ログインالفصل السابع
حنان فياض.
"ومات أبي يا شاهين ... غادر العالم خفيفاً ونقياً كما عاش. تناولنا عشاءنا الأخير معاً وسط دفء العائلة الصغير، ثم خلد إلى النوم ولم يستيقظ من جديد. نام نومته الأبدية وتركني وحيدة في العراء بلا سند. صرختُ في تلك الليلة لساعات وساعات حتى بحّ صوتي تماماً وتمزقت حنجرتي، وتحول الألم في معدتي إلى ثورة تقيأتُ معها الدماء القانية عوضاً عن الطعام الذي امتنعتُ عنه كلياً. في تلك الأيام السوداء، لم أكن أملك القدرة على الكلام، بل كان الصراخ وحده هو لغتي البديلة. "بالكاد تماسكتُ في سرادق العزاء الذي توافد عليه الآلاف؛ تجمهر الناس وزملائه وأصدقائه القدامى حتى ضاق بهم المكان وافترشوا الشوارع المحيطة حزناً على رحيل "فياض". لكن المفارقة التي قطعت ما تبقى من قلبي، أن زوجته وابنه (أخي) لم يأتيا! غابا تماماً كأنهما مسخان من جمود، وصفات السوء في العالم أجمع لا توفيهما حقهما من الخسة والبرود.""والأغرب من ذلك كله، كان ظهور المساعد اللعين، الثعلب الذي خان أبي وصعد على أنقاضه. تقدم نحو السرادق بخطوات وثيقة ليقدم واجب العزاء الذي كنتُ أتلقاه وأقف بجانب السيد حفني عامر والعديد من أصدقاء أبي الأوفياء. صافحهم جميعاً بوقار مصطنع ولم يتبقَّ سواي. امتدت يده الباردة نحو يدي منتظراً الكلمة التقليدية "سعيكم مشكور"، لكنه نالها... ونال معها ما هو أكثر بكثير".
صافحته بحفاوة فجائية، بحمية شديدة وقوة غاشمة من الغلّ المعتق آلمت يده وعصرت عظامها، ثم نظرتُ في عينيه وقلتُ بصوتي المتنحي والمبحوح من أثر الصراخ: * "العاقبة عندك يا رئيس... وسوف أتلقى العزاء فيك بنفسي قريباً جداً!" ارتجفت ملامحه وحاول أن يبتسم ببرود دارس متظاهراً باعتبارها تهكماً عابراً، ثم انتزع يده من يدي بالكاد وغادر السرادق كمن يفلت من لعنة. في تلك اللحظة، مال عليّ المدير الإقليمي حفني عامر، وهمس في أذني بنبرة حذرة: * "حنان عزيزتي... لا تدعي الحزن يُذهب عنكِ الكياسة. أنتِ تعملين في نفس البنك الذي أصبح هذا الرجل مديراً لقسم الاقتراض فيه." زجرته بنظرات تشع كراهية، وقذفتُ كلماتي في وجهه بلا مبالاة: * "اتنيل يا حفني!... أنت المدير الإقليمي وجميعكم في النهاية عبيد مأجورون لهذا البنك اللعين... والله لأهدمه فوق رؤوسكم جميعاً!" لم أكد أستجمع أنفاسي حتى تقدم مني شخص آخر، كان آخر توقعاتي في الحياة أن يظهر في هذا الوقت بالذات. مدّ يده لمصافحتي، فنظرتُ إليه بامتعاض شديد وتقزز فاضت به روحي: * "اتنيل أنت الآخر... ما الذي جاء بك إلى هنا يا عمر؟" أجابني عمر بلهفة وعيناه تتفحصان شحوبي: * "حنان! ما الذي حدث لصوتكِ؟ هل أنتِ مريضة؟!" * "نعم... مريضة عقلية! وإن لم تغرب عن وجهي حالاً، فقد أقتلك أنت وأمك." * "حنان، أنا..." قاطعته بحدة شرسة: * "اخرس يا هذا! اخرس تماماً، فهذا اليوم مخصص لأبي ووحده من يستحق الاحترام هنا." وفجأة، ارتد صوت سمج من خلفه: * "هيا بنا يا عمر... يبدو أن البنت قد جُنت رسمياً!" كان هذا حسن، زوج حسناء أخت عمر الكبرى. التفتُّ إليه وأجبته بنبرة لا ترحم: * "مرحباً بالعنوس... زوج العنوس! ولكن في الحقيقة، كان لا بد لك أن تتزوج من عانس عجوز كي تتحمل وجهك القبيح هذا عند الصباح والمساء!" احتقن وجه حسن بعصبية مفرطة، وصاح بي أمام المعزين: * "لن أجيب امرأة سيئة السمعة مثلكِ!" صرختُ فيه بلا وعي: * "أمك هي سيئة السمعة... ضاجعت خروفاً لتأتي بمسخ مثلك إلى الدنيا!"تكتم حفني عامر بالكاد على ضحكاته ودارى وجهه، بينما "ابن الخروف" أي زوج حسناء أخت عمر الكبرى استشاط غضباً وهمَّ برفع يده ليصفعني أمام الجموع. ولكن، ولشدة دهشتي، منعه عمر بقوة ودفعه إلى الخلف، في حين تدخل حفني عامر بوقاره القيادي موجهاً حديثه لحسن:
* "عيب عليك يا حسن... عيب كبير أن تضرب امرأة ولأي سبب كان." أجابه حسن بغضب أعمى وهو يشير إلينا: * "والصحيح هو إقامة علاقة معها وحبلها منك، أليس كذلك أيها المدير الإقليمي؟!" تبدلت ملامح حفني إلى الصرامة المميتة، وقال بصوت حاد: * "تم خصم راتبك لهذا الشهر وحرمانك من حوافزك لتلك السنة! وكلمة أخرى زائدة، وسوف تجلس بلا عمل بجانب زوجة الخروف... أتعرفها؟" * "أنت رجل..." قالها حسن وهو يهم بسب المدير الإقليمي، لكن عمر قاطعه وسحبه بالقوة، مجرجراً إياه إلى خارج سرادق العزاء. شيعهم المدير الإقليمي بنظرات هادئة ساخرة، وهتف بصوت مسموع: * "أمسوا ثلاثة أشهر إيقاف عن العمل أيضاً... شكر الله سعيك يا حسن!"التفتَ حفني إليّ وأنا أبصق في أثرهما مودعة "الخروفين"، ونظر في عيني وقال بابتسامة غريبة:
* "والله يا حنان، لم أضحك منذ شهور طويلة كما ضحكت اليوم في عزاء أبيكِ... لطالما كان فياض رجل حظ وفرفشة ومحباً للحياة... رحمه الله."ضحكتُ أنا الأخرى وسط دموعي؛ ضحكتُ في عزاء أبي "الفرفوش"، فلطالما كره أبي الكآبة والوجوم، وكان يعشق الفرح ويبثه في كل المناسبات، وأنا مشيتُ على نهجه. ساندني حفني عامر في تلك الليلة كما لم يساندني أحد قط رغم كل ما صدر مني حقه والنقود التي سرقتها منه بالابتزاز وخلافه. رافقني كظلي حتى انتهى العزاء وغادر آخر المعزين، ودفعتُ أنا بنفسي مقابل السرادق وأجر القارئ، ثم رافقته حتى سيارته المصفوفة أمام المكان.
أخرج حفني من سترة بدلته رزمة النقود الضخمة ذاتها من جديد، وعرضها عليّ بنبرة ملحة:
* "هذه المرة، لن أقبل منكِ أي رفض."
* "صدقني يا فندم، أنا..." قاطعني بإصرار أمين: * "قلتُ لن أقبل الرفض! لكم تمنيت في حياتي أن تكون لي ابنة قوية مثلكِ تقف في سرادق عزائي... والآن، لا أعلم من سوف يشيعني." أجبته بتهكمي المعتاد لأداري غصتي: * "أنا ابنتك كذلك... مت أنت أولاً ولا تلقِ بالاً لتلك الأمور!"ضحك من قلبه وقال:
* "لعينة... ولكنني أحبكِ."
ثم كسر الحواجز وضمني إليه... ضمني إلى أحضان أخرى بخلاف أحضان أبي الدافئة الراحلة، وأحضان عمر المتوجسة الخائفة. تلك الأحضان من حفني كانت تشع بالأمان؛ أمان فقدته بفقدان أبي، وعاد إليّ للحظات عندما ضمني الرجل إليه بلا رغبة دنيئة، ولا ارتجاف طامع، ثم قال وهو يودعني: * "أخبريني عن أحوالكِ على الدوام يا حنان... لا تبخلي عليّ بمكالمة ولو شهرية." * "حاضر."ركب حفني سيارته وغادر، وتركني وحيدة في مواجهة الفراغ القاتل من حولي ومن داخلي؛ فراغ يكويني ويضني روحي بعدما مات الأب، والسند، والعون.
وفجأة، اخترق الصمت صوت مألوف ومقيت: * "أنتِ عشيقتة حقاً... أم ماذا؟" التفتُّ بحنق شديد لصاحب الصوت، وصرختُ بصوت مبحوح: * "هل ما زلت هنا يا حقير؟ ماذا تفعل عندك؟" تقدم مني عمر بخطوات بطيئة، وقال وعيناه تشتعلان بالشك: * "كان يحتضنكِ!" * "أعرف... وما شأنك؟" * "لماذا؟!" * "وما شأنك أنت؟ اذهب لأمك وزوجتك الساقطة!" فجأة، امتدت يده وأمسكني من رسغي بجفاء وجذبني إليه بقوة، وقال بفحيح حاقد: * "زوجتي سلمت نفسها لي فحسب... على عكسكِ تماماً."شاهين عز الدينلطالما كنتُ نحساً ولا أنكر، نحساً لا رادع له ولا كوابح. لقد كنتُ لعنة مصبوبة على كل من اقتربتُ منه أو اقترب مني.. حتى حنان لم تسلم من ذلك النحس. النحسُ يُصيبهم والخير كله يتدفق عليّ، وكأنني أقتات على خرابهم لأشيد مجدي.كانت البداية مبكرة للغاية؛ لم يكد جسدي الصغير يخرج إلى النور حتى طُلقت أمي من أبي مباشرة في ذات الليلة. حملتني رضيعاً يصرخ، ومضت بي إلى منزل جدي "عز الدين"، ألقتني هناك على عتباتهم وولت مدبرة، وكان هذا أفضل وأكرم ما فعلته في حياتها برمتها. فحتى إنجابي ومجيئي إلى هذا العالم كان خطأً فادحاً لا يُغتفر، خطأً مني أنا تحديداً وليس من أبي فحسب.أبي لم يتزوجها حباً؛ بل تزوجها لأنها كانت عنساً قبيحة الشكل، سليطة اللسان، ولكنها ثرية للغاية. ورغم ذلك، كانت حريصة أشد الحرص على مالها، شحيحة بقبضتها، فلم تنوّل أبي مبتغاه ولم تمنحه مفاتيح خزائنها، فسرعان ما هجرها غاضباً، وسرعان ما هجرتني هي الأخرى تبعاً له. وأنا اليوم شاكر كل الشكر لجحودها ذاك؛ فلولاه لتذوقتُ مرار اليتم والذل باكراً، ولم أكن لأنعم بطفولة سوية تذكرني أيامها البهية بحناني المقيم.كنتُ طفلاً مدللاً لأقصى ا
عمر عبد المولى.كانت حنان تقف هناك بلا مساحيق تجميل، ولا بأردية لا تفضل ارتداءها إلا إرضاءً لبروتوكولات الحياة الأرستقراطية الجديدة التي فُرضت عليها فرضاً؛ جلباب حريري فيروزي اللون، فضفاض يغطي جسدها بالكامل، وشعرها الغجري طليق ثائر على كتفيها، وليس مثبتاً بمائة دبوس من المجوهرات كما كانت تبدو في الحفل الباذخ قبل ساعات قليلة.لم تكن تلك الهيئة البسيطة المباغتة هي التي انتظرتُ رؤية زوجة رجل فاحش الثراء عليها؛ فقد انتظرتُ —في مخيلتي المريضة— رؤيتها مكسوة بالمجوهرات المكلفة، والملابس العارية الفاخرة التي تظهر مفاتنها المنسية؛ تلك المفاتن التي لا تفارق خيالي ولا تفك أسر عيني. فلقاءاتنا القديمة الساخنة في غرفتي المتواضعة بمصر، وتحت سقفها المتشقق، كانت هي سكني وملاذي الوحيد من الضيق والفقر والعدم الذي شمل حياتي كلها وتمدد فيها منذ فراقها.نظرتْ إليّ حنان بنفس نظرة التقزز والازدراء القديمة، كأنها تطالع حشرة ضالة اقتحمت ردهة قصرها، إنما لم تستطل نظراتها تجاهي كالعادة، وعادت فوراً بكليتها للزوج المحمول على أكتاف الحرس بدمائه وثمالته. طلبت من الرجال بصوت باكٍ مخنوق بالعبرات أن يمددوه على أريكة مخ
عمر عبد المولى.سارعتُ بالتقدم إليه لأبرئ ساحة حنان وأدافع عن كبريائي، إنما تعس الحظ كان لي بالمرصاد كما اعتدتُ دائماً منذ أن تركتني. فما إن خطوتُ خطوة واحدة تجاهه، حتى راحت قدمي اليمنى في رحلة تزحلق عنيفة على الإسفلت المبتل، وسقطتُ أنا على ظهري كحمار أعنته الحمولة الزائدة!انفجر شاهين ضاحكاً على حالي المخزي، وتقدم مني وهو يغالب قهقهاته ليعاونني على النهوض. إنما باءت محاولاته بالفشل الذريع؛ لأن وزني يفوق وزنه بأرطال عديدة. لكنه لم يستسلم، وسحبني بقوة غاشمة كادت أن تخلع كتفي الأيمن من موضعه.. ويزعم بعد كل هذه القوة أنه مريض!قلتُ له متوسلاً وأنا أتحامل على جسدي:"إنها تحبك أنت يا سيد شاهين.. تحبك أكثر مما أحبتني يوماً. حنان لا تتحمل أي ضغط، وهي تعيش في ضغط دائم ومثير معك."رد وهو يجذبني:"ليس الآن يا عمر.. هيا ساعدني لتنهض.. تباً كم يبلغ وزنك اللعين؟!"تابعتُ وأنا على الأرض:"حنان لا تحاول إسعاد أحد.. حنان تستحوذ على الرجل فحسب وتطوعه ليكون المخلوق الذي تريده هي! ليس في وسعك ترويضها بل هي من تروضك.. هل تفعل ذلك معك الآن؟"فجأة، انزلقت يده عن يدي، وبدا على وجهه الكدر والهم الشديد؛ وحينه
عمر عبد المولى استجمعتُ آخر نبتة شجاعة نمت بداخلي وشاخت بهجر حنان، وقلت بصوت مرتجف:"سيد شاهين.. هل لي أن أسألك أنا هذه المرة؟""بالطبع يا عزيزي.""هل أنت.. هل أنت سعيد مع حنان؟"قام عن الكرسي في بطء، وتمشى لخطوات واضعاً كفيه على فخذيه وحتى ركبتيه بتألم كاشف لشيخوخته؛ فقد كان يتنهد بعمق ويكتم آلام جسده المتهالك. أما عيناه الشاخصتان فقد ارتكزتا على القمر المكتمل في تلك الليلة، ثم قال بنبرة دافئة:"نعم.. سعيد كل السعادة. لم أكن بتلك السعادة منذ سنوات عديدة؛ منذ عملت كمراسل حربي لأول مرة في حياتي ووقفت أمام الكاميرا.. حنان هي الكاميرا يا عمر! وكأنها مبرمجة لترى في داخلي ما لا يراه أحد سواها، حتى أنا.. ترى فيّ أشياء ظننتُ أنني فقدتها وضاعت مع العمر، إنما هي تستعيدها بكل سهولة. معها أشعر أنني شاب في العشرين من عمري، أمامي العالم أجمع لأخوضه وأفتحه.. فقد شختُ باكراً لأكون (شاهين عز الدين).. ومع حنان، أنا أعوض كل ما فاتني."سألته بمرارة:"وما الذي قد يفوتك وأنت تملك كل شيء في هذا العالم؟"أجاب وهو يلتفت إليّ:"الحياة الطبيعية يا عمر.. امرأة تحبك لشخصك وتتفانى لإرضائك، بينما أنت مجرد وغد متك
عمر عبد المولى.تركني شاهين وابتعد عن السياج الحديدي، متجهاً بخطوات متثاقلة نحو المقاعد المصفوفة على طول الرصيف المحاذي للمحيط. انحاز لمقعد ذي قوائم حديدية مدهونة بالأزرق، مبطن بقطاعات طولية من خشب السنديان تضمن جلسة مريحة. جلس عليه بثقل هائل، وبدا أن هواء البحر الممتزج بالرطوبة قد زاد من حدة ثمالته وسكره.في تلك اللحظة، تمنيتُ من كل قلبي أن يقرر العودة سريعاً إلى حنان قبل أن يسقط صريعاً أمامي وأُتهم أنا بقتله! هذا الخاطر المرعب كان يتآكلني من الداخل منذ أن رأيته برفقتها في الحفل؛ إذ حدثتني نفسي اللئيمة أنه لو تعثر هذا العجوز بحجر في الطريق، سأكون أنا المتهم الأول بنقل ذلك الحجر ليغدو أسفل قدميه. فأنا المدان دوماً في رواياتهم؛ خطيب الزوجة السابق الذي ظهر فجأة من العدم في اجتماع عمل، ثم في حفل باذخ لا ناقة له فيه ولا بعير.اقتربتُ منه والوجل يخلع قلبي، وقلت بقلق مصطنع:"هل أنت بخير يا سيد شاهين؟"التفت إليّ بعينيه الزائغتين وسألني فجأة:"بماذا كانت تدللك حنان؟"امتعضتُ من أسئلته السخيفة التي تنبش في قبرها، والتوى فمي بحنق مكتوم، إنما قلت في النهاية:"لا شيء.. لم تكن تدللني.""وأنت.. بم
عمر عبد المولىترك شاهين تحديقه في المحيط تماماً، واستعاض عنه بتصويب عينيه الثعبانيتين نحوي، وقال مفككاً عقدي:"أنت طامع يا عمر.. وطمعك يكمن في أشياء لا يصح لأمثالك الطمع بها من الأصل؛ لأنها تحمل مقاييس محددة وثابتة، وغير قابلة للتمدد لتناسب رغباتك."في الواقع، لم أفهم مطلقاً ما الذي كان يرمي إليه شاهين بكلماته الفلسفية المعقدة تلك، فقلت مدافعاً عما أعرفه عن نفسي:"أنا لم أطمع يوماً في شيء ليس من حقي."ابتسم لي شاهين بابتسامة تفيض بالأسى على حالي وعلى غبائي في آنٍ واحد؛ لأنه أدرك فوراً أنني أجهل ما يعنيه، وقال موضحاً بلهجة الأستاذ المصحح:"الطمع المحمود والمنطقي يا عمر يكون في السعي نحو وظيفة أفضل.. نقود أكثر.. إنما البحث عن إنسان أفضل فهذا هو الغباء والدحض بعينه؛ فلن تجد الإنسان الأفضل على الإطلاق أبداً. أنت كنت مجرد شاب منبوذ في محيطك، وفجأة أعجبت بك أميرة متمردة مثل حنان.. في تلك اللحظة ارتفع سقف طموحك بشكل مرضي لأنك لم تعد تشعر بالنبذ والعقد كما السابق، ولذلك اتجهت فوراً إلى المقامرة."قاطعته بحنق:"أنا لم أقامر يوماً في حياتي!"بدا عليه الضيق الشديد من قلة حيلتي، وقال متأففاً بسأ
الفصل الثامن "في تلك اللحظة... بكيتُ يا شاهين ! والعجيب أنني لا أعلم حتى الآن سبب تلك الدموع فقد كان عمر لي لا شيء على الإطلاق وآخر همي رأيه في شخصي وأخلاقي. إلا إنني وجدتني أبررت له موقفي، بررتُ لرجل لم يعد يعنيني، فتبريراتي لم تكن لتجد تصديقاً عند أحد: * "لو كان في نيتي العهر والدناسة... لصرتَ
الفصل السادسحنان فياض. أمسك شاهين بياقة قميصي بقوة فجائية وهو يستمع إليّ، وكانت أنفاسه تكاد تنقطع من صدره إثارةً وذهولاً، فأكملتُ بصراخ ونبرة درامية حادة بلغت ذروتها وقلت لزوجي:"صرختُ بأعلى صوتي! فضيحة مدوية ومتقنة هزت أركان البنك الإقليمي وتجمع لها الموظفون والحراس في ثوانٍ معدودة! بكيتُ بحرقة
الفصل الخامس حنان فياضلفظت كلماتي في رعب" كل ما ربطني بعمر .. قصة عشق طفولية.. لم ينال مني عمر أي شيء كما رأيت .. كنت عذرائك وأنت رجلي الأول.. .. هل أكمل لكِ قصتي .. أريدك أن تعرف عني كل شيء .. أن تسمع مني قبل أن تحكم عليَّ"بدى عليه الملل والسقم الشديد وقال" أنتِ هنا لمتعتي فقط .. إنما أرى أن ال
حنان فياض"لستُ حبيبتك!" صرختُ بعصبية عارمة أحرقت حنجرتي الجافة، وانتفضتُ في مكاني وأنا أشد الملحفة حول جسدي: "أنا زوجتك في صفقة تجارية بحتة دفعتم ثمنها لإنقاذ عائلتي، لستُ حمقاء أو ساذجة لأصدق أنك أحببتني وتعلقت بي بين ليلة وضحاها!"توقعتُ أن يثور غضبه كالصقر الكاسر، لكنه فاجأني بهدوء مريب، وارتسم







