FAZER LOGINالفصل الخامس والعشرين.عطيات عز الديننظرتُ إلى ألمي وأملي، إلى ابنتي التي تقف أمامي في نفس الوقت، وقلتُ لها بحسم:"قومي فوراً للاستحمام، وبدلي ملابسكِ الرثة تلك... شاهين سيكون هنا الليلة، ولكن بشرط واحد."قالت ابنتي بلهفة عشقٍ استعرت بنيران الغدر، وإخمادها سيكلفني ويكلفها الكثير:"ما هو الشرط يا أمي؟""سيكون بيننا وبينه عراك كبير الليلة، وعليكِ أن تناصريني وتصطفي إلى جانبي على الدوام... حتى ولو اضطررنا لقتله ودفنه سويةً."حدجتني حنان بغرابة ودهشة، فقلتُ لها مطمئنة لأزيح الجزع عن وجهها:"قلتُ لو اضطررنا يا عزيزتي... 'لو'... لن أقتله بالطبع حتى يكتب لكِ كامل ثروته أولاً."حينها فقط تبدد الخوف عن وجهها، ووضعت رأسها ساكنة على حجري كعادتها القديمة وقالت بوجه شاحب:"عند عودتكِ من الخارج... ابتاعي لي أي طعام، أنا جائعة."ثبتُّ رأسها وقلت بصوت صارم:"اضربي عن الطعام من الآن فصاعداً... أريد لشاهين أن يراكِ معتصرة من الألم، هازلة وضئيلة من الضعف لأنه هجركِ... ذلك المنظر المكسور سوف يرضي غروره النرجسي كرجل."توسلتْ:"سأدعي ذلك أمامه وأمثل الدور... لكن ابتاعي لي طعاماً أرجوكِ، لم أتناول كسرة خبز
الفصل الرابع والعشرين حنان فياضعشرة أيام كاملة مرّت منذ أن تركني ذلك اللعين الحقير المدعو "شاهين" لمصيري، محبوسة في شقتي التي تحولت إلى قطعة من الجحيم المستعر. درجة الحرارة اليوم تلامس الستين مئوية، والمكيف الوحيد المهترئ في الشقة يئن بعجز، غير قادر على مجاراة هذا الصهد الخانق الذي يملأ أركان أبوظبي. شعرتُ بالحرارة تذيب خلايا عقلي وتفكيري، وفي لحظة ضعف قاتلة ومذلة، انتزعتُ هاتفي المحمول من جيب بنطالي الجينز؛ فكّرتُ، بل أوشكتُ أن أتصل بشاهين، أن أبتلع كبريائي وأعتذر منه، لعله يحنّ عليّ ويصحبني مجدداً إلى قصره المخملي، حتى وإن عشتُ هناك خادمة تحت قدميه لما تبقى من عمره... فحتى تلك الغرفة الفندقية الضيقة التي كرهتها في ليلة زفافنا، بتُّ أتمنى ريحها وتكييفها البارد الآن.كم كنتُ جحوداً ومجحفة بحق شاهين، أو بالأحرى، كم كنتُ عمياء ومجحفة بحق الرفاهية المفرطة التي كان يطوقني بها! إنما هذا الشيء الثقيل الذي يدعوه البعض بالكرامة، هو ما ألزمني الصبر بلا سلوان، رغماً عن أنني أموت حرفياً في هذه الشقة يا أمي.التفتتْ إليّ أمي، وكانت ملامحها واهنة وشاحبة، وأظنها تلفظ أنفاسها الأخيرة داخل هذا الفر
الفصل الثالث والعشرينإيزابيل أوزلدطلب مني شاهين ذات يوم أن أصطحب عروسه للتسوق؛ كان يشعر بخجل شديد من ملابس المراهقين "الهيبيين" الفضفاضة والغريبة التي ترتديها على الدوام. وافقتُ بالطبع، لكن العروس لم تلتفت لرأيي ولو لمرة واحدة. كانت تعرف تمام المعرفة أنني ذات حيثية ونفوذ مستطير عند شاهين، ومنذ اليوم الأول حاولت بنعومة أفعى أن تسحب تلك الحيثية من منصبي؛ جعلتني خادمتها الخاصة، بل ومن تحمل عنها حقائب التسوق الثقيلة! وللعجب، لم أمانع؛ فقد كانت لطيفة معي بشكل مربك، وتتعمد ملامستي كثيراً وكأننا صديقتان حميميتين منذ الأزل.كانت جميلة حقاً، ولا ألوم توق ووله شاهين بها؛ تملك جسد عارضات الأزياء، نحيفاً، مصقولاً، دون أي صدوع أو عيوب تشوبه، بشرة خمرية ملساء كقطع المرمر النادرة. رأيتُ ذلك بوضوح لمّا بدلت حنان ملابسها لتختار فستان العرس؛ تعرت بسفور كامل بلا داعٍ كما ظننتُ بخبلي وتحفظي، وطلبت مني أن أساعدها في ارتداء فستان الزفاف رغم تواجد أمها برحلة التسوق تلك وداخل غرفة القياس.رغم أن الفستان كان من محال الأعراس الجاهزة، إلا أن القطعة التي اختارتها حنان بدت وكأنها صُنعت لأجلها ومن أجل جسدها؛ فست
الفصل الثاني والعشرين تفاجأتْ مادلين بوجودي في عرينها بالطبع، ولأول مرة رأيتُ عينيها تلمعان ببريق انتصار مريض؛ فقد أرادت في تلك اللحظة تحويلي إلى ضحية جديدة من ضحاياها. كانت تغار من صداقتنا القوية، وتريد الاستحواذ الكامل على "شاهين"، وكأن هناك مخلوقاً على وجه الأرض استطاع يوماً أن يستحوذ عليه! وقبل أن تشرع مادلين في هندسة خطتها القادمة لقتلي أو تعذيبي حتى الموت كالبقية، كنتُ الأسرع؛ هجمتُ عليها بمسدس كهربائي صاعق أفقدها وعيها وجعلها تتهاوى كجثة هامدة.أما بالنسبة للولد المراهق المسكين المعلق من عقبيه... لم تقتله مادلين، بل أنا من فعلت. أطلقتُ عليه رصاصة الرحمة لأن الأمل في نجاته كان مستحيلاً، ولأن حياته في كفة، ونهاية حياتنا وإمبراطوريتنا الجديدة في كفة أخرى؛ فوجوده حياً كان سيزج بنا جميعاً في غياهب السجون بتهمة التستر على مجرمة سادية مجنونة لا تبرأ من الإيذاء. ولا أعلم حقاً كيف لفتاة غرة مثل حنان أن تغار من امرأة كهذه، أو من ذكراها الملوثة بالدماء!------كنا نجلس في المقعد الخلفي للسيارة الفاخرة التي تقل شاهين إلى المطار لبدء رحلته نحو باريس؛ رحلة ينطلق إليها هذه المرة دون أهم دعائ
الفصل الحادي والعشرين.إيزابيل أزولد.أنا امرأة أمريكية نشأتُ في ظلال نظام قانوني أعرف خباياه جيداً؛ ولذلك أعلم يقيناً أن القضاء المبني على لجنة محلفين هو قضاء عاطفي، تحركه المشاعر الجياشة والدموع، بينما الأدلة المادية والبراهين الجنائية هي آخر ما يؤخذ بعين الاعتبار في قاعات المحاكم. وعلى هذا الأساس الصلب بنيتُ خطة دفاعي لإنقاذنا جميعاً. كان العرض واضحاً: على مادلين أن تعترف بكل الجرائم، ولكن بأسلوب ملتف؛ تعترف بأنها أُرغمت عليها تحت التهديد، وأنها نادمة أشد الندم، وتبغي القصاص للضحايا من نفسها لتبرأ من ذنوبها.بالطبع، نظرت إليّ مادلين باستخفاف شديد، وثبّتت عينيها في عيني شاهين قائلة بتهكم:"من أين جلبت هذه المرأة يا شاهين؟ إنها أكثر جنوناً من عمي الراحل!"لم أترك لها فرصة الهروب؛ جذبتُ عينيها بعيداً عن حنو نظرات شاهين، وصفقتُ بأصابعي بقوة أمام وجهها مباشرة وقلتُ بحسم:"استمعي إليّ جيداً يا عزيزتي... المحكمة ليس لديها أدنى شك في كونكِ شريكة كاملة في كافة تلك الجرائم البشعة. أملكِ الوحيد الآن هو هذا الاعتراف الملتوي، الممزوج بالندم الشديد؛ ستقولين إنكِ اضطررتِ لممارسة ساديتكِ المقيتة أ
الفصل العشرين.إيزابيل أوزلد صمتُّ ولم أختبر صبره في ظل تلك الظروف الراهنة؛ فبالرغم من أنني شريكته وصديقته الوحيدة في هذا العالم الموحش، إلا أنني أدرك جيداً أن "حبة الكرز المصرية" قد سرقت لبه بالكامل. والرجال ــ بكافة جنسياتهم وثقافاتهم ــ يفضلون في النهاية امرأة يضاجعونها، على امرأة يملؤون عقولهم بنصحها المؤكد والمضمون المفعول.حين التقى "شاهين" بحنان مع ذلك الفتى (اللابرادور) أول مرة في مصر، عاد شاهين إلى ممارسة كذبٍ ظن أنه تركه منذ سنوات طويلة؛ ابتسم رغماً عنه، جالسهما رغماً عنه، بل ودعاهما لقضاء يوم جميل رغماً عنه! وكم كره ذلك الإجبار؛ فمرحلة أن يُرغم شاهين عز الدين على فعل شيء لا يريده، هي مرحلة ولّت وانتهت منذ أزمان بعيدة.بمجرد أن انتهى ذلك اللقاء، صعد شاهين إلى غرفته مباشرة وشرع في ذات النهج: الكذب والتكتم. لكنه في ذلك اليوم اخترق بروتوكولنا؛ اقتحم غرفتي بالفندق فجأة، وهو نهج جديد تماماً في تعاملنا. لم يعرني أي انتباه، ولم يرف له جفن رغم أنني كنتُ بملابس نومي وأضع على وجهي قناعاً علاجياً من الطحالب البحرية؛ لم يستنكر مظهري أو يسخر كعادته، بل توجه مباشرة نحو نافذتي المطلة على







