LOGINالفصل التاسع (الجزء الأول)
المرأة التي اختفت "بعض الأشخاص يختفون من حياتنا لسنوات... لكن الحقيقة أنهم لم يرحلوا أبدًا، بل كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة للظهور." كان الدخان يملأ المكان. ورائحة الاحتراق تخنق الأنفاس. أما إيلين فكانت تحاول استيعاب ما تراه أمامها. عمر ما زال ممسكًا بذراعها. وعيناه مثبتتان على المرأة الواقفة وسط الضباب الرمادي. المرأة نفسها التي رأتها في الصورة القديمة. نفس الملامح. نفس العينين. حتى ملامح وجهها لم تتغير كثيرًا. وكأن الزمن توقف عندها. همست إيلين بصوت مرتجف: "من... هذه؟" لكنها كانت تعرف الإجابة في أعماقها. المرأة تقدمت خطوة واحدة فقط. وظهرت ملامحها أكثر. أما ليلى... فكانت تنظر إليها بصدمة لا تقل عن صدمة إيلين. وببطء شديد... سقطت دمعة من عين ليلى. وقالت كلمة واحدة فقط. "أمي..." شعرت إيلين بقشعريرة تجتاح جسدها بالكامل. إذن هي حقًا والدة ليلى. المرأة التي اختفت منذ عشرين عامًا. المرأة التي قالت الشرطة إنها لم تترك أي أثر. فكيف تقف الآن أمامهم؟ أسرعت المرأة نحو ليلى. وجثت بجوارها. ثم وضعت يدها على وجهها بحنان. "ليلى..." خرج الاسم من شفتيها وكأنه دعاء. فتحت ليلى عينيها بصعوبة. كانت مصابة بجرح صغير في جبينها. لكنها بخير. ما إن رأت المرأة عن قرب حتى بدأت دموعها تنهمر. "أمي؟" ابتسمت المرأة رغم الدموع التي ملأت عينيها. "أنا هنا." لم تستطع ليلى الكلام. فقط احتضنتها بقوة. وكأنها تخشى أن تختفي من جديد. أما إيلين... فكانت تراقب المشهد وهي عاجزة عن الفهم. هناك أسئلة كثيرة جدًا. أكثر مما تستطيع احتماله. في الخارج... كان إطلاق النار قد بدأ. اختبأ سيف خلف إحدى السيارات. بينما كان رجال فؤاد يتبادلون إطلاق النار مع مجموعة مجهولة وصلت فجأة إلى المكان. صرخ سيف: "عمر!" لكن عمر لم يكن ينظر إلى المعركة. بل إلى المرأة التي ظهرت من الماضي. وكان واضحًا أنه يعرفها. بل ويعرفها جيدًا. لاحظت إيلين ذلك فورًا. استدارت نحوه. وقالت بحدة: "أنت تعرفها." التقت عيناهما. لكنه لم يجب. ازدادت عصبيتها. "أنت تعرفها!" هذه المرة قال بهدوء: "نعم." تجمدت. أما المرأة فرفعت رأسها نحوه. ولأول مرة ظهر الألم في عينيها. وقالت: "مر وقت طويل يا عمر." أخفض نظره للحظة. ثم قال: "أطول مما ينبغي." بدأت إيلين تشعر أن الجميع يعرفون الحقيقة إلا هي. الجميع. عمر. ليلى. هذه المرأة. حتى والدها الراحل. وكأنها الوحيدة التي تُركت خارج الصورة. قالت بغضب: "هل يمكن لأحد أن يشرح لي ما يحدث؟" ساد الصمت. لكن هذه المرة تكلمت المرأة. نظرت إلى إيلين طويلًا. وكأنها ترى شخصًا تعرفه. ثم اقتربت منها ببطء. حتى أصبحت أمامها مباشرة. وقالت بصوت خافت: "أنت تشبهين والدك كثيرًا." شعرت إيلين بأن قلبها انقبض. "هل كنتِ تعرفينه؟" أومأت المرأة. ثم قالت: "لقد أنقذ حياتي." تجمد الجميع. حتى عمر رفع رأسه بسرعة. أما إيلين فشعرت وكأن الأرض اهتزت تحتها. أنقذ حياتها؟ متى؟ وكيف؟ ولماذا لم يخبرها أحد بكل هذا؟ وقبل أن تتمكن من السؤال... دوى صوت رصاصة قريبة جدًا. تحطم الزجاج المتبقي في المنزل. وانخفض الجميع أرضًا تلقائيًا. صرخ سيف من الخارج: "يجب أن نتحرك الآن!" نهض عمر بسرعة. ثم نظر إلى المرأة. وقال بلهجة لا تقبل النقاش: "ليس هنا." أومأت برأسها. وكأنها تعرف ما يقصده. ثم أمسكت بيد ليلى. أما إيلين... فلم تتحرك. كانت ما تزال تنظر إلى المرأة. شيء ما جذب انتباهها فجأة. شيء صغير جدًا. على معصم المرأة. وشم قديم بالكاد يظهر. رمز غريب. دائرة سوداء يتوسطها حرف واحد. الحرف نفسه الذي كانت تراه منذ بداية القصة. الحرف الذي وصلها في الرسائل المجهولة. "ع" اتسعت عيناها بصدمة. ونظرت فورًا نحو عمر. ثم إلى الوشم. ثم إلى عمر مرة أخرى. شعرت أن هناك رابطًا خطيرًا بينهما. رابطًا لم يفهمه أحد بعد. بعد دقائق... غادر الجميع المنزل من المخرج الخلفي. وكانت سيارة سوداء تنتظرهم وسط الأشجار. ركبوا بسرعة. بينما بقيت أصوات الرصاص تتردد خلفهم. جلست إيلين بجوار النافذة. وعقلها يكاد ينفجر من كثرة الأسئلة. أما المرأة... فكانت تجلس في المقعد المقابل. هادئة بشكل غريب. وكأنها تعلم أن لحظة المواجهة الحقيقية اقتربت. لكن قبل أن تتحدث... وقبل أن تخبرهم بأي شيء... رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. وشحب وجهها فورًا. لأول مرة. ظهر الخوف الحقيقي على ملامحها. الخوف الذي أخفته لعشرين عامًا كاملة. ثم همست باسم جعل عمر يتجمد مكانه. "يوسـف... أسرار مشروع الظل "الحقيقة لا تموت مع أصحابها... لكنها أحيانًا تختبئ حتى يحين وقت ظهورها." ساد الصمت داخل السيارة فور أن نطقت المرأة بالاسم. يوسف. شعرت إيلين أن الاسم مألوف بطريقة غريبة. وكأنها سمعته من قبل. لكنها لم تتذكر أين. أما عمر... فقد تغير وجهه بالكامل. اختفت ملامحه الهادئة. وحل محلها توتر واضح. قال بسرعة: "هل هو؟" أومأت المرأة برأسها ببطء. ثم أغلقت الهاتف. لكن ارتجاف أصابعها لم يختف. لاحظت إيلين ذلك. وكان هذا وحده كافيًا لتفهم أن يوسف ليس شخصًا عاديًا. سألتها مباشرة: "من يوسف؟" نظرت المرأة إليها. ثم إلى عمر. وكأنها تتردد في الإجابة. لكنها تنهدت أخيرًا وقالت: "الرجل الذي دمر حياتنا جميعًا." مرت عدة دقائق قبل أن يتوقفوا أمام منزل قديم معزول بين الأشجار. كان المكان هادئًا. بعيدًا عن الطرق الرئيسية. وكأنه مخبأ لا يعرفه أحد. دخل الجميع إلى الداخل. وبمجرد أن أُغلقت الأبواب خلفهم... شعرت إيلين أن الوقت قد حان. استدارت نحو المرأة. وقالت بحزم: "أريد الحقيقة." نظرت المرأة إليها طويلًا. ثم جلست على أحد المقاعد. وقالت: "اسمي الحقيقي هو نادين." تبادلت إيلين وليلى النظرات. ثم أكملت نادين: "وقبل عشرين عامًا كنت أعمل مع والدك." تجمدت إيلين. "في ماذا؟" ساد الصمت للحظة. ثم قالت: "في مشروع الظل." كان الاسم وحده كافيًا ليجعل عمر يغمض عينيه. أما إيلين... فشعرت أن قلبها تسارع. أخيرًا. هذا الاسم الذي ظهر في الرسالة. قالت بسرعة: "ما هو مشروع الظل؟" تنهدت نادين. وبدت وكأنها تعود سنوات طويلة إلى الوراء. ثم بدأت الكلام. "لم يكن مشروعًا عاديًا." "كان منظمة سرية." اتسعت عينا إيلين. أما ليلى فبدا عليها الذهول. تابعت نادين: "مجموعة صغيرة من الأشخاص كانوا يجمعون معلومات خطيرة عن شخصيات نافذة ومتورطة في جرائم كبيرة." "كانوا يعملون في الخفاء." "ويحاولون كشف الحقيقة." شعرت إيلين بقشعريرة. ثم سألت: "وكان أبي واحدًا منهم؟" أومأت نادين. "بل كان أهم شخص في المجموعة." ساد الصمت. أما إيلين... فشعرت بالفخر والخوف في الوقت نفسه. والدها لم يكن الرجل العادي الذي عرفته. كان يخفي حياة كاملة عنها. لكن نادين لم تنتهِ بعد. قالت بصوت منخفض: "ثم حدثت الخيانة." رفع عمر رأسه ببطء. وكان يعرف ما ستقوله. قالت: "أحد أعضاء المشروع باع الجميع." شعرت إيلين بالتوتر. "من؟" ساد الصمت. ثم أجابت: "يوسف." كأن الاسم ألقى ظله على الغرفة كلها. حتى الهواء بدا أثقل. قالت نادين: "بسببه قُتل الكثيرون." "واختفى آخرون." "وتفرقت المجموعة." "واضطررنا جميعًا للاختباء." ثم نظرت إلى ليلى. وأضافت: "ولهذا ابتعدت عنك." انهمرت دموع ليلى. وأخفضت رأسها. أما نادين... فكانت دموعها هي الأخرى على وشك السقوط. "كنت أحاول حمايتك." تحدث عمر أخيرًا. وقال: "لكن يوسف لم يكن يعمل وحده." نظرت إليه نادين. وأومأت. "صحيح." تجمدت إيلين. "ماذا تقصدون؟" أجاب عمر: "كانت هناك جهة أكبر." "شخص كان يحرك الجميع من الخلف." شعرت إيلين بأن قلبها انقبض. "فؤاد؟" هز عمر رأسه. "لا." ساد الصمت. ثم قال: "فؤاد مجرد أداة." اتسعت عيناها. إذا لم يكن فؤاد هو الرأس المدبر... فمن يكون؟ في تلك اللحظة... دخل سيف الغرفة بسرعة. وكان وجهه شاحبًا. لدرجة جعلت الجميع ينهضون فورًا. قال عمر: "ماذا حدث؟" ناول سيف جهازًا لوحيًا إليه. وقال: "يجب أن ترى هذا." نظر عمر إلى الشاشة. ثم تجمد. ولأول مرة منذ عرفته إيلين... رأت الخوف الحقيقي في عينيه. أخذت الجهاز بسرعة. ونظرت إلى الصورة المعروضة. ثم شعرت أن الدم تجمد في عروقها. كانت صورة قديمة. جماعية. تجمع أعضاء مشروع الظل. والصدمة لم تكن في رؤية والدها. ولا نادين. ولا عمر. بل في الشخص الواقف بجوارهم. شخص تعرفه جيدًا. شخص تثق به. شخص كان معها طوال الوقت. شخص لم يخطر ببالها أبدًا. همست بصعوبة: "لا..." أما ليلى... فشهقت بقوة. وسقطت الصورة من يدها. لأن الشخص الظاهر في الصورة كان... والد ليلى. ساد الصمت. لكن نادين كانت تنظر إلى الصورة بوجه شاحب. وكأنها رأت شبحًا. ثم قالت جملة جعلت الجميع يتجمد في أماكنهم: "هذا مستحيل..." نظر إليها عمر بسرعة. وقال: "لماذا؟" ابتلعت ريقها. ثم أجابت بصوت مرتجف: "لأن والد ليلى مات قبل تأسيس مشروع الظل بثلاث سنوات." نهاية الفصل التاسع إذا كان والد ليلى قد مات قبل تأسيس مشروع الظل... فمن الرجل الموجود في الصورة؟ ولماذا يحمل وجهه بالضبط؟ وهل كان والد ليلى ميتًا حقًا... أم أن هناك شخصًا آخر يعيش باسمه منذ سنوات؟ 🔥الخاتمةالوجه الذي بقيبعد كل ما حدث...اكتشفت إيلين أن أصعب مواجهة لم تكن مع شخص حاول أن يؤذيها، ولا مع سر ظل يطاردها، ولا حتى مع الماضي الذي ظنت يومًا أنه أقوى منها.كانت المواجهة الحقيقية أمام المرآة.أن تنظر إلى وجهها دون أن تسأل:ماذا يريد الآخرون أن يروا؟وأن تسأل بدلًا من ذلك:ماذا أريد أنا أن أكون؟جلست إيلين أمام النافذة في آخر صباح لها قبل الرحيل.كانت حقيبتها جاهزة.لم يكن معها الكثير.بعض الملابس.بعض الكتب.دفاترها.وصورة قديمة للأكاديمية.وصورة أخرى لوالدتها.أما باقي الأشياء...فقد تركتها في مكانها.لأنها لم تعد تحتاج إلى حمل حياتها كلها في حقيبة.بعض الأشياء يمكن أن تبقى خلفك دون أن تفقد قيمتها.رفعت إيلين الدفتر الأخير.قلبت صفحاته.وجدت فيه كل نسخها القديمة.الفتاة الخائفة.المرأة الغاضبة.الشخص الذي حاول إنقاذ الجميع.الشخص الذي ظن أن الاعتذار ضعف.والشخص الذي كان يخشى أن يقول:أنا محتاجة مساعدة.ابتسمت.لم تعد تكره أي واحدة منهن.كل واحدة كانت تحاول حمايتها بالطريقة الوحيدة التي تعرفها.حتى أخطاؤها...لم تعد تراها كأشياء تريد محوها.بل كأشياء جعلتها تصل إلى هنا.-
ما تركناه خلفنابعد أسابيع من آخر أزمة، بدأت إيلين تفهم شيئًا لم تكن تتوقعه.الحياة لم تتوقف عندما ابتعدت عن الأكاديمية.بل على العكس...لأول مرة، بدأت تتحرك من دون أن تنتظر منها أن تدفعها.كانت تستيقظ كل صباح ولا تسأل نفسها:"ماذا يحتاجون مني؟"بل:"ماذا أريد أنا اليوم؟"وكان السؤال، رغم بساطته، لا يزال جديدًا عليها.في بعض الأيام كانت تجد إجابة.وفي أيام أخرى...لا تجد شيئًا.وكانت تتعلم أن عدم امتلاك الإجابة ليس فشلًا.---في أحد الصباحات، فتحت إيلين دفترها الجديد.كانت الصفحات الأولى مليئة بالأشياء التي أرادت تجربتها.السفر.القراءة.تعلم شيء جديد.العودة إلى الكتابة.وقضاء وقت أطول مع والدتها.والأهم...أن تعيش دون أن تشعر بالذنب لأنها اختارت نفسها.وضعت علامة بجوار بعض الأشياء.ثم توقفت عند واحدة:"العودة إلى المكان الذي بدأت منه."ظلت تنظر إليها.كانت تعرف أي مكان تقصد.الأكاديمية القديمة.الممر الطويل.القاعة الأولى.الغرفة التي شهدت أكثر لحظاتها خوفًا.المكتب الذي جلست فيه ساعات وهي تحاول أن تفهم كيف تحمي الجميع.قالت لنفسها:"يمكن الوقت جه."---في المساء، أخبرت آدم.قال:"ع
الثمنلم تكن إيلين تتوقع أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه غائبة عن المكان الذي صنع جزءًا كبيرًا من حياتها.لكنها عندما فتحت هاتفها صباحًا، وجدت عشرات الرسائل من الأكاديمية.اجتماع طارئ.مشكلة في أحد البرامج.عدد من الطلاب انسحبوا فجأة.والأهم...قرار من الجهة المسؤولة بإيقاف جزء من التمويل المؤقت.وضعت الهاتف على الطاولة.لثوانٍ، لم تتحرك.ثم قالت لنفسها:"دي مش مشكلتي."لكن قلبها لم يقتنع.أمسكت الهاتف مرة أخرى.ثم تذكرت السؤال الذي كتبته في دفترها:هل أستطيع أن أتقبل أن يأتي يوم لا يحتاجني فيه أحد؟أغلقت الهاتف."هحاول."---بعد ساعة، اتصلت بها ليان.كان صوتها متوترًا."إيلين...""قولي.""الوضع أكبر من اللي كنا متوقعينه.""إيه اللي حصل؟""الطلاب بدأوا يخافوا.""ويوسف؟""بيحاول يهدّيهم."سكتت إيلين.ثم سألت:"إنتِ عايزة مني إيه؟"جاء الصمت طويلًا.قالت ليان أخيرًا:"مش عارفة."ابتسمت إيلين رغمًا عنها."دي إجابة كويسة.""إنتِ مش جاية؟"نظرت إيلين إلى النافذة.كان بإمكانها أن تذهب.أن تدخل المبنى.أن تجلس في المنتصف.أن تجعل الجميع يلتفون حولها.لكنها قالت:"لأ."شهقت ليان."لأ؟""إنتِ ويوس
الأشياء التي لم نقلهافي بعض العلاقات، لا يكون الصمت علامة على الهدوء.أحيانًا يكون الصمت هو المكان الذي تختبئ فيه كل الكلمات التي لم نمتلك الشجاعة لنقولها.جلست إيلين أمام النافذة في صباح اليوم التالي.كان الدفتر مفتوحًا أمامها.لكنها لم تكتب.منذ أن بدأت حياتها الجديدة، اكتشفت شيئًا لم تكن تتوقعه.كانت تعرف كيف تواجه الأزمات.لكنها لم تكن تعرف كيف تواجه نفسها.الأزمات لها خطوات.ملفات.قرارات.بداية ونهاية.أما المشاعر...فلا تأتي مرتبة.ولا تنتظر دورها.ولهذا كانت أصعب.---رن جرس الباب.رفعت إيلين رأسها.كانت تعرف من الطارق قبل أن تفتح.آدم.وقفت أمام الباب.فتحت.قال:"صباح الخير."ابتسمت."صباح النور."دخل.كان يحمل كيسًا صغيرًا.سألته:"إيه ده؟""فطار.""إنت بتعرف تعمل فطار؟""لا."ضحكت."إذن؟""اشتريته.""كنت عارفة."دخل إلى المطبخ.وضع الأكياس.ثم قال:"عندي اقتراح.""قول.""نخرج.""فين؟""أي مكان.""من غير هدف؟""بالضبط."نظرت إليه.ثم ابتسمت."موافق."---ذهبا إلى مكان بعيد عن المدينة.طريق طويل تحيط به الأشجار.لم يتحدثا كثيرًا.لكن الصمت هذه المرة لم يكن ثقيلًا.كان مريحً
بعد أن سقط القناعلم تكن إيلين تعرف أن الحرية يمكن أن تكون مخيفة إلى هذا الحد.في صباح اليوم الأول بعد تركها منصبها، استيقظت قبل موعدها المعتاد، جلست على طرف السرير، وظلت تحدق في الساعة وكأنها تنتظر شيئًا.مكالمة.اجتماعًا.رسالة عاجلة.أي شيء يعيدها إلى الروتين الذي عاشته لسنوات.لكن هاتفها ظل صامتًا.ولأول مرة منذ وقت طويل، لم يكن هناك شيء ينتظرها.وقفت أمام المرآة.نظرت إلى انعكاسها طويلًا.كانت هي.نفس الوجه.نفس العينين.لكن شيئًا ما تغير.قالت لنفسها:"طيب... دلوقتي أنا مين؟"لم تجد إجابة.وللمرة الأولى...لم تخف من عدم وجودها.---ارتدت ملابس بسيطة، أخذت حقيبتها، وخرجت.لم تتجه إلى الأكاديمية.توقفت أمام الباب لحظة، ثم أغلقت هاتفها ووضعته في حقيبتها.كانت تريد أن تختبر شيئًا.أن تعرف هل تستطيع أن تمر بيوم كامل دون أن تشعر أن عليها إنقاذ أحد.سارت في الشارع بلا وجهة.مرت أمام محل قديم كانت تعرفه منذ سنوات، ثم توقفت عند مقهى صغير لم تدخله من قبل.دخلت.اختارت طاولة بجوار النافذة.طلبت قهوتها.ثم جلست.مرّت عشر دقائق.ثم عشرون.لم يحدث شيء.لا كارثة.لا أزمة.لا أحد يطلب مساعدتها.
الحقيقة التي تخصني"أحيانًا لا نخاف من الحقيقة لأنها مؤلمة... بل لأنها قد تغيّر الطريقة التي عرفنا بها أنفسنا."ظلت إيلين واقفة في مكانها.الهاتف ما زال في يدها.والجملة الأخيرة تتكرر داخل رأسها:"حقيقة تخصك أنتِ."اقترب آدم."إيلين."لم تجبه.قال مرة أخرى:"إيلين، بصيلي."رفعت عينيها.لم يكن فيها خوف.كان فيها ارتباك.قالت:"أنا مش فاهمة."أجابها بهدوء:"إذن نفهم."هزت رأسها."مش عايزة أرجع.""مش هنرجع.""لكنها قالت إن فيه حاجة تخصني.""وإنتِ طلبتي منها تتكلم."نظرت إلى الهاتف.ثم قالت:"أيوه."---بعد دقائق...عاد الهاتف للرنين.نظرت إيلين إلى الشاشة.نفس الرقم.أجابت.جاء صوت المرأة:"آسفة."قالت إيلين:"اتفضلي.""قبل ما أقولك أي حاجة، لازم تعرفي إن نادر ما كانش عايزك تعيشي حياتك تحت ظل الماضي.""عارفة.""كان عايزك تعرفي نفسك."سألت إيلين:"يعني إيه؟"تنهدت المرأة."إنتِ طول عمرك فاكرة إن كل اللي حصل حواليك كان بسبب شغل والدك.""أيوه.""لكن نادر كان عنده سبب شخصي جدًا يخليه يحميك."سكتت.ثم قالت:"قبل ما تبدأ رحلته بسنين...""كان فيه شخص ساعده."سألت إيلين:"مين؟"جاءها الرد:"والد
الفصل الثاني عشر (الجزء الأول)خلف الأقنعة"أحيانًا يكون أخطر شيء في الحقيقة... أنها تجعلك تشك في الأشخاص الذين أحببتهم أكثر من نفسك."بقيت الصورة ملقاة على الأرض.ولا أحد يجرؤ على التقاطها.أما إيلين...فكانت تنظر إلى عمر.ثم إلى الصورة.ثم تعود لتنظر إليه مرة أخرى.الوجه نفسه.نفس العينين.نفس ال
الرجل في الصورة استيقظت إيلين في الصباح وهي تشعر بثقل غريب فوق صدرها. لم يكن بسبب قلة النوم فقط. بل بسبب ذلك الشعور الذي لازمها منذ الانفجار. شعور بأن حياتها بدأت تخرج عن مسارها الطبيعي. جلست فوق السرير لعدة دقائق تحدق في الفراغ. ثم أمسكت هاتفها. لا رسائل جديدة. لا أرقام مجهولة. لا تحذيرا
الفصل الثانيأول لقاءلم تنم إيلين تلك الليلة.كانت مستلقية فوق سريرها تحدق في سقف الغرفة بينما يدور داخل رأسها عشرات الأسئلة.الرسالة.الانفجار.الرجل الذي لحق بها.والشخص المجهول الذي أنقذها واختفى.ثم ذلك الحرف."ع"مجرد حرف واحد.لكنها شعرت أنه يحمل خلفه الكثير.نهضت من السرير واتجهت نحو النافذ
شيء ما ليس طبيعيًا أحيانًا نشعر أن هناك شيئًا خاطئًا حولنا... ليس لأننا رأيناه بأعيننا، بل لأن قلوبنا تخبرنا بذلك. كانت إيلين تؤمن دائمًا أن الحدس لا يكذب. لكنها لم تتوقع يومًا أن يقودها ذلك الحدس إلى طريق يغير حياتها بالكامل. --- أغلقت شاشة حاسوبها بعد يوم عمل طويل، ثم تنهدت وهي تدلك عنقها







