เข้าสู่ระบบالفصل الخامس:
*أقنعة على المحك* تراجعت أثينا (إيلينا) خطوة إلى الخلف عقب انتهاء الرقصة، محتفظة بثبات جلي جليدي يخفي تحته بركاناً من التوتر. انحنت للورينزو بإيماءة رسمية باردة: "يسعدني دائماً أن أثير مخيلتك الخصبة يا سيد لورينزو... لكن الشك المفرط قد يجعلك ترى أشباحاً لا وجود لها." استدارت بخطوات واثقة، وشعرها الأسود الفاحم الطويل كسواد الليل يتهادى على ظهرها كستار حامي. كانت تشعر بعيني لورينزو تخترقان ظهرها كالسهم، لكنها لم تلتفت. توجهت مباشرة نحو شرفة القصر المفتوحة على الحدائق المظلمة، حيث يقل صخب المعازيم وتتحرك برودة الليل الخفيفة. علمت أن الصيد لا يحتاج للركض، بل لإلقاء الطعم المنتظر. وكما توقعت تماماً... لم تمضِ دقائق حتى سمعت صدى خطوات كعب عالٍ مرتبكة تقترب منها من الخلف. التفتت أثينا ببطء، لتجد أورورا (التي ترتدي العدسات الأزرق والأخضر وتعيش بصفة أثينا المزيفة) تقف عند بوابة الشرفة، وتمسك بكأس من الكريستال يرتجف بوضوح بين أصابعها. "سيدة إيلينا..." بدأت أورورا بصوت تحاول قدر الإمكان إضفاء الفخامة عليه، لكن التوتر كشف ثغراته: "لاحظتُ اهتمامكِ المبالغ فيه بشركات موريتي اليوم. كزوجة لداميانو ورئيسة صوريّة لهذه الإمبراطورية، أجد تدخلكِ في خططنا المستقبليّة أمراً مستفزاً ومتجاوزاً لحدودك الاستشارية." ابتسمت أثينا ابتسامة هادئة، ونظرت بتمعن شديد في وجه أورورا. شعرت بمرارة وانتقام يشتعل في أعماقها، لكنها اقتربت منها بثبات مرعب ورزانة طاغية حتى أصبحت على بعد بوصات قليلة منها. "رئيسة صورية؟" همست أثينا بصوت خفيض للغاية، ينبض بسحر مظلم ونبرة حادة كالشفرة: "كلمة دقيقة جداً لتوصيف وضعكِ يا عزيزتي... لكن ألا تقلقين من أن تضيع هذه الصورة الصورية فجأة؟ ألا تخافين من أن يطالب المسرح بستاره الأصلي؟" اتسعت عينا أورورا بتوتر تلقائي، وتراجعت خطوة للخلف: "ما... ماذا تقصدين بهذه التلميحات؟" مدت أثينا يدها برفق لمست السلسلة الذهبية للقلادة الزمردية المعلقة على عنق أورورا—القلادة ذاتها التي نزعتها منها ليلة الخيانة—وقالت بابتسامة غامضة تحبس الأنفاس: "أقصد أن الإرث لا يُسرق بالوثائق فقط يا 'أثينا'... من يرتدي ثوباً ليس له، يظل خائفاً طوال حياته من هبوب الرياح التي قد تكشف عورته. وحسابات آل موريتي الحقيقية... لم تُغلق بعد." ترك أثر كلماتها الذكية يتغلغل في عقل أورورا، واستدارت وغادرت الشرفة بثبات، بينما سارعت أورورا بوضع يدها على قلبها المخفوق برعب، والكأس يتذبذب في يدها بشكل فاضح. على الجانب الآخر من القاعة، كان لورينزو يراقب الموقف كاملاً من خلف عمود رخامي ضخم. لم يسمع الكلمات الدقيقة الدائرة في الشرفة، لكنه قرأ لغة الجسد ببراعة رجل يُدير أعتى المعارك. رأى الخوف والارتباك الصريح على وجه أورورا، ورأى السيطرة المطلقة والقوة الطاغية في وقفة هذه المستشارة الغريبة "إيلينا". "ماركو،" قال لورينزو بصوت منخفض لمساعده الواقف بظله. "أمرك سيد دي سانتيس." "أريد مراجعة دقيقة لتقرير الجثة المحترقة قبل ست سنوات... ألم يُذكر فيه أن السجلات السنية فقط هي من أثبتت هوية الضحية بسبب تفحم الجثة بالكامل؟" "نعم سيدي، أُغلق الملف بناءً على تقرير الأدلة الجنائية الأولية وبضغط مباشر من داميانو." أغمض لورينزو عينيه لثوانٍ، وبدأت قطع الأحجية تترابط في عقله بشكل مرعب. الشعر الفاحم الطويل النادر بكثافته... الوقفة الشامخة... النفوذ المفاجئ مع الكونت جوليان... وطريقتها المستميتة في حماية أصول موريتي وكأنها تحمي دمها. "هناك سر أبشع مما أتخيل يستتر خلف هذا الوجه..." همس لورينزو لنفسه بصوت لا يكاد يُسمع، وعيناه تشتعلان بشك حارق واقتارب من الحقيقة: "داميانو وأورورا يخفيان جريمة... وهذه المرأة هي المفتاح." مع نهاية الحفل وتفرق المعازيم، كانت أثينا تتجه نحو سيارتها الخاصة في كراج القصر السفلي الهادئ. أخرجت مفاتيحها، لكن قبل أن تلمس مقبض الباب... سُحبت فجأة بظلام الكراج بقوة عضلية حازمة وفائقة! أُسندت بظهرها بقوة نحو الجدار الخرساني الفاصل، وتحاطت بجسد لورينزو دي سانتيس الطويل والهائل الذي حاصرها تماماً بين يديه الممدودتين على الجدار! تنفست أثينا برعب متفاجئ تحت العدسات الرمادية، بينما اقترب لورينزو بملامحه الحادة والباردة حتى لم يعُد يفصل بين وجهيهما سوى أنشات قليلة. رفع لورينزو يده القوية بثبات، وامتدت أصابعه الممسكة بصرامة نحو وجهها، متجاوزة الخصلات الفاحمة لشعرها الطويل، لتتوقف أطرافه على بعد أسطر قليلة من عينها اليمنى، ونظرته الثاقبة تكاد تحرق ملامحها المستعارة. همس لورينزو بصوت حاد كالفولاذ يقطع عتمة المكان ويزيد من حدة الشك: "تحركاتكِ، نبرتكِ، ورعب أورورا منكِ... كلها تؤكد لي أنكِ لستِ مجرد مستشارة غريبة يا سيدة إيلينا. ليلة غدٍ في المقر الرئيسي، سنفتح ملفات موريتي المغلقة معاً... وسأعرف بدقة من تكونين وما الخطيئة التي تُخفينها!"الفصل الثاني والستون: أَقْنِعَةٌ فِي العَاصِمَةِ الزُّجَاجِيَّة تستقر باريس تحت غطاءٍ من المطر الخفيف المنسكب على شوارعها العتيقة، بينما تضيء كشافات برج إيفل الأفق بضوءٍ ذي بؤرة خافتة تحاكي غموض الليلة. في حي "سان جيرمان" الفاره، يقبع قصر "باليه دي روز"، الحصن الأريستقراطي الشاهق الذي يستضيف هذا المساء الحفل الخيري السنوي لجمعية "الفنون البحرية". غير أن هذا العنوان البراق ليس سوى واجهة كلاسيكية تخفي خلف أسوارها الاجتماع السري الأضخم لكبار تجار السلاح، والممولين الدوليين، ورؤساء كارتيلات حلف "السينديكات الأوروبي"، بدعوة خاصة ومشددة الحراسة من الدون فيكتور كالسيرا نفسه. خارج البوابة الحديدية الضخمة للقصر، كانت سيارات الـ "رولز رويس" والـ "مايباخ" السوداء تتوقف تباعاً، ويتدفّق منها كبار الشخصيات بملابسهم السهرة الفاخرة وسط حراسة أمنية مشددة، حيث يخضع الجميع لمسح بيومتري وتفتيش إلكتروني بدقة عالية جداً. داخل سيارة "بنتلي" ذات زجاج داكن متوقف على بعد أربعمائة متر في زاوية الشارع المظلمة، كان الجو مفعماً بالهدوء التكتيكي الحذر. جلست أثينا أمام المرآة الداخلية للسيارة وهي تضع اللمسات ال
الفصل الحادي والستون: صَدَمَةٌ فِي نِيس وَرَايَاتُ الحَرْب في أعالي تلال مدينة "نيس" الفرنسية، حيث تطل الجبال الخضراء على مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة، كان قصر "شاتو دي لوميير" يقبع كحصنٍ منيع يفيض بالفخامة والأريستقراطية الباردة. تحيط بالقصر حدائق غناء ممتدة، وتماثيل رخامية كلاسيكية شُيدت على الطراز الفرنسي القديم، تعطي الزائر إيحاءً بوابلي أنه أمام معلمٍ تاريخي، بينما في الحقيقة هو المقر الرئيسي المصفح والسرّي لـ "الدون فيكتور كالسيرا"؛ المأوى الشيطاني الذي تُدار منه عمليات حلف "السينديكات الأوروبي". داخل جناح المكتب المصفح، والمكسو بأفخر أنواع الخشب النادر مع شاشات مراقبة سرية وستائر مخملية ثقيلة، كان الدون فيكتور يجلس خلف مكتبه الأبنوسي الشاهق. كان يرتدي بدلة إيطالية رمادية فاخرة، ويفرد يديه المكسوتين بالخواتم الذهبية النادرة، يرتشف نبيذه المعتّق بلذة ويتابع بابتسامة ثعلبية الشاشات الرقمية التي تعرض خطوط الملاحة البحرية. كان يتوقع في أية لحظة أن يستقبل اتصالاً مشفراً من ذراعه الأيمن وشريكه الميداني "ماركوس"، ليزفّ إليه خبر الخضوع الكامل لميناء "جنوة"، وتجميد أصول أثينا ولو
الفصل ستون: رَسَائِلُ الدَّمِ فِي مِيناءِ "جَنُوة" كانت الخريطة الرقمية الثلاثية الأبعاد تتوهج باللون الأزرق الخافت وسط العتمة النسبيّة للقاعة الرئاسية، بينما كانت أثينا تقف طريحة الصمت أمام الشاشة الكبرى، تعيد قراءة التقارير الواردة من جهاز الاستخبارات التابع لآل دي سانتيس. اقترب لورينزو بخطوات متزنة، يضع يديه في جيبي بنطاله الداكن، وقف بجانبها ينظر إلى ذات الملفات المفتوحة. أمالت أثينا رأسها نحو الشاشة، وبنبرة تملؤها التساؤلات التكتيكية، قالت: "فيكتور... أريد أن أفهم طبيعة هذا الرجل وكيف تداخلت خيوطه مع داميانو في الخفاء دون أن ينكشف أمرهما طوال تلك السنوات؟" شخصت عين لورينزو ببرود حاد، وثبت نظرته على ملف "الدون فيكتور كالسيرا"، قبل أن يبدأ بالشرح بتفصيل دقيق وافٍ: "فيكتور ليس مجرد تاجر سلاح عادي يا أثينا... إنه يتزعم 'السينديكات الأوروبي'، وهو حلف مظلم يتألف من أعتى أسر الجريمة المنظمة وتجار الموانئ في جنوب فرنسا، ومارسيليا، وشواطئ إسبانيا. طوال سنوات حكم والدكِ، كان فيكتور يبحث عن موطئ قدم في إيطاليا لمضاعفة أرباحه وتمرير شحنات السلاح الثقيل والأجهزة المحظورة عبر الموانئ الشم
الفصل التاسع والخمسون:ظِلالٌ عَبْرَ الحُدُودِ وَحَلَفُ الـ "سِنْدِيكَات" كان هدوء القلعة المتموضعة في أعالي جبال الشمال يماثل الهدوء الذي يسبق العواصف العاتية. الثلج يتساقط بكثافة وراء الزجاج الضخم للقاعة الرئاسية لآل دي سانتيس، ليكسوا جبال الألب برداء أبيض ناصع، بينما كان الداخل يعج بحرارة الحسابات التكتيكية والتحركات الاستخباراتية الشرسة. على الطاولة الأبنوسية العملاقة الممتدة في منتصف القاعة، أضاءت الشاشات الرقمية المتموضعة في الجدران بخطوط تشفير خضراء وحمراء. كانت الخرائط التفاعلية للحدود الإيطالية الفرنسية تعرض مسارات الشحن المائي والبري، إلى جانب التدفقات المالية المشبوهة التي بدأت تتعرض لتجميد وتحويلات مفاجئة عبر بنوك جنيف وزيورخ. كانت أثينا تقف عند النافذة، يلتف ثوبها المخملي الأسود حول جسدها كزيّ ملكي يفيض بالقوة والأريستقراطية. كانت تمسك بين أطراف أصابعها بكأس زجاجي يحتوي على القليل من النبيذ المعتّق، وتراقب انعكاس عينيها الرماديتين القاتلتين على الزجاج. لم تعد هناك مساحة للخوف في قلبها؛ فكل قطرة ألم عاشتها كـ "إيلينا" تحولت الآن إلى درع صلابة يكسر كل من يحاول المساس بإمب
الفصل الثامن والخمسون: جَحيِمُ الشَّمالِ وَمَزَادُ الأَلَم في أقصى جبال الشمال، حيث تتكسر الرياح الثلجية على الجدران الصخرية لقلعة آل دي سانتيس القديمة، كان قبو التعذيب السفلي يربض تحت الأرض بعمق عشرين متراً. مكانٌ لم تشرق فيه الشمس يوماً، ولن تصل إليه استغاثة مخلوق. في منتصف القاعة السفلية المبنية من الحجر البركاني الأسود، كان داميانو معلقاً من معصميه بسلاسل حديدية مصممة لتسحب الجسد إلى الأعلى ببطء، بحيث تجعل أطراف أصابع القدمين تكاد تلمس الأرضية الرخامية الباردة. كان قميصه الأبيض الفاخر ممتلئاً بدماء جروحه السابقة، ووجهه الذي طالما افتخر بجماله في مجتمعات ميلانو الأريستقراطية بات متورماً وشاحباً، تكسوه ندوب الجلد المبرح والدم المجفف. ارتد صدى صرير الباب الحديدي الضخم في القبو، ليعلن وصول سيدَي الشمال. تجلت أثينا بثوبها الأسود الصارم، تحيط بها هيبة ملكية مرعبة، ويسير بجانبها لورينزو بمعطفه الجلدي الداكن، يمسك بيده قفازين جلديين سوداوين. خلفهما كان أنطونيو يتكأ على عصاه الأبنوسية، يتابع المشهد بوقار العرّاب الذي يرى حليفه وأميرته يستردان الدين بالكامل. فتح داميانو عينه المنت
الفصل السابع والخمسون: غُرْفَةٌ بَيْضَاءُ وَجَرِيمَةٌ فِي الظِّلِّ (وجهة نظر أورورا موريتي — مصحة "سانت مارغريت" للأمراض العقلية) الجدران بيضاء... بيضاء إلى الحد الذي يثقب العينين ويجعل الروح تقيئ وسخها. أجلس على هذه الأرضية المطاطية القاسية، أضم ركبتيّ إلى صدري المكبّل داخل هذا القميص الأبيض الضيق. أكمام القميص طويلة جداً، مربوطة خلف ظهري بإحكام ينزع النفس من رئتيّ. كلما أطبقت جفنيّ، أسمع صرير كعب "إيلينا"... أو "أثينا"... لا أعلم! أقسم لكم أنني لا أعلم من هي تلك المرأة! أمس... أو ربما قبل أسبوع — فلا وجود للوقت في هذه الحفرة الملعونة — دخل عليّ رجلان ببدلتين طبيتين زرقاوين. يحملان حقنة ضخمة ذات سائل شفاف. صرختُ في وجهيهما حتى تشققت حنجرتي: > "أنا أورورا موريتي! أنا سيدة ميلانو! أخرجوني من هنا أيها الكلاب!" لكن أحدهما نظر إلى الآخر بأسى ساخر، وزمّ شفتيه قائلاً: > "الحالة تزداد سوءاً... تتخيل نفسها من سلالة آل موريتي مجدداً. زيدوا جورة المهدئ." غرسوا الإبرة في رقبتي. شعر بجليدي يسري في عروقي، فتخدر لساني، وانطفأت أضواء عقلي لأستيقظ مجدداً في هذا البياض القاتل. يقولون إنني مج







