FAZER LOGINوقفت عربة الجياد الفاخرة الخاصة ب السيدة صفاء أمام المنزل الخاص لعائلة الكيلاني. ظلت قاطنة خلف نافذتها المخملية المظللة ، تراقب بصمت ، حتى أبصرت فارس يخرج مرتديًا معطفه الصوفي الداكن. تبادل بضع كلمات مقتضبة مع كرم، ثم اعتلى عربته لينطلق مغادرًا الطريق الترابي المؤدي إلى المدينة. تابعته بعينيها المتصلبتين حتى تلاشت خيوله في الأفق، ثم التفتت إلى السائق وقالت بنبرة آمرة وخفيضة:— هيا، تقدم الآن. ترجلت السيدة بوقارها المهيب، وطرقت الباب طرقات واثقة. ما إن فتحت ليان الباب حتى تجمدت الدماء في عروقها؛ لم يكن في حسبانها قط أن ترى السيده صفاء أمام عتبتها . انحنت ليان وقالت بصوت متهدج: — سيدتي... دلفَت صفاء إلى الداخل دون أن تنتظر إذنًا بالدخول، مقتحمة المكان بكبرياء . سارت بين أروقة المنزل العتيق ببطء شديد، تمرر نظراتها الفاحصة فوق الجدران الحجرية والأثاث الخشبي الداكن، كأنها تعيد تملك ما هو لها، ثم توقفت بجسدها الممشوق أمام النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة الخلفية. قالت وهي ما تزال توليها ظهرها، وصوتها يحمل رنين الماضي: — والد فارس اشتري هذا المنزل
تسللت خيوط الشمس الأولى عبر ستائر النافذة ، وانسابت فوق أرضية الغرفة الخشبية في خطوط ذهبية هادئة. فتحت ليان عينيها ببطء. لثوانٍ لم تدرك أين هي. ثم شعرت بالدفء الذي يحيط بها. رفعت رأسها قليلًا، لتجد نفسها ما تزال بين ذراعي فارس ، تستند برأسها إلى صدره، بينما ذراع فارس تطوق خصرها كأنه يخشى أن تبتعد عنه حتى أثناء النوم. ابتسمت ليان و غمرتها السعاده تنهدت براحه فقط في هذا البيت تستيقظ دون خوف. شعرت ليان بحركة خفيفة فوق شعرها. رفعت رأسها قليلا ، فوجدت فارس مستيقظًا، يراقبها بصمت. ابتسم لها .— صباح الخير يا صغيرتي ابتسمت بخجل — صباح الخير يا زوجي رفع حاجبه برضا ، ثم مرر أصابعه بين خصلات شعرها الطويل المبعثرة على الوساده . — كيف تشعرين اليوم؟ تنهدت بهدوء.— في افضل حال. ث قبل جبينها قبلة طويلة و ضمها اليه ظلت صامتة لبعض الوقت ، قبل أن تقول بتردد: — فارس... عضت علي شفتها السفلى قليلًا. و اكملت — هناك أمر يشغلني منذ ليالي . نظر فارس إليها باهتمام :- ما هو —هل أخبرت والدتك... عنا ؟ ساد الصمت لثوانٍ. ثم أجاب بهدوء:— نعم. انقبض قلبها من الخوف . ضمها فارس إليه
اغلق فارس الباب للمنزل ، ذاك الملجأ السري النائي عن صخب "أوزبورك" وعيون فضولييها . وفور أن أُوصد الباب، بدا وكأن كل آلام الأيام الماضية، وخوف الصراعات، ومرارة الذنب تجاه عاصم قد تلاشت عند العتبة. ساد المكان دفء مألوف، وانبعثت رائحة خشب الصنوبر القديم وعطر الياسمي الجاف الذي كان يذكرهم دائماً بأولى لقاءاتهم السرية.التفت فارس نحو ليان ، وبدت في ضوء الشموع الخافت الذي ينعكس على جدران المنزل كطيف رقيق يحتاج إلى الأمان. لم يمهلها وقتاً للتفكير تقدم نحوها بخطوات بطيئة حافلة بالشوق الجارف، وأحاط خصرها النحيل بذراعيه القويتين ، جاذباً جسدها ليلتصق بصدره العريض ، وكأنه يحاول دمج روحيهما معاً ليحميها من صقيع العالم الخارجي. استسلمت ليان تماماً لدفء أحضانه، ورفعت يديها المرتجفتين لتدفنهما في خصلات شعره المبعثرة، محتمية به كعصفور وجد عشه بعد عاصفة هوجاء. همس فارس بتنهيدة حارقة لامست عنقها: "أنتِ في بيتكِ الآن يا ليان... في مكاننا الوحيد الحقيقي." انحنى برأسه والتقى بشفتيها في قبلة عميقة وطويلة، قبلة نبعت من أعماق أسابيع من الحرمان والخوف من الفقد. ك
عادت ليان إلى بيت زينة بخطوات بطيئة ، يكاد الحزن يسحبها إلى الأرض . كان الألم الذي يسكن قلبها كان أشد قسوة من كل أوجاع جسدها. كانت صورة عاصم وهو يغادر الحديقة لا تفارقها. وجهه المكسور...وصوته الغاضب...و تهديداته ونظره الإحتقار التي رماها به توقفت أمام الباب لاحظت اختفاء الحراس ، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تمد يدها المرتجفة نحو المقبض لكن الباب انفتح فجأة من الداخل. تجمدت في مكانها كان فارس يقف أمامها. ملامحه كانت قاسية، وعيناه تقدحان غضبًا وقلقًا في آن واحد. كانت عروق عنقه بارزة بوضوح، وكأنها تشهد على الساعات التي قضاها في البحث عنها خلفه ، وقفت زينة في زاوية الغرفة، شاحبة الوجه، لا تكاد تجرؤ على رفع رأسها، وكأنها تخشى أن تقع عليها ثورة فارس في أي لحظة. ظل فارس ينظر إلى ليان لثوانٍ . ثم قال بصوت مشحونًا بالغضب: — أخبريني ماذا يجب أن أفعل يا ليان؟ أكمل وهو يقترب خطوة: — وضعت عشرة رجال أمام الباب؟ هل أغلق النوافذ و الابواب أيضاً ؟ أم أقيدكِ إلى الفراش حتى تتوقفي عن تعريض نفسك للخطر؟ غادرت للحظات، و عدت لاجدك اختفيتي ! خفضت ليان رأسها. لم تكن تملك ا
خفضت ليان رأسها، وأطبقت أصابعها المرتجفة فوق بعضها. لم تستطع النظر في عينيه. أما عاصم، فبقي ينتظر في صمت، وكل ثانية تمر كانت تمزق ما تبقى من صبره. وأخيرًا...خرج صوتها خافتًا، مثقلًا بالألم. — عاصم لا اريد الرحيل انا اسفه لكنني انا وفارس... . قاطعها عاصم وقال بثبات قاوم به انهياره: أنا لا أسألك إن كنت خائفة...ولا إن كانوا يراقبونك... ولا إن كان فارس هددك أنا أسألك... هل تريدين الرحيل معي؟ سالت دمعة فوق خدها. ثم همست:— لا أستطيع. ساد صمت طويل. قال عاصم بحده — لا تستطيعين...أم لا تريدين؟ ارتجفت شفتاها وقالت بصعوبة: —ارجوك اسمعني جئت الليلة حتى لا أبقى مدينة لك. لا استطيع الكذب أكثر من ذلك أنت تستحق معرفة الحقيقة ولو كانت ستؤذيك. أطرق عاصم رأسه قليلًا ثم قال:— حسنا تكلمي. أخذت ليان نفسًا طويلًا. وشعرت أن كل كلمة ستخرج منها ستقتلع جزءًا من روحها. — قبل ان اقابل فارس كنت أظن أن حياتي انتهت. ثم وجدت نفسي في دوامة لم أتخيلها يومًا. واجهت الموت أكثر من مرة... ورأيت من البشر ما لم أكن أظن أنه موجود. كنت أقاوم كل شيء...وأتشبث بالحياه وحيده. رفع عاصم رأسه بسرعة.. لكنها
نفذت زينة الخطة بحذر؛ توجهت نحو الباب الخلفي حيث كان الحارس يقف متأهباً، ورسمت على وجهها ملامح القلق قائلة: "أيها الحارس.. هل يمكنك مساعدتي في تحريك صندوق خشبي ثقيل للغاية داخل غرفتي؟ إنه يعترض طريقي ولا أقوى على زحزحته بمفردي." نظر إليها الحارس بتردد وقال بنبرة جافة: "ولكني لا أستطيع ترك مكان حراستي بناءً على أوامر السيد فارس الصارمة."ا قتربت منه زينة وقالت بخبث مستدرجة إياه: "يا رجل، الغرفة تقع خلف هذا الباب مباشرة، وإذا اقتحم أحد المكان سيجدك بالداخل تحمينا، هيا لا تكن متصلباً." انطوت الحيلة على الحارس فتحرك معها ودخل المنزل، وفور خطوته الأولى بالداخل ، انسلّت ليان من الظلال بخفة البرق كطيف أسود ، وغادرت عبر الباب الخلفي. بدأت تتحرك برعب وسرعة فائقة في الأزقة الملتوية، حريصة على ألا يلمحها أحد،كان قلبها يخفق بعنف حتى كادت تسمع صوته في أرجاء الزقاق ألقت نظرة سريعة خلفها و جمعت أطراف عباءتها وانطلقت تركض بين الأزقة الضيقة، تتجنب الطرق الرئيسية، وتختبئ كلما سمعت وقع أقدام أو صهيل حصان كان جسدها لا يزال ضعيفًا بعد النزيف، وأنفاسها تتقطع بسرعة،
لم تكن الأزقة الضيقة لمدينة "أوزبروك" ترحم أحداً في الشتاء، لكنها في القرن الثامن عشر كانت أشد قسوة على النساء اللواتي وُلدن بلا ألقاب عائلية تحميهن، أو ذهبٍ يشتري لهن الأمان . بالنسبة لـ "ليان"، لم يكن البرد القارس الذي يتسلل عبر شقوق الجدران الخشبية هو ما يرتعد له جسدها. كانت تضغط بكفيها الصغيرت
كان المساء قد بدأ يفرض ظلاله على قصر الكيلاني عندما دخل كرم إلى مكتب فارس... وقف أمام المكتب باحترام لم ينطق بكلمه حتي يأذن له طوال سنوات عمله الطويله مع السيد فارس الكيلاني كان دائما الخادم الامين كان فارس الكيلاني يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بهيبته المعهوده فالرجل يفرض حضوره في اي مكان و يجعل اي
مرّ يومان على وجود ليان في قصر آشبورن، كانت تعمل فيهما كترس لا يتوقف في المطابخ السفلية، حتى جاء صباح اليوم الثالث بحدث غير متوقع. أُصيبت الخادمة المسؤولة عن تنظيف المكتبة الكبرى بوعكة صحية شديدة، و لم تجد أمينة، رئيسة الخدم، خياراً سوى استدعاء ليان و تكليفها بالمهمة، مع تحذير صارم: "هذه مكتبة ال
اغلقت ليان باب الغرفة الصغيرة المخصصة لها في جناح الخدم، و استندت بظهرها إليه و هي تطلق زفيراً طويلاً لطالما حبسته في صدرها. الغرفة كانت بسيطة جداً؛ سرير خشبي صغير، و خزانة متواضعة، لكنها بالنسبة لليان كانت تبدو كالملجأ الأعظم كانت نظيفه و رائحتها جميله. الرائحة المنعشه التي تفوح من جميع اركان القص







