Masukبيرو – ليما – طريق سريع جنوب المدينة – فجر اليوم التالي كانت سيارة الأجرة البيضاء تسير بسرعة على الطريق السريع جنوب ليما، مبتعدة عن ضواحي العاصمة حيث كانت تقع المنطقة السكنية الهادئة. كان الوقت يشير إلى الثالثة فجراً، والشوارع شبه خالية إلا من بعض الشاحنات وسيارات النقل الثقيل التي كانت تنقل البضائع بين المدن. كان الجو بارداً، والضباب الخفيف يغطي الطريق، والمطر يتساقط بغزارة منذ ساعة. جلس علي في المقعد الأمامي بجانب السائق، وعيناه مثبتتان على المرآة الجانبية. كان يراقب الطريق خلفهم بقلق. لم يرَ أي سيارات تتبعهم حتى الآن، لكنه كان يعلم أن هانز لن يتخلى عنهم بهذه السهولة. كان رجال الإنتربول مدربين على أعلى مستوى، وكانوا يعرفون كيف يتعقبون الهاربين دون أن يشعروا بهم. في المقعد الخلفي، كانت حلى تحتضن ليلى الصغيرة التي كانت نائمة على كتفها، وكان آدم جالساً بجانبها، يحدق من النافذة بصمت. كان وجهه شاحباً، وعيناه تحملان تعباً عميقاً. لم ينم منذ ليلتين، وكان القلق ينهشه من الداخل. السائق، رجل في الخمسين من عمره، كان يتحدث الإسبانية بلهجة محلية: «سيد علي، نحن نقترب من مدينة "إيكا". تبعد حوا
ليما – منزل حلى – بعد ثلاثة أيام كانت الأيام الثلاثة الماضية هادئة بشكل مريب. لم ير علي أي غرباء في الحي، ولم يشاهد أي سيارات مشبوهة، ولم يتلق أي اتصالات غريبة. كان يبدأ يظن أن هانز قد تخلى عن فكرة ملاحقته، أو أنه ضل الطريق. لكنه كان يعلم أن هذا الهدوء هو ما يسبق العاصفة دائماً. في اليوم الثالث، وبينما كان علي جالساً في الحديقة الخلفية يحتسي قهوته، رأى سيارة أجرة تتوقف أمام المنزل المجاور. نزل منها رجلان يرتديان ملابس مدنية، ويحملان حقائب سفر. بدا عليهما أنهما سائحان عاديان، لكن علي لاحظ شيئاً غريباً: لم ينظرا إلى المنزل المجاور، بل نظرا مباشرة إلى منزله هو. نظرة سريعة، ثم تحولت إلى مكان آخر. دخل الرجلان المنزل المجاور، وأغلقا الباب. بقي علي مكانه يفكر. هل هانز أرسل رجالاً لمراقبته من المنزل المجاور؟ هذا الاحتمال كان وارداً جداً. كان علي يعلم أن هانز ذكي، وأنه لن يرسل رجالاً سوداً بسيارات فاخرة. سيرسل رجالاً عاديين، بملابس عادية، ليمتزجوا مع الجيران. نهض علي، ودخل المنزل. أغلق الباب خلفه، واتجه إلى حلى التي كانت في المطبخ. علي بهدوء: «حلى، لا تخافي. لكن أعتقد أنهم وجدونا. رأ
جنيف – مقر الإنتربول الإقليمي – صباح اليوم التالي لوصول علي إلى البيرو كان هانز جالساً في مكتبه، أمامه شاشة حاسوب تعرض خريطة العالم. كان قد تلقى قبل ساعات تقريراً من المخبرين في مطار إسطنبول بأن علياً غادر تركيا على متن طائرة خاصة متجهة إلى أمريكا الجنوبية. لم يعرفوا وجهته النهائية بدقة، لكنهم أكدوا أن الطائرة هبطت في مطار ليما بالبيرو. هانز لنفسه: «البيرو؟ لماذا البيرو؟ ليس لديه أي علاقات هناك. ولا أي أعمال. هذا يعني أنه يختبئ. أو أنه ذهب للقاء حلى.» كان هانز قد علم من مخبريه أن حلى اختفت من لندن قبل أسابيع، ولم يتمكنوا من تتبعها. كانت قد اختفت بذكاء، مستخدمة هويات مزورة وطرق سفر غير مباشرة. كان يعلم أن ليلى (زوجة علي السابقة) هي من ساعدتها، لكنه لم يستطع إثبات ذلك. أخرج هاتفه، واتصل برئيسه الجنرال شتاينر. الجنرال شتاينر: «هانز، أسمعك.» هانز: «سيدي، علي هرب إلى البيرو. هبطت طائرته في ليما قبل ساعات. ليس لديه أي أعمال هناك، مما يعني أنه يختبئ. هذا هو الوقت المناسب للقبض عليه، قبل أن يختفي وسط الغابة أو يغير هويته مرة أخرى.» الجنرال: «البيرو ليست ضمن اختصاصنا المباشر. سنحتاج إلى
بيرو – ليما – ضاحية "سان إيسيدرو" – فجر اليوم التالي كانت الطائرة الخاصة التي استأجرها علي تحلق فوق جبال الأنديز حين بدأت الشمس تشرق من خلف القمم المغطاة بالثلوج. كان المشهد خلاباً، لكن عينيه لم تريا شيئاً. كان يفكر في حلى، في أطفاله، في اللحظة التي سيراهم فيها بعد أشهر من الغياب. كان يعلم أن هذه اللحظة ستكون الأجمل في حياته، لكنه كان يعلم أيضاً أنها ستكون الأصعب. كان عليه أن يشرح لهم لماذا اختفى، ولماذا تركهم، ولماذا عاد الآن. هبطت الطائرة في مطار ليما الدولي في السابعة صباحاً. كان الجو بارداً، والسماء غائمة، والمطر الخفيف يبلل مدرج الهبوط. نزل علي من الطائرة، وحمل حقيبته الصغيرة، واتجه إلى مخرج المطار. لم يكن معه سوى جواز سفر مزور يحمل اسماً مستعاراً، وبضعة آلاف من الدولارات، وهاتف جديد لم يستخدمه من قبل. استقل سيارة أجرة، وأعطى السائق عنوان الحي الذي تعيش فيه حلى. كان العنوان الذي أرسله له سمير المحامي قبل أيام. لم تتصل به حلى منذ أسابيع، لكن سمير كان وسيطه الوحيد للاطمئنان عليها. كانت على قيد الحياة، وكانت آمنة، وكان الأطفال بخير. هذا كل ما كان يعرفه. استغرقت الرحلة من المطار
جنيف – مقر الإنتربول الإقليمي – بعد ثلاثة أيام من اغتيال سنان كان هانز جالساً في مكتبه، أمامه ثلاثة ملفات مفتوحة: ملف سنان – وقد أُغلق نهائياً بعد تأكيد وفاته – وملف جان لوك، وملف علي. كان يقلب صفحات الملف الأخير ببطء، وعيناه الزرقاوان تتحركان كمن يقرأ حكماً بالإعدام. لم يندم هانز على التخلص من سنان. كان يعلم أن الرجل العجوز كان خطراً على الجميع، وأن موته كان ضرورياً لاستقرار المنطقة. لكنه كان يعلم أيضاً أن هذه مجرد البداية. كان عليه الآن أن يتخلص من علي، قبل أن يصبح هو الخطر الجديد. أخرج هاتفه، واتصل برئيسه المباشر، الجنرال شتاينر. الجنرال شتاينر: «هانز، أسمعك.» هانز: «سيدي، سنان مات. لقد انتهى الكابوس الأكبر. لكن لا يزال هناك علي. هو الآن الرجل الأقوى في شبكة سنان. لديه المال، والرجال، والعلاقات. إذا تركته، فسيصبح نسخة جديدة من سنان، بل ربما أسوأ.» الجنرال: «وماذا تقترح؟» هانز: «أقترح أن نبدأ التضييق عليه. أصوله في أوروبا كثيرة: شركات، عقارات، حسابات بنكية. إذا جمّدناها كلها، فسيخسر قوته المالية. وعندها، سيكون ضعيفاً، وسيسهل القبض عليه.» الجنرال: «هل لديك أدلة كافية لتجميد أ
فيينا – فندق إمبريال – الساعة الثامنة مساءً كان سنان جالساً في جناحه الفاخر في الطابق الرابع من فندق إمبريال. لم يأتِ لإتمام صفقة وهمية، ولم يأتِ للقاء جان لوك. جاء لشيء واحد فقط: أن يثبت لأعدائه أنه لا يخاف. لقد ألغى رحلته السابقة بعد تحذير رفيق، لكنه هذه المرة قرر أن يأتي رغم علمه بالخطر. كان يعلم أن هانز يتربص به، وكان يعلم أن جان لوك يخطط لقتله. لكنه كان مصمماً على ألا يبدو جباناً. كان يرتدي بدلة بيضاء أنيقة، وربطة عنق حمراء، وساعته الذهبية تلمع تحت ضوء الثريات الكريستالية. كان وجهه شاحباً، ويداه ترتجفان، لكن عينيه كانتا لا تزالان حادتين. إلى جانبه، كان علي جالساً بظهر مستقيم، وعيناه ترمقان الباب بترقب. كان علي قد حاول إقناع سنان بعدم المجيء، لكنه فشل. سنان كان عنيداً، وكان مصمماً على إنهاء هذه الحرب بطريقته الخاصة. سنان: «لا تخف يا علي. لن يحدث شيء. الحراس في أماكنهم، والشرطة على بعد دقائق. إذا حاول جان لوك أي شيء، فسندمره.» علي: «هذا ليس مكاناً آمناً. فندق مكتظ، والجو بارد، والحراس لا يعرفون طرق الهروب. يجب أن نغادر.» سنان: «لن أغادر. جئت لأرسل رسالة. سألتقي بجان لوك وجهاً