Masukاستيقظت سلمى قبل المنبه بعشر دقائق.
حدقت في السقف للحظات، ثم التفتت نحو الطاولة الصغيرة بجانب سريرها.
هاتفها.
مدّت يدها نحوه بسرعة، كأنها كانت تعرف ما ستجده.
لا رسائل.
ولا مكالمة فائتة.
أغلقت الشاشة، ثم ابتسمت لنفسها ابتسامة صغيرة.
"ربما ما زال نائمًا."
قالتها بصوت خافت، وكأنها تحاول إقناع شخص آخر، لا نفسها.
بعد أقل من أسبوعين سيصبح طارق زوجها.
كانت تكرر هذه الحقيقة كل صباح، لكنها منذ أيام بدأت تشعر أن الجملة لم تعد تمنحها الشعور نفسه.
نهضت واتجهت إلى المطبخ.
كانت والدتها تضع أكواب القهوة على الطاولة.
ابتسمت عندما رأتها.
"صباح الخير يا عروستي."
ضحكت سلمى وهي تجلس.
"أمي... أعدك أنك ستتوقفي عن مناداتي هكذا بعد الزفاف."
رفعت الأم حاجبًا.
"إذا توقفت، سأشعر أن ابنتي كبرت فجأة."
تناولتا الإفطار وسط حديث خفيف عن ترتيبات الحفل.
عدد الضيوف.
بطاقات الدعوة.
الفستان.
لكن شيئًا واحدًا لم يُذكر.
طارق.
ولاحظت سلمى ذلك.
فقالت فجأة:
"هل اتصلت بك والدة طارق؟"
هزت والدتها رأسها.
"أمس مساء."
"وكيف كانت؟"
ابتسمت الأم.
"متعبة قليلًا... لكنها بدت سعيدة."
سكتت سلمى.
ثم سألت السؤال الذي كانت تؤجله منذ أيام.
"هل شعرتِ يومًا أن شخصًا يتغير... دون أن تعرفي السبب؟"
توقفت الأم عن تحريك الملعقة.
رفعت عينيها نحو ابنتها.
"تقصدين طارق؟"
لم تجب سلمى.
لكن الصمت كان أوضح من أي اعتراف.
قالت الأم بهدوء:
"كل الرجال يتوترون قبل الزواج."
أومأت سلمى.
كانت تعرف أن هذه هي الإجابة التي سيقولها الجميع.
لكن قلبها...
لم يقتنع.
في الجهة الأخرى من المدينة...
كان طارق يجلس في المقهى نفسه الذي ظهر في الصورة المحذوفة.
نظر إلى ساعته للمرة الخامسة.
ثم رفع رأسه عندما جلست المرأة أمامه.
ابتسمت.
"تأخرت."
قال ببرود:
"كان عليّ أن أتأكد أن أحدًا لم يتبعني."
تغيرت ابتسامتها.
"أصبحت تخاف كثيرًا."
أجاب وهو ينظر حوله:
"لأن كل شيء أصبح على وشك الانفجار."
وضعت كوب القهوة أمامها.
ثم قالت:
"وماذا عن زفافك؟"
ساد الصمت.
وأخيرًا قال:
"لا أعرف."
نظرت إليه طويلًا.
"ألم يكن يفترض أن تعرف؟"
لم يجب.
رن هاتفه.
ظهر اسم سلمى على الشاشة.
تبادل الاثنان النظرات.
ثم ضغط زر الرفض.
دون تردد.
ابتسمت المرأة بسخرية.
"ما زالت تتصل."
أعاد الهاتف إلى جيبه.
وقال بلهجة أنهت الحديث:
"لا أريد أن أتحدث عنها الآن."
في الوقت نفسه...
كان باسم يجلس في حديقة الفيلا، يحتسي قهوته مع والدته.
لم يتحدثا كثيرًا.
حتى كسرت هي الصمت.
"تحدثت مع والدة سلمى."
رفع رأسه.
"هل هي بخير؟"
تنهدت.
"إنها متحمسة للزفاف."
ثم أضافت بصوت أخفض:
"ولا تعرف شيئًا."
نظر إليها باسم مباشرة.
كانت تلك أول مرة تعترف فيها بشيء.
سأل بهدوء:
"هل أنت متأكدة أن طارق..."
قاطعت سؤاله قبل أن يكمله.
"لا أملك دليلًا."
"لكن؟"
أغمضت عينيها للحظة.
"الأم لا تحتاج دائمًا إلى دليل."
سكت باسم.
ثم قال:
"أريد أن ألتقي بسلمى اليوم."
رفعت رأسها بسرعة.
"اليوم؟"
"كلما تأخرنا... أصبح الأمر أصعب."
بدت مترددة.
ثم قالت:
"الغداء غدًا في منزلهم."
هز رأسه.
إذن بقي يوم واحد فقط.
يوم واحد قبل أن ينظر في عيني المرأة التي قد تنهار حياتها كلها، وهي لا تعرف شيئًا.
أما سلمى..
فكانت تغادر شركة التصميم بعد انتهاء دوامها.
وقفت عند باب المبنى تنتظر سيارة الأجرة.
سمعت صوت رسالة.
فتحت الهاتف بسرعة.
لكنها لم تكن من طارق.
كانت رسالة من ميرا.
هل أنتِ بخير؟ أشعر أنكِ لستِ كما كنتِ.
ابتسمت.
ثم كتبت:
أنا بخير... فقط متعبة.
حذفت الرسالة.
وكتبت بدلًا منها:
هل يبدو الإنسان غبيًا عندما يصدق كل الأعذار؟
قرأت ميرا الرسالة بعد ثوانٍ.
لكن قبل أن ترد...
وصلت رسالة أخرى إلى هاتف سلمى.
هذه المرة...
من طارق.
ابتسم قلبها قبل أن تفتحها.
لكن ابتسامتها اختفت فورًا.
كانت الرسالة قصيرة جدًا.
لن أستطيع رؤيتك اليوم. لدي اجتماع مهم.
حدقت في الكلمات طويلًا.
ثم رفعت رأسها دون أن تشعر.
وعلى الجانب الآخر من الشارع...
رأت سيارة طارق.
كان يقف عند الإشارة الحمراء.
ولم يكن وحده.
كانت امرأة تجلس إلى جواره.
وبمجرد أن التقت عيناهما...
انطلقت السيارة بسرعة قبل أن تتمكن من رؤية وجه المرأة.
مرت السنوات...سنواتٌ حملت معها ما حلم به الجميع طويلًا.سنوات لم تُقَس بعدد الأيام...بل بعدد الضحكات التي امتلأت بها البيوت.كبر المشروع...ثم كبرت معه الأحلام.ذلك المبنى الزجاجي الذي افتتحوه يومًا وسط التصفيق...لم يعد مجرد مقرٍ للشركة.أصبح اسمًا يتردد في كل مكان.امتدت فروعه إلى مدنٍ جديدة.وتحوّل إلى واحدة من أكبر الشركات في البلاد.وكان الجميع يعرف...أن وراء هذا النجاح رجلًا لم يتوقف يومًا عن الإيمان بحلمه.وقف باسم في أحد الاجتماعات الكبرى، يحيط به عشرات المديرين، يناقش الخطط المستقبلية بهدوء وثقة.لم يعد ذلك الشاب الذي كان يخشى خسارة كل شيء.أصبح قائدًا يصنع الفرص لغيره كما صنع الحياة لنفسه.وبجانبه دائمًا كانت سلمى.شريكته في العمل وفي الحياة وفي كل حلمٍ تحقق.أما سامر...فلم يعد رجال الأعمال يعرفونه بصفقاته فقط.بل أصبح الجميع يناديه باسمٍ جديد..."الجد."وكان ذلك اللقب...أحب الألقاب إلى قلبه.يقضي معظم أيامه مع أحفاده.يحكي لهم القصص القديمة...ويعيد عليهم الحكاية نفسها عشرات المرات...وفي كل مرة...يتظاهرون بأنهم يسمعونها لأول مرة.فكان يضحك معهم...كما لم يضحك طوال شب
مرّت عدة أيام على افتتاح المشروع الجديد...وعادت الحياة إلى هدوئها الجميل.لكن ذلك الصباح كان يحمل فرحةً من نوعٍ آخر.داخل أحد أجنحة المستشفى الخاصة، كان عمر يسير ذهابًا وإيابًا أمام غرفة الولادة للمرة المئة تقريبًا.كانت يده لا تفارق هاتفه، لكنه لم يكن ينظر إلى شاشته.كل ما كان يفعله أنه يرفع رأسه نحو باب الغرفة كلما سمع حركة في الداخل.ابتسم رامي، الذي كان يجلس على أحد المقاعد، وقال ساخرًا:"أقسم أنك لو مشيت أكثر من هذا سيعتبرونك موظف أمن في المستشفى."التفت إليه عمر بنظرة متوترة."رامي بالله عليك، ليس الآن."ضحك رامي."واضح أن الأب الجديد اختفت عنده روح الدعابة."أما باسم فربت على كتف عمر وقال بهدوء:"اهدأ ستكون بخير."أخذ عمر نفسًا عميقًا.وقبل أن يجيب انفتح باب غرفة الولادة.خرج الطبيب مبتسمًا.توقف الجميع في أماكنهم.قال الطبيب بابتسامة واسعة:"مبروك رزقتم بطفلٍ جميل، والأم بصحة ممتازة."لم ينتظر عمر كلمة أخرى.ركض إلى الداخل كأن العالم كله أصبح خلف ذلك الباب.كانت جودي مستلقية على السرير، تبدو متعبة...لكن الابتسامة التي ارتسمت على وجهها كانت أجمل من أي شيء رآه عمر في حياته.ال
بعد عدة أشهر...أشرقت شمس صباحٍ مختلف.صباحٍ لم يحمل معه نهاية قصة...بل وعدًا ببداية أجمل.كانت المدينة تستيقظ على يوم استثنائي، بينما ارتفع المبنى الزجاجي الجديد شامخًا في قلبها، يعكس أشعة الشمس كأنه يعلن ميلاد مرحلة جديدة.وعلى واجهته الكبيرة...تألقت حروف اسم المشروع الجديد للشركة، الاسم الذي أصبح خلال أشهر قليلة عنوانًا للنجاح بعد سنوات طويلة من التحديات.ازدانت الساحة بالورود والأعلام.وامتلأت بالمستثمرين، والإعلاميين، والشركاء، والموظفين الذين ساهموا في الوصول إلى هذه اللحظة.كان في وجوه الجميع شعور واحد...الفخر.وقف باسم أمام المنصة مرتديًا بدلته الرسمية.لم يعد ذلك الشاب الذي كان يطارد أحلامه وسط الخوف والشكوك.أصبح قائدًا يعرف إلى أين يسير، ويقود من حوله بثقة اكتسبها من التجارب، لا من الكلمات.تحدث للحضور عن المشروع، وعن الرحلة الطويلة التي سبقته، وعن الأشخاص الذين كانوا السبب الحقيقي في نجاحه.ومع كل جملة كان يرددها...كانت عيناه تبحثان عن شخص واحد.سلمى.كانت تقف إلى جانب المنصة، تتابعه بابتسامة هادئة، وفي عينيها ذلك البريق الذي لا يعرفه إلا من رأى إنسانًا يحوّل أحلامه إل
بعد دقائق وقفت السيارة المزينة بالورود أمام مدخل القاعة.اصطف أفراد العائلة على الجانبين.لوّح سامر ونادر بيديهما، بينما كانت نوال وليلى تمسحان دموع الفرح.احتضنت سلمى الجميع واحدًا تلو الآخر.ثم عادت إلى باسم.نظر إليها وفتح لها باب السيارة بابتسامة هادئة.انتظر حتى جلست.ثم دار إلى الجهة الأخرى وجلس بجوارها.أُغلقت الأبواب برفق.وانطلقت السيارة ببطء وسط التصفيق والدعوات...والابتسامات التي ملأت الوجوه.أمسك باسم يد سلمى مرة أخرى.نظر إليها بعينين امتلأتا بالامتنان.وقالت هي بصوتٍ يكاد يُسمع:"إلى أين الآن؟"ابتسم...وضغط على يدها برفق.وقال:"إلى أول ليلة من بقية عمرنا."ابتسمت سلمى...وأراحت رأسها على كتفه.بينما ابتعدت السيارة شيئًا فشيئًا تاركةً خلفها ليلةً صنعت أجمل ذكرى ومتجهةً نحو بداية حياةٍ جديدة لم يعد فيها هو وهي بل أصبحا نحن.أُغلق باب الغرفة بهدوء واختفى خلفه صخب الحفل.لم يبقَ سوى السكون ورائحة الورد التي ملأت المكان.وقفت سلمى في منتصف الغرفة، تتأمل تفاصيلها بابتسامة خجولة، بينما خلع باسم سترته ووضعها على المقعد القريب.التقت عيناهما.وضحكا دون أن يعرف أيٌ منهما سبب ال
وقف سامر على يمين سلمى بينما وقف نادر على يسارها.نظر الرجلان إلى بعضهما للحظة.لم تكن بينهما أي كلمات فكل ما كان يجب أن يُقال...قيل عبر السنوات التي أوصلتهما إلى هذه اللحظة.رفع سامر رأسه نحو سلمى.ابتسم، رغم الدموع التي لم تغادر عينيه.ثم أمسك يدها اليمنى برفق.وأمسك نادر يدها الأخرى.وسارا بها معًا نحو باسم.كان باسم يقف في نهاية المنصة وقلبه يخفق بقوة حتى شعر أنه يسمعه.توقف الثلاثة أمامه.نظر سامر إلى باسم طويلًا ثم نظر إلى نادر.ابتسم نادر ابتسامة هادئة وأومأ برأسه.عندها وضع سامر ونادر يد سلمى معًا في يد باسم.أطبق باسم كفيه حول يدها برفق وكأنها أغلى أمانة حملها في حياته.قال سامر بصوت امتزجت فيه الراحة بالفخر:"اليوم أصبحت مطمئنًا."ثم نظر إلى باسم مباشرة.وأضاف:"لم أعد أخشى عليه لأنني أعرف أنها مع الرجل الذي أحبها بصدق."اقترب نادر ووضع يده على كتف باسم.وقال بابتسامة أبوية:"اعتنِ بها كما اعتنيت بقلبها طوال هذه السنوات."لم يستطع باسم أن يمنع دموعه.هز رأسه بصمت.ثم قال بصوت خافت:"أعدكما أن أكون لها وطنًا كما كانت هي حياتي."تعالت التصفيقات في أنحاء القاعة.بينما احتضنت ن
هناك ليالٍ...لا يغيّرها الزمن.بل تبقى محفورة في القلب...حتى بعد أن تشيب الذاكرة.وكانت هذه...إحدى تلك الليالي.تألقت قاعة الزفاف بأضواء دافئة انعكست على الثريات الكريستالية، بينما ازدانت الطاولات بالورود البيضاء والياسمين، وكأن المكان كله قرر أن يرتدي لون الفرح.كانت الموسيقى الهادئة تملأ الأجواء...والابتسامات تسبق أصحابها.لم يعد أحد يتحدث عن الألم...ولا عن الخسارات...ولا عن السنوات التي سرقتها المعاناة.هذه الليلة...كانت للحياة وحدها.وصل الضيوف تباعًا.كان الجميع يرتدي أجمل ما لديه.ضحكات الأطفال امتزجت بأحاديث الكبار.ليلى كانت تستقبل المدعوين بابتسامتها المعتادة.أما نوال...فكانت تتحرك بين الطاولات وهي تتأكد للمرة الأخيرة أن كل شيء في مكانه.نظر إليها نادر مبتسمًا.وقال:"لأول مرة منذ سنوات أراك تركضين بسبب الفرح."ابتسمت وهي تعدل إحدى باقات الورد.ثم همست:"انتظرت هذا اليوم طويلًا."وصل رامي وميرا معًا.وما إن دخلا القاعة حتى همس رامي:"أراهن أن باسم وصل قبل الجميع."ضحكت ميرا."بل أراهن أنه وصل أمس."ولم يكد ينهي كلامه...حتى وقعت عيناه على باسم.كان يقف أمام المنصة من







