LOGINكان الرجل يركض بين الأزقة الضيقة دون أن يلتفت خلفه.
تبع كايل خطواته بسرعة ثابتة، لا يندفع بلا حساب، ولا يسمح للمسافة بينهما أن تتسع. كان رِين خلفه بعدة أمتار، وهو يحاول اللحاق بهما. "كايل! هل يمكنك، لمرّة واحدة، أن تركض بسرعة أقل؟!" لم يجبه كايل. رفع رِين صوته وهو يلهث: "كنت أعني أنني أستطيع اللحاق بك، لكن يبدو أنني أخطأت في تقدير قدراتي!" سمعت ميرال صوته من بعيد، فهزّت رأسها وهي تواصل السير مع داريان. قالت: "لن يتوقف عن الكلام حتى وهو يركض." أجاب داريان وهو يتفحص الطريق: "على الأقل، نعرف مكانه من صوته." في نهاية الزقاق، انعطف الرجل فجأة واختفى خلف مجموعة من المباني القديمة. أسرع كايل، ثم توقف عند المنعطف. نظر إلى الأرض. كانت هناك آثار عجلات واضحة فوق التراب الرطب، تتجه إلى الجهة الشمالية من القرية. وصل رِين بعد لحظات، وانحنى واضعًا يديه على ركبتيه. "اختفى؟" أشار كايل إلى الأرض. "هناك." نظر رِين إلى الآثار، ثم رفع رأسه. "عربة؟" وصلت ميرال وداريان إليهما. انحنى داريان بجوار الأثر، ومرر أصابعه فوق حافته دون أن يلمسه كثيرًا. "هذه ليست آثار العربة التي رأيناها في السوق." قال كايل: "إنها أعمق." أجاب داريان: "لأن العربة محملة." ساد الصمت للحظة. ثم قال رِين: "إذًا وجدناها." لم يجب كايل، لكنه بدأ يتبع الآثار. كانت العربة التي يبحثون عنها قد اختفت قبل يومين، بعدما سُرقت منهم أثناء توقفهم خارج الطريق الرئيسي. لم تكن قيمتها في العربة نفسها. كانت تحمل مؤن الرحلة، وبعض المعدات الضرورية، وأغراضًا تخص أفراد الفريق، إضافة إلى صندوق صغير يحتوي على مستندات مرتبطة بالمهمة. ومنذ أن اكتشفوا اختفاءها، اضطروا إلى تغيير طريقهم والبحث عنها بأنفسهم. كان من المفترض أن تكون عملية بسيطة. لكنها لم تعد كذلك. توقفت آثار العجلات فجأة عند سور حجري قديم. رفع داريان رأسه. "هنا." اقترب كايل. وجدوا جزءًا من الحبل المقطوع عالقًا في أحد الأحجار، وبجانبه قطعة قماش ممزقة. أمسك رِين بها. "ليست من ملابسنا." نظر كايل إليها، ثم قال: "احتفظ بها." وضع رِين القطعة في حقيبته. "أتعرف؟ بدأت أشعر أن هذه الرحلة تزداد متعة." نظرت إليه ميرال. "أنت الوحيد الذي يمكنه وصف سرقة أغراضه بأنها ممتعة." ابتسم رِين. "أحاول أن أجد جانبًا إيجابيًا." قال داريان بجدية: "لم تجد شيئًا." "كنت قريبًا." تقدم كايل قليلًا، ثم لمح شيئًا بين الأعشاب قرب السور. انحنى والتقطه. كانت قطعة معدنية صغيرة تحمل نقشًا غريبًا. حدق فيها للحظات. اقتربت ميرال. "هل تعرف هذا الرمز؟" أجاب كايل: "لا." أخذ داريان القطعة، وقلبها بين أصابعه. "يبدو قديمًا." قال رِين: "وهل سرق اللصوص عربة كاملة ليتركوا لنا قطعة معدنية؟" أعاد داريان القطعة إلى كايل. "ربما لم يقصدوا تركها." احتفظ كايل بها. ثم رفع رأسه نحو الطريق الممتد خلف السور. "تحركوا." --- بعد مسافة قصيرة، وجد الفريق العربة. كانت مخفية خلف صف من الأشجار الكثيفة، وقد غُطي جزء منها بقطعة قماش كبيرة. توقف رِين. "وجدناها!" اندفع نحوها، لكن كايل مد يده أمامه وأوقفه. "انتظر." توقف رِين في مكانه. نظر كايل إلى العربة من بعيد. لم يكن هناك أحد حولها. قال داريان بعد أن تفحص المكان بعينيه: "لا أرى أحدًا." رد كايل: "وهذا ما يزعجني." تحركت ميرال ببطء حول المكان. "لا توجد آثار كثيرة." انحنى داريان ليتفحص الأرض. "هناك آثار أقدام، لكنها متداخلة." قال رِين: "كم شخصًا؟" "لا أعرف." تقدم كايل بحذر، حتى وصل إلى العربة. تفحصها سريعًا، ثم رفع الغطاء. كانت الصناديق في الداخل. فتح أحدها. المؤن موجودة. وفي الصندوق التالي، وجد بعض المعدات التي تخص الفريق. تنفس رِين براحة. "أخيرًا." ثم فتح صندوقًا آخر، وتغيرت ملامحه. "كايل." التفت إليه. أشار رِين إلى الصندوق. كان فارغًا. اقترب داريان. "ماذا كان فيه؟" أجاب كايل: "الأوراق." ساد الصمت. كانت المستندات المتعلقة بالمهمة هي الشيء الوحيد الذي اختفى. قالت ميرال: "إذًا لم تكن السرقة عشوائية." نظر كايل إلى العربة دون أن يجيب. كان بإمكان اللصوص أخذ المؤن وترك الأوراق. لكنهم فعلوا العكس. أخذوا الشيء الذي يمكن أن يكشف لهم سبب وجود الفريق في المنطقة. قال داريان: "هناك شخص يعرف ما يبحث عنه." أجاب كايل بهدوء: "نعم." اقترب رِين، ثم أخرج القطعة القماشية التي وجدها في الطريق. "وربما نعرف من أين جاء." أخذ كايل القطعة منه. كان عليها أثر بسيط لنقش باهت، يشبه الرمز الموجود على القطعة المعدنية. نظر إليها طويلًا. ثم أخرج القطعة المعدنية من جيبه ووضعها بجانبها. تطابق جزء من النقش. رفع رِين حاجبه. "حسنًا... هذا أصبح أكثر غرابة." قالت ميرال: "هل تعتقد أن الشخص الذي سرق العربة ترك هذا الرمز؟" أجاب كايل: "لا أعرف." ثم أعاد القطعة المعدنية إلى جيبه. "لكننا سنعرف." نظر داريان إلى الطريق خلفهم. "ماذا سنفعل الآن؟" صمت كايل لحظات. ثم قال: "سنعود إلى القرية." تعجب رِين. "إلى القرية؟" "نعم." "لكننا وجدنا العربة." نظر إليه كايل. "العربة ليست الشيء الوحيد الذي نبحث عنه." فهم داريان قصده. أما ميرال، فرفعت نظرها إليه قائلة: "تظن أن من سرقها ما زال قريبًا." أجاب كايل: "لو كان بعيدًا، لما ترك وراءه أثرًا." نظر رِين إلى العربة، ثم إلى الطريق. اختفت ابتسامته هذه المرة. "إذًا نحن لا نبحث عن عربة بعد الآن." قال كايل وهو يتجه نحو القرية: "لا." تبعته ميرال وداريان. أما رِين، فتأخر لحظة وهو ينظر إلى الأشجار من حوله. شعر بأن هناك شيئًا لا يراه. شيئًا كان قريبًا منهم منذ البداية. ثم لحق بهم. (وهنا بدائت مغامرتنا اتمني تكونو متحمسين 😭🔥🔥)اندفع أول رجل نحو كايل، فاستقبلته حافة سيفه قبل أن يقترب.اصطدم السيفان، وتناثر الشرر بينهما، لكن كايل لم يمنحه فرصة ثانية؛ أدار معصمه، دفع سلاح خصمه إلى الجانب، ثم وجه ضربة سريعة أجبرته على التراجع.في اللحظة نفسها، هاجم آخر من اليمين.انخفض كايل، فمر السيف فوق رأسه، ثم استدار وضرب الرجل بمقبض سيفه، وأسقطه أرضًا.لكن ثلاثة آخرين اندفعوا نحوه دفعة واحدة.رفعت ليانا العصا التي التقطتها، وصدت ضربة متجهة إلى كايل، ثم دفعت مهاجمها بعيدًا."كايل! خلفك!"استدار في اللحظة المناسبة.تراجع خطوة، ثم دار حول نفسه، فمر سيفان أمام صدره، بينما انحنى تحت الثالث.كانت الحركة متلاحقة إلى حد جعل أنفاس ليانا تتسارع.لم يكونوا ثلاثة أو أربعة فقط.كانوا يخرجون من كل زقاق.كلما أسقط كايل أحدهم، ظهر آخر مكانه.قبض على سيفه بقوة."إنهم كثيرون."أجابته ليانا وهي تتفادى ضربة:"لاحظت ذلك!"اندفع أحد الرجال نحوها.رفعت العصا، لكن قوة الضربة دفعتها إلى الخلف.وقبل أن تسقط العصا من يدها، ظهر كايل أمامها، واعترض الضربة بسيفه."تراجعي.""لا!""ليانا!"دفع المهاجم بعيدًا."قلت تراجعي!"رفعت عينيها إليه بغضب."لن أترك
ما إن ظهرت أولى منازل القرية بين الأشجار، حتى خفّفت المجموعة سرعتها، بينما أخذت ليانا تتأمل المكان باهتمام.كانت القرية صغيرة وهادئة، تحيط بها أكواخ خشبية متفرقة، ويتصاعد الدخان من بعض المداخن. وفي الساحة القريبة، وقف عدد من الباعة أمام عرباتهم، بينما كان أهل القرية يتحركون في هدوء بين الأزقة.تمتم آدم وهو يمد ذراعيه:"أخيرًا... مكان نستطيع أن نستريح فيه."رمقه رين بحماس."والأهم... الطعام."تنهدت ميرال."كنت أعلم أن هذا سيكون أول ما تفكر فيه."تقدمت المجموعة نحو الساحة، واتفقوا على شراء بعض المؤن قبل مواصلة الرحلة.وبينما كان الجميع يتحدث، ابتعدت ليانا قليلًا عنهم، ثم عادت تحمل كيسًا صغيرًا."سأذهب لأشتري بعض الخبز."التفت كايل إليها فورًا."لا."توقفت."ماذا؟"أشار إلى الطريق المؤدي إلى السوق."سأذهب أنا."عقدت ذراعيها."ولماذا؟""لأننا لا نعرف المكان."رفعت حاجبها."إنها قرية، وليست ساحة معركة."ثبت كايل نظره عليها."قبل قليل كانت هناك مجموعة من قطاع الطرق.""وهذا لا يعني أنني عاجزة عن شراء الخبز!"اقترب آدم منهما محاولًا تهدئة الموقف."يمكنني الذهاب معها."لكن كايل أجاب بحزم:"لا
كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا، وأخذت أشعتها تتسلل بين أغصان الأشجار الكثيفة.واصلت المجموعة سيرها في صمت نسبي، بعدما هدأت المشادة الأخيرة بين ليانا وكايل.أو هكذا ظنوا.قال رين فجأة:"أشعر بالجوع."لم يلتفت إليه أحد."هل سمعتموني؟"قال داريان:"نعم.""ومع ذلك لم يهتم أحد."أجابته ميرال:"لأننا اعتدنا الأمر."تنهد رين."هذا ظلم."قال كايل دون أن يلتفت:"توقف عن الشكوى.""أنا لا أشكو، أنا أعبّر عن معاناتي يازعيم"التفتت ليانا إليه."إنها معاناة بسبب الجوع فقط.""وهل هناك معاناة أهم من الجوع؟"قال آدم ضاحكًا:"في الوقت الحالي، لا أظن."ابتسمت ليانا.ثم سمعوا صوتًا من أعلى التل."توقفوا مكانكم!"تجمد الجميع مكانهمظهر ثلاثة رجال بين الأشجار، ثم خرج رجل رابع من خلف صخرة كبيرة.كانوا يحملون أسلحة مختلفة، ويتقدمهم رجل عريض الكتفين يحمل فأسًا قصيرة.قال الرجل:"ضعوا ما تحملونه على الأرض، وسنسمح لكم بالمرور."نظر رين إلى المجموعة، ثم قال بهدوء:"هل نضع أغراضنا كلها؟"رد الرجل:"كلها."قال رين:"حسنًا."وضع حقيبته على الأرض.نظر إليه الجميع بدهشة.ابتسم رين."ماذا؟ أنا أطيع الأوامر."قالت ميرال:
لم تمضِ سوى دقائق على انتهاء حديث كايل، حتى خيّم الصمت على المجموعة من جديد.كانت النار تشتعل بهدوء أمامهم، بينما راحت ليانا تحدّق في قطعة القماش التي تحمل الرمز الغامض. كانت تمرر أصابعها فوق أطرافها بحذر، وكأنها تحاول أن تفهم سرّ العلامة دون أن تعرف من أين تبدأ.قالت بعد لحظات:"ألا يمكن أن نترك هذا الرمز وشأنه حتى الصباح؟"رفع كايل عينيه إليها."لا."ضيّقت عينيها."كنت أعرف أنك ستقول ذلك.""إذن لماذا سألتِ؟"نظرت إليه بضيق."لأنني كنت آمل أن تفاجئني ولو لمرة."قال رين وهو يضع يده على فمه كي لا يضحك:"حبذا الأمل."التفتت إليه ليانا."ماذا؟"ابتسم رين وقال:"حبذا الأمل! (أي: ما أجمل الأمل، وهي من صيغ المدح في اللغة العربية، وتُستخدم لمدح شيء أو صفة.)"حدّق الجميع فيه.قال داريان ببرود:"هل انتهيت؟""كنت أضيف لمسة ثقافية."قالت ميرال:"أنت تضيف الصداع فقط."ضحك آدم، بينما أخفى كايل ابتسامة صغيرة سرعان ما اختفت.لاحظتها ليانا."أنت ابتسمت."عاد وجه كايل إلى هدوئه."لم أفعل.""بل فعلت.""لا.""رأيتك.""أنتِ مخطئة."عقدت ذراعيها."أنت مستفز."أجابها دون تردد:"وأنتِ كثيرة الكلام."شهقت لي
ظلّ الجميع واقفًا في مكانه لعدة لحظات بعد اختفاء المقنّع. كانت الأشجار قد عادت إلى سكونها، ولم يبقَ في المكان سوى الأوراق المتناثرة على الأرض وآثار الفوضى التي سببتها قوة ليانا. ظل كايل ينظر إلى المكان الذي اختفى فيه الرجل، ثم قال: "داريان، تفقد المكان." أومأ داريان، واتجه بين الأشجار بحذر، بينما بقي كايل واقفًا في مكانه. ثم التفت إلى ليانا وقال: "هل حدث لكِ هذا من قبل؟" نظرت إليه ليانا للحظات، ثم أومأت ببطء. "نعم." قال كايل: "متى؟" خفضت ليانا عينيها قليلًا. "حين كان أخي يونس في خطر." نظر آدم إليها بدهشة، ثم قال: "لماذا لم تخبريني من قبل؟" قالت بتردد: "كنت مترددة، فأنا لم أكن أعرف ما هذا أصلًا." ساد الصمت للحظة. أما كايل، فلم يعلّق، بل أعاد نظره إلى المكان الذي اختفى فيه المقنّع، وكأنه يحاول إعادة ترتيب ما حدث في ذهنه. في تلك اللحظة عاد داريان، وكان يحمل قطعة قماش داكنة بيده. قال: "وجدت هذا بالقرب من المكان الذي اختفى فيه." اقترب كايل منه، وأخذ قطعة القماش. وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمدت ملامحه للحظة. كان على القماش الرمز نفسه الذي ظهر مع اختفاء نادر، و
لم تمضِ سوى دقائق على مغادرتهم إيلورا، حتى ابتعدت القرية عن أنظارهم، وبدأ الطريق يمتد بين الأشجار الكثيفة والتلال المنخفضة. كان كايل يسير في المقدمة، وخلفه داريان ورين وميرال، بينما كانت ليانا تسير إلى جوار آدم. لم يكن أحد منهم يعرف ما ينتظرهم في الطريق. كانت ليانا تضم يديها حول حزام حقيبتها، وعيناها تتحركان بين الأشجار من حين إلى آخر. لاحظ رين ذلك، فقال محاولًا تخفيف التوتر: "لا تقلقي، لو ظهر أي شيء مخيف فسأكون أول من يهرب." نظرت إليه ميرال باستغراب: "وأنت تسمي هذا طمأنة؟" ابتسم رين. "أنا صريح فقط." قال داريان من الأمام: "اخفض صوتك." اختفت ابتسامة رين قليلًا، ونظر حوله. "لماذا؟" لم يجبه داريان، فقد توقف كايل فجأة. توقف الجميع خلفه. وضع كايل يده على مقبض سيفه، وأخذ يتفحص المكان بصمت. سأله آدم: "ماذا هناك؟" قال كايل: "هناك شخص." ما إن أنهى كلماته حتى خرج رجل مقنّع من بين الأشجار. كان يرتدي عباءة داكنة، وغطاءً يخفي وجهه بالكامل، ولم يظهر منه سوى عينين ثابتتين تراقبان ليانا مباشرة. لاحظ كايل اتجاه نظره. لم يتحرك الرجل، وفي اللحظة التالية، اندف







