Share

8

last update publish date: 2026-05-06 02:35:38

نهض أخيرًا، وعاد إلى الأريكة المقابلة، جلس هناك، مراقبًا إياها من بعيد… ويده تمسك بجهاز الكمبيوتر، لكنه لم يفتحه.

لأن عينيه لم تبتعدا عنها.

ولأن عقله، لأول مرة منذ سنوات… كان مع امرأة، نامت في حضنه… بثقة.

وفي ضوء الظهيرة الذي تسلل عبر الستائر، استيقظت بيانكا على إحساس غريب… كان المكان هادئًا أكثر من اللازم، وحرارة لطيفة من ضوء الشمس تلامس وجهها بهدوء.

رمشت بعينيها قليلًا، قبل أن تنظر حولها… ثم تثبتت عينيها عليه.

إنزو… كان يجلس على الأريكة المقابلة، ساكنًا كلوحة، مرفقاه يستندان إلى ركبتيه، ويداه
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • خطيئته المقدسة    9

    أغلقت بيانكا باب غرفة التبديل خلفها، وصمتٌ ثقيل خيّم على المكان، لا يقطعه سوى خفق خافت للقماش وهي تُعلّق القطع التي اختارتها.المرآة أمامها عكست صورة فتاة ليست كما كانت قبل أيام، شعرها المبتلّ من الاستحمام الصباحي بدأ يجف ويتناثر على كتفيها، ووجهها بدا هادئًا… لكن عينيها، كانتا تحترقان بوميض مكتوم.تمتمت في نفسها وهي تخلع فستانها القديم ببطء:"ليست من نوعه؟"أمسكت بالقماش كأنها توشك أن تمزقه، ثم تنفست بعمق وأجبرت نفسها على الاسترخاء."وماذا تعرف هي عن نوعه؟"انزلقت ذراعاها في كمّي الفستان الخفيف بلون العاج، ورفعت عينيها للمرآة وهي تعدّله على جسدها.لم تكن الملابس وحدها ما يشغلها… بل فكرة أنّ هناك نساء كثيرات عرفهم، لمسهم، جالسن بجانبه في أماكن مثل هذه.هل كانت واحدة منهن تلك الموظفة الوقحة؟ هل كانت تتحدث بثقة امرأة عرفت دفء ذراعيه يومًا؟أدارت وجهها عن المرآة للحظة، كأن الانعكاس لم يعد يرضيها.شعرت بشيء ينقبض في صدرها، لا يشبه الغيرة فقط، بل ذلك الإحساس البغيض بأنك دخلت أرضًا زُرعت فيها ذكريات لغيرك،وأنتِ مجبرة على العيش وسطها.وضعت يديها على جانبي الفستان، شدّته قليلًا، وتقدّمت أمام

  • خطيئته المقدسة    8

    نهض أخيرًا، وعاد إلى الأريكة المقابلة، جلس هناك، مراقبًا إياها من بعيد… ويده تمسك بجهاز الكمبيوتر، لكنه لم يفتحه.لأن عينيه لم تبتعدا عنها.ولأن عقله، لأول مرة منذ سنوات… كان مع امرأة، نامت في حضنه… بثقة.وفي ضوء الظهيرة الذي تسلل عبر الستائر، استيقظت بيانكا على إحساس غريب… كان المكان هادئًا أكثر من اللازم، وحرارة لطيفة من ضوء الشمس تلامس وجهها بهدوء.رمشت بعينيها قليلًا، قبل أن تنظر حولها… ثم تثبتت عينيها عليه.إنزو… كان يجلس على الأريكة المقابلة، ساكنًا كلوحة، مرفقاه يستندان إلى ركبتيه، ويداه متشابكتان أمام فمه، بينما عيناه — المتقدتان باللون الداكن — كانتا موجهتين نحوها.لم يقل شيئًا فورًا، وكأن لحظة النظر إليها وهي تستيقظ كانت طقسًا لا يرغب في كسره.ارتبكت، سحبت الغطاء على جسدها بحركة عفوية، وشهقت بخفوت حين لاحظت كم كانت مراقبة.لكن صوته المنخفض، ذلك الصوت العميق الواثق، اخترق صمت اللحظة وقال:"استيقظتِ أخيرًا."ثم أشار برأسه إلى حافة السرير خلفها، حيث وُضعت بعناية ملابس جديدة، فستان صيفي ناعم بلون الخزامى، وملابس بسيطة أخرى مطوية بدقة.قال دون أن يرفع صوته:"ارتديها… سنخرج."تجعد

  • خطيئته المقدسة    7

    انفتح باب الجناح مجددًا، ودخل إنزو بخطوات هادئة، يحمل في يده صينية صغيرة وضعت عليها أطباقٌ مرتبة بعناية، تفوح منها رائحة دافئة، كأنها دعوة غير منطوقة للسلام.لم يقل شيئًا وهو يقترب، كانت لا تزال تجلس في مكانها، في ذات المقعد، قرب الشرفة، وإن بدا أنها غاصت في بحرٍ من التفكير منذ غادر.ألقى نظرة سريعة عليها، كانت عيناها نصف مغلقتين، كأنها تقاوم النوم… أو تبقي نفسها متيقظة فقط لأنه هو من عاد.اقترب ببطء، ثم وضع الصينية على الطاولة الصغيرة قربها، دون أن يصدر صوتًا مزعجًا.قال بصوتٍ منخفض:"جلبت لكِ بعض الحساء... وقطعًا من الخبز المحمص، وشيئًا من العسل… لم أرغب بأن أثقل عليكِ."لم تجبه.لكن عينيها تحركتا ببطء نحو الصينية… وكأن معدتها قد خانتها… لتذكرها بأنها لم تأكل شيئًا طوال اليوم.جلس أمامها، لم يقربها أكثر مما يجب، كأنه فهم أن المسافة الآن… نوعٌ من الاحترام.سأل بعد لحظة:"هل يمكنني البقاء قليلاً؟"رفعت عينيها إليه… ببطء، نظرة لا تحمل القبول ولا الرفض… فقط الإرهاق. ثم همست دون حدة:"ابقَ ما دمتَ صامتًا."ابتسم بخفة، لكنه لم يعلّق.ظل يراقبها وهي تتردد… ثم مدت يدها أخيرًا نحو الملعقة.أ

  • خطيئته المقدسة    6

    صوت خطواته ارتدى فخامة الأرضية، كل خطوة تُسمع وكأنها قرار، وكأنها حُكم… وكأنه لا يخطو، بل يُعلن.دَفَع باب المكتبة العريض بيده، الباب الثقيل المكسو بالنقوش العتيقة، وما إن فتحه حتى ارتفعت رائحة الورق القديم والجلد والمسك، رائحة الكتب التي شهدت قرونًا من الدم والقرارات والسلطة.دخل.مكتب "إنزو موريارتي" لم يكن مجرد غرفة، بل كان عالماً متكاملاً، سقف عالٍ مهيب، رفوف من الأرض حتى الأعلى، كتب باللاتينية، بالإيطالية، الإنجليزية… وأخرى بلغات ماتت منذ زمن،مكتب ضخم من خشب الماهوجني، كرسي جلدي كأنه عرش لملك لا يرحم.جلس.بطء خطواته لم يختفِ حتى حين استقر في كرسيه، بل زاد، كأن جسده يرتاح لكن عينيه لا تغمضان… أبداً.وضع ملفًا أسود أمامه. ملفًا كُتب عليه بحبر ذهبي:"خونة المجلس"أصابعه طافت على سطحه ببطء. ثم فتحه.صور… تقارير… أسماء… كل شيء مر أمام عينيه كأن لا شيء يفلت منه، الصفقات التي خُسرت، ملايين اختفت، وثقة دُفنت تحت طاولات الاجتماعات.رفع عينيه ببطء… وهمس لنفسه:"دون لوكاتو… كم كان غبياً."أغمض عينيه، فتذكر يده تُقطع، الدم ينفجر، الصراخ، تلك اللحظة التي شعر فيها العالم كله يتنفس خوفًا من ا

  • خطيئته المقدسة    5

    تشق خطواته أروقة القصر المظلمة كما لو كانت صدى لتاريخ طويل من الدم والخراب… إنزو موريارتي، القديس الدموي، يسير نحو غرفة الاجتماعات، لا كزعيم… بل كقاضٍ يستعد للحكم، وكمقصلة تمشي على قدمين.الأبواب الثقيلة فُتحت من قبل رجاله الصامتين، كأنهم حُرّاس جحيم، وداخل القاعة… جلس الثلاثة والعشرون رجلًا من رجال لكوزا نوسترا، يمثلون العائلات الكبرى، وجوههم جامدة، لكن أعينهم تحترق توترًا… فمنذ لحظة عودته، لم ينطق إنزو بكلمة واحدة بشأن ما خسر… ولا بشأن ما عرف.جلس على رأس الطاولة الطويلة، فأطبق الصمت على كل من في الغرفة، حتى أنفاسهم خفتت.مرت ثوانٍ، طويلة كأنها دهر، ثم تحدث بصوتٍ عميق، منخفض… مخيف:"حين كنتُ غائبًا…نُهِبَت أموالي، سُرقت صفقاتي، وخسر رجالي أرواحهم دون ثمن."أعين الرجال تحركت ببطء نحو بعضهم… قلوبهم تعرف أنه لا يتحدث جزافًا. كان يعلم كل شيء."أعطيتكم ثقتي، وتركتموني مكشوفًا."ثم ارتفع صوته بحدة فجائية، اخترقت سكون الغرفة:"والآن… سنعرف من يستحق البقاء… ومن سيموت الليلة!"صرخة خفية خرجت من أحد الزوايا، ورجلٌ ضخمُ الجسد، من عائلة "أل باتيستا"، حاول الوقوف لكن أحد رجال إنزو ضغط على كتفه ب

  • خطيئته المقدسة    4

    تدريب على الصمت.على الغضب البارد.على ضبط النار داخل دمه، حتى لا تنفجر دون هدف.والآن؟ هو هنا.في قصره. وأمام عينيه… تلك الغزالة التي أصبحت زوجته منذ سنوات،دون أن تدري…ودون أن تختار.تنهد ببطء.عيناه لم تفارقها. كأنهما يتغذيان على رؤيتها، كأن فيها خلاصًا ما… أو لعنة.ربما كلاهما.همس لنفسه:"أنتِ لي، بيكولا ميا… بقلبك، أو رغمًا عنه."وغاص في صمته مجددًا… بينما ظل الليل يحتفظ بسرّ اللحظة، وسرّ الوحش الذي قرر أن لا يرحم مرةً أخرى.فتحت الباب الخشبي الثقيل بصمت، وتسللت خطوات إليسا إلى داخل الجناح، كما تفعل حين تدخل عرين وحشٍ لا يجب إيقاظه… رغم أنه ابنها.كانت تحمل بين يديها حزمة صغيرة من الثياب، مغلفة بعناية، تفوح منها رائحة اللافندر… رائحة جولييت، ابنتها.فهي الوحيدة التي تقارب تلك الفتاة في الجسد.ولأنها لم تجد أي حقيبة ترافق تلك المسكينة، فهمت الأمر دون أن يُقال.رفعت عينيها، توقعت أن تجدها وحدها، لكن إنزو… كان هناك،جالسًا، صامتًا، كتمثالٍ منحوت من الرخام والرماد.لم يتحرك حين دخلت، عيناه فقط تحركتا نحوها، نظرة باردة مظلمة كغابة في منتصف الشتاء.تنحنحت بخفوت وهي تقول:"أحضرت لها ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status