Partager

أسرار الخيط الأسود

last update Date de publication: 2026-07-21 03:43:59

لم يكن الليل في رايفنوود يشبه أي ليل آخر. المدينة التي يطوّقها الضباب بدت كأنها تنام فوق صدرٍ خانق، لا تسمح لأي نَفَس أن يخرج أو يدخل إلا مثقلاً بالرهبة. دانييل، وهو عائد من الكوخ، كان يشعر أن كل شارع يمرّ به يزداد ضيقًا، وأن كل نافذة مغلقة تراقبه بعين خفية. في جيبه، تلك القصاصة الورقية الصغيرة، نظيفة كأن يدًا غير بشرية وضعتها هناك بعناية. الكلمات الثلاث ما زالت تحرق ذهنه: "الخطوة التالية في المقبرة."

جلس ساعات طويلة في مكتبه يتأمل الورقة. أصوات المدينة تخبو، عقارب الساعة تمضي نحو الثانية بعد منتصف الليل. تساءل: أي مقبرة؟ البلدة بها أكثر من واحدة، لكن أشهرها هي "مقبرة رايفنوود القديمة"، تلك التي تعود إلى أوائل القرن الثامن عشر، حيث قُبر الجنود والمهاجرون الأوائل، وحيث تكثر الحكايات عن أشباح تتجول بين القبور بعد الغروب.

مع بزوغ الفجر، قرر أن يبدأ رحلته. ارتدى معطفه الطويل، وأخذ مصباحه، ودفتر ملاحظاته، وتوجه نحو المقبرة. الطريق إليها كان صامتًا بشكل غير طبيعي، حتى العصافير لم تغرد. حين وصل إلى البوابة الحديدية الصدئة، فتحها بصوت صرير ارتجّ صداه في الفراغ. أمامه، امتدت صفوف لا تنتهي من شواهد الرخام المائل، بعضُها متآكل بالكاد تُقرأ عليه أسماء. أشجار سرو ضخمة أحاطت بالمكان، أغصانها تلوح كأذرع عابسة تحرس أسرار الموتى.

دخل ببطء، خطواته تدوس أوراق الخريف اليابسة، وأحسّ أن الهواء أثقل من المعتاد، كأن شيئًا لا يُرى يراقبه. لم يعرف أين يتجه، لكن عينيه وقعتا على ضريح حجري في أقصى الجهة الشرقية، أكبر حجمًا من غيره، عليه نقوش غريبة أشبه بالتي رآها في الكوخ. اقترب بخطوات مترددة، وفي اللحظة التي لمس فيها سطح الضريح البارد، شعر بذبذبة غريبة تسري في أصابعه، كأن الحجر ينبض.

جلس على ركبتيه وأضاء المصباح على القاعدة، فوجد خدشًا دقيقًا بالكاد يُرى، خطًا منحنيًا ينتهي برمز يشبه عقدة خيط. قلبه خفق بعنف. تذكر العبارة في الدفتر: "الخيط هو الطريق… والجسد هو الباب."

فتح دفتره وبدأ يرسم الرمز بدقة. وفي اللحظة ذاتها، هبّت ريح باردة مفاجئة، أطفأت المصباح لثوانٍ، وحين عاد الضوء، رأى شيئًا جعله يتجمد مكانه: على الرخام الأبيض، بخط غير مرئي قبل قليل، ظهرت كلمات سوداء كأنها نُقشت للتو:

"ابحث عن من خانها… بين الجدران التي تحفظ الصدى."

وقف مذهولاً، عينيه تتسعان، الكلمات تختفي ببطء حتى لم يعد لها أثر. كانت كأنها لم تكن موجودة. ارتجف جسده كله، ولم يعرف إن كان ما رآه وهماً من عقله المرهق أم رسالة جديدة من آنا.

"بين الجدران التي تحفظ الصدى…" – كررها في داخله عشرات المرات. أي مكان هذا؟ هل هو الحانة حيث عملت؟ أم قاعات الجامعة ذات السقوف العالية؟ أم الكوخ نفسه؟

في تلك اللحظة، أحس بصوت خلفه. همس متقطع، أقرب إلى أنين، يخرج من بين القبور. التفت بسرعة، فإذا بظل طويل يتحرك بين الشواهد. ركض نحوه، لكن الظل تلاشى كما لو أن الأرض ابتلعته. لم يبقَ سوى صمت المقبرة وصرير الأغصان.

غادر مسرعًا، وجبينه يتصبب عرقًا باردًا. لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: اللعبة صارت أعمق مما تخيل، وأن آنا لا تزال تقوده، خطوة وراء خطوة، إلى حيث سيكتشف الخيانة… وإلى حيث يواجه شيئًا أكبر من مجرد قاتل.

بقلم داعس سادرموب

لم يغب عن بال دانييل ذلك التعبير الذي ظهر على الرخام في المقبرة: "بين الجدران التي تحفظ الصدى." ظلّ يردده طوال الطريق، حتى قاده إلى استنتاج بدا بديهياً: الحانة. ذلك المكان الذي عملت فيه آنا لسنوات، حيث تختلط الأصوات بالضحكات العالية والموسيقى المعدنية، وحيث الجدران السميكة تخزن ما لا يريد أحد أن يسمعه.

وصل مع غروب الشمس. الحانة تقع عند أطراف رايفنوود، مبنى قديم من الطوب الأحمر، بابه الخشبي متآكل، واللافتة المعدنية تتأرجح مع الريح، تصدر صريراً أشبه بعويل مكتوم. الداخل غارق في ضوء أصفر باهت، طاولات خشبية ملطخة، ورائحة كحول قديم ممزوجة بدخان سجائر كثيف. لم يكن مزدحماً في ذلك المساء، فقط بضع زبائن متعبين، وجوههم غارقة في الكؤوس.

اقترب من النادل العجوز الذي كان ينظف الكؤوس خلف البار. عرّف بنفسه، وأخرج بطاقته. لم يُبد الرجل مفاجأة، بل اكتفى بزفرة طويلة وقال:

"آنا هاربر… نعم، كانت تعمل هنا. كانت مختلفة عن الآخرين، لم تكن مثل الفتيات اللواتي يأتين للعمل فقط من أجل المال. كانت تكتب، تقرأ، تجلس أحياناً في الزاوية بعد انتهاء دوامها وتخط شيئاً في دفتر صغير أسود."

سأله دانييل: "هل تعرف إن كان لديها أعداء؟ شخص يلاحقها أو يهددها؟"

ابتسم الرجل بسخرية حزينة:

"في هذا المكان، كل وجه قد يكون عدواً. لكنها… نعم، كانت تلتقي أحياناً برجل غريب. طويل القامة، يرتدي معطفاً داكناً، لم أرَ وجهه جيداً. كانوا يجلسون في الطاولة الأخيرة هناك" – وأشار إلى زاوية الحانة المظلمة – "ويتحدثان همساً. ثم يرحل فجأة، تاركاً إياها وحدها، شاحبة الوجه كأنها عادت من جنازة."

اقترب دانييل من تلك الطاولة. جلس قليلاً، مسح بيده سطح الخشب، فشعر بخشونة غريبة. أضاء مصباح هاتفه، فلاحظ خدوشاً غير منتظمة محفورة في الخشب، خطوطاً متقاطعة تشبه خيوطاً معقودة. قلبه خفق بقوة: نفس الرموز التي رآها في الكوخ.

مدّ يده أكثر، فوجد ورقة صغيرة عالقة تحت الطاولة، كأنها خبئت هناك بعناية. أخرجها بحذر، وفكّ طياتها. الكلمات كانت مكتوبة بخط أنثوي مرتجف:

"إذا تبعت الخيط، لا تعد… الباب يُغلق من الداخل."

شعر بقشعريرة تجتاح جسده. كانت هذه بالتأكيد رسالة من آنا، أو على الأقل بخط يدها. لكنها كتبتها لمن؟ لنفسها؟ أم لشخص آخر يتبع نفس الطريق؟

وفجأة، انطفأت أضواء الحانة للحظة. صمت ثقيل خيّم، ثم عاد الضوء بعد ثوانٍ، لكن شيئاً تغيّر. على المرآة الكبيرة خلف البار، حيث تُعرض الزجاجات، ظهرت عبارة قصيرة بخط باهت كأنها كتبت بالبخار:

"الخطوة التالية في الغابة… عند الجذور المتشابكة."

اقترب دانييل بسرعة، لكنه حين لمس الزجاج اختفت الكلمات تماماً، تاركة المرآة نظيفة كما لو لم يُكتب عليها شيء.

لم يقل شيئاً، لكنه شعر أن اللعبة تتسارع. لم يعد الأمر مجرد أدلة متناثرة، بل متاهة متعمدة، مصممة لتقوده خطوة بعد خطوة. والآن، وجهته التالية ستكون الغابة… حيث الجذور المتشابكة.

خرج من الحانة إلى الليل البارد، والريح تعصف بأوراق الخريف. لكنه لم يكن يعلم أن دخوله الغابة لن يكون خروجاً منها سهلاً، وأنه هناك سيلمس قلب الظلام الذي ابتلع آنا.

بقلم داعس سادرموب

كانت الغابة الشرقية في الليل أشبه ببحر مظلم لا ضفاف له. الطريق الضيق الذي شقّه دانييل بين الأشجار لم يكن سوى خيط هشّ وسط محيط من العتمة. مصباحه اليدوي يضيء دائرة صغيرة أمامه، فيما تتكاثف الظلال خلفه وعلى جانبيه، تتراقص كأنها كائنات حيّة تختبئ عن ضوءٍ غريب.

تذكّر العبارة التي ظهرت على مرآة الحانة: "الخطوة التالية في الغابة… عند الجذور المتشابكة." لم يعرف أيّ اتجاه يسلك، لكن شيئًا غامضًا في داخله كان يقوده، إحساس داخلي لا يستطيع تفسيره، كأن صدى خطواته يُعيد إليه صدًى آخر خفيًّا يوجّهه إلى حيث يجب أن يذهب.

كلما توغل أكثر، ازدادت رائحة الرطوبة والعفن. أصوات غير مألوفة تملأ المكان: نعيق بوم بعيد، حفيف أوراق كأنها تتهامس، وصرخات قصيرة مجهولة المصدر، ربما حيوانات، وربما لا.

بعد ساعة من السير، توقّف فجأة. أمامه مساحة أرضية غريبة: أشجار ضخمة متشابكة الجذور، ملتفة حول بعضها كأنها أجساد ملتوية في رقصة أبدية. الجذور ارتفعت من الأرض بشكل مروّع، مشكلة قوسًا عظميًّا ملتفًا حول حفرة ضحلة.

اقترب ببطء، أضاء مصباحه، فرأى شيئًا لم يكن يتوقعه: عند قاعدة الجذور، كانت هناك شموع سوداء مطفأة، ورموز محفورة في التراب، خطوط متشابكة تشبه تمامًا تلك التي وجدها في الكوخ وعلى طاولة الحانة. وفي وسط الدائرة، صندوق خشبي صغير، نصفه مدفون في الطين.

ركع دانييل ومدّ يده المرتجفة ليسحب الصندوق. فتحه بحذر، فوجد داخله قطعة قماش حريرية بيضاء، ملفوفة بإحكام. حين فتحها، كاد قلبه يتوقف: في الداخل وُجدت خصلة شعر طويلة، بنية اللون، مربوطة بخيط أسود غريب الملمس، ليس كالقطن ولا كالحرير، بل أقرب إلى نسيج حيّ ينبض تحت أصابعه.

وبجانبها ورقة صغيرة، مكتوب عليها بحروف متعرجة:

"هي لم تمت… الروح تبحث عن الجسد."

شعر دانييل بعرق بارد يتصبب من جبينه. أعاد الورقة إلى الصندوق وأغلقه بسرعة. لكن قبل أن ينهض، سمع أصوات خطوات ثقيلة تقترب بين الأشجار. انطفأ المصباح فجأة، وبقي في الظلام الحالك. تجمّد مكانه، يصغي. الأصوات تقترب، تتوزع حوله، كأن مجموعة من الأشخاص تحيط بالمكان.

ثم انطلقت همهمة منخفضة، أقرب إلى ترتيل طقسي. كلمات لم يفهمها، لكن إيقاعها تكراري كأنه ضرب طبول خفيّة. أدار رأسه في كل اتجاه، ولم يرَ أحدًا، لكن الأصوات كانت واضحة، محيطة به من كل جانب.

وفجأة، انبثق ضوء خافت بين الجذور، لم يكن ضوء مصباح أو نار، بل توهج غريب أزرق مائل إلى الأخضر. ومن داخل الحفرة، بدا كأن ظلاً بشرياً يرتفع ببطء، ملامحه غير واضحة، لكن عينيه تلمعان.

تراجع دانييل بضع خطوات، قلبه يكاد ينفجر. رفع سلاحه، لكنه كان يعلم في أعماقه أن لا فائدة من الرصاص هنا.

الظلّ توقف، والهمهمة ازدادت قوة. ثم سمع صوتًا همس في أذنه، قريبًا جدًا رغم أن لا أحد يقف إلى جانبه:

"أنتَ التالي… الخيط سيقودك إلينا."

في تلك اللحظة، اشتعلت الشموع السوداء من تلقاء نفسها، وأضاءت وجوهًا حول الدائرة: رجال ونساء يقفون بعباءات داكنة، وجوههم مغطاة بأقنعة خشبية مشققة. كانوا يراقبونه في صمت، كأنهم كانوا ينتظرونه منذ زمن.

ارتجف دانييل، وأدرك أنه لم يعد مجرد محقق يبحث عن قاتل، بل ضيفًا غير مرغوب فيه في طقس لم يُكتب له أن يشهده.

بقلم داعس سادرموب

لم يكن أمام دانييل سوى خيار واحد: الهرب. لكنه كان محاصرًا من جميع الجهات، الطائفة تحيط به كجدار صامت، والشموع السوداء المشتعلة تغرس ضوءها المرتجف في الأرض كأنها أوتاد تمنعه من التراجع.

ارتفع صوت الهمهمة، فاهتز الهواء من حوله كأن الغابة كلها تتنفس مع هؤلاء الغرباء. مدّ أحدهم ذراعه المغطاة بعباءة داكنة، فأشار نحوه، وفي تلك اللحظة شعر دانييل بتيار بارد يضرب جسده، حتى كاد يسقط على ركبتيه. تماسك بصعوبة، وعرف أن هذه اللحظة هي الفاصل بين نجاته وفنائه.

اندفع فجأة إلى الأمام، نحو فراغ صغير بين شخصين واقفين عند حافة الدائرة. سمع صرخات غاضبة، ووقع أقدام خلفه، لكنه كان قد تجاوز الجذور المتشابكة واندفع داخل الغابة. المصباح ما زال مطفأ، فلم يكن أمامه سوى الاعتماد على ضوء القمر المتسلل بين الأغصان.

أغصان الأشجار تخدش وجهه، جذور ملتوية تعترض خطواته، وأنفاسه تتسارع حتى كادت تختنق. خلفه، كان يسمعهم بوضوح: وقع أقدام كثيرة، وأصوات صفير غريبة، أشبه بإشارات يتواصلون بها في الظلام.

ركض بلا اتجاه، فقط مبتعدًا عن الدائرة الملعونة. لكن كلما ظن أنه أفلت، يسمع الصوت من جديد، قريبًا جدًا، كأنهم يسبقونه بدلًا من أن يطاردوه. الغابة تتحول إلى متاهة، ممراتها تتكرر، أشجارها متشابهة، حتى بدأ يشك أنه يركض في دائرة.

فجأة، تعثر وسقط أرضًا، يداه تغوصان في طين بارد. حاول النهوض، لكن عينيه وقعتا على شيء نصف مدفون تحت جذور شجرة. قطعة قماش ممزقة، وعليها بقع دم قديم. قلبها بيده المرتجفة، فوجد عليها نفس الرمز الغريب الذي شاهده على جثة الضحية: دوائر متداخلة بخيوط دقيقة.

لم يكن لديه وقت ليتأمل أكثر، إذ أضاءت من خلفه ومضة زرقاء باهتة، ثم ظهر وجه مقنّع يطلّ من بين الأشجار. أطلق دانييل رصاصة بسرعة، فارتدّ الصوت في الغابة، لكن حين نظر، كان المكان فارغًا، لا جثة ولا دم، فقط الظلام يعود إلى صمته.

وقف يلهث، وأدرك الحقيقة المروّعة: الطائفة لا تطارده كأي مطاردين عاديين. إنهم يحيطون به بوسائل أخرى، يعبثون بحواسه، يجعلونه يتيه في غابة يعرفون كل شبر منها.

لكنه لم يستسلم. واصل الركض حتى خرج إلى مساحة أكثر انفتاحًا. هناك، وسط الظلام، لمح ضوءًا صغيرًا يلمع من بعيد. ربما كوخ قديم، أو كوخ حارس غابة، أو مجرد وهم آخر. لكنه لم يعد يملك ترف الاختيار. اتجه نحوه بكل ما تبقى له من قوة، والصرخات الغامضة تزداد خلفه، كأن الغابة نفسها قررت أن تبتلعه حيًا.

بقلم داعس سادرموب

كان الضوء البعيد يتراقص كشمعة وحيدة في محيط لا نهاية له من السواد. كلما اقترب دانييل، كان قلبه يخفق بقوة أشد، خليط من الأمل والخوف، كأنه يسير نحو خلاصه أو هلاكه الأخير. خطواته غاصت في الأرض الرطبة، وأغصان الأشجار امتدت كأذرع تريد الإمساك به، لكنه لم يتوقف.

يتبع

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • خيوط الجريمة   الحقيقة الأخيرة

    ظهر الكوخ أخيرًا وسط فراغ صغير، خشبه متآكل، نوافذه محطمة، والباب نصف مخلوع. بدا وكأنه مهجور منذ عقود، ومع ذلك كان الضوء الخافت يتسرب من داخله. تردد للحظة، ثم رفع مسدسه ودخل بخطوات بطيئة. رائحة العفن والحديد الصدئ ملأت أنفه، والجدران السوداء مغطاة برموز محفورة بأداة حادة: دوائر، خطوط متقاطعة، عيون غائرة تحدق من الخشب مباشرة إلى روحه. في الزاوية، كان المصباح الزيتي يشتعل على طاولة مهترئة، فوقها مجموعة أوراق قديمة وصندوق خشبي صغير مغلق. اقترب بحذر، يده الأخرى مشدودة على زناد المسدس. الأوراق كانت مذكرات، مكتوبة بخط أنثوي مرتبك، متقطّع. قرأ بصوت خافت: "إنهم يراقبونني... لا أستطيع النوم... كلما أغلقت عينيّ أرى الوجوه نفسها... وعدوني بالمعرفة، لكنهم أخذوا مني كل شيء... إذا متّ، فليعرف أحدهم أنني لم أختر هذا الطريق." شعر ببرودة تتسرب إلى عروقه. كان الخط، بلا شك، خط آنا. هنا، في قلب الغابة، وجدت لهفتها الأخيرة ملاذًا. مدّ يده نحو الصندوق الخشبي وفتحه ببطء. في داخله، وُجدت دمية صغيرة، منحوتة من العظم، مخيطة بخيط أسود غريب، نفس الخيط الذي خيطت به أطراف آنا بعد موتها. عينا الدمية كانتا من زج

  • خيوط الجريمة   أسرار الخيط الأسود

    لم يكن الليل في رايفنوود يشبه أي ليل آخر. المدينة التي يطوّقها الضباب بدت كأنها تنام فوق صدرٍ خانق، لا تسمح لأي نَفَس أن يخرج أو يدخل إلا مثقلاً بالرهبة. دانييل، وهو عائد من الكوخ، كان يشعر أن كل شارع يمرّ به يزداد ضيقًا، وأن كل نافذة مغلقة تراقبه بعين خفية. في جيبه، تلك القصاصة الورقية الصغيرة، نظيفة كأن يدًا غير بشرية وضعتها هناك بعناية. الكلمات الثلاث ما زالت تحرق ذهنه: "الخطوة التالية في المقبرة." جلس ساعات طويلة في مكتبه يتأمل الورقة. أصوات المدينة تخبو، عقارب الساعة تمضي نحو الثانية بعد منتصف الليل. تساءل: أي مقبرة؟ البلدة بها أكثر من واحدة، لكن أشهرها هي "مقبرة رايفنوود القديمة"، تلك التي تعود إلى أوائل القرن الثامن عشر، حيث قُبر الجنود والمهاجرون الأوائل، وحيث تكثر الحكايات عن أشباح تتجول بين القبور بعد الغروب. مع بزوغ الفجر، قرر أن يبدأ رحلته. ارتدى معطفه الطويل، وأخذ مصباحه، ودفتر ملاحظاته، وتوجه نحو المقبرة. الطريق إليها كان صامتًا بشكل غير طبيعي، حتى العصافير لم تغرد. حين وصل إلى البوابة الحديدية الصدئة، فتحها بصوت صرير ارتجّ صداه في الفراغ. أمامه، امتدت صفوف لا تنتهي من

  • خيوط الجريمة   الجريمة التي لا تعرف تفسيرا

    "خيوط الجريمة" ـ بقلم داعس سادرموب لم تكن السماء في تلك الليلة سوى صفحة رمادية مثقلة بغيوم كثيفة، تُفرغ بين حين وآخر مطرًا دقيقًا يهبط بخفة، لا يغسل شيئًا ولا يروي الأرض، لكنه يترك على الأسفلت بريقًا باهتًا يشبه العرق البارد على جسد محموم. والبلدة الصغيرة، رايفنوود، كانت صامتة على غير عادتها، كأن المطر حمل معه وصية بالصمت، فلا ضحكات سكارى في الأزقة، ولا جلبة عربات عند الميدان، فقط وقع قطرات متلاحقة على أسطح المنازل المتهالكة، وصفير ريح يتسلل بين فجوات النوافذ القديمة. عند الطرف الشرقي من البلدة، حيث تقف بناية متداعية شُيّدت قبل نصف قرن لتكون منزلاً ريفيًا ثم تحوّلت فيما بعد إلى سكن طلابي رخيص، تكدّست سيارات الشرطة والإسعاف، وأضاءت الأضواء الزرقاء والحمراء الواجهة الكئيبة بلون متقطع، كأنها تُسلّط على مسرح جريمة مسرحية لا تُعرض إلا على أشباح الليل. انتشر رجال الشرطة في المكان كأشباح متوترين، يضعون الأشرطة الصفراء حول السلالم والباب، يكتبون في دفاترهم، يلتفتون بين الحين والآخر نحو الداخل بنظرات مشدودة. في الداخل، كانت الرائحة أول ما يضرب أنف الداخلين؛ مزيج خانق من العطن والحديد الصدئ

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status