LOGINالفصل الثامن: الصندوق الأسود
لم يكن الطريق إلى القاهرة طويلًا في تلك الليلة، لكنه بدا لعبد الرحمن أطول من أي طريق قطعه في حياته. كان يقود السيارة وعيناه مثبتتان على الطريق، بينما جلس فؤاد إلى جواره صامتًا. بينهما كان الصندوق الخشبي القديم. صندوق صغير لا يبدو في ظاهره قادرًا على حمل كل ذلك الخوف. لكن عبد الرحمن كان يشعر بثقله وكأنه يحمل سنوات عمره كلها. مد فؤاد يده ووضعها فوق الصندوق. قال: — لسه موجود؟ — أيوه. — متأكد إنك ما فتحتش باقي الأوراق؟ — لا. — ليه؟ نظر عبد الرحمن إليه للحظة. — لأن آخر مرة فتحت فيها باب من الماضي، قضيت سبعة وعشرين سنة وأنا بحاول أقفله. تنهد فؤاد. — ويمكن المرة دي لازم نفتحه. لم يرد عبد الرحمن. كانت أضواء السيارات تمر بجانبهما ثم تختفي. قال فؤاد بعد صمت: — عبد الرحمن. — نعم؟ — لازم تعرف حاجة. — قول. — أنا أخفيت عنك جزءًا من اللي حصل في الليلة دي. ضغط عبد الرحمن على عجلة القيادة. — كنت عارف. — من إمتى؟ — من زمان. — وما سألتنيش؟ — سألتك. — إمتى؟ — كل مرة كنا بنتكلم عن الماضي. خفض فؤاد رأسه. — وأنا كنت بغير الموضوع. — أيوه. — كنت خايف. — وأنا كمان. ظل الصمت بينهما. ثم قال عبد الرحمن: — لكن دلوقتي مفيش مجال للخوف. — ليه؟ — لأن الموضوع وصل لأولادي. نظر فؤاد إليه. — سليم؟ — سليم شاف الرجل. — وحسام؟ — بدأ يشك. — وعمر؟ — بعيد. قال فؤاد: — البعد مش دايمًا أمان. كانت الجملة كافية لتجعل عبد الرحمن أكثر قلقًا. --- وصل الاثنان إلى القاهرة بعد منتصف الليل. أوقف عبد الرحمن السيارة أمام الفيلا. لم ينزلا فورًا. كانت الأنوار الخارجية مضاءة. قال فؤاد: — البيت هادي. — أيوه. — ادخل الصندوق من غير ما حد يشوفه. — عارف. حمل عبد الرحمن الصندوق. دخلا. كانت أمينة تنتظرهما في الصالة. وقفت عندما رأته. — اتأخرتوا. قال عبد الرحمن: — الطريق كان زحمة. نظرت إلى الصندوق. — إيه ده؟ توقف عبد الرحمن. لم يجب. تدخل فؤاد: — حاجات قديمة. قالت أمينة: — من البلد؟ — أيوه. نظرت إلى عبد الرحمن. كان وجهه يخبرها أن الأمر أكبر من مجرد "حاجات قديمة". لكنها لم تسأل. قالت: — الأولاد كلهم ناموا. تنفس عبد الرحمن براحة. — كويس. ثم صعد إلى مكتبه. تبعه فؤاد. أغلق عبد الرحمن الباب. وضع الصندوق فوق المكتب. ظل الاثنان واقفين أمامه. قال فؤاد: — نفتحه؟ أجاب عبد الرحمن: — أيوه. رفع الغطاء. كانت الأوراق القديمة ما زالت في مكانها. أخرج أول ورقة. ثم الثانية. ثم الصورة. تأملها. كانت صورة قديمة لرجل لم يعرفه عبد الرحمن في البداية. اقترب فؤاد. قال: — دي مش صورة العراف. — عارف. — دي صورة مين؟ قلب عبد الرحمن الصورة. وجد اسمًا مكتوبًا خلفها. قرأه بصوت منخفض: — محمود السالمي. تغير وجه فؤاد. — محمود؟ — تعرفه؟ سكت فؤاد. — فؤاد. قال الطبيب: — أيوه. — مين؟ — واحد كان موجود وقتها. — فين؟ — في القرية. — وإيه علاقته بالعراف؟ — كانت علاقته أكبر من كده. توقف عبد الرحمن. — أكبر إزاي؟ قال فؤاد: — كان الرجل اللي جابنا للعراف. رفع عبد الرحمن رأسه. — أنت قلت إنك عرفت مكان العراف بالصدفة. — كذبت. كان الاعتراف هادئًا. لكنه وقع على عبد الرحمن كضربة. — ليه؟ — لأنك وقتها كنت هترفض تروح. — وكان لازم أعرف. — كنت خايف. — من إيه؟ — من اللي ممكن تسمعه. --- أخذ عبد الرحمن نفسًا عميقًا. — احكي. جلس فؤاد. وبدأ الكلام. — قبل الليلة دي بأيام، قابلت محمود. — فين؟ — المستشفى. — كان مريض؟ — لا. — أمال؟ — جاء لي وقال إنه يعرف شخصًا يستطيع أن يعرف أشياء عن المستقبل. ابتسم عبد الرحمن بسخرية. — وصدقت؟ — لا. — لكنك ذهبت. — لأن محمود قال شيئًا جعلني أوافق. — ماذا قال؟ نظر فؤاد إليه. — قال إن الرجل يعرف شيئًا عنك. سكت عبد الرحمن. — عني أنا؟ — أيوه. — إيه؟ — ما قالش. — وأنت؟ — كنت عايز أعرف. — ليه؟ خفض فؤاد عينيه. — لأنني كنت أعرف أنك ستتزوج قريبًا. صمت عبد الرحمن. — كنت خايف عليك. — من إيه؟ — من شيء لم أفهمه وقتها. وقف عبد الرحمن. — ده مش كفاية. — عارف. — عايز الحقيقة. قال فؤاد: — الحقيقة إن محمود لم يكن وحده. — مين كان معاه؟ — شخص آخر. — مين؟ — العراف. قال عبد الرحمن: — ده أنا عارف. هز فؤاد رأسه. — لا. ثم قال: — العراف لم يكن مجرد عراف. تغير وجه عبد الرحمن. — أمال كان إيه؟ — لا أعرف. --- ساد الصمت. ثم أخرج فؤاد ورقة من الصندوق. قال: — بص. أخذها عبد الرحمن. كانت قديمة. وعليها كتابة بخط يدوي. قرأ: "من يعرف الماضي، يستطيع أن يغير المستقبل." رفع عبد الرحمن عينيه. — مين كتبها؟ قال فؤاد: — محمود. — متأكد؟ — أيوه. — إمتى؟ — قبل الليلة. — يعني كان مخطط لكل حاجة؟ — يمكن. — ويمكن إيه؟ — يمكن كان بيحاول يحذرنا. ألقى عبد الرحمن الورقة على المكتب. — سبعة وعشرين سنة يا فؤاد. — عارف. — سبعة وعشرين سنة وأنت ساكت. — كنت بحاول أحميك. — وأنا دلوقتي عندي ثلاثة أولاد. — عارف. — وأنا مش هسمح لأي حد يقرب منهم. قال فؤاد: — وأنا معاك. --- في صباح اليوم التالي، استيقظ سليم مبكرًا. كان لديه شعور غريب منذ الأمس. دخل مكتب والده. لم يكن عبد الرحمن موجودًا. لاحظ أن أحد الأدراج مفتوح قليلًا. توقف. لم يلمسه. ثم لاحظ ورقة صغيرة على الأرض. انحنى وأخذها. كانت مجرد جزء ممزق من ورقة قديمة. لم يكن عليها سوى كلمتين: "الثلاثة..." ثم بقية الجملة ممزقة. نظر سليم إلى الباب. ثم وضع الورقة في جيبه. لم يكن يريد التجسس على أبيه. لكن عمله جعله يدرك أن الصدفة لا تأتي دائمًا في الوقت الخطأ. --- في المستشفى، كان حسام يجري عملية عندما تلقى اتصالًا من رقم مجهول. لم يستطع الرد. بعد انتهاء العملية، وجد رسالة صوتية. شغلها. جاء صوت رجل: — يا دكتور حسام... أبوك يعرف أنا مين. تجمد. أعاد الرسالة. الصوت نفسه. لكن الرسالة لم تحمل اسمًا. اتصل بالرقم. كان مغلقًا. ظل ينظر إلى الهاتف. ثم اتصل بسليم. — ألو؟ قال سليم: — خير؟ — جالي اتصال. — من مين؟ — رقم مجهول. — قال إيه؟ حسام أخبره. صمت سليم. ثم قال: — عندي حاجة أنا كمان. — إيه؟ — لقيت ورقة في مكتب بابا. — مكتوب فيها إيه؟ — كلمة واحدة تقريبًا. — إيه؟ — الثلاثة. ساد الصمت. قال حسام: — لازم نكلم بابا. — لأ. — ليه؟ — لازم نعرف الأول. — إحنا أولاده. — بالضبط. --- في الخارج، وعلى بعد آلاف الكيلومترات، كان عمر جالسًا في مكتبة الجامعة. كان يراجع بعض المخططات الهندسية. رن هاتفه. ظهر رقم والده. أجاب بسرعة. — بابا؟ لم يرد عبد الرحمن. جاءه صوت فؤاد. — عمر؟ — أيوه. — أبوك موجود؟ — موجود؟ — قصدي معاك؟ — لا، أنا في الخارج. سكت فؤاد. — ليه؟ — مفيش. — عمي فؤاد، أنت بتتكلم بطريقة غريبة. — اسمعني يا عمر. — نعم؟ — لو حصل أي حاجة، خلي تلفونك معاك. ضحك عمر. — ليه؟ — بس اسمع كلامي. — حاضر. — ومتسافرش لأي مكان من غير ما تقول لأبوك. — حاضر. — كويس. ثم أغلق فؤاد. ظل عمر ينظر إلى الهاتف. قال لنفسه: — فيه إيه؟ --- في القاهرة، دخل عبد الرحمن غرفة الطعام. وجد سليم وحسام جالسين. نظر إليهما. — صباح الخير. قال سليم: — صباح النور. جلس عبد الرحمن. نظر إلى أبنائه. كان يشعر بأنهما يعرفان شيئًا. قال: — مالكم؟ قال حسام: — مفيش. — سليم؟ — مفيش. ابتسم عبد الرحمن. — واضح إن "مفيش" بقت كلمة اليوم. سكت الاثنان. ثم قال سليم: — بابا. — نعم؟ — لو في حاجة قديمة رجعت... توقف عبد الرحمن. — إيه؟ — هل ممكن تأذي حد مننا؟ رفع عبد الرحمن عينيه. كان السؤال مباشرًا. قال: — ليه بتسأل؟ — جاوبني. نظر عبد الرحمن إلى حسام. ثم إلى سليم. كان يريد أن يقول الحقيقة. لكنه تذكر فؤاد. وتذكر الرجل. وتذكر الرسالة. قال: — لا. لم يقتنع سليم. لكن حسام تدخل: — خلاص يا سليم. ثم قال لوالده: — إحنا واثقين فيك. خفض عبد الرحمن عينيه. كانت هذه الجملة أكثر ما يؤلمه. لأن أبناءه يثقون فيه، بينما هو يخفي عنهم شيئًا قد يغير حياتهم. --- بعد الظهر، ذهب عبد الرحمن إلى المحكمة. حاول أن يمارس يومه بصورة طبيعية. لكن كل شيء بدا مختلفًا. دخل مكتبه. فتح الملفات. قرأ الأوراق. استمع إلى مساعديه. لكن عقله كان بعيدًا. كان يتساءل: لماذا عاد محمود؟ أين كان طوال هذه السنوات؟ لماذا يعرف عن أبنائه؟ وما علاقة العراف بكل ذلك؟ وفي لحظة، دخل أحد الموظفين. قال: — سيادة المستشار. — نعم؟ — في شخص عايز يقابلك. — مين؟ — قال إنه يعرفك. — اسمه؟ — رفض يقول. شعر عبد الرحمن بأن قلبه توقف للحظة. قال: — دخله. فتح الباب. دخل رجل في الستين تقريبًا. لم يكن محمود. وقف أمام عبد الرحمن. قال: — مساء الخير. — مين حضرتك؟ ابتسم الرجل. — أنا كنت أعرف والدك. تغير وجه عبد الرحمن. — والدي؟ — أيوه. — منين؟ — من زمان. جلس الرجل دون أن يطلب الإذن. قال: — والدك كان يعرف الحقيقة. اقترب عبد الرحمن. — أي حقيقة؟ — الحقيقة اللي أنت قضيت سبعة وعشرين سنة بتحاول تنساها. سأله عبد الرحمن: — أنت تعرف العراف؟ قال الرجل: — أعرف أكثر مما تتخيل. — تعرف محمود؟ ابتسم. — محمود كان مجرد البداية. — إنت عايز إيه؟ قال الرجل: — أحذرك. — من مين؟ — من الشخص الذي عاد. — مين؟ اقترب الرجل. وقال بصوت منخفض: — الشخص الذي وعده أبوك منذ سنوات. تجمد عبد الرحمن. — أبي؟ — أيوه. ثم وقف. — اسأل والدك. — والدي مات. ابتسم الرجل. — أعرف. ثم اتجه إلى الباب. صرخ عبد الرحمن: — استنى! توقف. — ما هو الوعد؟ التفت الرجل. وقال: — لما تعرف، هتندم إنك سألت. ثم خرج. ظل عبد الرحمن واقفًا. والسؤال الوحيد يدور في رأسه: ما علاقة والده بكل ما يحدث؟ --- في المساء، عاد إلى البيت. لم يجد فؤاد. دخل مكتبه. فتح الصندوق. أخذ الصورة القديمة. تأمل وجه محمود. ثم قلبها. كان هناك شيء لم يلاحظه من قبل. خط صغير تحت الاسم. اقترب. كان مكتوبًا: "محمود السالمي — شاهد." تجمد. شاهد ماذا؟ ولماذا كان محمود شاهدًا؟ أخذ الورقة الأخرى. قرأها. ثم وجد في أسفلها تاريخًا. كان تاريخ الليلة التي ذهب فيها إلى العراف. بدأت التفاصيل تتجمع. لكنها لم تكن كافية. رفع الهاتف واتصل بفؤاد. — أيوه؟ قال عبد الرحمن: — لازم تيجي حالًا. — حصل إيه؟ — قابلت واحد في المحكمة. — مين؟ — قال إنه يعرف أبويا. ساد الصمت. ثم جاء صوت فؤاد: — إيه؟ — وقال إن أبويا كان يعرف الحقيقة. سكت فؤاد طويلًا. ثم قال: — عبد الرحمن... — نعم؟ — أبوك فعلًا كان يعرف. أغمض عبد الرحمن عينيه. — كنت عارف؟ — لا. — لكنك تعرف شيئًا. — أيوه. — إيه؟ قال فؤاد: — أبوك هو اللي طلب مني أجيبك للعراف. لم يتحرك عبد الرحمن. كأن الكلمات لم تصل إليه. ثم قال: — إنت بتقول إيه؟ — الحقيقة. — أبويا؟ — أيوه. — ليه؟ — مش عارف. — وإنت كنت عارف؟ — عرفت بعد الليلة. — وسكت؟ — أبوك طلب مني. كان عبد الرحمن يشعر أن الأرض تضيق حوله. سبعة وعشرون عامًا. كان يظن أنه ذهب إلى العراف مصادفة. كان يظن أن فؤاد هو من أخذه. كان يظن أن كل شيء حدث في ليلة عابرة. لكن الحقيقة كانت مختلفة. والده هو الذي دفعه نحو تلك الليلة. وهذا يعني أن النبوءة لم تكن صدفة. بل كانت بداية شيء أعد له منذ زمن. جلس عبد الرحمن على كرسيه. ثم قال: — فؤاد. — نعم؟ — فيه حاجة أخطر. — إيه؟ — الرجل اللي قابلته قال إن فيه وعد بين أبويا وشخص آخر. صمت فؤاد. قال عبد الرحمن: — أنت تعرف مين؟ لم يجب فؤاد. — فؤاد! قال الطبيب أخيرًا: — عندي اسم. — مين؟ — لكن مش هقوله في التليفون. — ليه؟ — لأنني لا أريد أن يسمعه أحد. — تعالى. — جاي. أغلق الهاتف. نظر عبد الرحمن إلى الصندوق. ثم إلى صورة والده القديمة المعلقة على الجدار. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعر أن والده لم يكن مجرد أب ترك وراءه ذكريات. ربما كان قد ترك وراءه سرًا. سرًا ظل مدفونًا حتى بلغ عبد الرحمن الخامسة والخمسين. وسرًا يبدو أن القدر قرر أخيرًا أن يفتح صفحته. وفي مكان مجهول، كان الرجل نفسه يضع صورة قديمة فوق طاولة. كانت الصورة لعبد الرحمن في الثامنة والعشرين. وتحتها صورة أخرى لأبنائه الثلاثة. ثم قال بصوت هادئ: — الآن أصبحوا ثلاثة. ثم ابتسم. — والكتاب بدأ يُكتب.الفصل 150 — حين اختار الأبناء قدرهمظل عبد الرحمن ينظر إلى الشاب الواقف أمامه.كان المطر قد توقف، لكن قلبه لم يهدأ.قال:— ابن حامد؟أومأ الشاب.— اسمي آدم.نظر عبد الرحمن إلى حامد.كان وجهه قد تغير تمامًا.قال عبد الرحمن:— كنت تعرف؟أجاب حامد بصوت منخفض:— نعم.— ولماذا أخفيته؟— لأنني كنت أحاول حمايته.ضحك عبد الرحمن بمرارة.— يبدو أن عائلتنا كلها كانت تحاول حماية أولادها بالكذب.قال آدم:— وأنا لم آتِ لأكذب عليك.أخرج المفتاح الذي يحمله.— جئت لأُنهي كل شيء.---اقترب محمود.— المفتاح ده بيفتح إيه؟قال آدم:— المكان الذي لم يصل إليه أحد من رجال المجلس.سأل يوسف:— وأين هو؟أجاب:— تحت بيت العائلة.تبادل الجميع النظرات.قال عبد الرحيم:— البيت القديم؟— نعم.قال عبد الرحمن:— لكننا فتشنا البيت.ابتسم آدم.— فتشتم البيت.ثم أضاف:— ولم تبحثوا تحته.---عادوا جميعًا إلى المنزل.قادهم آدم إلى الغرفة القديمة.وقف أمام صورة والد عبد الرحمن.ثم قال:— كان أبي يقول إن هذا الرجل لم يكن يريد أن يملك المجلس.قال عبد الرحمن:— ماذا كان يريد؟— أن ينهيه.— لماذا؟— لأن المجلس بدأ كفكرة لحماية
الفصل 149 — ما قبل النهايةكانت السماء تمطر بغزارة عندما توقفت السيارات أمام البيت القديم.نزل عبد الرحمن أولًا.وقف أمام الباب الخشبي الذي لم يفتحه منذ سنوات طويلة.كان البيت يبدو كما تركه والده؛ جدران باهتة، نوافذ مغلقة، وشجرة قديمة في الفناء تحركت أغصانها مع الريح.قال محمود:— متأكد إننا لازم ندخل؟أجاب عبد الرحمن:— طول عمري بهرب من المكان ده.ثم وضع يده على الباب.— المرة دي مش ههرب.فتح الباب.صدر صوت صرير طويل.دخل الجميع.---كان الغبار يغطي الأثاث.لكن شيئًا غريبًا لفت انتباه يوسف.— بصوا.أشار إلى الأرض.كانت هناك آثار أقدام حديثة.قال محمود:— حد سبقنا.رفع سلاحه.— الكل يبقى ورايا.تحركوا ببطء داخل البيت.وصلوا إلى غرفة أبي عبد الرحمن.كانت مغلقة.قال عبد الرحيم:— الباب ده ما كانش بيتفتح.سأله عبد الرحمن:— إزاي؟— أبوك كان يمنع أي حد يدخل.قال عبد الرحمن:— حتى أنا.أخرج المفتاح الذي وجده في السجل.وضعه في القفل.فتح الباب.---كانت الغرفة أصغر مما يتذكرها.مكتب خشبي.كرسي.خزانة.وصورة قديمة معلقة على الحائط.اقترب عبد الرحمن من الصورة.كان والده يقف أمام البيت.وبجوار
الفصل 148 — الحقيقة التي أخفاها الأبلم يتحرك أحد.ظل وجه حامد ظاهرًا على الشاشة المضيئة في آخر القاعة، بينما كانت الكلمات التي قالها قبل لحظات تدور في رأس عبد الرحمن:«اشتقت إليكم يا إخوتي.»إخوتي.لم تكن الكلمة موجهة إلى عبد الرحمن وحده.كانت موجهة إلى عبد الرحيم وسعيد أيضًا.اقترب عبد الرحمن من الشاشة، وعيناه لا تفارقان وجه حامد.— أنت... أخونا؟ابتسم حامد.— الآن فقط بدأت تفهم.قال سعيد بصدمة:— مستحيل.أما عبد الرحيم فكان أكثرهم اضطرابًا.تقدم خطوة.— أبي قال إننا ثلاثة.ضحك حامد.— أبوكم قال لكم ما أرادكم أن تعرفوه.قال عبد الرحمن:— لا تكذب.— ولماذا أكذب الآن؟ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة.صورة لثلاثة أطفال يقفون أمام بيت ريفي قديم.عبد الرحمن.سعيد.عبد الرحيم.لكن خلفهم، وعلى مسافة قليلة، كان يقف طفل رابع.طفل أصغر منهم بقليل.تجمد عبد الرحمن.اقترب من الشاشة.— الصورة دي...قال حامد:— تعرفها؟— كانت في بيت أبي.— نعم.— لكن الطفل ده...ابتسم حامد.— أنا.---جلس سعيد على المقعد الخشبي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.— لا...هز رأسه.— لا يمكن.قال عبد الرحيم:— أبي قال إنك م
الفصل 147 — سقوط مجلس القدر خرج عبد الرحمن من المحكمة القديمة مع أول خيط من ضوء الفجر، لكنه لم يشعر أن الليل انتهى. كان يحمل الدفتر الأسود تحت ذراعه، بينما سار خلفه محمود ويوسف وسعيد وعبد الرحيم وأبناؤهم. لم يتحدث أحد. كانت الحقيقة أثقل من أن تُقال بسهولة. أربعون عامًا من الخوف، والشك، والرسائل، والاختفاءات، والنبوءة التي ظلت تطاردهم... بدأت الآن تتجمع في صورة واحدة. لكن عبد الرحمن كان يعرف شيئًا واحدًا: المعركة لم تنتهِ. وقف محمود بجواره وقال: — عبد الرحمن. — نعم؟ — إحنا لقينا السجل. — لقينا نسخة منه. نظر محمود إليه. — يعني إيه؟ أجاب عبد الرحيم: — السجل الذي أغلقناه ليس الأصل. التفت الجميع إليه. قال يوسف: — وأنت كنت تعرف؟ — نعم. غضب محمود. — وإنت ساكت ليه؟ أجاب عبد الرحيم بهدوء: — لأن الأصل أخطر من كل شيء وجدناه حتى الآن. سأل عبد الرحمن: — أين هو؟ نظر عبد الرحيم إلى الطريق أمامه. — في مقر مجلس القدر. ساد الصمت. قال عبد الرحمن: — المجلس له مقر حتى الآن؟ — نعم. — وأين؟ أخرج عبد الرحيم خريطة قديمة من جيبه. فتحها فوق مقدمة سيارة محمود. كانت هناك ثلاث ع
الفصل 146 — الرجل الذي كان عبد الرحمنلم ينطق عبد الرحمن.ظل ينظر إلى الورقة بين يديه، وكأن الحبر عليها لم يكن حبرًا، بل بابًا فُتح فجأة على أربعين عامًا من حياته.كان التوقيع توقيعه.نفس الحروف.نفس الطريقة التي كان يكتب بها اسمه.لكن الجملة لم تكن له.«إذا عرفت من كان والدك، فقد حان الوقت لتعرف من أنت.»اقترب محمود.— عبد الرحمن؟لم يرد.قال يوسف:— دي مش أول مرة تشوف خطك في حاجة مش فاكرها.رفع عبد الرحمن عينيه إليه.— أول مرة كانت إمتى؟صمت يوسف.ثم قال:— ليلة العراف.تغير وجه عبد الرحمن.قال سعيد:— وأنا أقدر أساعدك تفتكر.نظر إليه.— إزاي؟— لازم نرجع للمكان اللي بدأ فيه كل شيء.سأل محمود:— بيت العراف؟هز سعيد رأسه.— لا.ثم أضاف:— المحكمة القديمة.---كانت المحكمة القديمة في طرف القرية.مبنى حجريًا مهجورًا، نوافذه مكسورة، وأبوابه لم تُفتح منذ سنوات طويلة.لكن عبد الرحمن وقف أمامها كأن المكان ينتظره.قال:— أنا اشتغلت هنا؟أجاب سعيد:— قبل ما تبقى قاضي.— كنت متدربًا؟— أكثر من ذلك.دخلوا.كانت رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان.مروا بممر طويل حتى وصلوا إلى قاعة صغيرة.على الج
الفصل 145 — قاتل الأبساد الصمت.كان حامد واقفًا عند الباب، يحمل مسدسه، بينما كان رحيم على الأرض يحاول التقاط أنفاسه.أما عبد الرحمن فلم يستطع أن يبعد عينيه عن حامد.قال بصوت خافت:— أنت حي.ابتسم حامد.— كنت دائمًا حيًا.اقترب محمود بحذر.— إنت اللي أطلقت النار؟— نعم.— ليه ما قتلته؟نظر حامد إلى رحيم.— لأن موته الآن أسهل من أن يعيش بالحقيقة.ثم أعاد نظره إلى عبد الرحمن.— وأنت تستحق أن تعرف.قال عبد الرحمن:— مين قتل أبويا؟أجاب حامد:— أخوك سعيد.تجمد الجميع.رفع عبد الرحمن عينيه نحو سعيد.— سعيد؟هز سعيد رأسه.— لا.قال حامد:— بلى.اقترب عبد الرحمن منه.— قول الحقيقة.صمت سعيد.قال حامد:— في تلك الليلة، كان والدك قد اكتشف كل شيء.— إيه؟— اكتشف أن العراف يستخدم النبوءة لإجبار العائلات على تسليم أبنائها.قال يوسف:— لكن لماذا قتل سعيد والده؟أجاب حامد:— لأنه كان يعتقد أن أباه سيقتل عبد الرحمن.تدخل سعيد:— لم أقتله!صرخ حامد:— لم تطلق النار عليه، صحيح.ثم أضاف:— لكنك أعطيته السم.تراجع سعيد.نظر إليه عبد الرحمن.— السم؟قال سعيد:— كنت أحاول إنقاذك.— فقتلت أبي؟— لم أكن أعر







