن أن يُدرك قيمتها المرء إلا في ل
في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا