تسجيل الدخولرغم صخب النقاشات وحرص الجميع على إبراز أفضل ما لديهم، كان هيثم في عالم آخر تماماً. ظل شارداً طوال الاجتماع، عينيه مثبتتان على الأوراق أمامه لكن عقله لم يكن يرى سوى تلك اللحظة... غمزة غزل العفوية له.
تسللت التفاصيل إلى مخيلته كشريط سينمائي يعاد ببطء، لترتسم على شفتيه ابتسامة تلقائية دافئة، كسر بها قناع الجدية الذي يرتديه دائماً. لم تمر هذه الابتسامة المرتبكة مرور الكرام على الموظفين الجالسين حول الطاولة، فبدأت الهمسات المكتومة تشتعل في زوايا الغرفة: — "هل سيدي يضحك حقاً؟" — "نعم، أعتقد ذلك.. يا إلهي، أظن أنه واقع في الحب!" تناهت تلك الهمسات الخافتة إلى مسامعه، فاستيقظ فجأة من شروده. شعر بالحرج، وتنحنح بقوة (سعل) ليعيد صوته الرخيم، مقاطعاً همساتهم. أعاد ترتيب أوراقه بجدية مصطنعة، ونظر إلى المدير المالي مباشرة ليعيد توجيه التركيز إلى العمل قائلاً بنبرة حازمة: — "حسناً.. كنا نتحدث عن الجدوى الاقتصادية. ما هي قيمة الأرباح المتوقعة في هذا المشروع بناءً على دراستكم الأخيرة؟" أدار المدير المالي عينيه بارتباك، محاولاً التخلص من ابتسامته الساخرة قبل أن يجيب بنبرة عملية: — "بناءً على دراسة السوق الأخيرة يا سيدي، نتوقع أن تتجاوز قيمة الأرباح في الربع الأول الـ 25%، خاصة مع خطة التسويق الجديدة." بينما كان المدير يسترسل في الأرقام والإحصائيات، كان هيثم ينظر إلى الأوراق ويوميء برأسه، لكن في أعماقه، كانت كلمة "الأرباح" تأخذه إلى مكان آخر تماماً... لقد كان يفكر في أرباح قلبه منذ أن دخلت غزل حياته. بمجرد أن انفض الاجتماع وغادر الموظفون القاعة، تنفس هيثم الصعداء. التفت إلى مساعده الشخصي مجيد، وأخرج هاتفه المحمول، عارضاً عليه صورة التقطها خفية لتلك الفتاة وهي تجلس على الطاولة المقابلة له في المطعم. قال هيثم بنبرة هادئة يحاول إخفاء اهتمامه خلفها: — "مجيد.. أريدك أن تبحث في أمر هذه الفتاة، أخبرتني أن اسمها غزل. أريد معرفة كل شيء عنها." أخذ مجيد الهاتف، وتفرّس في تفاصيل الصورة جائلاً بنظره بين ملامح الفتاة الشابة. فجأة، بدت علامات المعرفة والتعجب على وجهه، ونظر إلى هيثم قائلاً: — "سيدي.. أنا أعرف هذه الفتاة جيداً، لكن اسمها ليس غزل!" عقد هيثم حاجبيه باستغراب واعتدل في جلسته: — "ماذا تقصد؟" أعاد مجيد الهاتف لهيثم وهو يشرح الأمر بمهنية: — "هذه الفتاة تقدمت بطلب للعمل في شركتنا كمتدربة منذ فترة وجيزة، ولقد مرّ ملفها تحت يدي. لكن اسمها المسجل في الأوراق الرسمية والهوية هو رغد، وليس غزل. وللأسف.. لقد تم رفض طلبها من قِبل إدارة الموارد البشرية." وقع الكلمات على هيثم كالصدمة. نظر إلى الصورة في هاتفه مجدداً.. الصدمة لم تكن فقط بسبب رفضها من الشركة، بل لأنها أخفت هويتها الحقيقية عنه واستخدمت اسماً مستعاراً. تضاربت الأفكار في رأسه: لماذا كذبت بشأن اسمها؟ وما الذي تخفيه رغد وراء قناع غزل؟ لم يتردد هيثم طويلاً، بل التمعت عيناه ببريق غامض وهو ينظر إلى صورتها. أرجع ظهره إلى الخلف على مقعده، وقال لمجيد بنبرة هادئة ولكنها حاسمة لا تقبل النقاش: — "إذن، ألغِ قرار الرفض فوراً يا مجيد. أريدها أن تبدأ التدريب في الشركة مع بداية الأسبوع المقبل." تفاجأ مجيد من إصرار رئيسه، لكنه حافظ على هدوئه المهني وسأل: — "تحت أي مسمى وظيفي أو في أي قسم تريدني أن أدرجها يا سيدي؟" ابتسم هيثم ابتسامة جانبية غامضة وأجاب: — "في قسم العلاقات العامة.. وأريدك أن تشرف على موضوعها بنفسك، لكن دون أن تذكر لها أي شيء عن معرفتي بالأمر. دعها تظن أن قبولها جاء بشكل طبيعي بناءً على إعادة مراجعة للملفات." أومأ مجيد برأسه وهو يسجل الملاحظات: — "أمرك سيدي، سأقوم بالتواصل معها وإبلاغها بالقبول تحت اسمها الرسمي... رغد." بمجرد أن غادر مجيد المكتب، أخرج هيثم هاتفه مجدداً وتأمل صورتها في المطعم. كانت الأفكار تتضارب في عقله؛ فمن جهة هو سعيد لأنها ستكون قريبة منه، ومن جهة أخرى يشتعل فضولاً ليعرف سبب تخفيها وراء اسم غزل. وصلت رغد إلى المنزل وهي لا تزال بتلك الهيئة المثيرة للجدل؛ ملامحها تحمل بقايا التحدي، وعقلها لا يزال معلقاً بلقائها الأخير. ما إن فتحت الباب وخطت خطواتها الأولى في الصالة، حتى جابهها تيار مألوف من النقد والتحكم. كان عمها يجلس بملامح متجهمة، وإلى جانبه جدتها التي كانت ترمقها بنظرات حادة ومليئة بالاستياء. لم ينتظرا حتى تلتقط أنفاسها، بل بادرتها الجدة بصوتها الأجش والمليء باللوم: — "أخيراً تشرفتِ بالعودة؟ انظري إلى هيئتكِ وطريقتكِ! أهذا مظهر فتاة محترمة من عائلتنا؟ تهاونكِ واستهتاركِ زادا عن حدهما يا رغد!" انضم العم إلى جوقة التوبيخ، وهز رأسه بقلة حيلة مستنكراً: — "جدتكِ معها حق، تهاونكِ هذا سيجلب لنا المتاعب. إلى متى ستظلين تسيرين على هواكِ ودون أي اعتبار لنا؟" وقفت رغد في مواجهتهما، وبدت على وجهها علامات البرود التام. لم تكلف نفسها عناء الرد أو التبرير، ولم تدخل في نقاش عقيم اعتادت عليه. وبكل هدوء وثقة، رفعت يدها ببطء نحو الأعلـى، ومـدت إصبعها الأوسط في وجههما قائلة بنبرة حاسمة وباردة: — "تباً لكم." ساد الصمت المكان فجأة، وكأن الزمن قد توقف. سقطت الكلمات كالصاعقة على العم والجدة، واللذين تجمدت ملامحهما في حالة من الصدمة الذهول التام، غير مصدقين أن رغد تجرأت على كسر كل الخطوط الحمراء بهذه الطريقة. دون أن تنتظر رؤية رد فعلهما أو سماع صراخهما القادم، استدارت برأسها المرفوع وصعدت الدرج بخطوات ثابتة وسريعة نحو غرفتها. أغلقت الباب خلفها بالمفتاح، لتعزل نفسها عن العالم الخارجي تماماً. توجهت فوراً إلى الحمام، وفتحت المياه الدافئة لتغسل عنها عناء اليوم والتوتر المحيط بها. بعد حمام طويل وهادئ، خرجت وهي تلف جسدها ببرنس الحمام الدافئ، وألقت بجسدها المنهك على السرير، لتستسلم لنوم عميق ومريح، غير مبالية بالعاصفة التي تركتها خلفها في الأسفل بمجرد أن أُغلق باب غرفتها بعنف، انمحت حالة الذهول عن وجهي العم والجدة لتحل محلها ثورة عارمة من الغضب والارتباك. وقف العم وهو ينفض ثوبه بعصبية، موجهاً سبابته نحو الأعلى، بينما كان صوته يرتجف من شدة الإهانة: — "هل رأيتِ؟ هل رأيتِ ما فعلته للتو؟! تباً لنا؟! لقد تمردت هذه الفتاة تماماً، لم تعد تحترم كبيراً ولا صغيراً!" أمسكت الجدة عكازها تضربه بالأرض بغيظ شديد، وعيناها تملؤهما الريبة أكثر من الغضب، وقالت بنبرة خافتة ولكنها حادة: — "اهدأ يا لؤي.. الأمر أكبر من مجرد قلة أدب. ألا تلاحظ؟ الفتاة تغيرت كلياً منذ فترة.. كأنها شخص آخر تماماً!" توقف العم عن السير جيئة وذهاباً، وقطب حاجبيه مفكراً في كلمات الجدة: — "ماذا تقصدين؟" هزت الجدة رأسها بأسى وغموض: — "رغد التي نعرفها، الهادئة، المطيعة، التي كانت تختبئ من خيالها... لم تكن لتجرؤ على النظر في أعيننا، ناهيك عن فعل حركتها القذرة تلك! منذ فترة وهي تتصرف بغرابة، نظراتها، طريقة كلامها، وخروجها الدائم.. كأن روحاً أخرى سكنت جسدها. هذه ليست ابنتنا يا لؤي، هناك سر وراء هذا التحول!" ساد الصمت الصالة مجدداً، لكنه هذه المرة لم يكن صمت صدمة، بل كان صمت شك وخوف مما تخطط له رغد، أو ما أصبحت عليه.ذلك اليوم المشؤوم...يوم تجرأ والده وأحضر عشيقته وطفله غير الشرعي إلى عقر دارهما دون أدنى احترام لروح الفقيدة. يومها، لم يتماسك هيثم أمام الوقاحة التي رآها، فصرخ في وجه أبيه بانهيار وغضب أعمى:— "ألم يمر حتى شهر واحد على وفاة أمي لتجلب هذه إلى هنا؟!"ولم تكن الإجابة سوى صفعة قوية ومدوية هبطت على وجهه من أبيه، صفعة تركت طعماً مراً في حلقه ونيرانًا تحرق صدره. يومها، وسط دموعه المكبوتة ونظرات الشماتة، أقسم هيثم بصوت مرتعش أمام المرآة أنه سيبني نفسه من الصفر، وأنه لن يحتاج إلى أحد كائناً من كان، وسيدوس على كل من تجرأ على كسر رأسه.لكن وسط ذلك الحطام النفسي، تذكر كيف أتت جدته إليه بحنان باغت، فحضنته بقوة وكأنها تريد أن تجمع أجزائه المتناثرة، وهمست في أذنه بكلمات دافئة:— "أنا في مكان أمك يا بني... وأقسم أنني لن أموت إلا حين أراك تتزوج وتؤسس عائلتك الخاصة التي تحميك وتحمي بيتك."فتح عينيه ببطء، وابتسم بمرارة خفية وهو يستعيد عهده القديم؛ ليُدرك أن هذه الصفقة المؤقتة لم تكن مجرد هروب من ورطة رغد، بل كانت الحصن الوحيد ليفيء بوعده القديم للجدة، ولو كان الثمن هو الدخول في لعبة مع عناد رغد ال
عقدت "رغد" حاجبيها بتعجب أكبر، وقد تشتت غضبها أمام بروده الغريب، لتردد بصوت مهتز ومخترق:— "الجدة تتصل بكَ أنت؟! وكيف يكون..."لم تنهِ جملتها؛ فقد اقترب منها هيثم أكثر، متملاً أي مسافة فاصلة بين وجهيهما حتى كاد يلتصق بها، ثم مد أصبعه برفق ولمس طرف أنفها بحركة خفيفة، وقال بصوت هامس وخبيث يخفي ابتسامة ساخرة:— "ايتها الحمقاء... إنها جدتي أنا، وليست جدتكِ أنتِ."أدركت "رغد" فجأة مدى تسرّعها وغبائها في تلك اللحظة، فاحمرّت وجنتاها خجلاً وارتباكاً من قربه الشديد وتصرفه المباغت. وقبل أن تستوعب تماماً ورطتها أو تفكر في ردّ فعل مناسب، كان هيثم قد ابتعد عنها بخفة، ووقف مستقيماً وهو يعدل ياقَتَه ببرود وهدوء تام كأن شيئاً لم يكن.نظر إليها نظرة جادة ومدروسة، ثم قال بنبرة عملية واثقة:— "سأعقد معكِ صفقة يا رغد.. هل ترغبين في إنهاء ديونكِ بالكامل في أسرع وقت ممكن؟"علّقت عيناها به بذهول للحظة، مستوعبة ثقل العرض، ثم أومأت برأسها تدريجياً وبإيجاب وهي تشعر بفضول قاتل تجاه ما ينويه.نظر إليها هيثم بنظرة ثابتة وخالية من أي تردد، وبنبرة هادئة حملت وزن قرار مصيري، قال بثقة تامة:— "تزوجيني."اتسعت عينا
تنهد هيثم بعمق ليطرد توتر اللحظة، متذكراً فوراً تحذيرات الدكتورة الصارمة: "إياك ومواجهتها، لا تذكر اسم (غزل) مباشرة أمامها، فالعقل قد يرفض الحقيقة ويدخل في حالة إنكار مدمرة"..أغمض عينيه بثقل، ثم فتحهما ليرسم على محياه ابتسامة هادئة ومصطنعة ليخفي ارتباكه، وقال بنبرة عملية:— "ليس مهمّاً الآن يا رغد.. انسَيْ ما قلتُه، اذهبي وارتِحي أولاً، فالرحلة كانت متعبة."التزمت الصمت طوال ما تبقى من الطريق، وكان التوتر يملأ الأجواء بينهما. وما إن توقفت السيارة أخيرًا أمام عمارة منزلها، حتى فتحت الباب وهمت بالنزول، لكنها تفاجأت بالمكان.التفتت إليه بذعر طفيف وعيناها تتحركان بيّن واجهة البناء ورجال الأمن، لتقول بصوت مهتز ومفجوع:— "انتظر.. لماذا أتينا إلى هنا؟! هذا ليس منزلي! لماذا لم نذهب إلى البيت؟!"نزِل هيثم بسرعة من السيارة، والتف حولها ليمسك بمعصمها برفق حين همّت بالاحتجاج، ثم نظر إليها بنظرة حازمة ومصطنعة تخفي خلفها ألماً عميقاً. قال بصوت قاطع وثابت لا يقبل النقاش:— "أنتِ مطرودة من البيت يا رغد.. ولا مكان تذهبين إليه سواي."عقدت حاجبيها بذهول صاعق، وسحبت يدها بقوة وكأن كلماته كانت صفعة ع
فتحت "رغد" عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس طويل وثقيل. لمعت في عينيها نظرة مليئة بالحيرة العميقة، والحزن المكتوم، واهتزاز الثقة كمن فقدت مرساته في منتصف العاصفة. نظرت إلى هيثم الواقف بجانب السرير، ثم التفتت برأسها لتتفقد المكان، وكأنها تحاول تجميع شتات عقلها المبعثر.لم تدم لحظات صمتها طويلاً؛ نهضت بسرعة من السرير الطبيه، وألقت نظرة سريعة على حقيبتها، ثم أمسكت بهاتفها المحمول وهمّت بالمغادرة بخطوات متسرعة ومرتجفة.مدّ هيثم يده بسرعة وأمسك بمعصمها ليمنعها من الهروب، لكنها سحبت يدها بقوة وعنفوان مفاجئ، وكأن لمسها يثير فزعها. التفتت نحو الدكتور طارق الذي كان يتابع الموقف بقلق بالغ، وقالت بصوت متهدج بالكاد يحمل نفسه:— "عفواً يا استاذي.. أنا لست بخير أبداً، سأزورك لاحقا."وقبل أن يتسنى لأي منهما قول حرف واحد، استدارت وركضت بخطوات هاربَة خارج المستوصف.انطلق هيثم خلفها بخطوات واسعة حتى أدركها قرب البوابة الرئيسية للجامعة، حيث كانت تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة. مدّ يده وأمسك بيدها مجدداً، لكن هذه المرة بحزم تملؤه المسؤولية، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:— "أنا من أحضرك إلى هنا، وأتحمل
ترجلا من السيارة ودخلا إلى حرم الجامعة الواسع. كان الهواء محملاً برائحة الأشجار القديمة والذكريات المنسية. بدآ يتجولان في الساحة الرئيسية المورقة، حيث كانت الأجواء تبدو هادئة بشكل مخادع.وفجأة، وبدون مقدمات، تركت "غزل" مسارها، واندفعت تجري بخفة نحو إحدى الحدائق الجانبية. وقفت بين الشجيرات، وبدأت تقطف بعض الزهور المزروعة بعناية، وكأنها تحاول الهروب من التوتر المتصاعد بداخلها عبر الانشغال بتفاصيل طفولية وعبثية.في تلك اللحظة، مر أحد عمال الصيانة بجانب هيثم، محملًا ببعض الأدوات. لم يتردد هيثم؛ مد يده بسرعة وأمسك بمعصم العامل بإحكام، وسأله بصوت حازم:— "أريد أن أفرغ مسألة سريعة.. أين أجد الدكتور طارق، أستاذ الفيزياء؟"توقف العامل وأشار بيده نحو أحد المباني القريبة قائلاً:— "إنه في القاعة رقم أربعة في ذلك المبنى، لديه محاضرة الآن."أومأ هيثم برأسه شاکراً، ثم التفت خلفه حيث كانت "غزل" لا تزال منشغلة بقطف الزهور ورميها بعصبية. نادى عليها بنبرة لا تقبل النقاش، ركّبت الجملة ببرود مدروس:— "غزل.. اتبعيني الآن."انطلق هيثم بخطوات واسعة نحو المبنى المقصود، تاركاً إياها تقف مذهولة لبرهة، قبل
دخلت "غزل" غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوةٍ جعلت إطاره يهتز. لم تكن تبدو كمن يستعد لرحلة عودة، بل كانت تمشي في أرجاء الغرفة كالنمرة المحبوسة في قفص. اقتربت من المرآة، نظرت إلى انعكاس وجهها، مسحت أحمر الشفاه بقسوة بظهر يدها، ثم استندت بكلتا يديها على الطاولة الزجاجية، تنظر إلى نفسها بحدة.— "رغد.. أيتها الحمقاء"، همست بصوتٍ يملؤه الاحتقار، وهي توجه الحديث لانعكاسها في المرآة.بدأت بفتح الحقيبة، وبدلاً من ترتيب الملابس، بدأت بنثر محتوياتها على السرير بعنف. كانت يداها ترتجفان من الغضب. شعرت بشيءٍ غريب في داخلها؛ وخزات خفيفة في رأسها، ثم بدأت صورة "رغد" تتراءى لها في خيالها، كأنها تحاول الصعود للسطح.صرخت "غزل" بصوتٍ مكتوم، وضغطت على رأسها بكلتا يديها:— "لا.. لن تخرجي الآن! لقد انتهى دورك! هيثم لي.. أنا من جذبتُ انتباهه، وأنا من جعلتُه ينظر إليّ بتلك النظرة. لن أسمح لكِ بأن تأخذي ما بنيتُه!"فتحت درج الطاولة الجانبية، أخرجت منه قلادة كانت تخص رغد -القلادة التي أهداها إياها هيثم في بداية الرحلة-. نظرت إليها بابتسامةٍ باردة، ثم خلعتها بعنفٍ من حول عنقها وألقتها في قاع الحقيبة وكأنها ت







