Share

البارت العشرون

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-25 11:31:25

امتلأ البيت عن آخره بالأهل والأقارب، وتعالت أصوات الأغاني والزغاريد في الخارج لتعلن بدء الاحتفال، بينما كانت ريهام تجلس في غرفتها، والتوتر الإيجابي يسيطر على جوارحها، تترك وجهها لوتين التي راحت تضع لها لمسات رقيقة من مساحيق التجميل بحرفية وحب.

ما إن انتهت وتين، حتى وقفت ريهام أمام المرآة الكبيرة؛ ولأول مرة منذ وقت طويل، أشرق وجهها بسعادة حقيقية كشفت عن جمالها الأخاذ الذي تضاعف بفضل تلك اللمسات البسيطة. تطلعت ريهام إلى انعكاس صورتها بفرحة غامرة، ودارت حول نفسها وهي تردد بنبرة يملؤها الهيام والشغف

- أنا مش مصدقة نفسي يا بنات.. كلها دقائق معدودة وأبقى رسمياً حرم الأستاذ أشرف

تبادلت وتين وسيليا نظرات ممتلئة بالدهشة والذهول من هذا الانقلاب الجذري في حال صديقتهما؛ تحولت من النقيض إلى النقيض في لمح البصر! تذكرتاها قبل فترة وجيزة وهي تبكي وتنحب بمرارة، معلنةً رفضها التام لهذه الزيجة وخوفها من قسوة الأب. تساءلت الفتاتان في سرهما... أهذه هي السطوة السحرية لفرحة البدايات؟ أم أن عقولهن لم تصل بعد إلى النضوج الكافي للحكم على تقلبات القلوب؟ أم أن ريهام، بوعي أو بدون وعي، قد وجدت ضالتها ومأمنها بالفعل في هذا الارتباط؟

قطع استرسالهن في التفكير صوت والدة ريهام، التي دلفت وعلى وجهها أثر دموع الفرح، تحثهن على الخروج

- يلا يا بنات.. المأذون جاهز والناس مستنية بره عشان كتب الكتاب.

خرجت ريهام بخطوات وئيدة، وتلتها وتين وسيليا كحرس شرف، والثلاث يفكرن في أمور شتى ومصائر متشابكة، لكن جمعت بين وجوههن ابتسامة صافية نابعة من القلوب. خطفت ريهام أبصار الحاضرين بجمالها الهادئ المريح، وإشراقة وجهها البريء؛ كانت تسير بفستانها البسيط الناعم وسط همسات الإعجاب، لتبدو كإحدى أميرات ديزني الأسطوريات وقد تجسدت في صورة فتاة من لحم ودم.

جلست ريهام في حياء طاغٍ وسط حشد المهنئين، وعن يمينها ويسارها وتين وسيليا تدعمانها بوجودهما، بينما انصبت العيون كلها على المأذون وهو يتلو آيات الذكر الحكيم ويبدأ مراسم عقد القران. وما إن انطلق صوته بالكلمة المنتظرة

- بارك الله لكما وبارك عليكما وجما بينكما في خير

حتى انطلقت الزغاريد المدوية لتشق عنان السماء.

تقدم الحضور للتهنئة، وفجأة وجدت ريهام نفسها تندفع، بكامل طواعيتها، لتقع بين أحضان أشرف، تذوب بين يديه وكأنها عثرت على وطنها الإجباري. انحنى أشرف وطبع قبلة حانية، طويلة وعميقة على جبهتها، ولم يبتعد برفق إلا عندما استمع إلى تنحنح عمه التحذيري الممازح

- خلاص يا عريس.. سيب البنت للناس تبارك لها.

وسط اندماج الجميع في تلك اللحظات السعيدة، انفتح الباب الخارجي ودلفت سندس إلى قاعة الاحتفال، تتأبط ذراع زوجها جمال. في تلك اللحظة، التفتت إليها الأنظار، لكنها لم تكن نظرات ترحيب عادية؛ بل كانت نظرات غريبة، متفحصة ومتسائلة، لمحتها سندس في عيون الجيران والأقارب لأول مرة. حاولت سندس الإسراع بخطواتها هرباً من تلك العيون، لكن جمال ضغط على كفها بقوة وقسوة غير ملحوظة، مجبراً إياها على السير بجواره ببطء وثبات ينم عن حب التملك والسيطرة.

وصلت سندس إلى ريهام، وهنأتها بنبرة هادئة وخفيضة، كانت غريبة تماماً على شخصيتها المرحة والصاخبة التي عهدتها الصديقات. وقفت سندس بجوار زوجها على مقربة من منصة العروسين، تتطلع إلى ريهام بعينين يملؤهما شعور دفين بالحرمان؛ حرمان من تلك اللحظات التلقائية السعيدة التي تعيشها صديقتها مع شخص متقارب معها في السن، في الأفكار، وفي نبض الشباب. بدا واضحاً من إشراقة وجه ريهام أن أشرف يغذي أذنها بعبارات الغزل العذبة، وكأنهما يخططان لحياتهما القادمة بسعادة عاشقين بلا قيود.

في المقابل، كان جمال يتطلع إلى العروسين بملامح متجهمة مستاءة، ولم يعجبه مشهد الفرح العفوي؛ التفت إلى سندس وقال بنبرة متهكمة حانقة

- ولد تافه.. وحركات مالهاش لازمة.

التفتت إليه سندس بصمت مطبق، ابتلعت غصتها وعاودت التطلع إلى ريهام بنظرة شاردة.

على الجانب الآخر من الصالة، لمحت سيليا قامة خالها حسن وهو يصعد الدرج للتو لتهنئة ريهام وعائلتها. لم تملك نفسها؛ أطلقت صرخة فرحة مباغتة وركضت نحوه مرتمية في أحضانه. احتضنها حسن بحب أبوي دافئ، ثم أبعدها عنه قليلاً يتأملها بفخر قائلاً

- وحشتيني جداً يا سيلي.. بس إيه ده؟ كبرتي وإحلويتي وبقيتي عروسة زي القمر ما شاء الله

انطلقت ضحكات سيليا العذبة لترتمي في أحضانه مرة أخرى، قبل أن يمسك بيدها ويتجها معاً صوب ريهام لتهنئتها. صافح حسن وتين التي رحبت به بحفاوة بالغة، وأثناء وقوفه، لمحت عيناه تلك الفتاة الرقيقة الواقفة على مقربة منهم؛ إنها سندس.

بحسن نية وتلقائية، توجه حسن نحوها ومَد يده ليسلم عليها بابتسامه بشوشة، لكنه تفاجأ بـ "جمال" ينقض على يد سندس، ويجرها خلفه بقوة وغضب عارم متوجهاً للخروج. اندهش حسن بشدة من هذا التصرف الفظ، وظن للوهلة الأولى أن هذا الرجل العجوز الغاضب هو عمها أو والدها الصارم، وتحفز للحاق به قائلاً بضيق

- هو في إيه؟ مين الراجل ده؟

أسرعت سيليا وتمسكت بذراعه لتوقفه، وقالت بنبرة يكسوها الحزن والأسى

- استنى يا خالي.. الراجل الكبير ده يبقى جوز سندس

اتسعت عينا حسن باستنكار ورفض تام لتصديق ما تفوهت به ابنة أخته؛ كيف لهذا الكهل المتجهم أن يكون زوجاً لتلك الطفلة الرقيقة التي لم تبدأ حياتها بعد؟ رفع حسن حاجبيه بذهول، بينما اكتفت سيليا برفع كتفيها بقلة حيلة، وعادا معاً لينضما إلى الحفل العائلي والوجوم يظلل ملامحهما.

في عالمها الخاص، كانت ريهام تجلس بجوار أشرف، تسافر مع همساته العذبة إلى سطح القمر، تنسج من النجوم أحلاماً وردية متخذة من أشعة الشمس رداءً لها من نور؛ كان أشرف يتغزل بجمالها الخلاب دون توقف، ويصف لها مدى سعادته الطاغية بهذه الزيجة، واعداً إياها بأن تكون أسعد امرأة، وألا ترى عيونها الدموع طيلة حياتها معه.

تطلعت إليه ريهام بعينين حالمتين، ولسانها عاجز عن مجاراة هذا السيل من الغزل؛ لكن فجأة، تذكرت تلك المخاوف التي بثتها وتين في عقلها سابقاً بشأن تصرفاته وعاداته. جمعت شجاعتها وقالت بنبرة هامسة مستعطفة

- أشرف.. أنا مصدقاك، بس عشان خاطري.. لازم توعدني إنك تبطل تدخين عشان خاطرى والحاجات الوحشة دى

توقف أشرف عن الحديث، وتبدلت ملامحه إلى الدهشة، ثم أمسك بيديها بقوة وأبحر في عينيها قائلاً بنبرة مليئة بالهيام والالتفاف الذكي

- أنا؟ حاجات وحشة؟ أكتر حاجة وحشة ممكن تكون عندي يا ريهام هي التدخين.. وأكيد بمساعدتك وقربك مني هنسى السجائر خالص.. إنتي في إيدك تنسيني اسمي كله، مش بس التدخين.

اندفعت ريهام، بدافع من براءتها وسذاجتها في فهم عالم الرجال، وتساءلت بشكل مباشر وصادم

- يعني.. يعني إنت مش بتشرب مخدرات يا أشرف؟

وقع السؤال عليه كالصاعقة؛ تفاجأ أشرف وتصلب جسده، وظلت ملامح الغضب والاهانة تكسو وجهه على الفور من هذا الاتهام المباشر الصادر منها بدون أي دليل أو إثبات. تراجع بجلسته للخلف ممتعضاً، فشعرت ريهام بالذعر الشديد والحزن لأنها أفسدت اللحظة، وظنت أنها ظلمته بقسوة. تمسكت بذراعه بلهفة واعتذرت منه قائلة بنبرة باكية

- أنا آسفة.. أنا آسفة جداً والله العظيم ما كان قصدي.. أرجوك سامحني وماتزعلش مني، وأوعدك عمري ما هكرر الكلام ده تاني

ارتسمت على شفتي أشرف ابتابتسامة خفية داهية؛ وهكذا، وبمنتهى السهولة، وقعت ريهام الغِرّ في شباك صياد ماهر يعرف جيداً من أين تؤكل الكتف وكيف يقلب الموازين لصالحه بيسر.

ولكن.. يبقى السؤال الكبير معلقاً بين سطور القدر: هل ستنجح ريهام ببراءتها وحبها الناشئ في قيادة هذا الصياد نحو الاستقامة وتغيير حياته؟ أم أنه سيظل كما هو، وتكون هي الضحية القادمة في شباكه؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • دموع تطفئ العشق    البارت الرابع والعشرون

    تحولت أيام سندس التالية إلى حلقة مفرغة، رتيبة، مملة، وخالية تماماً من أي شغف؛ باتت تتحرك في أرجاء شقتها الواسعة كآلة صماء تُنفذ الأوامر دون روح. وما زاد الطين بلة، هو ذلك الدوار المفاجئ الذي بات يجتاح رأسها في الأيام الأخيرة، ويجعل الدنيا تدور من حولها كلما بذلت أدنى مجهود. التفتت سندس بوجل، وأطلقت تنهيدة ثقيلة يملؤها الأسى عقب سماعها لصوت حركة المفتاح المألوفة في قفل الباب الخارجي؛ لقد وصل جلادها. نهضت بآلية تامة متوجهة نحو المطبخ لتحضير طعام العشاء، وهي تقبض بيدها على حافة المقعد لتحارب ذلك الشعور اللعين بالدوار الذي أخذ يضغط على صدغيها. دلج جمال إلى الداخل بوجهه المتجهم الصارم كالعادة، ألقى بمفاتيحه على المنضدة الخشبية بعنف أحدث جلبة، ثم ألقى بجسده في تعب وضعف بادٍ على مقعده الوثير، فالسن لها أحكامها التي يحاول إخفاءها دائماً بفرض سطوته. تتطلعت إليه سندس بطرف عينها وهي واجفة، واعتصر قلبها حزن مرير على نفسها وعلى ربيع عمرها المستباح مع هذا الكهل المتملّك. دلفت إلى المطبخ وبدأت في إعداد الأطباق بسرعة، ولم يمر سوى دقيقة واحدة حتى تغلغل صوته الجهوري الحاد من الخارج، ليمزق سكون

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثالت والعشرون

    وقفت وتين في بهو الجامعة الفسيح والحيرة تشل حركتها؛ كانت محاصرة بقرارات شتى وجدول زمن يغلي بالمواعيد المتضاربة. فمن جهة، اقترب موعد محاضرة هامة للغاية لا يمكنها تفويتها، ومن جهة أخرى، كان هاتفها يرتجف في يدها برسائل ملحة من شقيقها تيم، يستحلفها بالذهاب معه الآن لمقابلة مصيرية مع أحد المهندسين، لشرح فكرة ماكيت القاعة المتنقل ومساعدته في رسم خطط تنفيذها. وفي ذات التوقيت، انبثق على الشاشة اتصال من ريهام تخبرها بصوت متهدج أنها تحتاجها فوراً في أمر جلل، تلاه رنين متصل من سيليا التي تبحث عنها بالتأكيد لتبثها هماً جديداً. تطلعت وتين إلى شاشة هاتفها المضيئة بسيل من المكالمات والإشعارات المتلاحقة، وشعرت بضغط رهيب يجعل ألماً حاداً يدب في صدغيها ورأسها. أخذت نفساً عميقاً، وقررت إعمال منطق العقل؛ فرتّبت أفكارها في عقلها ب حسم: ستحضر محاضرتها أولاً، ثم تنطلق مباشرة لدعم أخيها تيم في مقابلته، وفي المساء تهبط لجمع شتات صديقتيها ريهام وسيليا. انقبض صدرها بارتياح وشعرت بالرضا عقب هذا الترتيب الاستراتيجي، واستدارت بسرعة لتتحرك نحو المدرج؛ لكن بهجتها المؤقتة تبددت في جزء من الثانية حين ارتطمت بقوة بج

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثانى والعشرون

    وسط صخب الاحتفالات، وأجواء عقود القران، والتجمعات العائلية التي تضج بالحياة في كل مكان، كان هناك ركن مظلم بارد لا يلتفت إليه أحد، حيث يجلس أيمن بمفرده. انزوى عن العالم وكأن غيابه لا يُحدث فارقاً، فلم يعد يهتم لوحدته القاتلة إنس، واستسلم لواقعه الجديد حتى أصبحت شاشة حاسوبه وهاتفه هما أصدقاءه الوحيدين، بل وعائلته البديلة التي لا تلومه ولا تنفر منه. لم يعد هناك رنين يكسر صمت هاتفه الموحش، سوى اتصالات متقطعة تأتيه من وتين وأخيها تيم. كانت الوحدة تعتصر قلب أيمن بقسوة كأنها كتلة من حديد تطبق على أنفاسه. إنه يقف الآن في منتصف طريق وعر ومؤلم؛ في برزخ خانق بين ماضٍ يطالبه بمحو ذكريات طفولته بالكامل من ذاكرته تلك الذكريات التي عاشها ولم يعد يستطيع البوح بها أو مجرد التلميح إليها وبين حاضر مجهول لا يستطيع التأقلم معه في حياته الجديدة كذكر. وما زاد الطين بلة والموقف قسوة، هو موقفه داخل بيته؛ فوالده حريص كل الحرص على الصمت التام وعدم التطرق لهذا الأمر نهائياً، بل ويتجنب النظر في عينيه، واصفاً إياه في خلواته وبعينيه القاسيتين بوصمة العار التي حلت بالعائلة. أما والدته، فبالرغم من مضي كل هذه المدة،

  • دموع تطفئ العشق    البارت الحادى والعشرون

    ساد صمت ثقيل خانق بين جمال وسندس طوال طريق العودة، صمت كان يسبق العاصفة ولم تبدده سوى تكات الساعة الرتيبة. وما إن دلفا من باب شقتهما وأُغلق خلفهما، حتى تفجر مخزون القهر في صدر سندس؛ التفتت إليه بجسد يرتجف، وجلبت شجاعتها المبعثرة لتعاتبه بنبرة باكية على تصرفاته الفظة، وآخرها ذلك الموقف المهين الذي جردها من كرامتها وسبب لها حرجاً بالستاً أمام صديقاتها وخال سيليا. لكن الكلمات تيبست في حلقها، وتوقفت عن الحديث تماماً عقب رؤية نظرته؛ كانت عيناه جمرتين متقدتين بالشرر، وتحملان وعيداً لا يوحي بخير أبداً. ابتلعت باقي حديثها في جوفها وهي ترتعب من أقصى أعماقها، لتتفاجأ به يتقدم نحوها بخطوات فاحشة القرب، ويصرخ بوجهها بصوت جهوري زلزل أركان الشقة - أنا اللي تصرفاتي غلط يا هانم؟! وإنتي إيه؟ قاعدة تتنططي وتضحكي وتكلمي ده وتسلمي على ده ولا كأن ليكي راجل مالي مركزة... لا ليا قيمة ولا إعتبار في حياتك استمر في صب جام غضبه وهو يلوح بيده بحدة، متذكراً تفاصيل الحفل التي أثارت حنقه - عاجبك قوي المسخرة اللي كانت في الحفلة دي؟ عاوزة واحد مش مكسوف من نفسه ومن قلة رجولته وهو بيبوس إيدها وسط الناس؟ والّا المي

  • دموع تطفئ العشق    البارت العشرون

    امتلأ البيت عن آخره بالأهل والأقارب، وتعالت أصوات الأغاني والزغاريد في الخارج لتعلن بدء الاحتفال، بينما كانت ريهام تجلس في غرفتها، والتوتر الإيجابي يسيطر على جوارحها، تترك وجهها لوتين التي راحت تضع لها لمسات رقيقة من مساحيق التجميل بحرفية وحب. ما إن انتهت وتين، حتى وقفت ريهام أمام المرآة الكبيرة؛ ولأول مرة منذ وقت طويل، أشرق وجهها بسعادة حقيقية كشفت عن جمالها الأخاذ الذي تضاعف بفضل تلك اللمسات البسيطة. تطلعت ريهام إلى انعكاس صورتها بفرحة غامرة، ودارت حول نفسها وهي تردد بنبرة يملؤها الهيام والشغف - أنا مش مصدقة نفسي يا بنات.. كلها دقائق معدودة وأبقى رسمياً حرم الأستاذ أشرف تبادلت وتين وسيليا نظرات ممتلئة بالدهشة والذهول من هذا الانقلاب الجذري في حال صديقتهما؛ تحولت من النقيض إلى النقيض في لمح البصر! تذكرتاها قبل فترة وجيزة وهي تبكي وتنحب بمرارة، معلنةً رفضها التام لهذه الزيجة وخوفها من قسوة الأب. تساءلت الفتاتان في سرهما... أهذه هي السطوة السحرية لفرحة البدايات؟ أم أن عقولهن لم تصل بعد إلى النضوج الكافي للحكم على تقلبات القلوب؟ أم أن ريهام، بوعي أو بدون وعي، قد وجدت ضالتها ومأمنها ب

  • دموع تطفئ العشق    البارت الناسع عشر

    دلج حسن إلى داخل أحضان والدته، في عناق طويل طالت مدته حتى بدا وكأنه يعوض به جفاء السنين. كان يشعر بنبضات قلبها الهزيلة المتسارعة تحت صدره، وهي تعانقه بشوق أموي جارف جففت به بحور الغربة. تغلغلت رائحتها المميزة العتيقة إلى أعماق رئتيه، فكانت بمثابة مسكن قوي وفوري لكل تلك الآلام والندوب التي صنعتها قسوة الأيام في بلاد السفر؛ لقد جاءت أنفاس والدته الدافئة لترمم تلك التصدعات الشروخ التي خلفتها الغربة في جدران روحه. تراجع حسن خطوة ليخرج من بين أحضانها، فسارعت العجوز ووضعت وجهه الرجولي بين كفيها المرتعشتين، تتشرب ملامحه بعينين مغرورقتين، وكأنها لا تكتفي بالنظر، بل تحتضن ملامحه وتخبئها بين أهدابها القصيرة. استندت بكامل ثقلها عليه، ليدلفا معاً إلى داخل ردهة الشقة، بينما كانت دموعها الشاخصة تأبى التوقف، لتكون في صمتها أبلغ من آلاف الكلمات والعبارات. ساعدها حسن برفق شديد حتى استقرت في جلستها على الأريكة، وجلس بجوارها، محتضناً كفها الوهن بين كفتيه القويتين، يرفعه إلى شفتيه ليقبله بين الفينة والأخرى بحفاوة بالغة. أخذت والدته ترحب به بنبرة متهدجة، وتسأله بلهفة عن أحواله، وعن زوجته، وأولاده الذين

  • دموع تطفئ العشق    البارت السادس عشر

    عند نجلاء، كان الغليان سيد الموقف في غرفتها المغلقة. جلست الخالة الكبرى لسيليا تتوسط ابنتيها، وتفرك يديها بعصبية مفرطة وغيظ يكاد يمزق صدرها عقب علمها بأمر خطبة خالد وسيليا. كانت الأفكار السوداء تتصارع في رأسها؛ كيف لتلك الفتاة، ابنة شقيقتها الراحلة، أن تحصل دائماً على كل شيء؟ كانت ترى في وجود سيلي

  • دموع تطفئ العشق    البارت الخامس عشر

    عند سيليا، كانت أنغام الموسيقى الصاخبة تملأ أركان المطبخ، ممتزجة بصوت حركتها وهي تتنقل بخفة بين الأواني وتعد الطعام بانسجام تام. تماهت مع اللحن لدرجة فصلتها عن العالم الخارجي، فلم تسمع رنين جرس الباب، ولا الخطوات الهادئة التي تسللت لداخل البيت. وفجأة، انشقت الأرض خلفها عن صوت رجولي عميق ودافئ، داه

  • دموع تطفئ العشق    البارت الرابع عشر

    توقفت وتين عن السير فجأة كأنما صدمها جدار خفي، وشعرت بوخزة ألم حادة اخترقت نياط قلبها قبل مسمعها. التفتت بكامل جسدها لتصبح في مواجهة سيليا، وجعدت وجهها بملامح يكسوها الوجع والترقب؛ إذ قفز إلى مخيلتها على الفور السيناريو الأسوأ.. ظنت أن الجدة قد استسلمت أخيراً لضغط ابنتها الكبرى، وقررت الخلاص من مسؤ

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثالث عشر

    قرر جمال اليوم أن يضع حداً لهذه الفجوة الجليدية، وأن يقتحم حياة تلك الفتاة لينتزع نظرة الرعب الجاثمة في عينيها. لقد سئم مراقبتها وهي تضع له الطعام بأنامل ترتجف، ثم تفر هاربة كغزال يخشى بندقية الصياد. أراد ليومه هذا أن يحمل صك غفران، وأن يسير في اتجاه مغاير تماماً. دلف من باب الشقة في غير موعده ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status