مشاركة

الحقيقة الأخيرة

last update تاريخ النشر: 2026-07-21 03:53:58

ظهر الكوخ أخيرًا وسط فراغ صغير، خشبه متآكل، نوافذه محطمة، والباب نصف مخلوع. بدا وكأنه مهجور منذ عقود، ومع ذلك كان الضوء الخافت يتسرب من داخله. تردد للحظة، ثم رفع مسدسه ودخل بخطوات بطيئة.

رائحة العفن والحديد الصدئ ملأت أنفه، والجدران السوداء مغطاة برموز محفورة بأداة حادة: دوائر، خطوط متقاطعة، عيون غائرة تحدق من الخشب مباشرة إلى روحه. في الزاوية، كان المصباح الزيتي يشتعل على طاولة مهترئة، فوقها مجموعة أوراق قديمة وصندوق خشبي صغير مغلق.

اقترب بحذر، يده الأخرى مشدودة على زناد المسدس. الأوراق كانت مذكرات، مكتوبة بخط أنثوي مرتبك، متقطّع. قرأ بصوت خافت:

"إنهم يراقبونني... لا أستطيع النوم... كلما أغلقت عينيّ أرى الوجوه نفسها... وعدوني بالمعرفة، لكنهم أخذوا مني كل شيء... إذا متّ، فليعرف أحدهم أنني لم أختر هذا الطريق."

شعر ببرودة تتسرب إلى عروقه. كان الخط، بلا شك، خط آنا. هنا، في قلب الغابة، وجدت لهفتها الأخيرة ملاذًا.

مدّ يده نحو الصندوق الخشبي وفتحه ببطء. في داخله، وُجدت دمية صغيرة، منحوتة من العظم، مخيطة بخيط أسود غريب، نفس الخيط الذي خيطت به أطراف آنا بعد موتها. عينا الدمية كانتا من زجاج داكن، وفي صدرها تجويف صغير يحتوي على ورقة مطوية بعناية.

فتح الورقة، فقرأ:

"من يدخل الدائرة، لا يخرج إلا ميتًا أو خادمًا."

في تلك اللحظة، دوى صرير الباب خلفه، وتوقف دمه عن الجريان. استدار بسرعة، فوجد أن الريح لم تكن السبب. كان هناك شخص يقف في العتمة، عباءته سوداء، وجهه مغطى بقناع خشبي تتخلله شقوق طويلة.

لم يتكلم، فقط رفع يده اليمنى، وسمع دانييل من حوله الهمهمة نفسها التي عرفها في الغابة. ارتجف الكوخ بأكمله، واشتعلت الرموز المنقوشة على الجدران بضوء أحمر خافت، كأن الجدران تنبض بالحياة.

أدرك دانييل أنه لم يعد أمامه مهرب. لقد دخل قلب الطائفة، المكان الذي ربما ماتت فيه آنا، وربما دُفنت فيه أسرار أعقد من أن يدركها.

- بقلم داعس سادرموب

تجمّد دانييل في مكانه، مسدسه مصوّب نحو الظل الذي ملأ فتحة الباب. لكن الرجل المقنّع لم يتحرك خطوة واحدة، بل ظل واقفًا كتمثال من ليل، وصوت الهمهمة يتعالى من حوله كأن الجدران نفسها صارت أفواهًا تنشد.

قال دانييل بصوت مرتعش لكنه حاد:

- من أنتم؟! ماذا فعلتم بآنا؟!

لم يأت الرد فورًا، بل مرّت لحظات ثقيلة كأن الزمن نفسه قد عُلّق. ثم خرج صوت غريب، خافت في البداية، لكنه اتسع شيئًا فشيئًا حتى ملأ الكوخ:

- لم نفعل بها شيئًا... هي من اختارت.

ارتجف قلب دانييل. كيف يمكن أن يكون هذا "الاختيار" ما رآه على طاولة التشريح؟

تقدم خطوة، أصابعه تشد على الزناد:

- هذا ليس اختيارًا. سحبتم عقلها من جمجمتها، قطعتم أطرافها وخيطتموها بخيط جهنمي! أهذا اختيار؟

ضحكة باردة تسللت من خلف القناع، قصيرة، متقطّعة، أشبه بصرير حديد:

- أنت لا تفهم. هي رغبت أن ترى، أن تعرف. نحن لم نفعل سوى أن نفتح لها الأبواب. لكنها لم تتحمّل ما رأت، فانكسرت.

تسللت رعشة قاسية إلى جسد دانييل، لكنه حاول الثبات:

- أنتم من قتلتوها.

اقترب الرجل المقنّع خطوة واحدة، وإذا بالرموز الحمراء على الجدران تشتعل أكثر، حتى بدا أن الخشب نفسه يحترق دون نار. قال بنبرة مفعمة بيقين متعجرف:

- الموت وهم. آنا لم تمت، إنها هنا... معنا... وستظل كذلك.

شعر دانييل فجأة ببرودة خلف عنقه، كأن نسمة ثقيلة لم تمر من نافذة أو باب، بل خرجت من داخله هو. التفت بسرعة، ورآها: صورة آنا، أو طيفها، واقفة في الزاوية المظلمة، شعرها يتدلّى على كتفيها، وعيناها فارغتان لكنهما تحدقان به مباشرة.

ارتجف صوته:

- آ... آنا؟

لم تجبه. فقط رفعت يدها المرتجفة وأشارت إلى الطاولة حيث الدمية العظمية. عندها، عاد الرجل المقنّع يتكلم:

- لقد اختارتك أنت. رسائلك، كوابيسك، كلها منها. إنها تريدك أن تنضمّ إلينا.

صرخ دانييل:

- لن أنضم لكم أبدًا!

في تلك اللحظة، انطفأ المصباح فجأة، وغرق الكوخ في عتمة دامسة لا يخترقها إلا توهج الرموز. ومن هذه العتمة، بدأت الأصوات تتكاثر: همسات، ضحكات، صرخات بعيدة، كلها تلتف حوله، كأن الكوخ صار فمًا واحدًا هائلًا يريد ابتلاعه.

- بقلم داعس سادرموب

انطفأ المصباح، وغاص الكوخ في عتمة خانقة. لم يبقَ سوى وهج الرموز المحفورة على الجدران، التي أخذت تتوهج كجمر متقد، يشتعل ثم يخبو كأنها تنبض مع ضربات قلبه. الأصوات تحيط به من كل جانب، تتعالى ثم تتراجع، بعضها يضحك، بعضها يبكي، وبعضها يهمس باسمه مباشرة:

- دانييل... دانييل...

شعر بأن الأرض تحت قدميه لم تعد ثابتة، بل تتماوج كأرض طينية غارقة في زلزال بطيء. رفع مسدسه وهو يترنّح، محاولًا أن يركز عينيه على الرجل المقنّع الذي ما زال واقفًا عند الباب. لكن الرجل اختفى، لم يبقَ سوى القناع نفسه معلّقًا في الفراغ، يتأرجح كأن يدًا خفية تحمل خيطًا غير مرئي.

غرز دانييل أظافره في الطاولة محاولًا تثبيت نفسه، وصرخ:

- كفى!

لكن صوته ارتدّ عليه، مضاعفًا، كأن عشرات النسخ منه صارت تصرخ معه داخل جدران الكوخ. غطّى أذنيه بيديه، لكن الصدى كان يتسرب إلى داخله لا إلى الخارج.

فجأة، لمح في الزاوية ذاتها حيث ظهر طيف آنا قبل لحظات، شقًا ضيقًا بين الألواح المتهالكة، كنافذة صغيرة انكشفت بفعل الريح. لم يفكر، لم يحسب، بل اندفع نحوها بكل قوته.

ارتطمت كتفه بالخشب، فانكسر اللوح بصوت عالٍ، ودفع نفسه عبر الفتحة. لحظة واحدة شعر خلالها أن يده علقت في شيء ما، خيط أو شظية خشب، لكنه لم يلتفت. تدحرج خارج الكوخ، ساقاه ترتطم بالأرض الموحلة، صدره يلهث وكأن الهواء كله قد تآمر على خنقه.

نهض بصعوبة، يده تمسك مسدسه، وعيناه تبحثان عن اتجاه بعيد عن تلك البقعة الملعونة. خلفه، سمع الهمهمة تتصاعد من جديد، والرموز في جدران الكوخ تشتعل كأنها تحاول اللحاق به.

ركض، ركض حتى شعر أن رئتيه تحترقان. الغابة لم ترحمه، أغصانها تعترضه، الجذور تتشبث بحذائه، لكن الخوف كان يجره إلى الأمام. لم يكن يسمع إلا قلبه يقرع كالطبل في صدره، وخلفه وقع أقدام ثقيلة، كثيرة، تتحرك بتناغم غريب، كأن الطائفة كلها خرجت لتصطاده.

وقف للحظة، رفع مسدسه وأطلق رصاصة في الهواء، فقط ليؤكد لنفسه أنه ما زال يملك شيئًا من السيطرة. دوّى الصوت في الغابة، لكن لم يوقف شيئًا. بل بالعكس، ارتفعت الصرخات الغامضة، واختلطت بعواء ريح مفاجئ، حتى بدا المشهد كولادة جحيم حي.

لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكن عينيه وقعتا على بقعة ضوء بين الأشجار، أضعف من أن تكون مدينة، لكنها أقوى من أن تكون وهج قمر. اتجه نحوها يركض، وهو يدرك أن نجاته الوحيدة ربما تكمن في تلك البقعة، أو نهايته الأبدية.

- بقلم داعس سادرموب

لم يكن الضوء الذي لاح بين الأشجار سوى وهج شاحب ينساب من مصابيح قديمة، متآكلة الأعمدة، منصوبة وسط أرض مقفرة. حين اقترب دانييل أكثر، تبيّن له أنها مقبرة، محاطة بسياج حديدي صدئ، بعض قضبانه مكسور، وكأن يدًا مجهولة مزّقته لتفتح ممرًّا في العراء.

وقف عند المدخل لاهثًا، يده ترتجف على المسدس، وقلبه يقرع صدره بعنف. لكن ما أبصره دفع الدم ليجمد في عروقه: شواهد القبور كلّها تقريبًا منحنية أو متصدّعة، وكثير منها يحمل نفس الرمز الغامض الذي رآه على جسد آنا، دائرة متداخلة بخيوط دقيقة، محفورة بعناية على الحجر.

دخل متردّدًا، خطواته تغوص في العشب الرطب، وصوت الريح يختلط بصرير الحديد الصدئ. حاول أن يقرأ أسماء الموتى على الشواهد، لكن أغلبها كان ممسوحًا، كأن يدًا عمدت إلى طمسها. وحده شاهد واحد بدا واضحًا، نظيفًا على نحو مريب. اقترب، وانحنى يقرأ:

آنا لوفري - 1996-2022.

ارتجف جسده كله، كأن قلبه هُزّ بعاصفة. لم تمضِ سوى أشهر قليلة على مقتلها، وها هو قبرها هنا، في قلب الغابة، لا في مقبرة البلدة كما كان يظن. ركع أمام الشاهد، يمد يده يتحسس الحروف، وإذا ببرودة رطبة تتسرب إلى أصابعه كأن الحجر ينزف صقيعًا حيًّا.

فجأة، انشقّ الصمت بصوت حاد: صرير باب حديدي يُفتح في آخر المقبرة. رفع رأسه ببطء، ورأى ظلّين يدخلان عبر البوابة البعيدة، يحملان مشاعل صغيرة. تراجع سريعًا واختبأ خلف قبر مائل، يراقب.

الظلان تقدّما حتى وصلا إلى قبر آنا. جلس أحدهما على ركبتيه، وبدأ يهمهم بلغة غريبة، بينما الآخر أخرج من جيبه كيسًا صغيرًا ورشّ ترابًا أسود فوق الشاهد.

لم يتمالك دانييل نفسه، خرج من مخبئه مصوّبًا مسدسه:

- توقفا!

تجمّد الاثنان لثوانٍ، ثم التفتا ببطء نحوه. لم يكن وجهاهما واضحين في وهج المشاعل، لكن العيون التي لمع بريقها من تحت أغطية الرؤوس لم تكن عيون بشرية كما يعرفها.

قال أحدهما بصوت أجشّ:

- لقد وصلت... تمامًا كما أرادت.

ارتفع الهمس فجأة في كل أرجاء المقبرة، كأن عشرات الأصوات تردّد الجملة نفسها. الشواهد ارتجفت، والرموز المحفورة على الأحجار بدأت تتوهج بضوء أحمر خافت، حتى بدا أن الموتى أنفسهم يستيقظون.

شعر دانييل أن الأرض تهتز تحته، فمدّ يده إلى القبر ليوازن نفسه، لكنه وجد شيئًا لم يكن هناك من قبل: قصاصة ورق رطبة، موضوعة على الحجر. فتحها بعجَل، فقرأ بخط أنثوي مألوف:

"لا تنقذني... أنقذ نفسك."

كان توقيعها واضحًا: آنا.

رفع عينيه ببطء، والدم يتجمد في عروقه. الظلان صارا ثلاثة، ثم خمسة، ثم عشرات. الطائفة كلها خرجت من بين شواهد القبور، مشاعلهم تشتعل، وأصواتهم تملأ الليل. لقد حُوصِر، ولم يعد أمامه سوى مصير واحد.

- بقلم داعس سادرموب

كان دانييل محاطًا من كل الجهات. وجوه مقنّعة، مشاعل تترنّح، وأصوات همهمة تتصاعد حتى غطّت على كل صوت آخر. شعر أن الهواء نفسه صار أثقل، كأن المقبرة تحولت إلى بئر مغلقة، لا هواء فيها إلا ما تسمح به الطائفة.

تقدّم رجل أطول من البقية، عباءته أعمق سوادًا، وقناعه يحمل ثلاثة شقوق طويلة عند موضع العينين. بصوت أجشّ كالريح بين الصخور قال:

- أيها الغريب، لقد اجتُذِبت إلى هنا، ليس صدفة، بل دعوة. هي اختارتك.

أشار بيده إلى قبر آنا، حيث القصاصة التي ما زال دانييل يمسكها ترتجف بين أصابعه. تابع الرجل:

- رسائلها، كوابيسها، كلها كانت خيطًا يقودك إلينا. إنها لم تمت كما تظن. إنها الآن بيننا، وأنت تستطيع أن تكون مثلها.

ارتفع همس الجماعة دفعة واحدة:

- انضم... انضم... انضم...

ارتجف قلب دانييل، لكن الغضب اشتعل في صدره. رفع مسدسه وصاح:

- أنتم من قتلها! لن أنضم لكم أبدًا!

تقدّم الرجل ببطء، غير آبه بالرصاصة التي قد تُطلق في أي لحظة. قال:

- لم نفعل سوى تحريرها. أنت أيضًا يمكنك أن تتحرر. لكن إن رفضت... فلن يكون لك مكان في هذا العالم، ولا في العالم الآخر.

ارتفع الهمس حتى صار أشبه بعاصفة، والرموز على شواهد القبور أضاءت كجمر مشتعل. شعر دانييل بالأرض تهتز من تحت قدميه، وبيد خفية تحاول انتزاع مسدسه من قبضته. قاوم، أطلق رصاصة، فاخترقت أحد الأقنعة وسقط صاحبه أرضًا. للحظة خُيّل له أنه أصاب إنسانًا عاديًا، لكنه حين نظر، لم يجد دمًا، بل دخانًا أسود يتسرّب من ثقب الرصاصة.

ارتدّ إلى الوراء، مصعوقًا، لكن الجماعة لم تتراجع، بل اقتربت أكثر، دائرة تضيق حوله شيئًا فشيئًا.

رفع صوته يائسًا:

- آنا! إن كنتِ هنا... قولي لي ماذا أفعل!

سكتت الأصوات فجأة، والظلال تجمّدت في مكانها. من بين القبور، ارتفع طيفها، شعرها منسدل على كتفيها، وجهها شاحب، وعيناها مظلمتان كليل بلا قمر. نظرت إليه طويلًا، ثم حرّكت شفتيها ببطء:

- لا تنقذني... أنقذ نفسك.

في تلك اللحظة، انقضّوا عليه. عشرات الأيدي السوداء امتدت نحوه، جرّته إلى الأرض، خيط أسود يُلف حول ذراعيه وساقيه، وصوت القائد يعلو فوق كل شيء:

- لقد اختار.

صرخ دانييل، صرخة أخيرة مزّقت ليل المقبرة، ثم خفت صوته شيئًا فشيئًا حتى لم يبقَ سوى الهمهمة. المشاعل انطفأت واحدة تلو الأخرى، والظلام ابتلع المقبرة من جديد.

عند الصباح، لم يجد حارس البلدة شيئًا سوى شواهد القبور، مائلة كما كانت، والهواء مشبع برائحة تراب رطب. أما قبر آنا... فقد صار يحمل اسميْن:

آنا لوفري - 1996-2022

دانييل كول - 1993-2023

- بقلم داعس سادرموب

انتهت القصة.

جميع الحقوق محفوظة © داعس سادرموب 2025

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • خيوط الجريمة   الحقيقة الأخيرة

    ظهر الكوخ أخيرًا وسط فراغ صغير، خشبه متآكل، نوافذه محطمة، والباب نصف مخلوع. بدا وكأنه مهجور منذ عقود، ومع ذلك كان الضوء الخافت يتسرب من داخله. تردد للحظة، ثم رفع مسدسه ودخل بخطوات بطيئة. رائحة العفن والحديد الصدئ ملأت أنفه، والجدران السوداء مغطاة برموز محفورة بأداة حادة: دوائر، خطوط متقاطعة، عيون غائرة تحدق من الخشب مباشرة إلى روحه. في الزاوية، كان المصباح الزيتي يشتعل على طاولة مهترئة، فوقها مجموعة أوراق قديمة وصندوق خشبي صغير مغلق. اقترب بحذر، يده الأخرى مشدودة على زناد المسدس. الأوراق كانت مذكرات، مكتوبة بخط أنثوي مرتبك، متقطّع. قرأ بصوت خافت: "إنهم يراقبونني... لا أستطيع النوم... كلما أغلقت عينيّ أرى الوجوه نفسها... وعدوني بالمعرفة، لكنهم أخذوا مني كل شيء... إذا متّ، فليعرف أحدهم أنني لم أختر هذا الطريق." شعر ببرودة تتسرب إلى عروقه. كان الخط، بلا شك، خط آنا. هنا، في قلب الغابة، وجدت لهفتها الأخيرة ملاذًا. مدّ يده نحو الصندوق الخشبي وفتحه ببطء. في داخله، وُجدت دمية صغيرة، منحوتة من العظم، مخيطة بخيط أسود غريب، نفس الخيط الذي خيطت به أطراف آنا بعد موتها. عينا الدمية كانتا من زج

  • خيوط الجريمة   أسرار الخيط الأسود

    لم يكن الليل في رايفنوود يشبه أي ليل آخر. المدينة التي يطوّقها الضباب بدت كأنها تنام فوق صدرٍ خانق، لا تسمح لأي نَفَس أن يخرج أو يدخل إلا مثقلاً بالرهبة. دانييل، وهو عائد من الكوخ، كان يشعر أن كل شارع يمرّ به يزداد ضيقًا، وأن كل نافذة مغلقة تراقبه بعين خفية. في جيبه، تلك القصاصة الورقية الصغيرة، نظيفة كأن يدًا غير بشرية وضعتها هناك بعناية. الكلمات الثلاث ما زالت تحرق ذهنه: "الخطوة التالية في المقبرة." جلس ساعات طويلة في مكتبه يتأمل الورقة. أصوات المدينة تخبو، عقارب الساعة تمضي نحو الثانية بعد منتصف الليل. تساءل: أي مقبرة؟ البلدة بها أكثر من واحدة، لكن أشهرها هي "مقبرة رايفنوود القديمة"، تلك التي تعود إلى أوائل القرن الثامن عشر، حيث قُبر الجنود والمهاجرون الأوائل، وحيث تكثر الحكايات عن أشباح تتجول بين القبور بعد الغروب. مع بزوغ الفجر، قرر أن يبدأ رحلته. ارتدى معطفه الطويل، وأخذ مصباحه، ودفتر ملاحظاته، وتوجه نحو المقبرة. الطريق إليها كان صامتًا بشكل غير طبيعي، حتى العصافير لم تغرد. حين وصل إلى البوابة الحديدية الصدئة، فتحها بصوت صرير ارتجّ صداه في الفراغ. أمامه، امتدت صفوف لا تنتهي من

  • خيوط الجريمة   الجريمة التي لا تعرف تفسيرا

    "خيوط الجريمة" ـ بقلم داعس سادرموب لم تكن السماء في تلك الليلة سوى صفحة رمادية مثقلة بغيوم كثيفة، تُفرغ بين حين وآخر مطرًا دقيقًا يهبط بخفة، لا يغسل شيئًا ولا يروي الأرض، لكنه يترك على الأسفلت بريقًا باهتًا يشبه العرق البارد على جسد محموم. والبلدة الصغيرة، رايفنوود، كانت صامتة على غير عادتها، كأن المطر حمل معه وصية بالصمت، فلا ضحكات سكارى في الأزقة، ولا جلبة عربات عند الميدان، فقط وقع قطرات متلاحقة على أسطح المنازل المتهالكة، وصفير ريح يتسلل بين فجوات النوافذ القديمة. عند الطرف الشرقي من البلدة، حيث تقف بناية متداعية شُيّدت قبل نصف قرن لتكون منزلاً ريفيًا ثم تحوّلت فيما بعد إلى سكن طلابي رخيص، تكدّست سيارات الشرطة والإسعاف، وأضاءت الأضواء الزرقاء والحمراء الواجهة الكئيبة بلون متقطع، كأنها تُسلّط على مسرح جريمة مسرحية لا تُعرض إلا على أشباح الليل. انتشر رجال الشرطة في المكان كأشباح متوترين، يضعون الأشرطة الصفراء حول السلالم والباب، يكتبون في دفاترهم، يلتفتون بين الحين والآخر نحو الداخل بنظرات مشدودة. في الداخل، كانت الرائحة أول ما يضرب أنف الداخلين؛ مزيج خانق من العطن والحديد الصدئ

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status