Share

007

last update publish date: 2026-07-10 04:03:25

لم تستطع سلمى النوم تلك الليلة.

رغم الإرهاق الذي كان يثقل جسدها منذ الصباح، ورغم محاولاتها المتكررة لإغلاق عينيها وطرد الأفكار من رأسها، بقي النوم بعيدًا عنها، وكأنه يرفض أن يزور قلبًا امتلأ بالحيرة.

استلقت على سريرها تحدق في السقف المظلم.

كان المنزل غارقًا في هدوء الليل، ولم يكن يُسمع سوى صوت عقارب الساعة وهي تعلن مرور الدقائق ببطء.

أما داخلها...

فلم يكن هناك أي هدوء.

كانت كلمات ميرا تتردد في ذهنها بلا توقف.

"أحيانًا... بعد الحب أكثر من أي وقت آخر."

أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول إسكات ذلك الصوت.

لكنها لم تستطع.

تنهدت ببطء.

وسألت نفسها للمرة العاشرة في تلك الليلة:

لماذا أصبحت تفكر بكل شيء بهذا الشكل؟

قبل أشهر فقط...

كانت واثقة من علاقتها بطارق.

كانت ترى مستقبلهما بوضوح.

كانت تتخيل منزلهما، وأيامهما الأولى بعد الزواج، وحتى تفاصيل صغيرة كانت تبتسم كلما خطرت في بالها.

أما الآن...

فكل تلك الصور بدأت تفقد وضوحها.

مدت يدها نحو هاتفها.

أضاءت الشاشة.

الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل.

لا رسائل.

ولا مكالمات.

ولا أي أثر لطارق.

رغم أنه وعدها بأن يتصل.

ابتسمت ابتسامة باهتة وهي تحاول أن تجد له عذرًا جديدًا.

ربما ما زال في الاجتماع.

ربما انتهى منه متعبًا.

ربما نفدت بطارية هاتفه.

كانت تكرر تلك الأعذار حتى بدأت تبدو غير مقنعة حتى بالنسبة إليها.

وضعت الهاتف جانبًا.

ثم جلست على حافة السرير.

لم تكن غاضبة.

بل كانت متعبة.

متعبة من الانتظار.

ومتعبة من اختراع المبررات.

ومتعبة أكثر من محاولة إقناع نفسها بأن كل شيء ما زال كما كان.

نهضت بهدوء.

واتجهت نحو الشرفة.

لفح وجهها هواء الليل البارد.

امتدت أمامها أضواء بيروت المتناثرة، بينما بدت الشوارع أكثر هدوءًا من المعتاد.

أسندت يديها إلى السور الحجري.

وأخذت تراقب السيارات القليلة التي تعبر في الأسفل.

شعرت فجأة بوحدة غريبة.

وحدة لم تعرفها منذ سنوات.

رغم أن حياتها مليئة بعائلتها وأصدقائها وزملائها في العمل...

إلا أن الشخص الذي كان يفترض أن يكون الأقرب إليها...

أصبح الأبعد.

في الوقت نفسه...

كانت ليلى الرومي مستيقظة هي الأخرى.

جلست في غرفة الجلوس تحمل كتابًا بين يديها.

لكنها لم تكن تقرأ.

كانت عيناها تنتقلان بين الصفحات، بينما عقلها كان في مكان آخر.

في ابنها.

وفي ذلك التغيير الذي بدأ يفرض نفسه عليه خلال الأشهر الأخيرة.

أغلقت الكتاب أخيرًا.

ثم نظرت إلى الساعة.

اقتربت من الواحدة بعد منتصف الليل.

وما زال طارق خارج المنزل.

تنهدت بصمت.

في الماضي...

كان يخبرها دائمًا إلى أين يذهب.

أما الآن...

فأصبحت إجاباته مختصرة.

عمل.

اجتماعات.

أصدقاء.

كلمات قليلة تنهي أي سؤال قبل أن يبدأ.

قطع الصمت صوت سيارة تدخل إلى الفيلا.

اقتربت من النافذة.

ورأت طارق يترجل من سيارته.

بعد دقائق، دخل إلى المنزل.

تفاجأ عندما وجدها لا تزال مستيقظة.

ابتسم وقال:

"ما زلتِ مستيقظة؟"

أجابته بهدوء:

"وأنت ما زلت خارج المنزل."

اختفت ابتسامته للحظة.

ثم قال وهو يخلع سترته:

"كان يومًا طويلًا."

راقبته ليلى بصمت.

كانت تشعر أن ابنها يخفي عنها شيئًا.

لكنها لم تكن تملك دليلًا.

ولا تريد أن تتهمه بشيء لا تعرفه.

اكتفت بأن تقول:

"لا تنس أن هناك أشخاصًا ينتظرونك."

عرف فورًا أنها تقصد سلمى.

فأشاح بنظره.

ثم قال بصوت منخفض:

"سأتحدث معها غدًا."

أومأت برأسها.

لكن قلبها ازداد ثقلًا.

لأنها، وللمرة الأولى، لم تعد تصدقه بسهولة.

في تلك الليلة...

كان باسم يجلس في مكتبه الصغير داخل الفيلا.

أمام الحاسوب المحمول، يحاول إنهاء بعض الملفات قبل موعد عودته إلى باريس.

لكن تركيزه لم يكن حاضرًا.

قرأ الصفحة نفسها أكثر من مرة.

ثم أغلق الحاسوب أخيرًا.

نهض واتجه نحو النافذة.

كانت بيروت تبدو ساكنة تحت ظلام الليل.

لكن داخل هذا المنزل...

لم يكن هناك أي سكون.

منذ عودته قبل أيام، بدأ يلاحظ أشياء لم تكن موجودة في الماضي.

شرود والدته.

صمتها الطويل.

توتر طارق الدائم.

والجو الثقيل الذي يحيط بالعائلة كلها.

تذكر لقاءه الأول مع سلمى.

كانت هادئة.

مهذبة.

تبتسم للجميع.

لكن شيئًا في عينيها لم يكن مطمئنًا.

شيئًا يشبه انتظارًا طويلًا لا ينتهي.

هز رأسه سريعًا.

محاولًا طرد الفكرة.

ما يحدث بين طارق وخطيبته لا يعنيه.

ولا ينبغي أن يعنيه.

ومع ذلك...

لم يستطع التخلص من ذلك الشعور الغامض الذي بدأ يلازمه منذ عودته.

أما سلمى...

فعادت أخيرًا إلى سريرها.

كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا.

التقطت هاتفها للمرة الأخيرة.

وفتحت المحادثة بينها وبين طارق.

أخذت تتصفح الرسائل القديمة.

رسائل قبل عام.

وقبل أشهر.

حين كان يسألها عن يومها قبل أن يبدأ يومه.

ويرسل لها رسالة صباحية كل يوم تقريبًا.

ويضحك معها على أبسط التفاصيل.

ابتسمت بحزن.

كانت الكلمات مختلفة.

وكان الاهتمام مختلفًا.

وشعرت أنها هي أيضًا...

لم تعد الفتاة نفسها.

أغلقت المحادثة.

ثم أطفأت شاشة الهاتف.

وأغمضت عينيها.

لكن النوم ظل بعيدًا.

بعيدًا...

مثل الرجل الذي أحبته يومًا بكل صدق.

وفي مكان آخر من المدينة...

كان الهاتف الثاني لطارق مخفيًا داخل درج مغلق.

صامتًا الآن.

لكن وجوده وحده كان يحمل سرًا قادرًا على تحطيم حياة أكثر من شخص.

سرًا يقترب من الانكشاف يومًا بعد يوم.

وبينما كانت سلمى تقضي أول ليلة حقيقية من القلق...

لم تكن تعلم...

أن الأسوأ لم يبدأ بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خطيبة اخي   710

    مرت السنوات...سنواتٌ حملت معها ما حلم به الجميع طويلًا.سنوات لم تُقَس بعدد الأيام...بل بعدد الضحكات التي امتلأت بها البيوت.كبر المشروع...ثم كبرت معه الأحلام.ذلك المبنى الزجاجي الذي افتتحوه يومًا وسط التصفيق...لم يعد مجرد مقرٍ للشركة.أصبح اسمًا يتردد في كل مكان.امتدت فروعه إلى مدنٍ جديدة.وتحوّل إلى واحدة من أكبر الشركات في البلاد.وكان الجميع يعرف...أن وراء هذا النجاح رجلًا لم يتوقف يومًا عن الإيمان بحلمه.وقف باسم في أحد الاجتماعات الكبرى، يحيط به عشرات المديرين، يناقش الخطط المستقبلية بهدوء وثقة.لم يعد ذلك الشاب الذي كان يخشى خسارة كل شيء.أصبح قائدًا يصنع الفرص لغيره كما صنع الحياة لنفسه.وبجانبه دائمًا كانت سلمى.شريكته في العمل وفي الحياة وفي كل حلمٍ تحقق.أما سامر...فلم يعد رجال الأعمال يعرفونه بصفقاته فقط.بل أصبح الجميع يناديه باسمٍ جديد..."الجد."وكان ذلك اللقب...أحب الألقاب إلى قلبه.يقضي معظم أيامه مع أحفاده.يحكي لهم القصص القديمة...ويعيد عليهم الحكاية نفسها عشرات المرات...وفي كل مرة...يتظاهرون بأنهم يسمعونها لأول مرة.فكان يضحك معهم...كما لم يضحك طوال شب

  • خطيبة اخي   709

    مرّت عدة أيام على افتتاح المشروع الجديد...وعادت الحياة إلى هدوئها الجميل.لكن ذلك الصباح كان يحمل فرحةً من نوعٍ آخر.داخل أحد أجنحة المستشفى الخاصة، كان عمر يسير ذهابًا وإيابًا أمام غرفة الولادة للمرة المئة تقريبًا.كانت يده لا تفارق هاتفه، لكنه لم يكن ينظر إلى شاشته.كل ما كان يفعله أنه يرفع رأسه نحو باب الغرفة كلما سمع حركة في الداخل.ابتسم رامي، الذي كان يجلس على أحد المقاعد، وقال ساخرًا:"أقسم أنك لو مشيت أكثر من هذا سيعتبرونك موظف أمن في المستشفى."التفت إليه عمر بنظرة متوترة."رامي بالله عليك، ليس الآن."ضحك رامي."واضح أن الأب الجديد اختفت عنده روح الدعابة."أما باسم فربت على كتف عمر وقال بهدوء:"اهدأ ستكون بخير."أخذ عمر نفسًا عميقًا.وقبل أن يجيب انفتح باب غرفة الولادة.خرج الطبيب مبتسمًا.توقف الجميع في أماكنهم.قال الطبيب بابتسامة واسعة:"مبروك رزقتم بطفلٍ جميل، والأم بصحة ممتازة."لم ينتظر عمر كلمة أخرى.ركض إلى الداخل كأن العالم كله أصبح خلف ذلك الباب.كانت جودي مستلقية على السرير، تبدو متعبة...لكن الابتسامة التي ارتسمت على وجهها كانت أجمل من أي شيء رآه عمر في حياته.ال

  • خطيبة اخي   708

    بعد عدة أشهر...أشرقت شمس صباحٍ مختلف.صباحٍ لم يحمل معه نهاية قصة...بل وعدًا ببداية أجمل.كانت المدينة تستيقظ على يوم استثنائي، بينما ارتفع المبنى الزجاجي الجديد شامخًا في قلبها، يعكس أشعة الشمس كأنه يعلن ميلاد مرحلة جديدة.وعلى واجهته الكبيرة...تألقت حروف اسم المشروع الجديد للشركة، الاسم الذي أصبح خلال أشهر قليلة عنوانًا للنجاح بعد سنوات طويلة من التحديات.ازدانت الساحة بالورود والأعلام.وامتلأت بالمستثمرين، والإعلاميين، والشركاء، والموظفين الذين ساهموا في الوصول إلى هذه اللحظة.كان في وجوه الجميع شعور واحد...الفخر.وقف باسم أمام المنصة مرتديًا بدلته الرسمية.لم يعد ذلك الشاب الذي كان يطارد أحلامه وسط الخوف والشكوك.أصبح قائدًا يعرف إلى أين يسير، ويقود من حوله بثقة اكتسبها من التجارب، لا من الكلمات.تحدث للحضور عن المشروع، وعن الرحلة الطويلة التي سبقته، وعن الأشخاص الذين كانوا السبب الحقيقي في نجاحه.ومع كل جملة كان يرددها...كانت عيناه تبحثان عن شخص واحد.سلمى.كانت تقف إلى جانب المنصة، تتابعه بابتسامة هادئة، وفي عينيها ذلك البريق الذي لا يعرفه إلا من رأى إنسانًا يحوّل أحلامه إل

  • خطيبة اخي   707

    بعد دقائق وقفت السيارة المزينة بالورود أمام مدخل القاعة.اصطف أفراد العائلة على الجانبين.لوّح سامر ونادر بيديهما، بينما كانت نوال وليلى تمسحان دموع الفرح.احتضنت سلمى الجميع واحدًا تلو الآخر.ثم عادت إلى باسم.نظر إليها وفتح لها باب السيارة بابتسامة هادئة.انتظر حتى جلست.ثم دار إلى الجهة الأخرى وجلس بجوارها.أُغلقت الأبواب برفق.وانطلقت السيارة ببطء وسط التصفيق والدعوات...والابتسامات التي ملأت الوجوه.أمسك باسم يد سلمى مرة أخرى.نظر إليها بعينين امتلأتا بالامتنان.وقالت هي بصوتٍ يكاد يُسمع:"إلى أين الآن؟"ابتسم...وضغط على يدها برفق.وقال:"إلى أول ليلة من بقية عمرنا."ابتسمت سلمى...وأراحت رأسها على كتفه.بينما ابتعدت السيارة شيئًا فشيئًا تاركةً خلفها ليلةً صنعت أجمل ذكرى ومتجهةً نحو بداية حياةٍ جديدة لم يعد فيها هو وهي بل أصبحا نحن.أُغلق باب الغرفة بهدوء واختفى خلفه صخب الحفل.لم يبقَ سوى السكون ورائحة الورد التي ملأت المكان.وقفت سلمى في منتصف الغرفة، تتأمل تفاصيلها بابتسامة خجولة، بينما خلع باسم سترته ووضعها على المقعد القريب.التقت عيناهما.وضحكا دون أن يعرف أيٌ منهما سبب ال

  • خطيبة اخي   706

    وقف سامر على يمين سلمى بينما وقف نادر على يسارها.نظر الرجلان إلى بعضهما للحظة.لم تكن بينهما أي كلمات فكل ما كان يجب أن يُقال...قيل عبر السنوات التي أوصلتهما إلى هذه اللحظة.رفع سامر رأسه نحو سلمى.ابتسم، رغم الدموع التي لم تغادر عينيه.ثم أمسك يدها اليمنى برفق.وأمسك نادر يدها الأخرى.وسارا بها معًا نحو باسم.كان باسم يقف في نهاية المنصة وقلبه يخفق بقوة حتى شعر أنه يسمعه.توقف الثلاثة أمامه.نظر سامر إلى باسم طويلًا ثم نظر إلى نادر.ابتسم نادر ابتسامة هادئة وأومأ برأسه.عندها وضع سامر ونادر يد سلمى معًا في يد باسم.أطبق باسم كفيه حول يدها برفق وكأنها أغلى أمانة حملها في حياته.قال سامر بصوت امتزجت فيه الراحة بالفخر:"اليوم أصبحت مطمئنًا."ثم نظر إلى باسم مباشرة.وأضاف:"لم أعد أخشى عليه لأنني أعرف أنها مع الرجل الذي أحبها بصدق."اقترب نادر ووضع يده على كتف باسم.وقال بابتسامة أبوية:"اعتنِ بها كما اعتنيت بقلبها طوال هذه السنوات."لم يستطع باسم أن يمنع دموعه.هز رأسه بصمت.ثم قال بصوت خافت:"أعدكما أن أكون لها وطنًا كما كانت هي حياتي."تعالت التصفيقات في أنحاء القاعة.بينما احتضنت ن

  • خطيبة اخي   705

    هناك ليالٍ...لا يغيّرها الزمن.بل تبقى محفورة في القلب...حتى بعد أن تشيب الذاكرة.وكانت هذه...إحدى تلك الليالي.تألقت قاعة الزفاف بأضواء دافئة انعكست على الثريات الكريستالية، بينما ازدانت الطاولات بالورود البيضاء والياسمين، وكأن المكان كله قرر أن يرتدي لون الفرح.كانت الموسيقى الهادئة تملأ الأجواء...والابتسامات تسبق أصحابها.لم يعد أحد يتحدث عن الألم...ولا عن الخسارات...ولا عن السنوات التي سرقتها المعاناة.هذه الليلة...كانت للحياة وحدها.وصل الضيوف تباعًا.كان الجميع يرتدي أجمل ما لديه.ضحكات الأطفال امتزجت بأحاديث الكبار.ليلى كانت تستقبل المدعوين بابتسامتها المعتادة.أما نوال...فكانت تتحرك بين الطاولات وهي تتأكد للمرة الأخيرة أن كل شيء في مكانه.نظر إليها نادر مبتسمًا.وقال:"لأول مرة منذ سنوات أراك تركضين بسبب الفرح."ابتسمت وهي تعدل إحدى باقات الورد.ثم همست:"انتظرت هذا اليوم طويلًا."وصل رامي وميرا معًا.وما إن دخلا القاعة حتى همس رامي:"أراهن أن باسم وصل قبل الجميع."ضحكت ميرا."بل أراهن أنه وصل أمس."ولم يكد ينهي كلامه...حتى وقعت عيناه على باسم.كان يقف أمام المنصة من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status