LOGINلم تكن ليان تعرف لماذا سمحت لذلك الرجل بأخذها معه، ولا لماذا شعرت بأن رفضها لم يكن ليغيّر شيئًا من مصيرها. كل ما عرفته أنها كانت تسير خلفه وسط الغابة المظلمة، بينما كانت أصوات المطاردة تتلاشى تدريجيًّا خلفهما.
كان آزر يمشي بخطوات ثابتة، وكأن المطر والظلام والطريق الوعر لا تعني له شيئًا. لم يلتفت إليها مرة واحدة ليتأكد من أنها ما زالت خلفه، ولم يعرض مساعدتها رغم العرج الذي بدأ يظهر في خطواتها. أما ليان، فكانت تحاول تجاهل الألم في كاحلها، لكنها لم تستطع تجاهل الأسئلة التي أخذت تتزاحم في رأسها. مَن يكون هذا الرجل حقًّا؟ ولماذا ظهر في اللحظة التي كادت تقع فيها في أيدي مطارديها؟ وكيف ظهرت العلامة نفسها على معصمه؟ توقفت فجأة. «انتظر!» واصل آزر السير، وكأنه لم يسمعها. رفعت صوتها قائلة: «قلت لك انتظر!» توقف أخيرًا، ثم استدار ببطء. كانت عيناه الحمراوان تبدوان أكثر غرابة تحت ضوء القمر، وملامحه الجامدة لا توحي بأنه اعتاد سماع الاعتراضات. «ماذا تريدين؟» عقدت ذراعيها أمام صدرها، محاولة إخفاء ارتجاف أصابعها. «أريد أن أعرف إلى أين تأخذني.» «إلى مكان لن يستطيعوا الوصول إليك فيه.» «وهل يُفترض بي أن أصدقك لمجرد أنك أنقذتني؟» نظر إليها لحظات، ثم قال ببرود: «لا يهمني ما تصدقينه.» اشتعل الغضب في عينيها. «إذن، لماذا أنقذتني؟» لم يجبها. اقتربت منه خطوة، متحدية الخوف الذي كان يطالبها بالابتعاد. «أنت تعرف اسمي، وتعرف العلامة التي على معصمي، ويبدو أن ذلك الرجل يخافك. أريد إجابات واضحة، وليس أوامر غامضة.» تأملها آزر بصمت، ثم وقعت عيناه على كاحلها المتورم. «أنت بالكاد تستطيعين الوقوف.» «هذا ليس من شأنك.» «بل أصبح من شأني منذ قررتِ القفز من نافذة منزلك.» اتسعت عيناها. «كيف عرفت؟» استدار وأكمل سيره، تاركًا إياها تحدق في ظهره بغيظ. «هل ستظل تتصرف هكذا طوال الوقت؟» صاحت خلفه. جاءها صوته من بين الأشجار: «غالبًا.» كادت تسبه، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة. لم تكن تعرف إن كان الرجل الذي يسير أمامها منقذًا أم خطرًا آخر، لكنها كانت متأكدة من أمر واحد: أنها لم تلتقِ في حياتها شخصًا مستفزًّا إلى هذه الدرجة. بعد دقائق، وصلا إلى طريق ضيق تحيط به الأشجار العالية. كانت هناك عربة سوداء تنتظرهما، تجرها خيول داكنة لم يصدر عنها صوت واحد. فتح أحد الرجال الواقفين بجوار العربة الباب فور رؤية آزر، ثم انحنى باحترام. «مولاي.» تجمدت ليان. مولاي؟ إذن، لم يكن مجرد رجل غامض يتمتع بقوة غير طبيعية. كان شخصًا ذا مكانة كبيرة، وربما كان صاحب سلطة يخشاه الجميع. صعد آزر إلى العربة، ثم التفت إليها. «اصعدي.» نظرت إلى الباب المفتوح، ثم إليه. «لن أذهب إلى أي مكان قبل أن تخبرني مَن أنت.» تنهد الرجل الواقف بجوار العربة، وكأنه لم يعتد رؤية أحد يتحدث مع سيده بهذه الطريقة. أما آزر، فظل هادئًا على نحو أثار أعصابها أكثر. «آزر ڤالين.» انتظرت أن يكمل، لكنه لم يفعل. «وهذا كل شيء؟» «بالنسبة إليك، نعم.» «وماذا عن لقبك؟» ظهرت في عينيه لمعة باردة. «أمير مملكة الظلال، ووريث عرش مصاصي الدماء.» شعرت ليان بأن الأرض تميد تحت قدميها. مصاصو الدماء. الكلمات التي سخرت منها طوال حياتها أصبحت فجأة حقيقة تقف أمامها في هيئة رجل يرتدي معطفًا أسود، ويتحدث كما لو أن مصير الآخرين لا يستحق منه أكثر من بضع كلمات. تراجعت خطوة. لاحظ آزر حركتها، لكنه لم يبدُ منزعجًا. «إن كنتِ ستصرخين، فمن الأفضل أن تفعلي ذلك قبل أن نتحرك. لا أحب الضوضاء داخل العربات.» حدقت فيه غير مصدقة. «أنت مصاص دماء؟» «هل أبدو لكِ كأنني أمزح؟» نظرت إلى عينيه، ثم إلى أنيابه التي ظهرت للحظة عندما تحدث. ابتلعت ريقها بصعوبة. كان ينبغي لها أن تهرب. كان ينبغي لها أن تركض بعيدًا عن ذلك الرجل، حتى لو اضطرت إلى العودة إلى الغابة. لكنها تذكرت والدها، والرجال الذين اقتحموا منزلها، والتهديد الذي سمعته قبل أن تقفز من النافذة. «أبي...» همست. تغير صوتها عندما رفعت عينيها إلى آزر. «أريد العودة إلى منزلي.» لم يجبها فورًا. «لا يمكنك العودة.» «لماذا؟» «لأن المنزل لم يعد آمنًا.» «وماذا عن أبي؟» صمت. كان ذلك الصمت كافيًا ليجعل قلبها ينقبض. اقتربت منه وأمسكت بطرف معطفه. «أخبرني ماذا حدث له!» أمسك آزر بيدها وأبعدها عن معطفه، دون أن يؤذيها. «لا أعرف إن كان والدك حيًّا أم ميتًا.» تراجعت ليان، وشحب وجهها. «أنت تكذب.» «لا أملك سببًا للكذب عليكِ.» «لقد كنت هناك! رأيتك في الغابة، ولا بد أنك تعرف شيئًا!» «كنت في الغابة، لا في منزلك.» انهمرت الدموع في عينيها، لكنها رفضت السماح لها بالسقوط أمامه. لم تكن تريد أن تمنحه فرصة لرؤيتها ضعيفة. قالت بصوت مبحوح: «أعدني إلى القرية.» نظر إليها آزر طويلًا، ثم قال: «حين أضمن أنك لن تُقتلي في الطريق.» «لا أريد حمايتك!» «هذا مؤسف، لأنك تحتاجين إليها.» استدار وصعد إلى العربة، تاركًا الباب مفتوحًا. وقفت ليان مكانها للحظات، ثم صعدت وجلست في الطرف المقابل له. لم يكن ذلك موافقة منها على الثقة به، بل اعترافًا بأنها لا تملك وسيلة أخرى لمعرفة الحقيقة. أُغلق الباب، وانطلقت العربة وسط الغابة. استمر الطريق وقتًا طويلًا، بينما كانت ليان تراقب الأشجار من النافذة. كلما ابتعدوا عن القرية، ازداد شعورها بأنها تترك حياتها القديمة خلفها. كان آزر يجلس في مواجهتها، يقرأ رسالة صغيرة تحت ضوء مصباح معلق في سقف العربة. راقبته للحظات، ثم سألت: «كم يبلغ عمرك؟» رفع عينيه إليها. «لماذا؟» «لأنك تبدو في الخامسة والعشرين تقريبًا، ومع ذلك تتحدث عن مملكتك وكأنك عشت قرونًا.» طوى الرسالة ووضعها في جيبه. «عمري مئتان وثمانون عامًا.» حدقت فيه. «هذا مستحيل.» «ستجدين أن كلمة مستحيل ستفقد معناها في الأيام المقبلة.» أشاحت بوجهها نحو النافذة. «أنا لا أصدقك.» «لست بحاجة إلى تصديقي.» ساد الصمت مجددًا، حتى شعرت ليان بأنها ستنفجر إن لم تجد شيئًا آخر تسأله. رفعت معصمها أمامه. «ما هذه العلامة؟» توقفت عيناه عند الهلال الفضي، واختفت اللامبالاة من ملامحه لثانية واحدة. كانت ثانية قصيرة، لكنها لم تفلت من ملاحظتها. «أنت تعرف شيئًا عنها.» لم ينكر. «أعرف ما يكفي لأدرك أنك في خطر.» «وهل ظهرت على معصمك أيضًا؟» نظر إلى يده، حيث اختفت العلامة تمامًا. «نعم.» «لماذا؟» «لا أعرف.» «أنت أمير مصاصي الدماء، ومع ذلك لا تعرف لماذا تظهر علامة غريبة على يدك؟» رفع حاجبه. «هل تتوقعين مني أن أعرف إجابة كل سؤال تطرحينه؟» «أتوقع منك أن تتوقف عن التصرف وكأنك الشخص الوحيد الذي يحق له طرح الأسئلة!» للمرة الأولى، بدا وكأنه على وشك الابتسام، لكنه أخفى ذلك سريعًا. «أنت كثيرة الكلام.» «وأنت قليل الأدب.» «انتبهي إلى كلماتك، يا ليان.» «وإلا ماذا ستفعل؟ ستعضني؟» ما إن خرجت الكلمات من فمها حتى أدركت أنها ربما تجاوزت حدودها. ساد صمت ثقيل. ثبت آزر عينيه عليها، ثم مال إلى الأمام قليلًا. «لو أردت إيذاءك، لما احتجت إلى تهديدك.» تسارعت أنفاسها، لكنها أجبرت نفسها على الثبات. «إذن، لماذا لا تؤذيني؟» لم يجب. عاد إلى مقعده، وأدار وجهه نحو النافذة. لكن ليان لاحظت شيئًا لم تستطع تفسيره؛ فقد كان يضغط أصابعه بقوة، وكأنه يقاوم رغبة في قول شيء لا يريدها أن تسمعه. عندما توقفت العربة أخيرًا، كان الليل قد ازداد عمقًا. فتحت ليان الباب قبل أن يساعدها أحد، ونزلت ببطء، ثم رفعت رأسها. وتجمدت في مكانها. أمامها ارتفع قصر أسود هائل، تحيط به أسوار حجرية شاهقة وأبراج مدببة تخترق الضباب. كانت النوافذ مضاءة بضوء خافت، بينما امتدت حديقة واسعة على جانبي الطريق، تتخللها أشجار عارية وورود حمراء داكنة. وفي أعلى البرج الرئيسي، رفرفت راية سوداء تحمل هلالًا فضيًّا. شعرت ليان ببرودة تسري في جسدها. لقد رأت هذا المكان من قبل. في أحلامها. الممرات الطويلة، والأبراج السوداء، والنافذة العالية التي كانت تقف عندها كل ليلة، منتظرة الرجل الذي يناديها من بعيد. كان هذا هو القصر نفسه. همست دون وعي: «أنا أعرف هذا المكان.» وقف آزر بجوارها. «ماذا قلتِ؟» التفتت إليه بسرعة. «لا شيء.» لم يصدقها، لكنها لم تمنحه فرصة للسؤال. تقدم أحد الحراس وفتح البوابة الحديدية الضخمة. وما إن دخلا حتى شعرت ليان بأن القصر يراقبها، وكأن كل نافذة مظلمة تخفي عينين تنتظران وصولها. في البهو الرئيسي، وقف عدد من الخدم والحراس في صفين. انحنوا جميعًا عندما مر آزر، لكن نظراتهم انتقلت إلى ليان بفضول واضح. همست امرأة مسنة تقف قرب الدرج: «إنها تحمل علامة القمر...» رد رجل بجوارها بصوت خافت: «ظننت أن سلالتها انتهت.» سمعت ليان الكلمات، فتوقفت. «ماذا تقصدان؟» تبادلت المرأة والرجل نظرة سريعة، ثم انحنيا في صمت. التفتت ليان إلى آزر. «ما الذي يعرفونه عني؟» أجاب دون أن ينظر إليها: «أكثر مما ينبغي.» ثم أشار إلى أحد الخدم. «خذها إلى الجناح الشرقي، وأخبر الطبيب أن يفحص كاحلها. لا يسمح لأحد بدخول غرفتها دون إذني.» رفعت ليان رأسها باعتراض. «لحظة واحدة! أنا لست سجينة لديك.» استدار آزر نحوها. «من هذه اللحظة، أنتِ تحت حمايتي.» «لم أطلب حمايتك.» «ولم أطلب رأيك.» اشتعل الغضب في عينيها. «أكرهك.» اقترب منها حتى أصبح صوته خافتًا لا يسمعه سواها. «هذا أفضل لكِ.» ثم ابتعد، وصعد الدرج بخطوات هادئة، حتى اختفى خلف أحد الممرات. وقفت ليان تحدق في المكان الذي اختفى فيه، وهي تحاول فهم معنى كلماته. لماذا بدا وكأنه يريدها أن تكرهه؟ ولماذا شعرت، رغم كل خوفها وغضبها، بأن وجودها في ذلك القصر لم يكن مصادفة؟ قادتها الخادمة إلى غرفة واسعة ذات ستائر سوداء وأثاث قديم. كان هناك سرير كبير قرب النافذة، ومدفأة مشتعلة، ومرآة فضية تحيط بها نقوش تشبه الهلال الذي على معصمها. شكرت الخادمة بصوت خافت، ثم أغلقت الباب وجلست على حافة السرير. للمرة الأولى منذ بداية الليل، سمحت لدموعها بالسقوط. بكت والدها، ومنزلها، وحياتها التي انقلبت في ساعات قليلة. ثم مسحت وجهها، ورفعت معصمها أمام الضوء. كانت العلامة قد اختفت. لكن عندما نظرت إلى المرآة، شعرت بأن الدم تجمد في عروقها. لم يكن انعكاسها وحده ظاهرًا في الزجاج. خلفها، عند باب الغرفة، وقف آزر ڤالين. لم يكن موجودًا في الغرفة، فقد كانت تسمع خطوات الخدم في الممر البعيد، ولم ترَ الباب يُفتح. ومع ذلك، كان انعكاسه واضحًا في المرآة، وعيناه الحمراوان مثبتتين عليها. استدارت بسرعة. لم تجد أحدًا. عادت تنظر إلى المرآة، فوجدتها خالية إلا من انعكاسها. وفي اللحظة نفسها، سمعت همسة خافتة تأتي من خلف الجدار: «مرحبًا بعودتك، يا ابنة القمر.»لم يكن الصمت الذي أعقب انغلاق الباب الأول يشبه أي صمت عرفته ليان من قبل.لم تكن هناك أصوات أطفال خلف الأبواب، ولا همسات أسماء منسية، ولا صرخات ملوك يخشون فقدان عروشهم.كان كل شيء ساكنًا.حتى آزر، الذي اعتاد أن يقف في وجه الظلام دون أن يرمش، بدا وكأنه يخشى أن يتحرك فتنهار الحقيقة الأخيرة أمامه.أما ليان، فكانت تنظر إلى الخاتم الأسود عند قدميها.كان الاسم المنقوش عليه يلمع بخفوت.أزراخ.اسم اختاره شخص لم يُمنح فرصة ليختار شيئًا طوال وجوده.قالت ليان بهدوء:«لقد اختار اسمه.»أجاب آزر:«نعم.»«إذن لماذا أشعر أننا خسرنا؟»نظر إلى الباب المغلق.«لأننا اعتدنا أن نعتقد أن كل اختيار جديد لا بد أن يكون بداية كارثة.»رفعت عينيها إليه.«وهل يمكن أن يكون بداية حياة؟»لم يجب فورًا.ثم مد يده إليها.«يمكننا أن نكتشف ذلك معًا.»وضعت ليان يدها في يده.وفي اللحظة التي تلامست فيها أصابعهما، أضاء الخاتم الأسود، وظهر على سطحه سطر أخير:«الاسم الذي يُمنح بالإجبار يصبح قيدًا، أما الاسم الذي يُختار بحرية فيصبح بابًا.»انفتح الباب الأول من تلقاء نفسه.لكن هذه المرة، لم يكن خلفه ظلام.كان خلفه فجر.### ١. العا
لم يتحرك آزر.كان الرجل الواقف أمامه يحمل وجهه، لكن ملامحه لم تكن ملامح رجل عاش حياة طويلة؛ كانت ملامح شخص لم يبدأ حياته أصلًا.شعره أبيض كالثلج، وعيناه فضيتان صافيتان، وعلى إصبعه خاتم أسود يشبه الخاتم الذي تحمله ليان.قال الرجل مرة أخرى:«لقد تأخرتَ كثيرًا، يا أزيراث.»رفع آزر ذقنه.«توقف عن مناداتي بهذا الاسم وكأنك تعرفني.»ابتسم الرجل.«أنا الذي منحك هذا الاسم.»«أبي قال إنني اخترته.»«أبوك لم يكن يعرف أن الاسم الذي اخترته كان اسمي في البداية.»اقترب الرجل خطوة.«أنت لم تولد من رحم امرأة، يا آزر. لقد كنت احتمالًا، ثم صرت طفلًا، ثم منحك العالم اسمًا حتى لا يضطر إلى الاعتراف بالحقيقة.»تدخلت ليان:«ما الحقيقة؟»التفت الرجل إليها.تغيرت ابتسامته قليلًا، وكأن رؤيتها تسببت في ألم لم يتوقعه.«أنني كنت أستطيع أن أكونه.»وأشار إلى آزر.«وأنه كان يستطيع أن يكونني.»قال آزر:«أنت لا تجيب عن أسئلتنا.»«لأنك لا تعرف أي سؤال يجب أن تطرحه.»ثم نظر إلى الطفل الذي استعاد الاسم السادس.«أما أنت، فقد حصلت على ما أردت.»قال الطفل:«لم أحصل على كل شيء.»«بالطبع. لا أحد يحصل على كل شيء.»ابتسم الرجل ذو
لم يكن أحد يتنفس.وقف الطفل أمام الباب المغلق، مرتديًا ثوبًا أبيض واسعًا، وقدماه الحافيتان تلامسان أرض القصر الباردة. كان شعره أسود، وعيناه فضيتين تشبهان عيني الرجل الذي ادعى أنه والد آزر.لكن الشيء الأكثر رعبًا لم يكن مظهره.بل أن الرجل ذا العينين الفضيتين، الذي واجه الملوك والأسماء والاحتمالات دون أن يتراجع، كان ينظر إلى الطفل كما لو أنه رأى قبره يفتح أمامه.همست إيلارا:«هذا غير ممكن.»رفع الطفل حاجبه.«تقولين ذلك دائمًا عندما يحدث شيء لا تريدين تذكره.»تراجع الملك الأول حتى اصطدم بالجدار.وللمرة الأولى منذ عرفته ليان، بدا أصغر من عمره.قال الطفل:«مرحبًا، أخي.»لم يرد الملك الأول.ابتسم الطفل.«أم أنك لا تتذكرني أيضًا؟»### ١. الاسم الذي لم يُمنحاقترب آزر من الطفل، بينما بقيت ليان إلى جانب أثرا.قال آزر:«مَن أنت؟»نظر الطفل إليه باهتمام.«أنت تسأل السؤال نفسه الذي سألتني إياه في المرة الأولى.»«متى؟»«قبل أن يصبح لك اسم.»تجمد آزر.تابع الطفل:«كنتَ تقف أمام باب أسود، وتبكي لأنك لم تستطع الدخول. قلتَ إنك تريد مساعدة الشخص الموجود خلفه، لكنك لم تكن تعرف مَن يكون.»سأله آزر:«وهل
«آزر ڤالين... لقد انتظرتُك طويلًا.»لم يكن الصوت صوت ليان.كان يخرج من فمها، لكنه يحمل نبرة امرأة أخرى؛ امرأة عاشت قبل ولادة الملوك، وقبل أن تُغلق الأبواب، وقبل أن يتعلم العالم كيف يخفي جرائمه خلف الأسماء.تراجع آزر خطوة.لم يكن خوفه منها.بل خوفه مما قد يحدث إذا نطق الاسم الذي بدأ يتشكل في ذاكرته.قال بصوت خافت:«أنتِ لستِ ليان.»ابتسمت المرأة.«أخيرًا، قلتَ شيئًا صحيحًا.»تقدمت نحوه.حاولت إيزادورا الوصول إلى ابنتها، لكن الملك الأول رفع يده ومنعها.صرخت إيزادورا:«أبعد يدك عنها!»قال الملك الأول:«إذا لمستِها الآن، فقد تفقدينها إلى الأبد.»«إنها ابنتي!»«وأنا الذي صنع الباب الذي دخلت منه هذه المرأة.»نظر إلى ليان، ثم أضاف بصوت أكثر انخفاضًا:«إذا كانت قد عادت فعلًا، فإن ما نراه ليس استحواذًا عابرًا. إنه استيقاظ.»اقتربت إيلارا من الملك الأول.«كنتَ تعرف أن هذا سيحدث.»أجابها:«كنت أعرف أنه احتمال.»«بل كنت تعرف أن الاسم الذي محوناه لم يمت.»لم ينكر.وفي تلك اللحظة، أدركت ليان، رغم أن وعيها كان غارقًا في ظلام لا نهاية له، أن الجميع يعرفون شيئًا عنها لم يخبرها به أحد.حتى المرأة التي
لم يتحرك أحد.حتى الظلال التي كانت تزحف على جدران الغرفة توقفت، وكأنها تخشى أن تقترب من الباب الأسود.وقفت إيلارا أمام ليان، ويداها ترتجفان للمرة الأولى منذ خروجها من المرآة.أما آزر، فقد تقدم خطوة ووضع نفسه بينهما وبين الباب.قال بصوت بارد:«إذا كنتَ الملك الأول، فاخرج من الظلام وتحدث كملك.»جاءه صوت الرجل من خلف الباب:«ما زلت تتحدث كما لو أن الأسماء تمنح أصحابها القوة.»أجاب آزر:«والاختباء لا يمنحك الشجاعة.»ساد صمت قصير.ثم انفتح الباب.ظهر رجل يرتدي ثوبًا أسود طويلًا، تتدلى من أطرافه سلاسل فضية دقيقة. لم يكن يرتدي تاجًا، ولم يحمل سيفًا، لكن كل شيء في الغرفة بدا وكأنه ينحني أمامه.كان شابًا في مظهره، بملامح هادئة وعينين رماديتين.ومع ذلك، حين رأته ليان، شعرت بأنها تنظر إلى شخص عاش أطول من جميع الملوك الذين عرفتهم.الملك الأول.الرجل الذي صنع الأبواب، وجمع الأسماء، وحاول إعادة أبيه من الموت.لكنه لم ينظر إلى آزر.ولم ينظر إلى إيزادورا أو سليم.كانت عيناه مثبتتين على إيلارا.قال:«لقد أخبرتكِ ألا تعودي.»رفعت إيلارا ذقنها.«وأخبرتكَ أنني لن أظل محبوسة إلى الأبد.»«لم أطلب منكِ البق
«والمشكلة أنني لا أعرف إن كنتُ قد قتلتها في الماضي... أم أنني سأقتلها الآن.»لم تسأله ليان عن المرأة التي يتحدث عنها.لم تصرخ.ولم تهرب.ظلت تنظر إلى عينيه، إحداهما فضية والأخرى سوداء، وتحاول أن تجد بينهما الرجل الذي أحبته.قالت بهدوء:«هل تريد قتلي؟»تغير وجه آزر.«لا.»«هل تشعر برغبة في إيذائي؟»«لا.»«إذن لماذا تخاف؟»خفض عينيه إلى يديه.«لأنني لا أثق بنفسي.»كانت تلك أول إجابة صادقة تسمعها منه منذ استعاد اسمه.اقتربت ليان خطوة، لكنه تراجع فورًا.«لا تقتربي.»توقفت.«حسنًا.»رفع رأسه، وكأنه لم يتوقع أن تستجيب بهذه السهولة.قال:«ألا تريدين أن تعرفي ماذا رأيت؟»«أريد.»«ألا تخافين مني؟»أجابت:«أخاف مما لا أفهمه. لكنني لن أتعامل معك كأنك وحش لمجرد أنك تخشى أن تصبح واحدًا.»ارتجفت عيناه للحظة.ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة، لم تكتمل.«كنتِ تقولين شيئًا مشابهًا في الماضي.»«هل تذكرتني؟»اختفت الابتسامة.«لا.»أومأت ليان.«إذن سنبدأ من جديد.»لكن آزر هز رأسه.«لا يمكنكِ أن تبدئي من جديد مع شخص قد يكون قتلَكِ في حياة سابقة.»نظرت إليه بثبات.«يمكنني أن أبدأ من جديد مع شخص يختار ألا يؤذ







