Se connecterفي المساء، عادت سلمى إلى منزلها متعبة.
وبينما كانت تصعد إلى غرفتها، رن هاتفها أخيراً.
ابتسم قلبها قبل أن ترى الاسم.
طارق.
أجابت بسرعة.
"مرحباً."
جاءها صوته هادئاً:
"كيف كان يومك؟"
أغمضت عينيها للحظة.
كم كانت تحتاج إلى هذا الاتصال.
إلى أن تسمع صوته بشكل طبيعي كما في السابق.
تحدثا لبضع دقائق.
عن العمل.وعن بعض الترتيبات الخاصة بالزفاف.
لكن شيئاً ما ظل ناقصاً.كانت تسمع الكلمات.لكنها لا تشعر بها.
وقبل أن تنهي المكالمة، قال طارق فجأة:
"بالمناسبة... أخي عاد من باريس."
توقفت لثانية.
"باسم؟"
"نعم"
"اخيرا"
قالت ذلك بابتسامة بسيطة.
فقد سمعت عنه كثيراً من والدته.
ومن طارق نفسه أحياناً.
الرجل الهادئ.الناجح.والمختلف عن بقية أفراد العائلة.
قال طارق:
"ربما ستلتقين به قريباً."
ابتسمت دون أن تعرف لماذا.
"أتطلع لذلك."
بعد انتهاء المكالمة، وضعت الهاتف جانباً.
ثم جلست قرب النافذة تنظر إلى أضواء المدينة البعيدة.
استيقظ باسم ذلك الصباح على غير عادته باكراً.
لم يكن يعرف إن كان السبب هو فرق التوقيت الذي ما زال يرافقه منذ عودته من باريس، أم شعوراً داخلياً جعله عاجزاً عن النوم طويلاً.
نهض من فراشه واتجه نحو النافذة.
كانت الشمس تشرق ببطء فوق الأشجار المحيطة بالفيلا، بينما بدت المدينة أكثر هدوءاً من المعتاد.
تنفس بعمق.
ثم ارتدى ملابسه الرياضية وخرج إلى الحديقة.
منذ سنوات اعتاد أن يبدأ يومه بالمشي أو الجري الخفيف.
وكان يعلم أن تلك العادة هي أفضل وسيلة لترتيب أفكاره.
أمضى قرابة الساعة بين الأشجار والشوارع القريبة من المنزل.
وعندما عاد، وجد والدته تنتظره في الحديقة وهي ترتب بعض الورود.
ابتسم قائلاً:
"أعتقد أنكِ تستيقظين قبل الجميع."
ضحكت.
"هذه ميزة الأمهات."
جلس إلى جانبها.
وبعد حديث قصير، قالت فجأة:
"لا تنسَ أننا مدعوون اليوم إلى منزل عائلة سلمى."
رفع رأسه نحوها.
"اليوم؟"
"نعم."
"ظننت أن اللقاء سيكون الأسبوع المقبل."
هزت رأسها.
"والدتها أصرت أن نتناول الغداء معهم."
ابتسمت بخفة.
"يبدو أن الجميع متحمسون لهذا الزواج أكثر من العريس نفسه."
اختفت ابتسامة والدته للحظة.
لكنها سرعان ما استعادت هدوءها.
ولم ينتبه باسم إلى ذلك.
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت سلمى تقف أمام المرآة في غرفتها.
تعدل خصلات شعرها للمرة الثالثة.
ثم تتراجع خطوة وتنظر إلى انعكاسها بتردد.
دخلت والدتها الغرفة.
فابتسمت فور رؤيتها.
"تبدين جميلة."
ضحكت سلمى.
"إنه مجرد غداء عائلي."
اقتربت والدتها منها.
"لكنه أول لقاء لكِ مع شقيق طارق."
تنهدت سلمى.
"وكأنني سأجري مقابلة عمل."
ضحكت الأم.
"سمعت عنه الكثير."
قالت سلمى وهي تلتقط حقيبتها:
"وأنا أيضاً."
ثم أضافت:
"يبدو أن الجميع يحبونه."
ابتسمت والدتها.
"لأنه شخص محترم."
لم تعلق سلمى.
لكن الفضول تسلل إليها رغم ذلك.
كانت قد سمعت اسم باسم عشرات المرات خلال الأشهر الماضية.
من طارق.ومن والدته.ومن أشخاص آخرين.
الرجل الذي ترك لبنان وحقق نجاحاً في باريس.
الرجل الهادئ الذي يختلف كثيراً عن أخيه.
ولسبب لا تعرفه، كانت ترغب في تكوين رأيها الخاص عنه.
وصلت عائلة باسم إلى منزل عائلة سلمى قبل الظهر بقليل.
كان منزلاً أنيقاً تحيط به حديقة صغيرة مليئة بالزهور.
ما إن دخلوا حتى استقبلتهم والدة سلمى بحفاوة كبيرة.
تبادل الجميع التحيات.
ثم بدأ التعارف الرسمي.
لكن سلمى لم تكن في الصالون.
كانت تساعد والدها في الداخل.
ولهذا بقي باسم لبعض الوقت يستمع إلى الأحاديث العائلية المعتادة.
حتى سمع صوت خطوات تقترب.
التفت بشكل عفوي.
وفي صباح اليوم التالي...دخل باسم الشركة كعادته قبل الجميع.لكنه فوجئ عندما وجد على مكتبه كتابًا مغلفًا بعناية.أزال الغلاف.كان الكتاب نفسه...الذي تحدث عنه آدم في المعرض.فتح الصفحة الأولى.فوجد بطاقة صغيرة."وجدت آخر نسخة هذا الصباح... وأعتقد أنها ستكون في المكان المناسب."لم يكن هناك توقيع.لكن باسم عرف فورًا أن المنافسة الصامتة قد بدأت بالفعل.ظل باسم يتأمل الكتاب الموضوع على مكتبه.أعاد قراءة البطاقة الصغيرة مرة أخرى."وجدت آخر نسخة هذا الصباح... وأعتقد أنها ستكون في المكان المناسب."أغلق الكتاب بهدوء.وفي تلك اللحظة دخلت سلمى إلى المكتب.لاحظت الكتاب وقالت مبتسمة:"يبدو أنك سبقتنا جميعًا."رفع باسم رأسه.وسألها:"كيف عرفتِ؟"ابتسمت وقالت:"هذا هو الكتاب الذي تحدثنا عنه في المعرض."ثم أضافت وهي تتقدم نحوه:"هل وجدته أخيرًا؟"تردد باسم للحظة ثم قال:"وجدته..."لكنه لم يذكر شيئًا عن البطاقة.اكتفت سلمى بابتسامة ثم قالت:"بعد الاجتماع... أريد أن أستعيره."ابتسم لأول مرة منذ الصباح وقال:"بكل سرور."بعد قليل اجتمع الفريق داخل قاعة الاجتماعات.كان المؤتمر يقترب بسرعة وأصبحت المراجعات
استمر الجميع في التجول بين أجنحة المعرض.وكان كل جناح يحمل فكرة مختلفة بين نماذج للعمارة الحديثة وصور لمبانٍ تاريخية وأعمال فنية مستوحاة من المدن القديمة.توقفت جودي أمام مجموعة من الصور الفوتوغرافية.اقترب منها عمر بعد دقائق.كان قد وصل إلى المعرض متأخرًا بعد انتهاء يوم عمله في مشروع الترميم.ابتسم عندما رآها وقال:"أعتذر عن التأخير."التفتت إليه جودي وابتسمت هي الأخرى وقالت:"كنت أعرف أنك لن تفوت معرضًا كهذا."نظر إلى إحدى الصور ثم قال:"صاحب هذه الصورة التقط الشقوق قبل أن يلتقط المبنى."سألته جودي باستغراب:"وكيف عرفت؟"ابتسم وقال:"لأن من يعمل في الترميم. يرى ما لا يراه الآخرون."ظلت تنظر إلى الصورة ثم قالت:"ولهذا أحب أن أزور المعارض معك."نظر إليها عمر مبتسمًا وقال:"ولماذا؟"أجابت:"لأنني أخرج دائمًا وأرى العالم بطريقة مختلفة."ابتسم دون أن يجيب لكن كلمتها كانت أجمل من أي مجاملة سمعها منذ وقت طويل.في الجناح المقابل...كانت ميرا تتأمل مجموعة من التصاميم الفائزة في مسابقة دولية.اقترب منها أحد المصممين الشباب وقال:"أعذريني أأنتِ ميرا مراد؟"نظرت إليه باستغراب وقالت:"نعم."ابتس
فجأة وصلت رسالة الى آدم نظر الى هاتفه وقال:"لكن وصلني إعلان."نظرت إليه سلمى وسألته:"أي إعلان؟"فتح الهاتف ثم قال:"افتتاح معرض للعمارة والفنون مساء اليوم هناك جناح خاص عن العمارة الإيطالية."اقتربت سلمى باهتمام وقالت:"حقًا؟"أومأ آدم وأضاف:"سمعت أنه مميز جدًا."ثم نظر إليها وقال:"أعتقد أنه سيعجبك."ابتسمت سلمى.وقالت:"كنت أبحث منذ مدة عن معرض كهذا."نظر آدم إلى باسم وقال:"ما رأيك؟"أجاب باسم بهدوء:"سمعت عنه يبدو أنه جيد."ابتسم آدم ثم قال:"إذن لماذا لا نذهب جميعًا "ساد صمت قصير.ثم قالت ميرا التي دخلت في تلك اللحظة:"أنا موافقة."رفعت جودي رأسها من خلف مكتبها وقالت مبتسمة:"وأنا أيضًا."ضحك آدم وقال:"إذن أصبح الأمر رسميًا."نظر باسم إلى سلمى.كانت ملامحها تحمل حماسًا واضحًا.فقال بابتسامة خفيفة:"حسنًا لن يكون الأمر سيئًا."مع غروب الشمس...بدأ الزوار يتوافدون إلى المعرض.كانت القاعة واسعة تتوزع فيها نماذج معمارية ولوحات فنية وصور لمبانٍ تاريخية من مختلف أنحاء العالم.وقفت سلمى أمام نموذج لكنيسة قديمة وأخذت تتأمل تفاصيله بصمت.اقترب آدم وقال:"أعرف هذه النظرة."التفتت إليه
في الجهة الأخرى من المدينة...كان عمر يقف داخل مبنى تراثي يعود إلى أكثر من مئة عام.ارتدى خوذة السلامة وكان يرافق فريقًا من المهندسين.اقترب أحد الفنيين وقال:"المهندس عمر وجدنا تشققًا جديدًا."توجه عمر إلى الجدار.تأمله بصمت.ثم مرر يده فوق الحجارة القديمة وقال:"أوقفوا العمل هنا."نظر إليه أحد المهندسين وقال:"التشقق بسيط."هز عمر رأسه وأجاب:"التشقق ليس المشكلة, المشكلة أن الأساسات بدأت تتحرك."ساد الصمت.ثم أضاف:"إذا أصلحنا الجدار الآن فسيتشقق مرة أخرى بعد أشهر."اقترب أحد العمال وسأله:"وما الحل؟"ابتسم عمر وقال:"في المباني القديمة لا تعالج ما تراه بل تعالج السبب الذي لا يراه أحد."بدأ يشرح خطة التدعيم.وكان جميع من حوله ينصتون باهتمام.فقد اعتادوا أن تشخيصه الأول نادراً ما يكون خاطئًا.في شركة طارق...دخل وسيم يحمل تقريرًا جديدًا قال:"وصلت نتائج البحث عن الشركة الشريكة."أخذ طارق الملف وبدأ يقرأ.ثم قال:"كما توقعت نورا."جلس وسيم أمامه وأضاف:"هناك ثلاث شركات مرتبطة بها وسلسلة الملكية معقدة."أغلق طارق الملف وقال:"حدد اجتماعًا مع نورا هذا المساء."ابتسم وسيم وقال:"تم."ثم
بعد الظهر...كان يوسف ونادر يجلسان داخل مكتب المحامي المتقاعد.وضع يوسف الورقة التي تحمل اسم فيروز أمام الرجل.وسأله:"هل تتذكر هذا الاسم؟"ظل الرجل ينظر إليها للحظات ثم تغيرت ملامحه وقال بصوت منخفض:"لم أسمع هذا الاسم...""منذ زمن طويل."اقترب نادر وقال:"إذن أنت تعرفها."تنهد الرجل ثم قال:"لم أرها إلا مرات قليلة لكن كلما حضرت كان الجميع يتصرف بحذر."تبادل يوسف ونادر النظرات.ثم سأله يوسف:"هل كانت تملك الشركة؟"هز الرجل رأسه وقال:"لا لكن كان الجميع يتصرف وكأن القرار الأخير قرارها."ساد الصمت وكانت تلك أول شهادة مباشرة عن نفوذ فيروز.في الطابق الأخير من مبنى مجموعة الكيلاني...أغلق المساعد الملف.وقال:"وجدوا اسمك."بقيت فيروز هادئة ثم سألت:"وأين وصلوا؟"أجاب:"ما زالوا في البدايات."وقفت واتجهت نحو رف قديم.أخرجت منه صندوقًا خشبيًا صغيرًا وفتحته.كان بداخله عدد من المفاتيح القديمة.أخذت أحدها بين أصابعها.وقالت:"هناك أبواب لا يجب أن تُفتح."نظر إليها المساعد بصمت ثم سأل:"هل حان الوقت؟"أعادت المفتاح إلى مكانه وأغلقت الصندوق.ثم قالت بهدوء:"ليس بعد لكن لا تغفلوا عن مراقبة يوسف
في الجهة الأخرى من المدينة...كان وسيم يجمع الملفات بعد انتهاء اجتماع طويل في شركة طارق.دخل مكتب طارق وقال:"هذه النسخة الأخيرة من العقد بعد التعديلات."تناولها طارق ثم قال:"أرسل نسخة إلى الأستاذة نورا."أومأ وسيم وأضاف مبتسمًا:"كانت سعيدة لأنكم أخذتم بكل ملاحظاتها."ابتسم طارق وقال:"لأنها كانت محقة."تردد وسيم لحظة ثم قال:"تعرف افتقدت وجودها."نظر إليه طارق.فأضاف:"ليس في الشركة فقط بل في حياتنا أيضًا."ساد الصمت.ثم قال طارق بهدوء:"كل واحد منا أخذه طريقه."ابتسم وسيم وقال:"لكن يبدو أن الطرق تقاطعت من جديد."لم يجب طارق لكن ابتسامته كانت كافية.في الوقت نفسه...كانت نورا تغلق حاسوبها في مكتب المحاماة.رن هاتفها نظرت إلى الاسم.طارق.ابتسمت ثم أجابت.قال:"وصلتني التعديلات أردت فقط أن أشكرك."ضحكت بخفة وقالت:"منذ متى تشكرني على عملي؟"ابتسم وقال:"منذ أن أصبحت أقدر قيمة من يقول لي إنني مخطئ."ساد صمت قصير ثم قالت نورا:"هذا تطور كبير."ضحك الاثنان ثم أنهيا المكالمة.وبقيت نورا تنظر إلى الهاتف للحظات.وقالت في نفسها:"ما زال كما هو لكن شيئًا فيه أصبح أكثر هدوءًا."في الطابق ال







