Home / التشويق / الإثارة / حين يكتب القدر كتابة / الفصل التاسع: الوعد القديم

Share

الفصل التاسع: الوعد القديم

last update publish date: 2026-08-09 15:50:20

الفصل التاسع: الوعد القديم

وصل فؤاد إلى الفيلا بعد أقل من أربعين دقيقة.

كان عبد الرحمن ينتظره في المكتب، والباب مغلق، والصندوق الخشبي فوق الطاولة.

لم يكن في الغرفة سوى ضوء المصباح الأصفر.

دخل فؤاد وأغلق الباب خلفه.

نظر إلى عبد الرحمن.

ثم إلى الصندوق.

وقال:

— عرفت إنك مش هتنام.

أجابه عبد الرحمن:

— وإنت؟

— أنا ما نمتش من سبعة وعشرين سنة.

نظر إليه عبد الرحمن طويلًا.

— كفاية ألغاز يا فؤاد.

جلس الطبيب أمامه.

— عايز تعرف كل حاجة؟

— أيوه.

— حتى لو الحقيقة هتغير صورتك عن أبوك؟

تردد عبد الرحمن.

كان السؤال أقسى مما توقع.

قال بعد لحظة:

— أبويا مات من سنين.

— عارف.

— وأيًا كانت الحقيقة، مش هقدر أغير اللي حصل.

— لكنك هتقدر تفهمه.

— قول.

أخذ فؤاد نفسًا عميقًا.

ثم قال:

— اسم الرجل اللي وعده أبوك هو محمود السالمي.

تجمد عبد الرحمن.

— محمود؟

— أيوه.

— نفس الرجل اللي ظهر لنا في القرية؟

— أيوه.

— وإنت متأكد؟

— متأكد.

وقف عبد الرحمن.

بدأ يمشي في المكتب.

— يعني محمود كان يعرف أبويا؟

— أكتر مما تتخيل.

— إزاي؟

— أبوك كان يعرفه من قبل ما تولد.

توقف عبد الرحمن.

— قبل ما أولد؟

— بسنين.

— كان بيشتغل إيه؟

— ما كانش شخصًا عاديًا.

— يعني إيه؟

قال فؤاد:

— كان معروفًا في المنطقة بأنه رجل يعرف الناس وأسرارهم. كان يتعامل مع كبار العائلات، ويحفظ قصصًا كثيرة عن أهل البلد.

— يعني شيخ؟

— لا.

— عراف؟

— مش بالمعنى المعروف.

سأل عبد الرحمن:

— والعراف؟

— العراف كان شخصًا آخر.

— مين؟

— اسمه الشيخ ناصر.

توقف عبد الرحمن.

كان الاسم غريبًا.

لكنه شعر أنه سمعه من قبل.

قال:

— ناصر؟

— أيوه.

— مات؟

— لا أعرف.

سكت عبد الرحمن.

ثم قال:

— طيب أبويا كان عايز مني إيه؟

قال فؤاد:

— هنا المشكلة.

— إيه؟

— أنا مش عارف.

— لكنك قلت إن أبويا طلب منك توديني.

— صحيح.

— ليه؟

— قال لي إنك لازم تسمع كلام الرجل.

— وما قالش السبب؟

— قال إنك هتفهم بعدين.

ضحك عبد الرحمن بمرارة.

— بعد سبعة وعشرين سنة؟

— أحيانًا الناس بتموت قبل ما تقول الحقيقة.

نظر عبد الرحمن إلى صورة والده.

كان رجلًا هادئًا في الظاهر.

صارمًا.

قليل الكلام.

لم يتخيل يومًا أن يكون وراء شيء كهذا.

---

فتح عبد الرحمن الصندوق.

قال:

— لازم نفتش كل حاجة.

بدأ الاثنان في إخراج الأوراق.

كانت بعضها قديمة جدًا.

مذكرات.

أسماء.

تواريخ.

أما بعضها الآخر فكان مجرد ملاحظات قصيرة.

أخذ فؤاد ورقة.

قرأ:

"الليلة القادمة هي البداية."

قال:

— دي مكتوبة قبل ليلة العراف.

أخذ عبد الرحمن الورقة.

وجد التاريخ.

كان بالفعل قبل الليلة بيومين.

قال:

— مين كتبها؟

— الخط مش واضح.

أخذ عبد الرحمن ورقة أخرى.

كانت فيها أسماء ثلاثة رجال.

محمود السالمي.

الشيخ ناصر.

ورجل ثالث.

قرأ الاسم.

ثم توقف.

— الاسم ده...

قال فؤاد:

— تعرفه؟

— أيوه.

— مين؟

— كان واحد من رجال القرية.

— اسمه؟

قال عبد الرحمن:

— حسن الجبالي.

سكت فؤاد.

ثم قال:

— مات من عشرين سنة.

— متأكد؟

— أيوه.

— يبقى انتهى.

قال فؤاد:

— يمكن.

نظر عبد الرحمن إليه.

— أنت بتحب كلمة "يمكن" أوي.

ابتسم فؤاد.

— لأن الدنيا ما فيهاش يقين.

---

في اليوم التالي، كان سليم قد قرر أن يبحث بنفسه.

لم يكن يريد التجسس على والده.

لكنه كان يشعر أن هناك خطرًا.

ذهب إلى النيابة، ثم طلب من أحد زملائه مساعدته في البحث عن اسم ظهر في إحدى الأوراق التي احتفظ بها.

كان الاسم:

محمود السالمي.

لم يكن يعرف لماذا اختار هذا الاسم.

لكنه شعر أن هناك شيئًا وراءه.

بحث في السجلات القديمة.

ظهر اسم الرجل في أكثر من قضية قديمة.

كان وسيطًا في بعض النزاعات بين العائلات.

ثم اختفى اسمه فجأة.

قال زميل سليم:

— غريب.

— إيه؟

— آخر سجل ليه من سبعة وعشرين سنة.

رفع سليم رأسه.

— بالضبط.

— تعرفه؟

— لا.

— طيب بتدور عليه ليه؟

تردد.

ثم قال:

— موضوع عائلي.

زميله لم يسأل أكثر.

---

في المستشفى، كان حسام يراجع ملف أحد المرضى.

دخل إليه فؤاد.

رفع حسام رأسه.

— عمي.

— عامل إيه؟

— كويس.

— عندك وقت؟

— خمس دقايق.

جلس فؤاد.

قال:

— أبوك كويس؟

— على قد ما يكون.

— يعني؟

— مش عارف.

سكت فؤاد.

قال حسام:

— إنت تعرف حاجة؟

— ليه؟

— لأنك الوحيد اللي بابا بيثق فيه.

ابتسم فؤاد.

— أبوك بيثق فيكوا أكتر.

— مش حقيقي.

— ليه؟

— لأنه بيخبي علينا حاجة.

صمت فؤاد.

— حسام...

— أنا مش عايز أعرف السر.

— أمال؟

— عايز أعرف إذا كان في خطر.

نظر فؤاد إلى عينيه.

ثم قال:

— خلي بالك من نفسك ومن إخواتك.

وقف حسام.

— يعني في خطر؟

— ما قلتش كده.

— لكنك ما قلتش العكس.

ابتسم فؤاد بحزن.

— أنت طبيب.

— أيوه.

— يبقى لازم تعرف إن بعض الأمراض ما ينفعش نعالجها قبل ما نعرف سببها.

قال حسام:

— وإيه السبب؟

نهض فؤاد.

— الماضي.

وخرج.

ظل حسام ينظر إلى الباب.

---

في الخارج، كان عمر يستعد للعودة إلى القاهرة في عطلة قصيرة.

كان قد أنهى جزءًا مهمًا من دراسته.

اتصل بأبيه.

— بابا.

— نعم؟

— أنا راجع.

سكت عبد الرحمن.

ثم قال:

— راجع إمتى؟

— بعد أسبوع.

— ليه ما قلتليش قبل كده؟

ضحك عمر.

— عشان أفاجئك.

— لا.

— ليه؟

— عشان أرتب لك حاجة.

— أنا مش محتاج حاجة.

— إنت ابني.

— وأنا عايز أرجع البيت.

ابتسم عبد الرحمن.

— البيت بيتك.

ثم سكت.

كان سعيدًا.

لكن خلف سعادته خوف.

فكرة وجود عمر في القاهرة جعلته يشعر بأن الدائرة تضيق.

قال عمر:

— بابا؟

— نعم؟

— أنت مبسوط؟

— جدًا.

— حاسس إن في حاجة؟

تردد عبد الرحمن.

— مفيش.

— متأكد؟

— متأكد.

قال عمر:

— خلاص.

ثم أغلق الهاتف.

وضع عبد الرحمن الهاتف على المكتب.

ثم نظر إلى فؤاد الذي كان يجلس أمامه.

قال:

— عمر راجع.

لم يرد فؤاد.

ثم قال:

— يمكن لازم يرجع.

— ليه؟

— عشان يكون معاك.

— ولا عشان الخطر؟

سكت فؤاد.

قال عبد الرحمن:

— إنت خايف منه.

— أيوه.

---

في تلك الليلة، جاء سليم إلى البيت.

دخل إلى مكتب والده.

كان عبد الرحمن يقرأ.

قال سليم:

— بابا.

— اتفضل.

جلس.

ثم قال:

— أنا بحثت عن محمود السالمي.

رفع عبد الرحمن عينيه.

— ليه؟

— لأن اسمه ظهر في ورقة عندي.

— فين الورقة؟

— عندي.

سكت عبد الرحمن.

قال سليم:

— آخر مرة ظهر فيها اسمه كانت من سبعة وعشرين سنة.

قال عبد الرحمن:

— عارف.

— وإنت تعرفه؟

لم يجب.

— بابا.

رفع عبد الرحمن رأسه.

— أيوه.

تغير وجه سليم.

— تعرفه؟

— أيوه.

— من إمتى؟

— من زمان.

— ليه ما قلتليش؟

— لأن الموضوع قديم.

— بس هو رجع.

سكت عبد الرحمن.

— إنت شوفته؟

— أيوه.

— فين؟

— القرية.

سليم اقترب.

— هو خطر؟

— مش عارف.

— طيب ليه تدور وراه؟

— عشان أعرف الحقيقة.

— وأنا أقدر أساعدك.

— لا.

— ليه؟

— لأنك ابني.

— وده سبب إني أساعدك.

قال عبد الرحمن:

— بالضبط.

سكت سليم.

ثم قال:

— أنا مش هضغط عليك.

وقف.

قبل أن يخرج قال:

— بس لو حصل أي حاجة، مش هقف بعيد.

ثم خرج.

بقي عبد الرحمن وحده.

كان يشعر بالفخر والخوف في الوقت نفسه.

أبناؤه كبروا.

أصبحوا رجالًا.

لكن في نظره ظلوا الأطفال الذين كان يحملهم بين ذراعيه.

ولم يكن يريد أن يراهم في مواجهة شيء لم يستطع هو نفسه فهمه.

---

في اليوم التالي، وصل ظرف جديد.

هذه المرة لم يكن إلى عبد الرحمن.

كان إلى سليم.

وجده على مكتبه في النيابة.

فتح الظرف.

وجد بداخله صورة.

كانت الصورة لعبد الرحمن وفؤاد عندما كانا في الثامنة والعشرين.

وفي الخلف جملة:

"اسأل أباك عمّا حدث بعد خروجكما من عند العراف."

ظل سليم ينظر إلى الصورة.

ثم قلبها مرة أخرى.

كانت هناك جملة أخرى أسفلها:

"لا تثق بكل ما سيقوله لك."

شعر سليم بالقلق.

من الذي يعرف أنه يبحث؟

ومن الذي يراقبه؟

وإذا كان الشخص يعرف عن والده كل هذا...

فهل يعرف عن الأسرة أيضًا؟

وضع الصورة في ملف.

ثم اتصل بوالده.

لم يرد.

اتصل بحسام.

— ألو؟

— حسام، عندي حاجة.

— إيه؟

— صورة.

— صورة إيه؟

— لبابا وعمي فؤاد.

صمت حسام.

— مين بعتها؟

— مجهول.

— إيه المكتوب؟

أخبره.

قال حسام:

— لازم نروح لبابا.

— مش دلوقتي.

— ليه؟

— عايز أعرف الأول مين بعتها.

— إزاي؟

— مش عارف.

---

في المساء، عاد عبد الرحمن إلى الفيلا.

وجد سليم وحسام في انتظاره.

قال:

— مالكم؟

قال سليم:

— في حاجة لازم تشوفها.

أخرج الصورة.

أخذها عبد الرحمن.

تغير وجهه.

قال:

— منين جبتها؟

— وصلت لي في النيابة.

نظر إلى فؤاد الذي كان قد وصل قبل دقائق.

ثم قال:

— نفس الشخص.

قال فؤاد:

— واضح.

سأل حسام:

— مين الشخص ده؟

لم يجب عبد الرحمن.

قال سليم:

— إحنا أولادك.

قال عبد الرحمن:

— عارف.

— يبقى قول لنا.

ظل عبد الرحمن صامتًا.

ثم وضع الصورة على الطاولة.

قال:

— فيه حاجة حصلت وأنا عندي ثمانية وعشرين سنة.

سكت الجميع.

— حاجة حاولت أنساها.

قال حسام:

— والعراف؟

نظر إليه عبد الرحمن.

تجمد فؤاد.

— إنت عرفت منين؟

قال حسام:

— من كلامك.

ثم أضاف:

— أنت قلت إن الماضي بدأ من سبعة وعشرين سنة.

كان عبد الرحمن يعرف أن اللحظة التي حاول الهروب منها قد وصلت.

جلس.

وقال:

— أيوه.

نظر إلى أبنائه الثلاثة.

ثم بدأ:

— لما كنت في الثامنة والعشرين، خرجت أنا وفؤاد في ليلة...

لكنه لم يكمل.

رن جرس الباب.

ذهب أحد الخدم لفتحه.

وبعد ثوانٍ عاد مرتبكًا.

قال:

— سيادة المستشار...

— نعم؟

— في راجل واقف بره.

— مين؟

— بيقول إن اسمه محمود السالمي.

ساد الصمت.

نظر عبد الرحمن إلى فؤاد.

ثم إلى سليم وحسام.

كان الماضي قد وصل إلى باب البيت.

ولم يعد هناك مجال لإغلاقه.

خرج عبد الرحمن بنفسه.

فتح الباب.

كان الرجل واقفًا أمامه.

أكبر سنًا مما يتذكره.

لكن العينين لم تتغيرا.

قال محمود:

— مساء الخير يا عبد الرحمن.

ظل القاضي صامتًا.

ثم قال:

— إنت رجعت ليه؟

ابتسم محمود.

— عشان الوقت جه.

— وقت إيه؟

نظر محمود إلى داخل البيت.

رأى سليم.

ثم حسام.

ثم أمينة.

وقال:

— عشان تعرف عيلتك الحقيقة.

تقدم عبد الرحمن خطوة.

— إياك تقرب منهم.

ضحك محمود.

— أنا مش اللي قربت.

— أمال مين؟

تغيرت ابتسامته.

وقال:

— أنت اللي فتحت الباب.

ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة.

مدها إلى عبد الرحمن.

— دي آخر حاجة تركها أبوك.

أخذ عبد الرحمن الورقة.

فتحها.

كانت جملة واحدة:

"يا عبد الرحمن، عندما تقرأ هذه الرسالة، سيكون الوقت قد حان لتعرف لماذا اخترتك."

رفع عبد الرحمن عينيه.

لكن محمود كان قد بدأ يبتعد.

صرخ:

— اخترتني ليه؟

توقف محمود دون أن يلتفت.

وقال:

— لأنك الوحيد الذي يستطيع إكمال ما بدأه أبوك.

ثم اختفى في ظلام الشارع.

عاد عبد الرحمن إلى الداخل.

أبناؤه ينتظرونه.

فؤاد واقف بجواره.

والرسالة في يده.

ولأول مرة، لم يكن عبد الرحمن خائفًا من معرفة الحقيقة.

كان خائفًا من شيء آخر:

ماذا لو كانت الحقيقة أكبر من أن تتحملها أسرته؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين يكتب القدر كتابة   150

    الفصل 150 — حين اختار الأبناء قدرهمظل عبد الرحمن ينظر إلى الشاب الواقف أمامه.كان المطر قد توقف، لكن قلبه لم يهدأ.قال:— ابن حامد؟أومأ الشاب.— اسمي آدم.نظر عبد الرحمن إلى حامد.كان وجهه قد تغير تمامًا.قال عبد الرحمن:— كنت تعرف؟أجاب حامد بصوت منخفض:— نعم.— ولماذا أخفيته؟— لأنني كنت أحاول حمايته.ضحك عبد الرحمن بمرارة.— يبدو أن عائلتنا كلها كانت تحاول حماية أولادها بالكذب.قال آدم:— وأنا لم آتِ لأكذب عليك.أخرج المفتاح الذي يحمله.— جئت لأُنهي كل شيء.---اقترب محمود.— المفتاح ده بيفتح إيه؟قال آدم:— المكان الذي لم يصل إليه أحد من رجال المجلس.سأل يوسف:— وأين هو؟أجاب:— تحت بيت العائلة.تبادل الجميع النظرات.قال عبد الرحيم:— البيت القديم؟— نعم.قال عبد الرحمن:— لكننا فتشنا البيت.ابتسم آدم.— فتشتم البيت.ثم أضاف:— ولم تبحثوا تحته.---عادوا جميعًا إلى المنزل.قادهم آدم إلى الغرفة القديمة.وقف أمام صورة والد عبد الرحمن.ثم قال:— كان أبي يقول إن هذا الرجل لم يكن يريد أن يملك المجلس.قال عبد الرحمن:— ماذا كان يريد؟— أن ينهيه.— لماذا؟— لأن المجلس بدأ كفكرة لحماية

  • حين يكتب القدر كتابة   149

    الفصل 149 — ما قبل النهايةكانت السماء تمطر بغزارة عندما توقفت السيارات أمام البيت القديم.نزل عبد الرحمن أولًا.وقف أمام الباب الخشبي الذي لم يفتحه منذ سنوات طويلة.كان البيت يبدو كما تركه والده؛ جدران باهتة، نوافذ مغلقة، وشجرة قديمة في الفناء تحركت أغصانها مع الريح.قال محمود:— متأكد إننا لازم ندخل؟أجاب عبد الرحمن:— طول عمري بهرب من المكان ده.ثم وضع يده على الباب.— المرة دي مش ههرب.فتح الباب.صدر صوت صرير طويل.دخل الجميع.---كان الغبار يغطي الأثاث.لكن شيئًا غريبًا لفت انتباه يوسف.— بصوا.أشار إلى الأرض.كانت هناك آثار أقدام حديثة.قال محمود:— حد سبقنا.رفع سلاحه.— الكل يبقى ورايا.تحركوا ببطء داخل البيت.وصلوا إلى غرفة أبي عبد الرحمن.كانت مغلقة.قال عبد الرحيم:— الباب ده ما كانش بيتفتح.سأله عبد الرحمن:— إزاي؟— أبوك كان يمنع أي حد يدخل.قال عبد الرحمن:— حتى أنا.أخرج المفتاح الذي وجده في السجل.وضعه في القفل.فتح الباب.---كانت الغرفة أصغر مما يتذكرها.مكتب خشبي.كرسي.خزانة.وصورة قديمة معلقة على الحائط.اقترب عبد الرحمن من الصورة.كان والده يقف أمام البيت.وبجوار

  • حين يكتب القدر كتابة   148

    الفصل 148 — الحقيقة التي أخفاها الأبلم يتحرك أحد.ظل وجه حامد ظاهرًا على الشاشة المضيئة في آخر القاعة، بينما كانت الكلمات التي قالها قبل لحظات تدور في رأس عبد الرحمن:«اشتقت إليكم يا إخوتي.»إخوتي.لم تكن الكلمة موجهة إلى عبد الرحمن وحده.كانت موجهة إلى عبد الرحيم وسعيد أيضًا.اقترب عبد الرحمن من الشاشة، وعيناه لا تفارقان وجه حامد.— أنت... أخونا؟ابتسم حامد.— الآن فقط بدأت تفهم.قال سعيد بصدمة:— مستحيل.أما عبد الرحيم فكان أكثرهم اضطرابًا.تقدم خطوة.— أبي قال إننا ثلاثة.ضحك حامد.— أبوكم قال لكم ما أرادكم أن تعرفوه.قال عبد الرحمن:— لا تكذب.— ولماذا أكذب الآن؟ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة.صورة لثلاثة أطفال يقفون أمام بيت ريفي قديم.عبد الرحمن.سعيد.عبد الرحيم.لكن خلفهم، وعلى مسافة قليلة، كان يقف طفل رابع.طفل أصغر منهم بقليل.تجمد عبد الرحمن.اقترب من الشاشة.— الصورة دي...قال حامد:— تعرفها؟— كانت في بيت أبي.— نعم.— لكن الطفل ده...ابتسم حامد.— أنا.---جلس سعيد على المقعد الخشبي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.— لا...هز رأسه.— لا يمكن.قال عبد الرحيم:— أبي قال إنك م

  • حين يكتب القدر كتابة   147

    الفصل 147 — سقوط مجلس القدر خرج عبد الرحمن من المحكمة القديمة مع أول خيط من ضوء الفجر، لكنه لم يشعر أن الليل انتهى. كان يحمل الدفتر الأسود تحت ذراعه، بينما سار خلفه محمود ويوسف وسعيد وعبد الرحيم وأبناؤهم. لم يتحدث أحد. كانت الحقيقة أثقل من أن تُقال بسهولة. أربعون عامًا من الخوف، والشك، والرسائل، والاختفاءات، والنبوءة التي ظلت تطاردهم... بدأت الآن تتجمع في صورة واحدة. لكن عبد الرحمن كان يعرف شيئًا واحدًا: المعركة لم تنتهِ. وقف محمود بجواره وقال: — عبد الرحمن. — نعم؟ — إحنا لقينا السجل. — لقينا نسخة منه. نظر محمود إليه. — يعني إيه؟ أجاب عبد الرحيم: — السجل الذي أغلقناه ليس الأصل. التفت الجميع إليه. قال يوسف: — وأنت كنت تعرف؟ — نعم. غضب محمود. — وإنت ساكت ليه؟ أجاب عبد الرحيم بهدوء: — لأن الأصل أخطر من كل شيء وجدناه حتى الآن. سأل عبد الرحمن: — أين هو؟ نظر عبد الرحيم إلى الطريق أمامه. — في مقر مجلس القدر. ساد الصمت. قال عبد الرحمن: — المجلس له مقر حتى الآن؟ — نعم. — وأين؟ أخرج عبد الرحيم خريطة قديمة من جيبه. فتحها فوق مقدمة سيارة محمود. كانت هناك ثلاث ع

  • حين يكتب القدر كتابة   146

    الفصل 146 — الرجل الذي كان عبد الرحمنلم ينطق عبد الرحمن.ظل ينظر إلى الورقة بين يديه، وكأن الحبر عليها لم يكن حبرًا، بل بابًا فُتح فجأة على أربعين عامًا من حياته.كان التوقيع توقيعه.نفس الحروف.نفس الطريقة التي كان يكتب بها اسمه.لكن الجملة لم تكن له.«إذا عرفت من كان والدك، فقد حان الوقت لتعرف من أنت.»اقترب محمود.— عبد الرحمن؟لم يرد.قال يوسف:— دي مش أول مرة تشوف خطك في حاجة مش فاكرها.رفع عبد الرحمن عينيه إليه.— أول مرة كانت إمتى؟صمت يوسف.ثم قال:— ليلة العراف.تغير وجه عبد الرحمن.قال سعيد:— وأنا أقدر أساعدك تفتكر.نظر إليه.— إزاي؟— لازم نرجع للمكان اللي بدأ فيه كل شيء.سأل محمود:— بيت العراف؟هز سعيد رأسه.— لا.ثم أضاف:— المحكمة القديمة.---كانت المحكمة القديمة في طرف القرية.مبنى حجريًا مهجورًا، نوافذه مكسورة، وأبوابه لم تُفتح منذ سنوات طويلة.لكن عبد الرحمن وقف أمامها كأن المكان ينتظره.قال:— أنا اشتغلت هنا؟أجاب سعيد:— قبل ما تبقى قاضي.— كنت متدربًا؟— أكثر من ذلك.دخلوا.كانت رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان.مروا بممر طويل حتى وصلوا إلى قاعة صغيرة.على الج

  • حين يكتب القدر كتابة   145

    الفصل 145 — قاتل الأبساد الصمت.كان حامد واقفًا عند الباب، يحمل مسدسه، بينما كان رحيم على الأرض يحاول التقاط أنفاسه.أما عبد الرحمن فلم يستطع أن يبعد عينيه عن حامد.قال بصوت خافت:— أنت حي.ابتسم حامد.— كنت دائمًا حيًا.اقترب محمود بحذر.— إنت اللي أطلقت النار؟— نعم.— ليه ما قتلته؟نظر حامد إلى رحيم.— لأن موته الآن أسهل من أن يعيش بالحقيقة.ثم أعاد نظره إلى عبد الرحمن.— وأنت تستحق أن تعرف.قال عبد الرحمن:— مين قتل أبويا؟أجاب حامد:— أخوك سعيد.تجمد الجميع.رفع عبد الرحمن عينيه نحو سعيد.— سعيد؟هز سعيد رأسه.— لا.قال حامد:— بلى.اقترب عبد الرحمن منه.— قول الحقيقة.صمت سعيد.قال حامد:— في تلك الليلة، كان والدك قد اكتشف كل شيء.— إيه؟— اكتشف أن العراف يستخدم النبوءة لإجبار العائلات على تسليم أبنائها.قال يوسف:— لكن لماذا قتل سعيد والده؟أجاب حامد:— لأنه كان يعتقد أن أباه سيقتل عبد الرحمن.تدخل سعيد:— لم أقتله!صرخ حامد:— لم تطلق النار عليه، صحيح.ثم أضاف:— لكنك أعطيته السم.تراجع سعيد.نظر إليه عبد الرحمن.— السم؟قال سعيد:— كنت أحاول إنقاذك.— فقتلت أبي؟— لم أكن أعر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status