تسجيل الدخولاستجمعت رغد شتات نفسها، وارتدت ملابسها المحتشمة الراقية المعتادة، ووضعت نظاراتها الطبية لتخفي وراءها عينيها الحائرتين، وانطلقت بـ شخصيتها الخجولة والمنطوية نحو إحدى أكبر الشركات الاستثمارية في المدينة لتقديم طلب عمل.
دخلت المبنى الشاهق بنبضات قلب متسارعة. وأثناء وقوفها في بهو الشركة الفاخر تنتظر دورها، التفتت فجأة لترى رجلاً يسير وسط حراسة خفيفة وموظفين يلحقون به بهيبة تخطف الأنفاس. كان هيثم. نظرت إليه رغد من بعيد، لكنها لم تتعرف عليه قط؛ فنظاراتها الطبية وهدوءها لم يسعفاها للربط بينه وبين الرجل الذي واجهته ليلة أمس. كل ما شعرت به في تلك اللحظة هو الذهول التام من هيبة هذا الرجل عشريني العمر، الحنطي البشرة، والذي كان يتحرك كملك غير متوج في مملكته. لكن سحر اللحظة انكسر سريعاً عندما نادى الموظف المسؤول على اسمها. دخلت المقابلة بآمال معلقة، لتواجه واقعاً مريراً؛ نظر المسؤول إلى مظهرها الهادئ ونظاراتها، وبدأ باحتقارها والتقليل من شأنها بكلمات باردة، قبل أن يلقي بملفها جانباً ويقول بنبرة جافة: "طلبكِ مرفوض.. لا نحتاج لأمثالكِ هنا." خرجت رغد من باب الشركة والدموع تتلألأ في عينيها الزرقاوين خلف النظارة، تشعر بظلم شديد يكسر قلبها. رفعت رأسها لتكفكف دموعها، وفي تلك اللحظة بالذات، لمحت سيارة فاخرة تقف أمام البوابة، وكان هيثم يخرج من مبنى الشركة متوجهاً إليها. توقفت دموعها فجأة. التمعت عيناها بريق مختلف تماماً، واختفت مسحة الخجل لترتسم على شفتيها ابتسامة ماكرة حادة. اهتزت تلك القوة الشرسة المخبأة في أعماقها، ونظرت إليه قائلة بنبرة مليئة بالتحدي: "ها أنت مجدداً..." نظرت إلى ملابسها المحتشمة التقليدية، ثم التفتت يميناً ويساراً، وقالت لنفسها ببرود: "لكن.. يجب تغيير هذه الملابس أولاً." وبدون تردد، تقدمت بخطوات واثقة وجريئة نحو أول محل للملابس يقع أمامها مباشرة على الرصيف، لتخلع ثوب الضعف وتبدأ لعبتها الخاصة. كان ضجيج المطعم الفاخر يملأ المكان، لكن عقله كان في وادٍ آخر تماماً. جلس خلف طاولته المعتادة، يرتشف قهوته السوداء بوقاره المعهود، بينما كانت صورة الفتاة ذات الفستان الأحمر والمزق بالسكين تطارده وترفض مغادرة مخيلته. وفجأة، توقفت كأسه في الهواء. على بعد طاولات قليلة، تناهى إلى مسامعه صوت ضحكة مألوفة، التفت ببطء لتتسع عيناه ذهولاً للمرة الثانية. إنها هي! تجلس بكامل أناقتها الجريئة، وعطرها النفاذ الذي يعبر المكان ليذكره بتلك الليلة الصاخبة. في تلك اللحظة، عاد عقله بلمحة خاطفة إلى ليلة أمس... حين لحق بها إلى خارج قاعة الحفل، ورآها توقف سيارة الأجرة. ما لم يلحظه هو في العتمة، أنها وقبل أن تغلق باب السيارة، التفتت بلمحة سريعة بطرف عينها ورأته واقفاً يراقبها والابتسامة المصدومة تعلو وجهه. في تلك اللحظة، داخل السيارة، لم تكن هناك أي ملامح للغضب أو التشتت. بل انفرجت شفتاها المصبوغتان باللون الدموي عن ابتسامة مكر شديدة، وعيناها تلمعان ببريق صياد وجد فريسته المثالية. تمتمت بصوت خافت وممتلئ بالثقة: "أريده ملكي...". ثم أغلقت الباب وانطلقت. انقطع حبل الذكريات ليعود إلى الحاضر في المطعم، يراقبها وهي تجلس بثقة كأنها ملكة اللعبة، بينما نبضات قلبه تتسارع مع أفكاره: هل هي هنا بالصدفة؟ أم أن اللعبة بدأت بالفعل؟ كان هيثم يراقبها وعيناه لا تفارق عينيها الزرقاوين الساحرتين. لم تكن نظراتها نظرات مصادفة، بل كانت مصوبة نحوه بثبات وثقة هزت جموده المعتاد. رفعت غزل كأسها ببطء نحو شفتيها، وأخذت رشفة صغيرة وهي تحافظ على التواصل البصري الحاد معه، ثم ارتسمت على وجهها ذات الابتماسية الماكرة التي ظهرت بها ليلة أمس في السيارة. لم تنتظر أن يبادر هو بالاقتراب؛ بل قامت من قاطعتها بكل كبرياء، وبخطواتها الواثقة والمستفزة، مشت باتجاه طاولته مباشرة... وقعت خطواتها على أرضية المطعم الفاخر كإيقاع منتظم لطبول حرب صامتة. لم تكن ترتدي فستاناً هذه المرة، بل اقتحمت المكان بكامل تمردها؛ سراويل جينز أسود ممزق بجرأة، يلتف حول جسدها كإعلان عصيان على المكان الفاخر، وجاكيت من الجلد الأسود يمنح كتفيها هيبة وغموضاً. رفعت شعرها الأسود الطويل على شكل ذيل حصان مشدود بعناية، ليبرز حدة ملامحها وعينيها الزرقاوين اللامعتين اللتين كانتا تصوبان السهام نحوه. كان هيثم يتابع اقترابها وعيناه الحادتان تضيقان بفضول لم يعهده في نفسه من قبل. هذا التناقض الصارخ بين ملابسها المتمردة وبين كلاسيكية المطعم والزبائن جعلها تبدو كشعلة نار لا يمكن تجاهلها. توقفت تماماً أمام طاولته الفخمة. وضعت يداً في جيب جاكيت الجلد، وانحنت برأسها قليلاً بجرأة مفرطة، ونظرت في عينيه الحنطيتين مباشرة قبل أن تنطق بنبرة صوت رخيمة، واثقة، ومستفزة: "يُقال في الحِكم الصينية القديمة.. إن الشخص يأخذ الصفات من اسمه." صمتت لثانية لتترك الكلمات تفعل فعلها في عقله، ثم ارتسمت على شفتيها نصف ابتسامة ماكرة، ومدت يدها الرقيقة نحوه قائلة: "أنا غزل... وأنت؟" تسمر هيثم في مكانه لبرهة. كانت يدها الممدودة أمامه، بمظهرها الشرس والمتمرد هذا، بمثابة دعوة صريحة لدخول لعبة خطيرة. لعبة هو يعلم جيداً أنه قد يخسر فيها وقاره الصارم، لكن فضوله القاتل ورغبته الدفينة في عيش هذه العفوية اللامبالية كانت أقوى من كبرياء رجل الأعمال بداخله.أرسل نظرة ثاقبة اخترقت عينيها الزرقاوين، وكأنما يحاول قراءة الأفكار المخبأة خلف ذلك البريق الشرس. وببطء وثبات يحمل كل هيبة وقاره وعنفوان عشريناته، مد يده الحنطية القوية لتقبض على كفها الرقيق في مصافحة حازمة، دافئة، ومليئة بالرسائل الصامتة. نظر في عينيها مباشرة، ونطق بنبرة صوت عميقة ورخيمة لم تتجاوز حد طاولتهما: "هيثم..." قالها باقتضاب شديد، دون أي ألقاب أو مقدمات، مكتفياً بذكر اسمه وكأنه يضع جداراً من الغموض يوازي غموضها. ورغم بروده الظاهري، إلا أن ملمس يدها المتمردة الجريئة أشعل في داخله فضولاً وربكة حاول جاهداً ألا تظهر على ملامح وجهه الصارمة. امتزجت حرارة كفها الحارة ببرودة أصابعه، وطال التصافح بينهما وكأن الزمن قد توقف في تلك البقعة من المطعم. تلاقت النظرات؛ عيناه الحنطيتان الحادتان تحاولان فك شفرات ذلك الإعصار الذي يقف أمامه، وعيناها الزرقاوان تشعان بانتصار صامت ومكر لذيذ. لم يكن أي منهما مستعداً لإنهاء هذه اللحظة، لولا صوت الخطوات السريعة التي اقتربت من الطاولة. "هيثم؟ هل كل شيء بخير؟" قاطع الجمود صوت شركائه في العمل الذين وصلوا للتو. تراجعوا خطوة إلى الخلف، ونظروا إلى هيثم ثم إلى الفتاة الواقفة بملابسها المتمردة بدهشة واستغراب شديدين؛ فلم يعتادوا رؤية مديرهم الجاد والصارم في موقف كهذا مع فتاة تبدو كأنها خارجة من سباق للشوارع. لم تهتز غزل ولم يرف لها جفن. سحبت يدها بنعومة وانسيابية، وقبل أن تلتفت للمغادرة، صوبت نظرتها نحو هيثم وغمزت له بعينها الزرقاء بخفة وجرأة أطاحت بما تبقى من وقاره، ثم استدارت ومشت متجاهلة نظرات الشركاء المذهولة وكأنهم مجرد قطع أثاث في المكان. تحرك هيثم بآلية وعيناه تلاحقان طيفها الراحل، وتوجه نحو النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على الشارع متجاهلاً أسئلة شركائه الحائرة. من خلف الزجاج، راقبها وهي تقدم نحو رصيف الطريق، لتقترب من دراجة نارية سوداء ضخمة وضعت خوذتها عليها. اعتلت متنها بحركة رشيقة، وشغلت المحرك الذي زأر بقوة ليعلن عن حضورها الصاخب للمرة الأخيرة، وانطلقت كالسهم وسط شوارع المدينة متغلغلة بين السيارات، تاركة خلفها شريكاً مذهولاً، ورجل أعمال بدأت حصونه تنهار أمام أول "حالة غزل".أخذت البوظة بخجل، وقالت بصوت خافت يشوبه الامتنان:— "شكراً..."لم يجبها بكلمة واحدة، بل عاد لتشغيل المحرك وتابع القيادة نحو عيادة الدكتورة نهال بملامح جامدة. طوال الطريق، كانت "رغد" تتذوق المثلجات بصمت، بينما سرقت عيناها عدة نظرات خلسة لتتأمل ظل وجهه الجانبي، وتحديداً خط أنفه المستقيم وتركيزه العميق على الطريق، متساءلة عن حقيقة هذا الرجل الذي يجمع بين القسوة المطلقة والاهتمام المفاجئ.وما إن وصلا ودخلا العيادة، حتى بادلتهما الدكتورة نهال التحية بابتسامة عملية هادئ ثم قالت بنبرة مهنية هادئة لا تتناسب أبداً مع حجم الكارثة التي تنطق بها:— "أقترح أن تبقي مع هيثم طوال اليوم يا رغد... هكذا سنتمكن من أن نعرف ما يحدث بالضبط في فترات فقدانك للذاكرة."اتسعت عينا رغد بذهول تام، ونظرت إلى الطبيبة وكأنها شخص غريب تراه للمرة الأولى في حياتها. تلاحقت أنفاسها في صدرها حتى كادت تختنق، وهي تنقل بصرها المذعور بين ملامح نهال الهادئة جداً، ووجه هيثم الجامد كتمثال من الجليد والذي لم يبدِ أي رد فعل، كأنه كان يعلم مسبقاً بما سيقال.تراجعت رغد خطوة للخلف، وقالت بصوت مهتز يقطر بالاستنكار والرفض المطلق:—
ذلك اليوم المشؤوم...يوم تجرأ والده وأحضر عشيقته وطفله غير الشرعي إلى عقر دارهما دون أدنى احترام لروح الفقيدة. يومها، لم يتماسك هيثم أمام الوقاحة التي رآها، فصرخ في وجه أبيه بانهيار وغضب أعمى:— "ألم يمر حتى شهر واحد على وفاة أمي لتجلب هذه إلى هنا؟!"ولم تكن الإجابة سوى صفعة قوية ومدوية هبطت على وجهه من أبيه، صفعة تركت طعماً مراً في حلقه ونيرانًا تحرق صدره. يومها، وسط دموعه المكبوتة ونظرات الشماتة، أقسم هيثم بصوت مرتعش أمام المرآة أنه سيبني نفسه من الصفر، وأنه لن يحتاج إلى أحد كائناً من كان، وسيدوس على كل من تجرأ على كسر رأسه.لكن وسط ذلك الحطام النفسي، تذكر كيف أتت جدته إليه بحنان باغت، فحضنته بقوة وكأنها تريد أن تجمع أجزائه المتناثرة، وهمست في أذنه بكلمات دافئة:— "أنا في مكان أمك يا بني... وأقسم أنني لن أموت إلا حين أراك تتزوج وتؤسس عائلتك الخاصة التي تحميك وتحمي بيتك."فتح عينيه ببطء، وابتسم بمرارة خفية وهو يستعيد عهده القديم؛ ليُدرك أن هذه الصفقة المؤقتة لم تكن مجرد هروب من ورطة رغد، بل كانت الحصن الوحيد ليفيء بوعده القديم للجدة، ولو كان الثمن هو الدخول في لعبة مع عناد رغد ال
عقدت "رغد" حاجبيها بتعجب أكبر، وقد تشتت غضبها أمام بروده الغريب، لتردد بصوت مهتز ومخترق:— "الجدة تتصل بكَ أنت؟! وكيف يكون..."لم تنهِ جملتها؛ فقد اقترب منها هيثم أكثر، متملاً أي مسافة فاصلة بين وجهيهما حتى كاد يلتصق بها، ثم مد أصبعه برفق ولمس طرف أنفها بحركة خفيفة، وقال بصوت هامس وخبيث يخفي ابتسامة ساخرة:— "ايتها الحمقاء... إنها جدتي أنا، وليست جدتكِ أنتِ."أدركت "رغد" فجأة مدى تسرّعها وغبائها في تلك اللحظة، فاحمرّت وجنتاها خجلاً وارتباكاً من قربه الشديد وتصرفه المباغت. وقبل أن تستوعب تماماً ورطتها أو تفكر في ردّ فعل مناسب، كان هيثم قد ابتعد عنها بخفة، ووقف مستقيماً وهو يعدل ياقَتَه ببرود وهدوء تام كأن شيئاً لم يكن.نظر إليها نظرة جادة ومدروسة، ثم قال بنبرة عملية واثقة:— "سأعقد معكِ صفقة يا رغد.. هل ترغبين في إنهاء ديونكِ بالكامل في أسرع وقت ممكن؟"علّقت عيناها به بذهول للحظة، مستوعبة ثقل العرض، ثم أومأت برأسها تدريجياً وبإيجاب وهي تشعر بفضول قاتل تجاه ما ينويه.نظر إليها هيثم بنظرة ثابتة وخالية من أي تردد، وبنبرة هادئة حملت وزن قرار مصيري، قال بثقة تامة:— "تزوجيني."اتسعت عينا
تنهد هيثم بعمق ليطرد توتر اللحظة، متذكراً فوراً تحذيرات الدكتورة الصارمة: "إياك ومواجهتها، لا تذكر اسم (غزل) مباشرة أمامها، فالعقل قد يرفض الحقيقة ويدخل في حالة إنكار مدمرة"..أغمض عينيه بثقل، ثم فتحهما ليرسم على محياه ابتسامة هادئة ومصطنعة ليخفي ارتباكه، وقال بنبرة عملية:— "ليس مهمّاً الآن يا رغد.. انسَيْ ما قلتُه، اذهبي وارتِحي أولاً، فالرحلة كانت متعبة."التزمت الصمت طوال ما تبقى من الطريق، وكان التوتر يملأ الأجواء بينهما. وما إن توقفت السيارة أخيرًا أمام عمارة منزلها، حتى فتحت الباب وهمت بالنزول، لكنها تفاجأت بالمكان.التفتت إليه بذعر طفيف وعيناها تتحركان بيّن واجهة البناء ورجال الأمن، لتقول بصوت مهتز ومفجوع:— "انتظر.. لماذا أتينا إلى هنا؟! هذا ليس منزلي! لماذا لم نذهب إلى البيت؟!"نزِل هيثم بسرعة من السيارة، والتف حولها ليمسك بمعصمها برفق حين همّت بالاحتجاج، ثم نظر إليها بنظرة حازمة ومصطنعة تخفي خلفها ألماً عميقاً. قال بصوت قاطع وثابت لا يقبل النقاش:— "أنتِ مطرودة من البيت يا رغد.. ولا مكان تذهبين إليه سواي."عقدت حاجبيها بذهول صاعق، وسحبت يدها بقوة وكأن كلماته كانت صفعة ع
فتحت "رغد" عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس طويل وثقيل. لمعت في عينيها نظرة مليئة بالحيرة العميقة، والحزن المكتوم، واهتزاز الثقة كمن فقدت مرساته في منتصف العاصفة. نظرت إلى هيثم الواقف بجانب السرير، ثم التفتت برأسها لتتفقد المكان، وكأنها تحاول تجميع شتات عقلها المبعثر.لم تدم لحظات صمتها طويلاً؛ نهضت بسرعة من السرير الطبيه، وألقت نظرة سريعة على حقيبتها، ثم أمسكت بهاتفها المحمول وهمّت بالمغادرة بخطوات متسرعة ومرتجفة.مدّ هيثم يده بسرعة وأمسك بمعصمها ليمنعها من الهروب، لكنها سحبت يدها بقوة وعنفوان مفاجئ، وكأن لمسها يثير فزعها. التفتت نحو الدكتور طارق الذي كان يتابع الموقف بقلق بالغ، وقالت بصوت متهدج بالكاد يحمل نفسه:— "عفواً يا استاذي.. أنا لست بخير أبداً، سأزورك لاحقا."وقبل أن يتسنى لأي منهما قول حرف واحد، استدارت وركضت بخطوات هاربَة خارج المستوصف.انطلق هيثم خلفها بخطوات واسعة حتى أدركها قرب البوابة الرئيسية للجامعة، حيث كانت تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة. مدّ يده وأمسك بيدها مجدداً، لكن هذه المرة بحزم تملؤه المسؤولية، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:— "أنا من أحضرك إلى هنا، وأتحمل
ترجلا من السيارة ودخلا إلى حرم الجامعة الواسع. كان الهواء محملاً برائحة الأشجار القديمة والذكريات المنسية. بدآ يتجولان في الساحة الرئيسية المورقة، حيث كانت الأجواء تبدو هادئة بشكل مخادع.وفجأة، وبدون مقدمات، تركت "غزل" مسارها، واندفعت تجري بخفة نحو إحدى الحدائق الجانبية. وقفت بين الشجيرات، وبدأت تقطف بعض الزهور المزروعة بعناية، وكأنها تحاول الهروب من التوتر المتصاعد بداخلها عبر الانشغال بتفاصيل طفولية وعبثية.في تلك اللحظة، مر أحد عمال الصيانة بجانب هيثم، محملًا ببعض الأدوات. لم يتردد هيثم؛ مد يده بسرعة وأمسك بمعصم العامل بإحكام، وسأله بصوت حازم:— "أريد أن أفرغ مسألة سريعة.. أين أجد الدكتور طارق، أستاذ الفيزياء؟"توقف العامل وأشار بيده نحو أحد المباني القريبة قائلاً:— "إنه في القاعة رقم أربعة في ذلك المبنى، لديه محاضرة الآن."أومأ هيثم برأسه شاکراً، ثم التفت خلفه حيث كانت "غزل" لا تزال منشغلة بقطف الزهور ورميها بعصبية. نادى عليها بنبرة لا تقبل النقاش، ركّبت الجملة ببرود مدروس:— "غزل.. اتبعيني الآن."انطلق هيثم بخطوات واسعة نحو المبنى المقصود، تاركاً إياها تقف مذهولة لبرهة، قبل







