Masukالبحر الأحمر – على متن سفينة الشحن "أميد" – بعد ثلاثة أيام من اجتماع التصويت كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً، والبحر هائجاً، والرياح تعصف بسطح سفينة الشحن "أميد". كانت السفينة تبحر تحت علم بنما، وتحمل في حاوياتها أسلحة وذخائر تقدر قيمتها بنحو مئة وعشرين مليون دولار، متجهة من ميناء في رومانيا إلى ميناء بورتسودان في السودان. كانت الشحنة تابعة لسنان، وكانت أكبر صفقة يمررها خلال الأشهر الستة الماضية. على سطح السفينة، كان خمسة من رجال سنان يتناوبون الحراسة. كانوا مسلحين بأسلحة رشاشة، ويرتدون سترات واقية من الرصاص. كانوا متعبين، فالسفينة أبحرت منذ خمسة أيام، وبقي يومان للوصول إلى الميناء. كانوا يتطلعون إلى العودة إلى ديارهم، إلى عائلاتهم، إلى الحياة الطبيعية التي حرموا منها بسبب طبيعة عملهم. لكنهم لم يكونوا يعلمون أن ثلاثة زوارق سريعة كانت تقترب منهم من جهة الشرق، مطفأة الأنوار، محملة بعشرين من رجال جان لوك المدججين بالسلاح. كانت الزوارق تتحرك بصمت، ولا يصدر عنها أي صوت سوى خرير الماء المتقطع. كان رجال جان لوك يرتدون بدلات غطس سوداء، وأسلحتهم مغلفة بأكياس بلاستيكية لحمايتها من الماء ا
عاد الرجال الأحد عشر إلى قصر سنان للمرة الثانية خلال أسبوع. كانت الأجواء مختلفة هذه المرة؛ لم تكن هناك مقدمات طويلة ولا أحاديث جانبية. كان الجميع يعلم أن هذا الاجتماع سيكون حاسماً. في الأسبوع الماضي، أعلن سنان مرضه واعتزاله الوشيك، وطرح ثلاثة مرشحين لخلافته: أورهان التركي، ونزار السوري، وعلي. ثم طلب منهم أسبوعاً للتفكير والتصويت السري. والآن، حان وقت إعلان النتيجة. جلس سنان على رأس الطاولة، ووجهه شاحب أكثر من الأسبوع الماضي، وعيناه غائرتان، لكن نظراته كانت لا تزال حادة. إلى جانبه، كان علي جالساً بظهر مستقيم، يحاول ألا يظهر قلقه. كان يعلم أن مصيره قد يتحدد اليوم. لم يكن يطمح لأن يصبح قائداً لهذه الشبكة؛ كان يريد فقط الخروج من اللعبة حياً. لكنه كان يعلم أيضاً أن الرفض قد يعرضه للخطر. إلى يسار سنان، جلس أورهان التركي، وكانت عيناه الصغيرتان تتحركان بسرعة، تحاولان قراءة ما يخفيه سنان. وإلى جانبه، جلس نزار السوري صامتاً كالعادة، ووجهه لا يعبر عن أي مشاعر. باقي الحضور كانوا متوزعين حول الطاولة، ينتظرون. سنان بصوته العميق: «أصدقائي، لقد مضى أسبوع على اجتماعنا الأخير. أتمنى أن تكونوا قد فك
بيرو – ليما – مدرسة سان إغناسيو الدولية – بعد أسبوع من الوصول كانت الشمس مشرقة فوق العاصمة البيروفية، تلقى بظلالها الذهبية على مباني المدرسة الحديثة الواقعة في حي "سان إيسيدرو" الراقي. كانت المدرسة مختلفة تماماً عن تلك التي اعتاد عليها آدم في لندن؛ جدرانها ملونة باللون الأصفر الفاتح، وفصولها مفتوحة على حديقة واسعة، ورائحة الزهور الاستوائية تملأ المكان. لكن آدم لم يكن يرى جمال المدرسة. كان يرى فقط العيون التي كانت تترصده من كل مكان. دخل إلى فصله الجديد بعد أسبوع من التأخر بسبب وصولهم المتأخر إلى بيرو. كان يرتدي زياً مدرسياً أزرق، وشعره الأسود مصفف بعناية. حاول أن يبدو واثقاً، لكن قلبه كان يخفق بسرعة. المعلمة، سيدة في الأربعين من عمرها تدعى "إيزابيلا"، بابتسامة دافئة: «مرحباً بك يا آدم. هذا هو صفك الجديد. آمل أن تشعر بالراحة معنا.» آدم مبتسماً متكلفاً: «شكراً لكِ سيدتي.» جلست المعلمة آدم في مقعد في الصف الأمامي، بجانب نافذة تطل على الحديقة. كان الطلاب ينظرون إليه بفضول. بعضهم ابتسم، وبعضهم نظر إليه بشفقة، وآخرون لم يهتموا. مر اليوم الدراسي الأول بهدوء نسبي. تعرف آدم على بعض الطلا
لم تنم حلى تلك الليلة. جلست على الأريكة في غرفة المعيشة، تحدق في هاتفها الذي كان يرن بصمت منذ ساعة. كانت المكالمات من رقم لا تعرفه، تكرر خمس مرات. لم ترد على أي منها. كانت تعلم أن من يتصل بها ليس علياً، ولا نور، ولا أي شخص تثق به. كانت تعلم أن الأرقام المجهولة في هذه الأيام تحمل أخباراً سيئة فقط. كانت السماء لا تزال مظلمة، والشارع خارج النافذة هادئاً، لا تسمع فيه سوى خرير المطر الخفيف الذي بدأ منذ ساعة. كانت لندن باردة في هذا الوقت من العام، والرياح تعصف بأشجار الحديقة الصغيرة أمام المبنى. جلست حلى ترتدي رداء حمام أبيض قصيراً، وشعرها الأسود منسدلاً على كتفيها في حالة من الفوضى الجميلة، وعيناها الحمراوان تشهدان على ليلة أخرى من الأرق والتفكير. في الساعة الخامسة صباحاً، اهتز هاتفها مجدداً. هذه المرة، كان الرقم معروفاً. كان من ليلى. ردت بسرعة. ليلى من الطرف الآخر، بصوت منخفض حذر: «حلى، لدي أخبار. ليست جيدة.» حلى: «أنا مستعدة لسماع أي شيء. تكلمي.» ليلى: «هانز. الضابط السويسري. لقد اتصل بجان لوك قبل يومين. عرض عليه التعاون للقبض على سنان وعلي معاً. لدي مصادر تؤكد أن هانز يخطط لخيانة ا
إسطنبول – شقة رفيق – منتصف الليل كان رفيق جالساً أمام شاشته في غرفة مظلمة صغيرة في حي "بشيكتاش" الشعبي. لم يكن المكان يليق بعبقرية الرجل الذي اخترق أنظمة بنوك سويسرية وشبكات اتصالات عالمية؛ غرفة لا تزيد مساحتها عن اثني عشر متراً مربعاً، جدرانها مطلية باللون الأبيض المتسخ، ونافذتها تطل على جدار المبنى المجاور. لكنها كانت تحتوي على ما يحتاجه: ثلاثة أجهزة حاسوب بشاشات كبيرة، ومجموعة من الأجهزة الإلكترونية التي لا يعرف وظيفتها سواه، ومروحة سقف قديمة تدور ببطء لتخفف من حرارة الصيف. كان رفيق يرتدي قميصاً أبيض قديماً وسروالاً رياضياً رمادياً. شعره الأسود المجعد كان منكوشاً، وعيناه الخضراوان تلمعان بذكاء حاد خلف نظارة طبية رفيعة. كان يتابع حركة البيانات على شاشته الرئيسية، حيث كان قد زرع برنامج تجسس في خادم الإنتربول الرئيسي في ليون قبل أشهر، بناءً على طلب سنان. كان البرنامج صامتاً، لا يترك أثراً، وينسخ كل ما يمر عبر قنوات الاتصال الخاصة بملف سنان وعلي. في الليلة الماضية، لاحظ رفيق شيئاً غريباً. كان هناك نشاط غير عادي على خط هانز الخاص. مكالمات مشفرة، ورسائل تبادلها مع رقم لم يعرفه من قبل.
جنيف – مقر الإنتربول الإقليمي – صباح اليوم التالي كان هانز جالساً في مكتبه، أمامه ثلاثة ملفات مفتوحة: ملف سنان، ملف جان لوك، وملف علي. كان يقلب صفحاتها ببطء، وعيناه الزرقاوان تتحركان كمن يبحث عن شيء محدد، شيء قد فاته في القراءات السابقة. كانت الستائر مسدلة، والمكتب شبه مظلم، والمصباح المكتبي الصغير هو المصدر الوحيد للضوء، ليرسم هالة صفراء باهتة حول وجهه المتعب. منذ يومين وهو يتابع تداعيات مقتل فؤاد. لم تذكر الصحف الخبر، ولم تعلن الشرطة عن أي تحقيق. كانت الجثة قد دفنت بصمت، وعائلة فؤاد أُخبرت بأنه مات في حادث سيارة. لكن هانز كان يعلم الحقيقة. مخبروه في إسطنبول أخبروه أن فؤاد قُتل برصاصة في الرأس، وأن جان لوك هو من أمر بذلك، انتقاماً لتفجير مستودعه في مرسيليا. وكان يعلم أيضاً أن سنان يخطط للرد. لم يكن يعرف كيف، لكنه كان يعلم أن الرد قادم، وأنه قد يكون أكبر مما يتوقعه الجميع. وكان يعلم أن هذه الحرب بين جان لوك وسنان قد تخرج عن السيطرة، وقد تودي بحياة أبرياء كثيرين. وإذا حدث ذلك، فإن ملفاتهم جميعاً ستصل إلى رؤسائه، وعندها سيخسر كل شيء: وظيفته، حريته، وربما حياته. هانز ليس غبياً. لقد أ







