تسجيل الدخول"استحالت ردهات الفيلا في العلمين إلى ساحة باردة من الجمود المهني، فبعد ليلة الانهيار وتناثر زجاج الحطام، لم يعد هناك مجال للمواربة. استيقظ ريان في صباح اليوم التالي وقد ارتدى قناع الجدية الذي لم يستطع أحد اختراقه، بينما كانت ليلى تتحرك داخل الفيلا كآلة صماء، تراجع خرائط مشروع العلمين بتركيز حاد، وكأنها تمسح من ذاكرتها مشهد ريان وآسما خلف الباب المفتوح.كان سُفيان القاضي يراقبها بتقدير هائل، اقترب منها وهي تقف أمام طاولة الرسوم الهندسية وقال بصوت هادئ: 'ليلى، إذا كنتِ تشعرين بالإنهاك، يمكننا تأجيل مراجعة العقود القانونية للمساء'. نظرت إليه ليلى بعينين خالتين من الحياة، لكنهما تفيضان بالصلابة، وأجابت: 'العمل لا ينتظر المشاعر يا سُفيان، مشروع العلمين يمثل مستقبلي المهني، ولن أسمح لأي عارض شخصي أن يعيق تقدمي'. كانت كلماتها رصاصات غير مباشرة أصابت ريان الذي كان يمر في تلك اللحظة بالردهة، متوجهاً نحو المكتب الملحق بالفيلا.توقفت آسما الرفاعي في منتصف الرواق، كانت ترتدي ثياباً رسمية توحي بالاستعداد للرحيل، تلاقت نظراتها مع ليلى لثانية واحدة. لم تكن نظرة ليلى تحمل غضباً، بل كانت تحمل 'عدماً'،
انزوى ريان في غرفته، يغالب طوفانًا من الغضب والارتباك بعد رؤيته لليلى واحس بتلك الفجوة بينهم ، فدلف للداخل وأوصد الباب بعنفٍ خلخل أركان الغرفة. خلع قميصه وألقى به بإهمال، محاولاً التنفس وسط ركام الذكريات التي تأبى الأفول وفجأة، طرقاتٌ هادئة على الباب جعلت نبضه يتسارع، إذ توهم لثانية أن ليلى جاءت لتسكب عتابها، فصاح بنبرة خشنة تفيض بالترقب: "ادخل". لكن الصدمة جمدت أوصاله حين أبصر "آسما الرفاعي" تقف على أعتاب غرفته. تأملته بجسده العاري المشدود، فقالت بنبرة وقورة لم تخلُ من أثر المفاجأة: "هل لا يزال متاحاً لي الحديث معك، بعدما خابت توقعاتك في هوية من يطرق الباب؟". أومأ لها بصمتٍ ثلجي، فدلفَتْ مقتربة منه وقالت بصدقٍ مرير: "أعلمُ أنه قد فات أوانٌ مديد، لكنني جئتُ أزجي إليك اعتذاري عما فرط مني في الماضي".رد ريان ببرودٍ صقيعي، وعيناه مصلوبتان على الفراغ: "ما سلف قد انقضى يا آسما، ولم يعد في ذاكرتي حيزٌ لاستحضار رُفات الماضي". لم تستسلم لجموده، بل قالت بشجن: "أحقاً لم يعد له متسع؟ ولِمَ إذن ترسم بيننا كل هذه البرزخ؟ فكلما التقينا، تجاهلتني كأنني طيفٌ عابر لا وجود له. ريان، أنا لم آتِ إلا لهدف
انطلقت الرحلة صوب "العلمين الجديدة"، تلك المدينة التي باتت رمزاً للحداثة والقوة، تماماً كشخصيات تلك المجموعة التي اجتمعت في حافلة فخمة وأسطول من السيارات الرياضية. كانت الأجواء مشحونة بتوتر خفي، خلفه ستائر من الضحك والموسيقى الصاخبة. في فيلا "بدر" الشاسعة المطلة على البحر الفيروزي، حطّ الجميع رحالهم، حيث تلتقي زرقة السماء بصفاء المياه، لكن القلوب كانت تحمل عواصفها الخاصة.استقر الجميع في الفيلا، وكان التقسيم يوحي بالكثير من الحذر. "ليلى الشافعي" كانت تتحرك بهدوء ملكي، ترتدي فستاناً أبيض بسيطاً، وبجانبها "سُفيان القاضي" الذي لم يكن يتركها لحظة واحدة، يحيطها باهتمامه الذي كان يثير حنق ريان الكامن. ريان الذي تعمد الحضور بمفرده، مديراً ظهره للجميع، يراقب الأفق وكأنه يدرس خرائط المدينة، بينما كانت "آسما الرفاعي" تضفي على المكان هيبة سيدة الأعمال؛ نظاراتها السوداء، وقميصها الحريري، وهاتفها الذي لا يتوقف عن العمل، جعلت الجميع يدرك أنها لم تأتِ للمرح، بل لفرض وجودها المهني.أما "قيس وآسيا"، فقد كانا في عالم آخر؛ قيس بنظراته التي تلاحق آسيا أينما ذهبت، وهي بخجلها المعهود تحاول ألا تلفت الأنظار
غادرت ليلى البناية بخطوات تعثرت في بدايتها من فرط الارتجاف، لكنها استعادت ثباتها بمجرد أن لفتت وجهها رياح الزمالك الباردة. ركبت سيارتها وأغلقت الأبواب، وكأنها توصد خلفها باباً للجحيم كانت قد ولجته بمحض إرادتها. لم تبكِ، بل كانت تنظر لمرآة السيارة بجمود، تتلمس عنقها حيث طبعت شفتيه قبلته المسمومة، وتشعر برغبة عارمة في غسل جلدها من أثره. أما في الداخل، فكان ريان لا يزال واقفاً في مكانه، يده تتحسس وجنته التي اشتعلت بوقع صفعتها. لم يغضب من الصفعة بقدر ما غضب من الصدق الذي قذفته في وجهه. "ليلى خالد الشافعي".. ردد الاسم في سره بمرارة. لقد ذكّرته بمكانتها التي حاول تناسيها ليقنع نفسه أنها مجرد مرفأ آمن يرسو فيه متى شاء. نظر إلى حطام الكأس على الأرض، فرأى انعكاساً لروحه المبعثرة؛ قطعاً حادة لا يمكن لملمتها دون أن تجرح من يحاول ذلك. عادت ليلى إلى قصر والدها، تسللت كاللصوص إلى غرفتها حتى لا تلحظ "آسيا" حالتها. وقفت تحت رذاذ الماء الساخن لساعة كاملة، تحاول محو ملمس صدره العاري عن راحة يدها، ومحو صوت رجائه من أذنيها. كانت تهمس لنفسها بيقين متزلزل: "لن أعود.. هذه المرة كانت الأخيرة." لكنها في أعم
استقر ريان في شقته الهادئة بحي "الزمالك" العريق، يراقب أضواء القاهرة المنعكسة على صفحة النيل بوجوم. لم يجد بداً من الكتابة إليها، فأرسل عنوان الشقة في رسالة مقتضبة، مخبراً إياها بحاجته الماسة للحديث.تجاهلت ليلى الرسالة تماماً، فقد كان يسكنها يقين لا يتزعزع عما سيتحدث عنه؛ "آسما الرفاعي". هي تدرك جيداً أنه كلما ضاق صدر ريان بالهموم، تذكرها هي لتمتص غضبه وتحتويه، مرتاحاً لفكرة أنها الصندوق الأسود الذي لن يبوح بأسراره لأحد، حتى لأقرب صديقاتها. وعندما تيقن ريان من تجاهلها، لم يمنعه غروره من إرسال رسالة أخرى، يرجوها فيها الحضور لأمر ضروري. كانت رسالة "رجاء" مغلفة بكبرياء مزيف، لكن ليلى قرأت ما بين السطور؛ لقد تنازل ريان الجارحي عن عرشه لأجلها لأول مرة.ولأنها، وللأسف، لا تزال تكن له مشاعر تفوق قدرتها على المقاومة، وافقت. جهزت نفسها وانطلقت بسيارتها نحو العنوان المذكور. عند وصولها، رأت سيارته مركونة أمام العقار الفخم، فدلفت للداخل وصولاً إلى الشقة المحددة في رسالته.طرقت الباب، ليفتحه ريان وهو عاري الصدر، مرتدياً بنطالاً رياضياً مريحاً. تسمرت ليلى في مكانها من وقع الصدمة، ليرتسم على وجهه ظ
انتهى الحفل، وغادر المدعوون تباعاً، لكن ريان لم يستطع كبح جماح النيران المستعرة في صدره. كانت رؤية "آسما" مجدداً قد فتحت جروحاً ظن أنها التأمت، لكن رؤية ليلى وهي تغادر مع سُفيان كانت هي الملح الذي يُرش فوق تلك الجروح.لحق ريان بليلى قبل أن تضع قدمها داخل سيارة سُفيان، وقبض على معصمها بحدة لم يستطع مداراتها."ليلى! هل ستذهبين معه مجدداً وتتركين كل شيء خلفكِ كأن شيئاً لم يكن؟" صاح ريان بصوتٍ مخنوق بالغضب والغيرة.التفتت إليه ليلى ببطء شديد، وسحبت يدها من قبضته بهدوءٍ مرعب. لم تنظر إلى عينه، بل نظرت إلى الفراغ خلفه بنبرة خالية من أي مشاعر، وكأنها تتحدث إلى غريب تماماً:"ريان، أنت من علمتني أن بعض الأشياء لا تستحق الالتفات خلفنا لأجلها. عودة (آسما) تخصك وحدك، أما حياتي وخياراتي، فقد كففتَ أنت عن كونك جزءاً منها منذ سنوات طويلة. استمتع بعودتها، واتركني أستمتع بحاضري."لم تنطق بكلمة عن "ليلة بكائه" ولا عن "القبلة" التي اعتذر عنها واصفاً إياها بالخطأ؛ بل دفنت كل تلك الأسرار خلف جدار من الجليد. تركت ريان واقفاً في ذهوله، يطحن أسنانه غيظاً، وهو يرى "ليلى" التي كانت تذوب في هواه يوماً، ترحل عنه







