تسجيل الدخول
عند الساعة السادسة صباحا و على رنين المنبه، استيقظت ليان السالمي التي كانت مستيقظة قبل أن يرن المنبه، لم تنم جيدا في الليل ليس خوفا من الفشل، بل لان هذا اليوم قد يكون نقطة تحول مهمة انتظرتها مند سنوات.
جلست على حافة سريرها، و هي تتأمل اشعة الشمس التي بدأت تتسلل عبر نافدة غرفتها ، على الجدار المقابل علقت شهاداتها ، وفي المنتصف صورة تجمعها مع والديها، الصورة الوحيدة التي تمنحها القوة عند التعب و التفكير في الاستسلام.
ابتسمت بخفة وهمست لنفسها:
"اليوم هو يومي...سنوات تعبي تستحق"
دخلت الى الحمام، ثم عادت لخزانة ملابسها، كانت تعلم من قبل أن الانطباع الاول مهم، لذلك لم تاخد وقتا طويلا فقد جهزت بدلتها الرسمية من قبل، بلون كحلي مع قميص ابيض بسيط، صففت شعرها في ديل حصان أنيق، و اكتفت بلمسات خفيفة من المكياج، و حذاء اسود ذو كعب متوسط.
نظرت الى انعكاسها في المرآة بكل ثقة، ثم جلست امام مكتبها و فتحت حاسوبها.
فتحت العرض التقديمي للمرة الاخيرة، و بدات تراجع الشرائح واحدة تلو الاخرى، كان مشروعا بيئيا مهما اشتغلت عليه مع فريقها لاكثر من عام، مشروعا تؤمن بأنه سيحدث فرقًا حقيقيا إذا وجد الشركة المناسبة لتتبناه.
كان المشروع يهدف الى انشاء نظام ذكي لادراة الموارد الطبيعية و استغلال المياه و تقليل التلوث داخل المناطق الصناعية، كانت تؤمن انه سيحدث نجاحا كبيرا اذا حصل على التمويل المناسب.
اغلقت الحاسوب و هي تشعر بالاطمئنان.
رن هاتفها.
ابتسمت عندما ظهر اسم صديقتها يارا
"Good morning , Doctor Layane"
ضحكت لبان و هي ترد:
"صباح النور"
" هل انت مستعدة ليومك؟"
" اكثر من اي وقت "
"اذن اذهبي و ابهريهم بقدراتك"
ابتسمت ليان و هي تنهي المكالمة، ثم حملت حقيبتها و غادرت لوجهتها.
كانت شوارع المدينة تستيقظ ببطء، بينما كانت هي تقود سيارتها بهدوء، تراجع في ذهنها كل كلمة ستقولها بعد قليل.
بعد حوالي اربعين دقيقة.
توقفت امام مبنى شاهق من الزجاج الازرق، يحمل شعار "شركة الكيلاني القابضة"، احدى اكبر الشركات في البلاد.
رفعت راسها تتامل المبنى للحظات، في تلك اللحظة، سمعت صوتا مالوفا خلفها.
" دكتورة ليان"
"صباح الخير دكتورة، اسفة على تأخري ، لكن كل شيء جاهز للعرض، و النسخ الورقية معي ايضا."
ابتسمت ليان، و قالت بثقة:
"احسنت يا ريم، هيا بنا لا أحب ان اجعل احدا ينتظرني"
هزت ريم، راسها ثم دخلتا معا الى الشركة بخطوات واثقة، دون ان تدرك ليان انها مقبلة على لقاء غير متوقع ينتظرها، لقاء سيعيد لها ذكريات الماضي التي ظنت انها اصبحت جزءا منسيا في ذاكرتها.
ما إن عبرتا الباب الرئيسي حتى استقبلهما بهو واسع تغمره الإضاءة الطبيعية، تتوسطه نافورة زجاجية صغيرة تضفي على المكان هدوءًا وهيبة. كانت الأرضية من الرخام الأبيض اللامع، بينما انتشرت نباتات الزينة في الزوايا، وكأن الشركة أرادت أن تعكس اهتمامها بالبيئة حتى في أدق التفاصيل.
ألقت ليان نظرة سريعة حولها، ولاحظت حركة الموظفين المنظمة، فكل شخص يسير بخطوات واثقة، وكأن الوقت داخل هذا المبنى يُحسب بالثواني.
اقتربت من مكتب الاستقبال وقالت بابتسامة هادئة:
"صباح الخير، أنا الدكتورة ليان السالمي، لدي موعد في العاشرة صباحًا لتقديم مشروع بيئي."ابتسمت موظفة الاستقبال وهي تراجع المواعيد على جهاز الحاسوب، ثم رفعت رأسها قائلة:
"أهلًا بكِ دكتورة ليان، السيد فارس بانتظارك، لكن الاجتماع السابق لم ينتهِ بعد. يرجى الانتظار لبضع دقائق."أومأت ليان برأسها شاكرة، ثم اتجهت مع ريم إلى قاعة الانتظار.
جلست وهي تضع حقيبتها بجانبها، ثم أخرجت جهازها اللوحي وبدأت تراجع العرض التقديمي للمرة الأخيرة.
لاحظت ريم التوتر الذي تحاول ليان إخفاءه، فابتسمت وقالت:
"دكتورة، لا داعي لكل هذا القلق. لقد عملنا على هذا المشروع لأكثر من عام، وكل من اطلع عليه أشاد به."تنهدت ليان وهي تغلق الجهاز برفق.
"أنا لا أخاف من العرض... أخشى فقط أن تضيع فرصة تعب سنوات بسبب تفصيل صغير."ابتسمت ريم بثقة وقالت:
"وأنا متأكدة أن اليوم سيكون بداية نجاح أكبر."في الطابق الأخير، حيث يقع مكتب الرئيس التنفيذي، كان فارس الكيلاني يجلس خلف مكتبه الخشبي الفاخر، يتصفح الملفات بعينين ثابتتين لا تفوتهما أدق التفاصيل.
كان طويل القامة، عريض الكتفين، يرتدي بدلة سوداء مفصلة بعناية، بينما زادته ساعته الفضية وهيبته حضورًا لا يمكن تجاهله. لم يكن من الرجال الذين يبتسمون كثيرًا، بل كان البرود عنوان ملامحه، والغموض يحيط به أينما حل.
اشتهر بين موظفي الشركة بصرامته الشديدة؛ لا يقبل الأخطاء، ولا يمنح الفرص بسهولة. كان يؤمن أن النجاح لا يُمنح، بل يُنتزع بالعمل والاجتهاد.
ورغم مكانته كرئيس تنفيذي لإحدى أكبر الشركات في البلاد، لم يكن يعتمد على اسمه أو ثروة عائلته داخل العمل. فكل قرار يتخذه يدرسه بعناية، وكل مشروع يمر أولًا بين يديه قبل أن يمنحه الموافقة.
رفع عينيه عن الملف للحظة، واتجه بنظره نحو النافذة الزجاجية التي تكشف المدينة بأكملها. كانت ملامحه هادئة، لكن من يعرفه يدرك أن ذلك الهدوء يخفي رجلًا لا يسمح لأحد بقراءة أفكاره.
في تلك اللحظة، دوى طرق خفيف على باب مكتبه.
دخلت سكرتيرته بعد أن طرقت الباب بخفة.
"سيدي فارس، صاحبة المشروع البيئي وصلت."
أغلق الملف الذي بين يديه وقال بنبرة هادئة:
"أدخلوها."في تلك اللحظة، نهضت ليان من مقعدها بعدما أخبرتها موظفة الاستقبال أن دورها قد حان.
أخذت نفسًا عميقًا، التفتت نحو ريم التي ابتسمت لها مشجعة، ثم سارت بخطوات ثابتة نحو باب المكتب.
وضعت يدها على المقبض...
ولم تكن تعلم أن الشخص الموجود خلف ذلك الباب سيعيد إليها ماضيًا ظنت أنه انتهى إلى الأبد.
في صباح اليوم التالي، بدت مجموعة الكيلاني أكثر هدوءًا من المعتاد.انتهى المؤتمر، وعاد الموظفون إلى مكاتبهم، بينما بدأت فرق العمل تستعيد إيقاعها الطبيعي.لكن بالنسبة إلى ليان، لم يكن هذا اليوم عاديًا.فمنذ أن غادرت المؤتمر في الليلة الماضية، ظلت كلمات فارس تتردد في ذهنها."أنسى لماذا كنت غاضبًا."لم تكن تعرف لماذا بقيت تلك الجملة معها أكثر من كل ما قيل في المؤتمر.أوقفت سيارتها أمام مبنى مجموعة الكيلاني، ثم بقيت للحظات تنظر إلى المبنى من خلف الزجاج.تنفست بعمق."العمل أولًا."فتحت الباب ونزلت.بعد دقائق، وصلت إلى المدخل برفقة ياسين وسارة وريم.كانت ريم تحمل حاسوبها وملفًا كبيرًا، بينما كانت سارة تراجع بعض الرسومات على جهازها اللوحي.قالت ريم:"لدي اجتماع مع قسم المشتريات في العاشرة، واجتماع آخر مع الفريق الإداري بعد الظهر."قالت ليان:"أرسلي لي جدول الاجتماعات قبل العاشرة.""حسنًا."ثم التفتت ليان إلى سارة."وأنتِ؟"أجابت سارة:"أريد أن أراجع مع الفريق الهندسي شبكة المياه قبل أن نعتمد المرحلة القادمة."قال ياسين:"وأنا سأبدأ بمراجعة المخططات التنفيذية."ابتسمت ليان."إذن يبدو أننا عدنا
بعد أن أخبرها فارس أن الرجل الثالث في الصورة كان مرتبطًا بأوريون، بقيت ليان للحظات صامتة.كانت أصوات المؤتمر من حولهما مستمرة؛ أحاديث، ضحكات، خطوات، وأصوات الحاضرين وهم ينتقلون بين الأجنحة.لكنها لم تعد تسمع شيئًا.كانت تفكر فقط في جملة فارس.قالت أخيرًا:"مرت ثلاث سنوات... كيف يمكن أن تكون هذه الصورة مرتبطة بكل ما يحدث الآن؟"نظر فارس إليها."لا أعرف بعد.""لكن ريان سألني عن مشروعي."تغيرت نظرات فارس قليلًا."ماذا قال لكِ؟"أخبرته بما حدث.ظل صامتًا للحظات.ثم قال:"لا أريدك أن تتحدثي معه عن تفاصيل المشروع."رفعت حاجبها."فارس، هو المدير التنفيذي لأوريون. طبيعي أن يهتم بالمشاريع الموجودة في المؤتمر.""صحيح."اقترب منها قليلًا، وخفض صوته."لكن طريقته لم تكن طبيعية."نظرت إليه."وأنت تعرفه جيدًا؟""بقدر ما يكفي لأعرف أنه لا يسأل سؤالًا دون سبب."ابتسمت ليان بخفة."وأنت؟""ماذا عني؟""أنت أيضًا لا تسأل أسئلة دون سبب."ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه."بدأتِ تعرفينني."نظرت إليه للحظة أطول مما ينبغي."ربما."سادت بينهما لحظة صمت.ثم قال فارس:"ليان.""نعم؟""هل سبق أن عملتِ على شيء يتعلق بال
ساد صمت قصير.ثم أغلق فارس الملف بهدوء."إذن بدأوا يتحركون."قال آدم: "ماذا نفعل؟"رفع فارس عينيه نحو ليان، ثم قال:"لا شيء."تفاجأ آدم."لا شيء؟"ابتسم فارس ابتسامة باردة."دعهم يعتقدون أنهم يملكون زمام اللعبة."ثم أضاف:"ضاعفوا الحراسة حول الأرشيف، وتأكدوا من أن لا أحد يغادر المدينة دون أن نعرف.""حاضر.""وآدم...""نعم؟""أريد أن أعرف من سرب الخبر قبل نهاية الليلة."صمت آدم للحظة."فهمت."أغلق فارس المكالمة.نظرت إليه ليان."أنت كنت تتوقع هذا؟"نظر إليها بهدوء."كنت أتوقع أن يصلوا إلينا في مرحلة ما.""ولماذا تبدو هادئًا؟"ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه."لأنهم ارتكبوا خطأ.""ما هو؟"نظر إلى الصورة أمامه."جعلوني أعرف أنهم خائفون."أكيد. نخليو من هنا فصاعدًا قوة فارس باينة فالأفعال، والتحقيق كيتقدم، وفي نفس الوقت التقارب بينو وبين ليان يبقى هادئ وما يطغاش على الحبكة.تكملة الفصل 24ساد الصمت لثوانٍ بعد أن أنهى فارس مكالمته.كانت ليان لا تزال تنظر إليه."أنت كنت تتوقع هذا؟"نظر إليها بهدوء."كنت أتوقع أن يصلوا إلينا في مرحلة ما.""ولماذا تبدو هادئًا؟"ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه."لأنهم
رفع فارس عينيه نحو الباب المغلق.كان الظلام يحيط بالمستودع، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسهما.قال آدم بصوت منخفض:"فارس... هل تعتقد أنه ما زال هنا؟"لم يجبه فورًا.تقدم فارس بضع خطوات نحو الباب، ثم توقف.كان هادئًا بشكل غريب.ذلك الهدوء الذي يسبق عادةً شيئًا أسوأ.قال:"أعطني الهاتف."ناوله آدم هاتفه.سلط فارس ضوءه نحو الجهة المقابلة.لم يكن هناك أحد.ثم سمعا صوت خطوات سريعة في الخارج.قال آدم:"إنه يهرب."أسرع نحو الباب، لكن فارس أمسك بذراعه."لا."نظر إليه آدم باستغراب."لماذا؟"أجاب فارس:"لدينا الذاكرة."رفع آدم القطعة الصغيرة بين أصابعه."وهو يعرف أننا أخذناها."نظر فارس إلى الباب."إذن لن يتركنا نخرج بها بسهولة."وفي اللحظة نفسها...عاد التيار الكهربائي.اشتعلت الأضواء فجأة.نظر الاثنان حولهما.كان الباب مفتوحًا.لكن لم يكن هناك أحد.تقدم آدم بحذر."اختفى."خرج فارس إلى الخارج.كان أحد حارسيه يقف بالقرب من السيارة.قال له:"هل رأيت أحدًا؟"هز الحارس رأسه."لا، سيدي. سمعنا صوت سيارة تغادر بسرعة، لكننا لم نتمكن من رؤيتها."نظر فارس إلى الطريق المظلم.ثم قال:"هل حاول أحد الاقتراب من
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد الظهر، وقد أنهى فريق مكتب الدراسات معظم مراجعة المشروع. بقيت ليان وسلمى تراجعان النسخة النهائية، بينما كان ياسين وسارة يتأكدان من آخر التفاصيل التقنية.لم يكن هذا المشروع مجرد ملف آخر بالنسبة لهم.كان ثمرة أشهر من العمل.ومشاركتهم في المؤتمر كانت فرصة حقيقية لإثبات مكانة المكتب الذي أسسته ليان وسلمى قبل ثلاث سنوات.قالت سلمى:"بقي يومان فقط."أومأت ليان."وأريد أن يكون كل شيء جاهزًا غدًا."في تلك اللحظة، اهتز هاتفها فوق الطاولة.نظرت إلى الشاشة.فارس.ترددت لحظة قبل أن تجيب."مرحبًا."جاءها صوته الهادئ:«هل أنتِ مشغولة؟»«قليلًا.»«وجدنا شيئًا جديدًا عن نادر. لا أريد شرحه عبر الهاتف... سأأتي إليكِ، سأكون هناك خلال نصف ساعة. »ترددت لحظة قبل أن تجيب:«حسنًا.»انتهت المكالمة.رفعت سلمى حاجبها."نصف ساعة؟"وضعت ليان الهاتف على الطاولة."قال إنه وجد شيئًا عن نادر."ابتسمت سلمى."طبعًا."نظرت إليها ليان."ماذا؟""لا شيء."ثم عادت إلى ملفاتها، وهي تخفي ابتسامة صغيرة.---مجموعة الكيلانيفي الوقت نفسه، كان فارس يقف في غرفة العمليات الخاصة بمجموعة الكيلاني، ب
حلّ صباح اليوم التالي...مع أول خيوط الفجر، كانت مدينة الشروق تستيقظ بهدوءها المعتاد.بدأت أشعة الشمس الذهبية تتسلل بين المباني العالية، لترسم انعكاسًا دافئًا على الواجهات الزجاجية، بينما أخذت الشوارع تمتلئ تدريجيًا بحركة الموظفين والسيارات.داخل مبنى مكتب الدراسات "جيولوج"، كان النشاط قد بدأ منذ وقت مبكر استعدادًا للمؤتمر البيئي الذي لم يعد يفصلهم عنه سوى يومين.داخل القاعة الرئيسية، كانت الخرائط الهندسية تغطي الجدران، وعلى الطاولات انتشرت الحواسيب المحمولة والملفات الزرقاء المخصصة للمشاريع البيئية."كانت ليان قد أبلغت فارس في الليلة السابقة بأنها ستقضي هذا اليوم في مكتب الدراسات لمراجعة مشروع المؤتمر مع فريقها، فوافق على ذلك قائلًا: «أنهي عملك هناك، لكن أبقيني على اطلاع إذا توصلتِ إلى أي معلومة تخص سامر العطار أو المخططات.»"وهكذا، بدلاً من التوجه إلى مجموعة الكيلاني، اتجهت صباحًا إلى مكتبها.دلفت ليان إلى الداخل وهي تحمل حقيبة حاسوبها وكوبًا من القهوة.كانت ملامحها تبدو أكثر هدوءًا من الأمس، إلا أن السهر ترك أثره الواضح أسفل عينيها.ما إن دخلت حتى ارتفع صوت مألوف خلفها."صباح الخير







