首頁 / الرومانسية / دموع تطفئ العشق / البارت الثانى والعشرون

分享

البارت الثانى والعشرون

作者: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-26 07:51:48

وسط صخب الاحتفالات، وأجواء عقود القران، والتجمعات العائلية التي تضج بالحياة في كل مكان، كان هناك ركن مظلم بارد لا يلتفت إليه أحد، حيث يجلس أيمن بمفرده. انزوى عن العالم وكأن غيابه لا يُحدث فارقاً، فلم يعد يهتم لوحدته القاتلة إنس، واستسلم لواقعه الجديد حتى أصبحت شاشة حاسوبه وهاتفه هما أصدقاءه الوحيدين، بل وعائلته البديلة التي لا تلومه ولا تنفر منه. لم يعد هناك رنين يكسر صمت هاتفه الموحش، سوى اتصالات متقطعة تأتيه من وتين وأخيها تيم.

كانت الوحدة تعتصر قلب أيمن بقسوة كأنها كتلة من حديد تطبق على أنفاسه. إنه يقف الآن في منتصف طريق وعر ومؤلم؛ في برزخ خانق بين ماضٍ يطالبه بمحو ذكريات طفولته بالكامل من ذاكرته تلك الذكريات التي عاشها ولم يعد يستطيع البوح بها أو مجرد التلميح إليها وبين حاضر مجهول لا يستطيع التأقلم معه في حياته الجديدة كذكر.

وما زاد الطين بلة والموقف قسوة، هو موقفه داخل بيته؛ فوالده حريص كل الحرص على الصمت التام وعدم التطرق لهذا الأمر نهائياً، بل ويتجنب النظر في عينيه، واصفاً إياه في خلواته وبعينيه القاسيتين بوصمة العار التي حلت بالعائلة. أما والدته، فبالرغم من مضي كل هذه المدة، لم تتغير نظراتها الجافة والمليئة بالنفور والصدمة قط، وكأنها تنظر إلى غريب اقتحم بيتها، لا إلى قطعة من روحها.

انعكس هذا التمزق النفسي على تفاصيل يومه؛ فبات ينتهي به الحال في الصباح مطروداً إلى جامعته، يسير في ممراتها وحيداً، منبوذاً بخوفه، دون أن يمتلك القدرة أو الجرأة على تكوين صداقة واحدة. كان يقف بعيداً، يتطلع إلى ضحكات زملائه وتجمعاتهم بعيون منكسرة، وكأنه متفرج يقف في عتمة قاعة سينمائية، يشاهد أحداث فيلم درامي يخص أناساً آخرين لا يمتون له بصلة. وفي المساء، يعود السيناريو ذاته؛ إذ يغلق عليه باب غرفته، ليتجرع الكأس نفسها وحيداً مع أفكاره وهواجسه.

لم يكن يقطع حبل هذه العزلة المسمومة، ويسحب روحه من حافة الهاوية، سوى تلك اللقاءات القليلة العابرة التي تجمع بينه وبين وتين، وأحياناً مع تيم. كانت تلك الساعات القليلة التي يرى فيها وجوههم هي المساحة الآمنة الوحيدة في كونه، واللحظات السعيدة النابضة بالحيوية التي تشعره بأنه ما زال على قيد الحياة، وأن هناك في هذا العالم الشاسع من يتقبله دون شروط أو أحكام مسبقة.

✨✨✨✨✨✨✨

كانت سيليا تتمدد على فراشها، غارقة في نوم عميق وثقيل، كمن يهرب من أفكاره إلى عالم الأحلام. وفجأة، شعرت بكفين تهزان كتفها بقوة وإلحاح؛ انتفضت بجسدها بفزع، وتطلعت بعينين مشوشتين لتجد خالتها "رانيا" تقف فوق رأسها بملامح جادة وصارمة لا تحتمل التراخي، وقالت بنبرة مستعجلة

- صحي النوم يا سيليا! بقالي ساعة كاملة بحاول أصحيكي.. قومي وفوقي كده، وراكِ حاجات كتير جداً النهاردة، وخالد زمانه على وصول وتحت البيت

وقبل أن تستوعب سيليا الموقف أو تنطق بحرف واحد، انفتح باب الغرفة ودلف خالها حسن بابتسامته البشوشة، ثم اتجه نحو الفراش وجلس بجوارها، مربتاً على يدها وهو يمازحها بنبرة دافئة

- إيه يا عروسة يا كسلانة؟ كل ده نوم؟ ده إحنا رتبنا اليوم كله وإنتي لسه في سابع نومة

تنقلت نظرات سيليا المربكة بين خالها وخالتها، محاولةً استيعاب هذه الثورة العارمة المباغتة في الصباح الباكر، خاصة وأن اليوم هو يوم إجازتها الأسبوعية التي انتظرته طويلاً لترتاح.

نهضت رانيا ب حيوية واتجهت نحو خزانة الملابس، وفتحت ضلفتيها وبدأت تنتقي لسيليا طقماً للخروج بعناية وهي تقول بلهفة أموية

- يا حبيبتي مفيش وقت نضيعه خالص.... النهاردة لازم ننزل ونلف عشان نحجز فستان الزفاف، ونشوف القاعة، ونشتري كل الحاجات اللي ناقصاكي في الجهاز.. مش فاضل غير شهر واحد بس على امتحاناتك النهائية، ومن بعدها الفرح على طول يا سوسو، يعني الوقت بيسرقنا

تطلعت إليها سيليا بأعين منكسرة تجاهد بصعوبة لتفتحها من فرط النعاس؛ بدا لها الأمر بأكمله شاقاً ومجهداً لفكرها قبل جسدها. مالت بجسدها نحو الوسادة مرة أخرى، وقالت بنبرة خاملة متهدجة

- بقولكم إيه.. روحوا إنتوا اختاروا القاعة والفستان وهاتوا كل اللي يعجبكم، أنا موافقة على أي حاجة تختاروها.. بس سيبوني أنام أرجوكم، أنا ما صدقت إن مفيش جامعة النهاردة

لم يكد حديثها ينتهي حتى دوي صوت رجولي حازم، مستنداً على إطار باب الغرفة؛ التفت الجميع ليجدوا خالد واقفاً يطالعها بنظرات حانية ممتزجة بالجدية، وهتف ضاحكاً

- لا دَا إحنا نسيب النوم ده خالص بقى.. قومي يا كسلانة، مفيش أعذار النهاردة

فور سماعها صوته ورؤيته يقف على عتبة غرفتها، انتفضت سيليا من فراشها كمن أصابته صعقة؛ عدلت ثيابها سريعا بيدين مرتعشتين، وتلون وجهها باللون الأحمر القاني من شدة خجلها العفوي. انسحبت من الفراش بهدوء وحياء شديدين لتستعد للخروج، بينما انطلقت ضحكات حسن ورانيا وخالد في أرجاء الغرفة، آخذين في التندر على ردة فعلها الطفولية المذعورة.

بالفعل، خرجت سيليا معهم وانطلقت المجموعة في رحلة التجهيز؛ تنقلت بين محلات فساتين الزفاف حتى انتقوا فستاناً يليق برقتها، وابتاعوا بعض المستلزمات الشخصية. وفي تلك الأثناء، كان الخال حسن يتولى المهمة الأكبر؛ فتنقل مع خالد بين معارض الأجهزة الكهربائية، وقام بشرائها كاملة بالإضافة إلى قطع أساسية ناقصة في جهازها، متكفلاً بكل شيء دون أن يتركها تشعر بنقص. غمر سيليا شعور عارم بالامتنان الجارف لخالها الذي عوضها بوجوده عن جفاء والدها وقسوته.

لكن، في وسط ذلك الصخب والتفاصيل الجميلة، كان ثمة خيط رفيع من الوجع يلتف حول عنقها؛ شعرت فجأة بأن ثمة شيئاً هاماً للغاية ينقصها.. ينقصها ذلك الشعور بالانبهار، أو الفرحة العارمة التي تجتاح العرائس في مثل هذه اللحظات. وجدت أن الأمر يمر عليها عادياً تماماً، رتيباً ولا يستدعي كل هذه الهالة. راحت تفتش في زوايا قلبها المظلمة عن تلك السعادة التلقائية التي تشرق بها وجوه الفتيات، فلم تجد لها أثراً؛ حتى إنها لم تستطع في لحظتها تلك أن تصل لربع حجم الفرحة البسيطة التي كانت تتسم بها في طفولتها ويقينها الماضي حين كانت تشتري ملابس عيد الفطر الجديدة

توقفت للحظات، وتطلعت إلى وجوه المحيطين بها؛ التمست تلك الفرحة الحقيقية تشع من عيون خالتها وخالها، وحين ركزت بنظرها على خالد، شاهدت سعادته الطاغية التي تملأ ملامحه، وتلك اللمعة الحانية في عينيه وهو يراقبها بفخر كملك توج بمملكته؛ هنا فقط، هدأت ثورتها الداخلية وشعرت بنوع من الرضا والسكينة، مكتفية بأن تكون سبباً في بهجة من يحبونها.

عند المساء، عادت سيليا إلى المنزل منهكة القوى؛ ولم تجد مستقراً لروحها المتعبة سوى أن ترتمي بين أحضان جدتها العجوز كما اعتادت دائماً. أخذت تقص عليها تفاصيل يومها الطويل، من حجز الفستان للأجهزة ومزاح خالد، لكن غمرة حديثها تلاشت حين تطلعت بدقة في وجه جدتها.

لمحت سيليا وهناً بادياً، وثقلاً غريباً يكسو ملامح الجدة؛ بالرغم من أن العجوز سارعت بنفي تعبها وابتسمت لتطمئنها، إلا أن غريزة سيليا وقلبها لم يخطئا. انقبض صدرها بشدة؛ ف تدهور حالة جدتها الصحية الملحوظ وبطء حركتها بات أمراً لا يمكن إخفاؤه، وأخذ شعور أسود، بارد ومخيف، يتسلل إلى نفس سيليا.. شعور يهمس لها بقرب نهاية أجل هذه السيدة التي تمثل لها الأرض والسماء، والمرفأ الأخير في هذا العالم.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • دموع تطفئ العشق    البارت الرابع والعشرون

    تحولت أيام سندس التالية إلى حلقة مفرغة، رتيبة، مملة، وخالية تماماً من أي شغف؛ باتت تتحرك في أرجاء شقتها الواسعة كآلة صماء تُنفذ الأوامر دون روح. وما زاد الطين بلة، هو ذلك الدوار المفاجئ الذي بات يجتاح رأسها في الأيام الأخيرة، ويجعل الدنيا تدور من حولها كلما بذلت أدنى مجهود. التفتت سندس بوجل، وأطلقت تنهيدة ثقيلة يملؤها الأسى عقب سماعها لصوت حركة المفتاح المألوفة في قفل الباب الخارجي؛ لقد وصل جلادها. نهضت بآلية تامة متوجهة نحو المطبخ لتحضير طعام العشاء، وهي تقبض بيدها على حافة المقعد لتحارب ذلك الشعور اللعين بالدوار الذي أخذ يضغط على صدغيها. دلج جمال إلى الداخل بوجهه المتجهم الصارم كالعادة، ألقى بمفاتيحه على المنضدة الخشبية بعنف أحدث جلبة، ثم ألقى بجسده في تعب وضعف بادٍ على مقعده الوثير، فالسن لها أحكامها التي يحاول إخفاءها دائماً بفرض سطوته. تتطلعت إليه سندس بطرف عينها وهي واجفة، واعتصر قلبها حزن مرير على نفسها وعلى ربيع عمرها المستباح مع هذا الكهل المتملّك. دلفت إلى المطبخ وبدأت في إعداد الأطباق بسرعة، ولم يمر سوى دقيقة واحدة حتى تغلغل صوته الجهوري الحاد من الخارج، ليمزق سكون

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثالت والعشرون

    وقفت وتين في بهو الجامعة الفسيح والحيرة تشل حركتها؛ كانت محاصرة بقرارات شتى وجدول زمن يغلي بالمواعيد المتضاربة. فمن جهة، اقترب موعد محاضرة هامة للغاية لا يمكنها تفويتها، ومن جهة أخرى، كان هاتفها يرتجف في يدها برسائل ملحة من شقيقها تيم، يستحلفها بالذهاب معه الآن لمقابلة مصيرية مع أحد المهندسين، لشرح فكرة ماكيت القاعة المتنقل ومساعدته في رسم خطط تنفيذها. وفي ذات التوقيت، انبثق على الشاشة اتصال من ريهام تخبرها بصوت متهدج أنها تحتاجها فوراً في أمر جلل، تلاه رنين متصل من سيليا التي تبحث عنها بالتأكيد لتبثها هماً جديداً. تطلعت وتين إلى شاشة هاتفها المضيئة بسيل من المكالمات والإشعارات المتلاحقة، وشعرت بضغط رهيب يجعل ألماً حاداً يدب في صدغيها ورأسها. أخذت نفساً عميقاً، وقررت إعمال منطق العقل؛ فرتّبت أفكارها في عقلها ب حسم: ستحضر محاضرتها أولاً، ثم تنطلق مباشرة لدعم أخيها تيم في مقابلته، وفي المساء تهبط لجمع شتات صديقتيها ريهام وسيليا. انقبض صدرها بارتياح وشعرت بالرضا عقب هذا الترتيب الاستراتيجي، واستدارت بسرعة لتتحرك نحو المدرج؛ لكن بهجتها المؤقتة تبددت في جزء من الثانية حين ارتطمت بقوة بج

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثانى والعشرون

    وسط صخب الاحتفالات، وأجواء عقود القران، والتجمعات العائلية التي تضج بالحياة في كل مكان، كان هناك ركن مظلم بارد لا يلتفت إليه أحد، حيث يجلس أيمن بمفرده. انزوى عن العالم وكأن غيابه لا يُحدث فارقاً، فلم يعد يهتم لوحدته القاتلة إنس، واستسلم لواقعه الجديد حتى أصبحت شاشة حاسوبه وهاتفه هما أصدقاءه الوحيدين، بل وعائلته البديلة التي لا تلومه ولا تنفر منه. لم يعد هناك رنين يكسر صمت هاتفه الموحش، سوى اتصالات متقطعة تأتيه من وتين وأخيها تيم. كانت الوحدة تعتصر قلب أيمن بقسوة كأنها كتلة من حديد تطبق على أنفاسه. إنه يقف الآن في منتصف طريق وعر ومؤلم؛ في برزخ خانق بين ماضٍ يطالبه بمحو ذكريات طفولته بالكامل من ذاكرته تلك الذكريات التي عاشها ولم يعد يستطيع البوح بها أو مجرد التلميح إليها وبين حاضر مجهول لا يستطيع التأقلم معه في حياته الجديدة كذكر. وما زاد الطين بلة والموقف قسوة، هو موقفه داخل بيته؛ فوالده حريص كل الحرص على الصمت التام وعدم التطرق لهذا الأمر نهائياً، بل ويتجنب النظر في عينيه، واصفاً إياه في خلواته وبعينيه القاسيتين بوصمة العار التي حلت بالعائلة. أما والدته، فبالرغم من مضي كل هذه المدة،

  • دموع تطفئ العشق    البارت الحادى والعشرون

    ساد صمت ثقيل خانق بين جمال وسندس طوال طريق العودة، صمت كان يسبق العاصفة ولم تبدده سوى تكات الساعة الرتيبة. وما إن دلفا من باب شقتهما وأُغلق خلفهما، حتى تفجر مخزون القهر في صدر سندس؛ التفتت إليه بجسد يرتجف، وجلبت شجاعتها المبعثرة لتعاتبه بنبرة باكية على تصرفاته الفظة، وآخرها ذلك الموقف المهين الذي جردها من كرامتها وسبب لها حرجاً بالستاً أمام صديقاتها وخال سيليا. لكن الكلمات تيبست في حلقها، وتوقفت عن الحديث تماماً عقب رؤية نظرته؛ كانت عيناه جمرتين متقدتين بالشرر، وتحملان وعيداً لا يوحي بخير أبداً. ابتلعت باقي حديثها في جوفها وهي ترتعب من أقصى أعماقها، لتتفاجأ به يتقدم نحوها بخطوات فاحشة القرب، ويصرخ بوجهها بصوت جهوري زلزل أركان الشقة - أنا اللي تصرفاتي غلط يا هانم؟! وإنتي إيه؟ قاعدة تتنططي وتضحكي وتكلمي ده وتسلمي على ده ولا كأن ليكي راجل مالي مركزة... لا ليا قيمة ولا إعتبار في حياتك استمر في صب جام غضبه وهو يلوح بيده بحدة، متذكراً تفاصيل الحفل التي أثارت حنقه - عاجبك قوي المسخرة اللي كانت في الحفلة دي؟ عاوزة واحد مش مكسوف من نفسه ومن قلة رجولته وهو بيبوس إيدها وسط الناس؟ والّا المي

  • دموع تطفئ العشق    البارت العشرون

    امتلأ البيت عن آخره بالأهل والأقارب، وتعالت أصوات الأغاني والزغاريد في الخارج لتعلن بدء الاحتفال، بينما كانت ريهام تجلس في غرفتها، والتوتر الإيجابي يسيطر على جوارحها، تترك وجهها لوتين التي راحت تضع لها لمسات رقيقة من مساحيق التجميل بحرفية وحب. ما إن انتهت وتين، حتى وقفت ريهام أمام المرآة الكبيرة؛ ولأول مرة منذ وقت طويل، أشرق وجهها بسعادة حقيقية كشفت عن جمالها الأخاذ الذي تضاعف بفضل تلك اللمسات البسيطة. تطلعت ريهام إلى انعكاس صورتها بفرحة غامرة، ودارت حول نفسها وهي تردد بنبرة يملؤها الهيام والشغف - أنا مش مصدقة نفسي يا بنات.. كلها دقائق معدودة وأبقى رسمياً حرم الأستاذ أشرف تبادلت وتين وسيليا نظرات ممتلئة بالدهشة والذهول من هذا الانقلاب الجذري في حال صديقتهما؛ تحولت من النقيض إلى النقيض في لمح البصر! تذكرتاها قبل فترة وجيزة وهي تبكي وتنحب بمرارة، معلنةً رفضها التام لهذه الزيجة وخوفها من قسوة الأب. تساءلت الفتاتان في سرهما... أهذه هي السطوة السحرية لفرحة البدايات؟ أم أن عقولهن لم تصل بعد إلى النضوج الكافي للحكم على تقلبات القلوب؟ أم أن ريهام، بوعي أو بدون وعي، قد وجدت ضالتها ومأمنها ب

  • دموع تطفئ العشق    البارت الناسع عشر

    دلج حسن إلى داخل أحضان والدته، في عناق طويل طالت مدته حتى بدا وكأنه يعوض به جفاء السنين. كان يشعر بنبضات قلبها الهزيلة المتسارعة تحت صدره، وهي تعانقه بشوق أموي جارف جففت به بحور الغربة. تغلغلت رائحتها المميزة العتيقة إلى أعماق رئتيه، فكانت بمثابة مسكن قوي وفوري لكل تلك الآلام والندوب التي صنعتها قسوة الأيام في بلاد السفر؛ لقد جاءت أنفاس والدته الدافئة لترمم تلك التصدعات الشروخ التي خلفتها الغربة في جدران روحه. تراجع حسن خطوة ليخرج من بين أحضانها، فسارعت العجوز ووضعت وجهه الرجولي بين كفيها المرتعشتين، تتشرب ملامحه بعينين مغرورقتين، وكأنها لا تكتفي بالنظر، بل تحتضن ملامحه وتخبئها بين أهدابها القصيرة. استندت بكامل ثقلها عليه، ليدلفا معاً إلى داخل ردهة الشقة، بينما كانت دموعها الشاخصة تأبى التوقف، لتكون في صمتها أبلغ من آلاف الكلمات والعبارات. ساعدها حسن برفق شديد حتى استقرت في جلستها على الأريكة، وجلس بجوارها، محتضناً كفها الوهن بين كفتيه القويتين، يرفعه إلى شفتيه ليقبله بين الفينة والأخرى بحفاوة بالغة. أخذت والدته ترحب به بنبرة متهدجة، وتسأله بلهفة عن أحواله، وعن زوجته، وأولاده الذين

  • دموع تطفئ العشق    البارت الرابع عشر

    توقفت وتين عن السير فجأة كأنما صدمها جدار خفي، وشعرت بوخزة ألم حادة اخترقت نياط قلبها قبل مسمعها. التفتت بكامل جسدها لتصبح في مواجهة سيليا، وجعدت وجهها بملامح يكسوها الوجع والترقب؛ إذ قفز إلى مخيلتها على الفور السيناريو الأسوأ.. ظنت أن الجدة قد استسلمت أخيراً لضغط ابنتها الكبرى، وقررت الخلاص من مسؤ

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثالث عشر

    قرر جمال اليوم أن يضع حداً لهذه الفجوة الجليدية، وأن يقتحم حياة تلك الفتاة لينتزع نظرة الرعب الجاثمة في عينيها. لقد سئم مراقبتها وهي تضع له الطعام بأنامل ترتجف، ثم تفر هاربة كغزال يخشى بندقية الصياد. أراد ليومه هذا أن يحمل صك غفران، وأن يسير في اتجاه مغاير تماماً. دلف من باب الشقة في غير موعده ال

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثانى عشر

    عند سيليا، انشق سكون الشقة على صوت سعال حاد ومزمن، كان يخرج من صدر الجدة وكأنه يمزق أحشاءها. انتفضت سيليا من مكانها بذعر، وركضت نحو المطبخ لتعود بكوب من الماء ترتجف جوانبه، وقدمته لجدتها وهي تمسد على ظهرها بيدين مرتعشتين. جلست سيليا بجوار الفراش، وعيناها تفيضان بالدموع وتوسلت إليها بنبرة مخنوقة -

  • دموع تطفئ العشق    البارت الحادى عشر

    عند جمال، تبخرت نشوة الانتصار وحلت محلها برودة الخوف؛ كان يقف متسمراً أمام الفراش، وعيناه متسعتان برعب وهو يرى كمية الدماء تزيد وتتدفق بغزارة، بينما وجه سندس يشحب بدرجة ملحوظة، كأن الحياة تتسرب منها قطرة قطرة.وقف أمامها مشلول التفكير، لا يعلم ماذا يفعل، لينتهي به الأمر بانتشال هاتفه بيد ترتجف، متص

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status