LOGINانقضت أيام الاختبار الشاقة . ومع نهاية الأسبوع، جاءت اللحظة التي كانت تترقبها وتخشاها في آن واحد. وقفت "أمينة"، رئيسة الخدم، أمامها بملامحها الخالية من التعبير، وقالت بصوت جاف: "ليان .. السيدة الكبيرة صفاء الكيلاني بانتظاركِ في مكتبها الخاص.
لا تتحدثي إلا إذا سُئلتِ، واختصري كلامكِ". كانت ليان ترتب أكوام المناشف النظيفة داخل غرفة الغسيل عندما دخلت إحدى السيده امينه عليها . . تجمدت يدها فوق القماش. — الآن؟ — الآن. اختفى اللون من وجهها. فورًا. أول ما خطر ببالها كان فارس. لا بد أنه قال شيئًا. ربما اكتشف كذبتها. أو أقنع والدته بالتخلص منها. سارت ليان خلف أمينة عبر الممرات الفخمة، ونبضات قلبها تقرع في صدرها كطبول الحرب. مسحت كفيها بزي الخدم الكحلي لتتخلص من توترها تحاول تهدئة ضربات قلبها. لكن دون جدوى. --- بعد دقائق كانت تسير خلف أمينة عبر الممرات الهادئة للطابق الرئيسي. كل خطوة كانت تزيد توترها. حتى توقفت أمينة أمام باب مزدوج أنيق. طرقت الباب بخفة. ثم فتحته. — الآنسة ليان يا سيدتي. جاء صوت هادئ من الداخل: — دعيها تدخل. انحنت أمينة وغادرت. وبقيت ليان وحدها. أخذت نفسًا عميقًا. ثم دخلت. كانت الغرفة جميلة. لكن بطريقة مختلفة عن بقية القصر. أقل استعراضًا. وأكثر دفئًا. جلست صفاء الكيلاني قرب النافذة، وإلى جانبها طاولة صغيرة عليها فنجان شاي وكتاب مفتوح. رفعت عينيها نحو ليان. — اقتربي. تقدمت ليان بخطوات حذرة. ثم انحنت باحترام. — سيدتي. راقبتها صفاء بصمت. مما زاد توترها. وأخيرًا قالت: — اجلسي. رفعت ليان رأسها بسرعة. — أنا؟ — لا أرى شخصًا آخر في الغرفة. جلست على حافة المقعد. مستعدة للقفز والهرب في أي لحظة. لاحظت صفاء ذلك. وكادت تبتسم. — هل أخيفك لهذه الدرجة؟ — لا يا سيدتي. ثم أضافت بسرعة: — قليلًا. هذه المرة ابتسمت صفاء فعلًا. ابتسامة صغيرة وخاطفة. — على الأقل أنت صادقة. --- ساد الصمت للحظات. ثم أغلقت صفاء كتابها. — أخبريني عن نفسك يا ليان. تصلبت عضلات الفتاة فورًا. لاحظت صفاء ذلك. بالتأكيد. لكنها لم تعلق. قالت ليان بحذر: — ليس هناك الكثير لأقوله. — الجميع يقولون ذلك عندما يكون هناك الكثير الذي لا يريدون قوله. ارتبكت ليان. أما صفاء فاكتفت باحتساء رشفة من الشاي. — هل كنت تعملين من قبل؟ — نعم. — أين؟ — في المغسلة أحيانًا. وفي تنظيف المنازل أحيانًا أخرى. أومأت صفاء. ثم سألت فجأة: — وهل كنت سعيدة؟ تفاجأت ليان بالسؤال. لم تسألها أحد من قبل إن كانت سعيدة. فكرت للحظة. ثم هزت رأسها. — لا. كان الجواب صادقًا للغاية. لدرجة أن صفاء شعرت به. --- راقبتها المرأة للحظات. ثم قالت: — أمينة ومارتا تتحدثان عنك كثيرًا. اتسعت عينا ليان. — أتمنى أن يكون خيرًا. — تقولان إنك مجتهدة. ومهذبة. وتعملين أكثر مما يُطلب منك. تنفست ليان براحة صغيرة. لكن صفاء أضافت: — وتقولان أيضًا إنك غامضة. توقفت الراحة فورًا. خفضت ليان نظرها. أما صفاء فتابعت بهدوء: — لا تقلقي. كل إنسان يحمل أسراره الخاصة. لكنني أريدك أن تفهمي شيئًا. رفعت ليان رأسها. — نعم سيدتي؟ — هذا القصر بيتي. وكل شخص يعيش فيه يصبح مسؤوليتي. صمتت لحظة. ثم أضافت: — لا أطلب منك أن تخبريني بكل شيء. لكنني أطلب شيئًا واحدًا. — ما هو؟ ثبتت صفاء عينيها عليها. — ألا تكذبي عليّ. شعرت ليان وكأن الأرض اهتزت تحتها. للحظة قصيرة. قصيرة جدًا. كادت تعترف بكل شيء. بجابر. وسالم. والمحفظة. والكذبة التي أدخلتها إلى هنا. لكنها لم تفعل. لم تستطع. فاكتفت بالهمس: — لن أفعل يا سيدتي. --- استمرت صفاء في النظر إليها. وكأنها تزن كلماتها. ثم تنهدت أخيرًا. — حسنًا. نهضت من مكانها. وتقدمت نحو خزانة صغيرة قرب الجدار. أخرجت منها كتابًا قديمًا. ثم عادت. وضعت الكتاب أمام ليان. نظرت إليه باستغراب. — سيدتي؟ قالت صفاء: — سمعت أنك لا تعرفين القراءة. تجمدت ليان. فابتسمت صفاء. — لا تنظري إلي هكذا. الأخبار تنتشر بسرعة في هذا المنزل. مررت أصابعها فوق غلاف الكتاب. — كنت في الثامنة عندما تعلمت القراءة. وكان والدي يقول دائمًا إن الإنسان الذي يستطيع القراءة يملك ألف حياة. أما الذي لا يستطيع، فلا يعيش إلا حياته الواحدة. رفعت ليان عينيها ببطء. — وأنا فاتني الوقت. — هذا هراء. قالتها صفاء بحزم مفاجئ. — ما دام الإنسان يتنفس، لم يفته شيء. ثم دفعت الكتاب نحوها قليلًا. — إذا كنت تريدين التعلم... فسأجد من يعلمك. اتسعت عينا ليان. لدرجة أن صفاء شعرت أنها قد تبكي. همست الفتاة: — لماذا؟ سألتها بصوت مرتجف. — لماذا تفعلين هذا لأجلي؟ ابتسمت صفاء بهدوء. وأجابت: — لأن شخصًا ما كان كريمًا معي عندما كنت صغيرة. وأعتقد أن الوقت قد حان لأسدد الدين. شعرت ليان بشيء يخنقها. شيء لم تشعر به منذ وفاة أمها. دفء. وأمان. وهي تغادر الغرفة بعد ذلك بوقت قصير، كانت تضم الكتاب إلى صدرها بقوة. ولم ترَ الرجل الواقف في نهاية الممر البعيد. فارس الكيلاني. الذي شاهد خروجها. ورأى الكتاب بين يديها. فضاقت عيناه قليلًا. لأن والدته نادرًا ما تهتم بأحد بهذه السرعة. ونادرًا ما كانت تخطئ في الحكم على الناس. لكن ذلك لم يغير شيئًا. فحتى هذه اللحظة... ما زال مقتنعًا بأن ليان مراد ستغير شيئاً في هذا القصرانفاس حاره في عتمه الليل حلّ منتصف الليل و أخيراً فوق قصر آشبورن. ساد السكون التام و العميق في كل زاوية من اركان القصر تسللت ليان من جناح الخدم السفلي بخطوات خفيفة كالهواء تلتفت حولها بسريه كانت تسير بحذر، ممسكة بأطراف ثوبها لكي لا تصدر صوتاً. كانت متجهة نحو الطابق الثاني.. نحو غرفة الدراسة.أرادت لقاء ميس وعد لبدء درسهما السري في فك الحروف.كانت تعتقد، بيقين تام، أن الجميع قد ذهبوا للنوم.الممرات الطويلة الفسيحة كانت غارقة في الظلام و الظلال الممتدة.لم يكن هناك سوى ضوء القمر الشاحب و حفيف ورق الأشجار بالخارج يخترق النوافذ.ضمت ليان كتابها القديم إلى صدرها بقوة، و تنفسّت براحة و سعاده فقد كان وقت الدراسه هو الوقت المفضل لديها خلال اليوم .فجأة.انشق الظلام عن حركة مباغتة و مخيفة. قبل أن تستوعب ما يحدث، و قبل أن تنطق بحرف واحد..امتدت من بين الزوايا المظلمة يدان كبيرتان، عريضتان، و قويتان.قبضت عليها الذراعان من خصرها النحيل ب حزم حديدي لا يلين.ا فلتت منها اها ضعيفه و بحركة سريعة، مباغتة، و عاصفة.. سحبت اليدين جسدها بالكامل إلى الداخل.الي إحدى الغرف الجانبية المه
عادت ليان إلى قصر آشبورن مع تسلل خيوط الصباح الفضية الأولى عبر الضباب كان الهواء بارداً و جافاً يلفح وجهها الشاحب، لكن جسدها كان لا يزال يفيض بدفء أنفاسه الحارقة.تسللت عبر ممر الخدم السفلي بخطوات خفيفة كطيف خفي.دخلت غرفتها الصغيرة، و أغلقت الباب خلفها بجلبة مكتومة أعلنت عودتها إلى السجن الحديدي.نزعت ملابس الخروج النظيفة، و وقفت أمام المرآة الزجاجية الصغيرة المتهالكة.تأملت وجنتيها الصافيتين اللتين صُبغتا بحمرة دافئة لا تخفى، و لمست شفتيها اللتين لا تزالان ترتعدان من فرط قُبلاته العنيفة .أخذت زفيراً طويلاً، و أمسكت بزي الخدمة الكحلي الصارم ذي الياقة البيضاء.ارتدته بسرعة فائقة، و أحكمت إغلاق أزراره حتى العنق لتخفي تحته علامات الليلة الدافئة؛ لتخفي الشامة و الحقيقة و أسرار الشقة السرية.نظفت مئزرها، و نفضت خصلات شعرها الداكن الطويل لتربطه بقسوة وراء ظهرها.لقد عاد القناع؛ و عادت خادمة النهار لتخفي امرأة الليل.بحلول فترة الظهر، كانت ليان تتحرك في الردهة الرئيسية الكبرى للقصر الشاسع.كانت تحمل صينية فضية ثقيلة تمسح بها المزهريات الكريستالية بناءً على أوامر أمينة.فجأة، انفتح الب
داخل العربة الفاخرة المظلمة.كانت أنفاس الفجر تقترب ببطء.التفتت ليان نحو فارس بتوتر.و قالت بصوت منخفض ومبحوح:— سيد فارس.. أرجوك أوقف العربة هنا.عقد فارس حاجبيه بجفاء.و نظر إليها ببرود صامت.تابعت ليان برعب و ارتباك:— لا يمكننا الدخول معاً أبداً.— الخدم مستيقظون سيعرفون اذا راونا معا نظر إليها فارس وفي عينيه لمحه تسليه و قال : ماذا سيعرفون اتسعت عيون ليان واحمر وجنتها خحلا اجابت .— سأترجل الآن وأكمل الطريق سيراً.ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.وقال بنبرة جافة كالفولاذ:— اتخجلين الآن يا ليان؟— بعد كل ما حدث بيننا الليلة؟أشاح بوجهه عنها بآلية.وتابع ببرود مهيب:— حسناً. انزلي هنا — .توقفت العربة فجأة بحدة.نزلت ليان ممسكة برداءها بسرعة تمشي بهدوء. و انطلقت العربة مسرعة لتسبقها إلى القصر.خيوط الفجر الأولى كانت تشق ضباب أوزبروك الرمادي.البرد القارس يقضم العظام خارج الأسوار الشاهقة.وسط الظلال الكثيفة،لم يكن سالم يعيش الهدوء ذاته.منذ خروجه ذلك اليوم من ملحق قصر الكيلاني و هو يتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آخر.أكثر غضبًا. أكثر حقدًا. وأقل عقلًا.كان يقضي معظم وقته في الحانات
انقشعت ساعات الليل الطويلة الحافلة بالرغبة المشتركة.و حلّ السكون العتيق ليفترش أركان الغرفة الفاخرة المضاءة بخيوط خافتة.تراجع رذاذ المطر في الخارج، تاركاً ضباب الفجر يشق طريقه عبر النوافذ الزجاجية.كان الدفء لا يزال يملأ الفراش الوثير بعد عاصفة عاطفية غيرت مجرى الأقدار بينهما.اعتدل فارس الكيلاني و أخيراً فوق الفراش ببطء شديد.استند بظهره العريض إلى مسند السرير الخشبي المحفور بنبل.كان عاري الصدر، انسدلت بعض من خصلات شعره الداكن فوق جبينه بفوضويه و أنفاسه المنتظمة تهدأ تدريجياً وسط هدوء الغرفة المعتمة.أدار رأسه ببطء، لتستقر نظراته الصقرية القاتمة على ملاءات السرير البيضاء الناصعة.هناك.. في منتصف الفراش، تلمحت عيناه بقعة ذات معنى ملموس و عميق.بقعةٌ حية ناصعة حفرت الحقيقة تصلب فك فارس، و تجمدت حركته لثوانٍ طويلة بدت كأنها دهر.كان يتأمل تلك البقعة التي حملت طهر الفتاة و نقاءها الذي لم يمسه أحد قبله.دار إعصار صامت و مزلزل في عقل فارس .تراجع في ذهنه كل الشَّك القاتل الذي عذبه لليالٍ طوال خلف أسوار آشبورن.و تلاشى صوت فهد اللعين، و ضحكات عوض الجشعة في نادي النبلاء.لكن الصوت الأ
استقرت عربة آل الكيلاني الفاخرة في عتمة الزقاق المقابل لمنزل زينة.كانت الفوانيس الزيتية بالشارع تكاد تنطفئ.و الضباب يلتف حول العجلات الحديدية كأنه كفن رمادي.في داخل العربه كان فارس الكيلاني يجلس في عمق المقعد المخملي الداكن.كان متخفياً وراء الزجاج الأسود.و عيناه الصقريتان تراقبان البوابة الخشبية بثبات مرعب لا يلين.كان الغضب في صدره يغلي كالحمم البركانية.غضبٌ غدته الغيرة العمياء التي لم يعهدها في نفسه قط.و الشَّك المرير الذي بات يأكل عقله و روحه طوال الساعات الماضية.تذكر كلمات عوض في نادي النبلاء.تذكر ضحكات فهد الشامتة اللعينة.كل حرف نطقوا به كان يغرس خنجراً من النار في كبريائه.انفتحت البوابة الخشبية و أخيراً.و خطت ليان إلى الخارج بحذر شديد.تتلمس الطريق و تلتفت برأسها الصغير خوفاً من أشباح الأزقة و من جابر .لم تكد تخطو خطوتين في الهواء البارد حتى اعترض طريقها كرم.ظهر المعاون من بين الظلال كأنه قدر محتوم لعنه نفسها للمره الالف في هذا اليوم ما هذا الحظ و بنبرة جافة، حازمة، و آمرة أشار نحو باب العربة المفتوح:— اصعدي فوراً يا ليان.. السيد فارس بانتظاركِ في الداخل.انقب
في قاعة نادي النبلاء الفاخرة.كانت الأجواء تفوح برائحة السيجار الفاخر و الوقار الأرستقراطي الجافكان نادي النبلاء يعج بأصوات الموسيقى الخافتة و أحاديث التجارة و السياسة.جلس فارس الكيلاني في ركنه المعتاد مع رائد خلف طاوله خشبيه داكنه امامهم ملفات و عقود و اوراق كان النقاش جاداً و مركزاً.فجأة.. انقطع حبل الحديث التجاري الهادئ.تقدم فهد نحو الطاولة بخطوات لزجة، و بجانبه كان الشاب عوض كان فهد يحمل ابتسامة خبيثة و ساخرة تعلو وجهه الماكر.تبادل فارس و رائد نظرة سريعة.منذ حادثة الريف لم تعد الأمور كما كانت.لم يطردا فهد صراحة من دائرتهم.لكن وجوده بينهم أصبح بارداً و ثقيلاً.اقترب فهد مبتسماً ابتسامة مستفزة.ثم ربت على كتف عوض قائلاً:— أخبرهما بما أخبرتني به قبل قليل.نظر عوض إليهم بحماس واضح.دون أن ينتبه للتوتر الذي خيم على الطاولة.و قال بحماس :—رائد... فارس... لقد رأيت خادمتك الجميلة اليوم.تجمدت ملامح فارس فوراً.اختفى أي أثر للاسترخاء من وجهه.و انعقد فكه بقوة.رفع عينيه ببطء نحو عوض.و قال بصوت منخفض:— ماذا قلت؟ابتسم عوض معتقداً أن الأمر يثير فضولهم فقط و قال بحماس شديد — خادم







