로그인كانت قمم جبال بلومفيلد الشاهقة تغرق ببطء في ليل شديد البرودة، في حين اندلعت ألسنة النيران الضخمة في معسكر رجال نزار الرويعي، تلتهم الحطب وتنفث الدفء في الأرجاء. تصاعدت صخب الضحكات الخشنة الممتزجة بنشوة النصر، وقرعت الكؤوس المعدنية ببعضها صانعة لغواً صاخباً، بينما كانت الخيول المحملة بغنائم الغزوة الأخيرة تُقاد إلى الإسطبلات الخشبية. وسط هذا الصخب العارم، كان نزار يقف وحيداً بمعزل عن الاحتفال. عند طرف الساحة ، يراقب رجاله بعينين حادتين ويداه معقودتان خلف ظهره بوقار حذر. دنا منه شهاب بخطى وئيدة بعد أن فرغ من تفقد نقاط الحراسة المحيطة بالمعسكر ، وانحنى أمامه باحترام يليق بمقامه قائلاً: — "طاب مساؤك يا سيدي، لقد أُحكمت الحراسة حول المداخل كلها خشية أي مباغتة." التفت إليه نزار ببطء، ولم يحرك ساكناً وهو يلقي سؤاله بنبرة جافة: — "دعك من بوابات المعسكر الآن، وأخبرني عن حال ضيفنا القابع في الكوخ؛ كيف اصبحت جراحه؟" أخفض شهاب نبرة صوته وأجاب: — "لقد تماثل للشفاء بشكل أدهشنا جميعاً، وغدا قادراً على الوقوف والتردد في جنبات الغرفة بمفرده دون حاجة لعون." رف
انفتح الباب الحديدي الكبير ببطء. وقفت ليان للحظة في مكانها، وكأنها لا تصدق أنها عادت إلى هذا المنزل مرة أخرى. كان الحارس يقف بجانب البوابة، وقال بصوت خافت و سعيد فقد كان يراها كل يوم تبكي و يهتز لكن لم يستطع فعل شيء : — ادخلي... الصغير لا يتوقف عن البكاء. ركضت ليان نحو الداخل، وثوبها البسيط يلتف حول قدميها. ما إن دخلت الصالة حتى وجدت السيدة صفاء تقف في انتظارها. توقفت ليان فورًا. خفضت رأسها باحترام. ثم همست:— شكرًا لك يا سيدتي... وهمّت بأن ترفع يد صفاء لتقبلها. لكن صفاء سحبت يدها بهدوء. وقالت ببرود:— لست هنا برضايا . ثم أشارت نحو الطابق العلوي. — الطفل في غرفته ارضعيه...ثم غادري فورا . لم تقل ليان كلمه تحركت بسرعه صعدت الدرج بلهفه ، وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت صرخات نوح تُسمع قبل أن تصل إلى الغرفة. دفعت الباب فرأت المربية تحاول تهدئته دون جدوى. وما إن وقع بصر الطفل عليها... حتى خفت بكاؤه للحظة، وكأنه شعر بوجودها. اقتربت ليان بخطوات مرتجفة. مدت ذراعيها ناولتها المربية الطفل بصمت. وما إن استقر بين ذراعيها... حتى هدأ نحيبه تمامًا اختفت الصرخات. وتحولت إلى
مرّ يومان كاملان منذ غادرت ليان المنزل الريفي. لم تغادر الريف لم تستطيع الابتعاد عن نوح . استأجرت كوخًا خشبيًا صغيرًا يقع على مسافة قصيرة من أملاك آل الكيلاني، وأنفقت معظم المال الذي تركته لها السيدة صفاء مقابل ذلك الكوخ البسيط وبعض الحاجيات الضرورية. لم تكن تخطط لمستقبل جديد. ولم تكن تبحث عن بداية أخرى. كل ما كانت تريده هو أن تبقى قريبة. قريبة بما يكفي لترى الدخان المتصاعد من مدخنة المنزل. وقريبة بما يكفي لتخبر نفسها أن طفلها ما زال هناك . يتنفس معها تحت السماء نفسها. مع إشراقة كل صباح... كانت ليان تتجه بصمت إلى خارج أسوار المنزل الريفي. تقف خلف البوابة الحديدية البعيدة. لا تطرق الباب ولا تطلب رؤيته. كانت تكتفي بالنظر إلى النوافذ لساعات طويلة. ثم تعود مع حلول المساء إلى كوخها الصغير. كانت تعرف أن أحدًا يراقبها. لكنها لم تهتم فوجودها هناك كان الشيء الوحيد الذي يمنحها القدرة على التنفس. أما داخل المنزل... فلم يكن الهدوء الذي توقعته السيدة صفاء موجودًا. منذ الليلة الماضية...لم يتوقف الطفل عن البكاء. كانت صرخاته الصغيرة تملأ أرجاء المنزل ، حتى بدت الجدران نفس
مرّ اليومان ببطء قاتل لم تغادر ليان غرفتها. كانت تستيقظ كل مرة على وهم بكاء طفلها ، ثم تكتشف أن الغرفة غارقة في الصمت. كانت تتوسل للخدمات ان يأتوا لها ب نوح لثوانٍ فقط لكن رفضوا خوفا من صفاء في صباح اليوم الثالث...فُتح الباب. دخلت السيدة صفاء كانت تحمل حقيبة صغير ، وضعتها فوق الطاولة القريبة دون أن تنظر إلي ليان. ثم قالت ببرود:— لقد انتهى ما بيننا يا ليان. رفعت ليان رأسها ببطء. كانت عيناها متورمتين من كثرة البكاء. أكملت صفاء:— هذا المال لكِ. يكفي لتبدئي حياة جديدة بعيدًا عن أوزبورك. وخذي معكِ كل ما تحتاجينه. أما نوح ...فسيكون وريث الكيلاني نظرت ليان إلى الحقيبة، ثم أعادت بصرها إلي صفاء نهضت بصعوبة من فوق الفراش. وسارت حتى وقفت أمامها. قالت بصوت مبحوح:— لا أريد المال. ظلت صفاء صامتة. تابعت ليان:— لم أوافق على شروطك من أجل الذهب. وافقت لظني أن هذا هو الطريق الوحيد لحماية ابني. ارتخت شفتاها وهي تحاول حبس دموعها. — لكنني لم أتخيل أنني سأغادر... قبل أن أحمله حتى بين ذراعي. خفضت رأسها قليلًا. ثم قالت برجاء هزيل:— أرجوكِ يا سيدتي... لدي طلب واحد فقط. نظرت إل
جاءت ليلة المخاض أخيرًا... وجاء معها الوجع الذي خشيت ليان وصوله منذ أشهر. استيقظ المنزل الريفي كله على وقع صرخاتها. هرعت القابلة، واستُدعي الطبيب على عجل، بينما راحت الخادمات يركضن بين الغرف يحملن الماء الساخن والأغطية النظيفة. أما السيدة صفاء...فكانت تقف عند نافذة الغرفة في صمت تترقب كانت أصابعها كانت تنقبض حول بعضها بقوة حتى ابيضت مفاصلها. . مر الوقت ساعه بعد اخري دون وصول الطفل و صرخات ليان تزداد ضعفًا مع كل موجة ألم. حتى ان الطبيب نفسه بدأ ينظر إليها بقلق. قال وهو يحاول تهدئتها:— تماسكي...لم يبق الكثير. لكن جسد ليان كان قد استنفد كل ما يملك من قوة. كانت تشعر أن الحياة تنسحب منها شيئًا فشيئًا. وكلما أغمضت عينيها...رأت فارس. رأت ابتسامته ووعده الذي لم يتحقق تذكرت اللحظات التي كانت فيها بين ذراعيه كيف كان يحنو عليها . همست بين شهقاتها:— فارس...أرجوك...عد لي احتاج لوجودك وفجأة...اخترق الغرفة صوت بكاء صغير. صوت ضعيف...لكنه ملأ المكان بالحياة. رفع الطبيب رأسه مبتسمًا. وقال:— إنه صبي. انفرجت شفتا ليان بابتسامة باهتة. وسالت دموعها بصمت. نجا...طفلهما نج
استسلمت ليان لمصيرها الذي حيكت خيوطه بعناية، وغادرت برفقة السيدة صفاء إلى ذلك المنزل الريفي التابع لعائلة الكيلاني بعيدا عن ضجيج مدينة أوزبورك وعيون فضولييها. كان المكان في ظاهره تحفة معمارية تنطق بالفخامة والسكينة، لكنه في عمق وجدانها لم يكن سوى سجن أنيق؛ إذ كانت أسواره الحجرية العالية تحول بينها وبين الحياة ، بينما كان الحراس المنتشرون عند البوابات لتذكيرها كل صباح بحقيقتها المرة: هي ليست ضيفة تكرم ، بل سجينة ترقب أجلًا مسمّى، وتنتظر اللحظة الموعودة لانتزاع طفلها من بين أحشائها .تذكرت المره الوحيده التي جاءت الي هذا المكان كل ركن هنا ذكرها بفارس مرت الأيام رتيبة وثقيلة، وكأن عقارب الزمن أصيبت بالشلل منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي اختفى فيه فارس. وكان كل صباح يتكرر بالوتيرة ذاتها؛ تستيقظ ليان، و تفتح نافذة غرفتها لتتأمل الطريق الترابي الممتد بين وعورة الأشجار. لم تكن تملك سببًا منطقيًا، لكن نبضات قلبها كانت تهمس لها عند كل شروق بأنه سيعود حتمًا ، وفي كل مساء، كانت تغلق النافذة والدمع ملء عينيها وهي تقول لنفسها بالعبارة ذاتها: — "ربما يحمله ا
في الجانب المظلم من مدينة "أوزبروك"، حيث تلتقي الأزقة الضيقة برائحة الخمر الرخيصة و العفن، انفتح باب السقيفة المتهالك بعنف للمرة الثانية في تلك الليلة. لكن هذه المرة، لم يكن جابر مراد هو المستيقظ، بل كان غارقاً في نومه الثقيل مدفوعاً بآخر قطرات الخمر التي تجرعها.اندفع "سالم" إلى الداخل كالإعصار، و
لأول مرة في حياتها، جلست ليان داخل عربة حقيقية.ليس عربة نقل مهترئة كتلك التي كانت تمر أحيانًا في حي المداخن، بل عربة فاخرة مبطنة بالمخمل الداكن، تتمايل بهدوء فوق الطريق الحجري المؤدي إلى التلال الشمالية.كانت تشعر بالتوتر من مجرد لمس المقاعد.المطر ما زال يهطل بالخارج، بينما ساد داخل العربة دفء لط
كان المطر قد تحول إلى قطرات ثقيلة تغسل أرصفة "أوزبروك" الحجرية، عندما كانت "ليان" تتبع أثر "سالم" بخطوات ناعمة وئيدة كقطة تتربص بفريستها. كانت تعلم تماماً أين يتجه؛ فالسارق لا يذهب بعد غنيمته الكبرى إلا إلى جحره، و جحر سالم كان زاوية معتمة مهجورة في نهاية الزقاق، بعيداً عن أعين الحراس. توقفت ليان
لم تكن الأزقة الضيقة لمدينة "أوزبروك" ترحم أحداً في الشتاء، لكنها في القرن الثامن عشر كانت أشد قسوة على النساء اللواتي وُلدن بلا ألقاب عائلية تحميهن، أو ذهبٍ يشتري لهن الأمان . بالنسبة لـ "ليان"، لم يكن البرد القارس الذي يتسلل عبر شقوق الجدران الخشبية هو ما يرتعد له جسدها. كانت تضغط بكفيها الصغيرت







