تسجيل الدخولوقفت وتين في بهو الجامعة الفسيح والحيرة تشل حركتها؛ كانت محاصرة بقرارات شتى وجدول زمن يغلي بالمواعيد المتضاربة. فمن جهة، اقترب موعد محاضرة هامة للغاية لا يمكنها تفويتها، ومن جهة أخرى، كان هاتفها يرتجف في يدها برسائل ملحة من شقيقها تيم، يستحلفها بالذهاب معه الآن لمقابلة مصيرية مع أحد المهندسين، لشرح فكرة ماكيت القاعة المتنقل
ومساعدته في رسم خطط تنفيذها. وفي ذات التوقيت، انبثق على الشاشة اتصال من ريهام تخبرها بصوت متهدج أنها تحتاجها فوراً في أمر جلل، تلاه رنين متصل من سيليا التي تبحث عنها بالتأكيد لتبثها هماً جديداً. تطلعت وتين إلى شاشة هاتفها المضيئة بسيل من المكالمات والإشعارات المتلاحقة، وشعرت بضغط رهيب يجعل ألماً حاداً يدب في صدغيها ورأسها. أخذت نفساً عميقاً، وقررت إعمال منطق العقل؛ فرتّبت أفكارها في عقلها ب حسم: ستحضر محاضرتها أولاً، ثم تنطلق مباشرة لدعم أخيها تيم في مقابلته، وفي المساء تهبط لجمع شتات صديقتيها ريهام وسيليا. انقبض صدرها بارتياح وشعرت بالرضا عقب هذا الترتيب الاستراتيجي، واستدارت بسرعة لتتحرك نحو المدرج؛ لكن بهجتها المؤقتة تبددت في جزء من الثانية حين ارتطمت بقوة بجسد كان يقف خلفها مباشرة. أطلقت وتين صيحة جافلة وهي تشاهد كرتون كوب النسكافيه الساخن يفلت من يدها، لينسكب الشلال البني المغلي بكامل محتواه فوق بنطال الشاب الأبيض الناصع. تسمرت وتين في مكانها، وتراجعت خطوة بملامح يكسوها الرعب والأسف الشديد على ما بدر منها من قلة انتباه. في المقابل، تراجع الشاب وهو ينظر إلى بقعة النسكافيه التي تمددت ب قسوة فوق قماش بنطاله، ثم رفع عينيه ليتطلع إليها بنظرة حادة، مستعرة بالغيظ، لو كانت النظرات تحرق لحولتها إلى رماد في مكانها. التمحت وتين شاباً يقف بجواره يربت على كتفه ويهمس له بنبرة هادئة يدعوه فيها إلى التروي وكبح جماح ثورته - اهدى يا ساهر.. حصل خير، البنت مكنش قصدها. في ظل غضبه العارم واحمرار وجهه، تطلع ساهر إلى ملامح وتين المذعورة؛ وبطريقة ما، أشفق على رعبها ونظرة الرجاء في عينيها وهي تطلق سيلاً من الاعتذارات المتكررة والمتلعثمة - أنا آسفة جداً.. بجد والله العظيم مكنش قصدي.. أنا متأسفة جداً كتم ساهر بركان غضبه، واكتفى برميها بنظرة أخيرة مليئة بالاستياء، ثم استدار وغادر البهو مسرعاً دون أن ينطق بكلمة واحدة، بالرغم من أنه كان يسب حظه ويسب تسرعها في نفسه؛ فلقد أفسدت عليه هذه البلهاء يومه بالكامل، وأضاعت عليه محاضرة هامة ينتظرها منذ أسبوع، إذ لن يستطيع بأي حال من الأحوال دخول المدرج والجلوس بين زملائه بهذا المظهر المزري. ولم يكن ساهر سوى طالب متميز بالفرقة الأولى لكلية الإعلام، يحافظ على أناقته وحضوره بانتظام. دلفت وتين عقب ذلك الموقف العصيب إلى داخل المدرج، وجلست في أحد المقاعد الخلفية والضيق ينهش روحها؛ شعرت بالاحتقان والخزي من ردة فعله، وخاصة أنه لم يقبل اعتذارها المخلص، وتجاهل وجودها تماماً وغادر كأنها حشرة عابرة. مالت براسها على الطاولة الخشبية، وقالت لنفسها بنبرة متهكمة معاتبة - وإنتي كنتي عاوزه يرد عليكي يقولك إيه يعني يا فصيحة؟ يقولك حصل خير وإنتي دالقة عليه كوباية نسكافيه مولعة ونار، والبنطلون أبيض قشطة؟ يعني أنا كنت قصدي؟ ثم التقطت هاتفها ونظرت إليه بغيظ مكتوم وأردفت تلوم صديقاتها وأخيها - ربنا يسامحكوا بجد.. نازلين رن رن ورا بعض ومواضيع كتير ، ومشاكل مش مخلية الواحد عارف يركز في خطوته لحد ما ودتوني في داهية وأحرجتوني مع الناس بدأت المحاضرة، وصوت الدكتور يتردد في أرجاء المدرج، لكن تفكير وتين كان في عالم آخر؛ انصبّ تركيزها بالكامل على تفاصيل الموقف الذي صنعته بدون قصد، وجسد ساهر الغاضب وهو يغادر، وشعور لادغ بتأنيب الضمير يطحن هدوءها ويحرمها من استيعاب كلمة واحدة مما يُقال. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ انصرف ساهر من بهو الجامعة والدم يغلي في عروقه، يكاد ينفجر من فرط الغيظ والكمد بسبب تلك الفعلة الرعناء التي ارتكبتها وتين؛ كان يسير بخطوات واسعة غاضبة، يشق ممرات الكلية وعقله لا يتوقف عن لعن تسرعها وقلة انتباهها. استقل سيارته الفارهة، وأغلق الباب بعنف أفرغ فيه جزءاً من شحنته العصبية. وما إن جلس خلف مقود القيادة، حتى بدأت لسعات النسكافيه المغلي تترجم نفسها إلى واقع مرير؛ بدأت آلام الحرق الحقيقية تنشب أظفارها في جلد ساقه بنبضات حامية ووحشية. انحنى يتطلع إلى بنطاله الأبيض الناصع الذي تشوه تماماً واصطبغ بلون المشروب البني الداكن، فجز على أسنانه بحنق، وعاود سب ولعن تلك الفتاة التي تسببت بغبائها في حرق جسده، وتدمير مظهر ملابسه الأنيق، وإهدائه هذا الألم المبرح الذي بات ينهش أعصابه مع كل حركة. ضغط على مكبح الوقود وقاد سيارته بسرعة جنونية متوجهاً صوب المنزل، وعقله يضج بالاحتقان. ولم تمر سوى نصف ساعة حتى وصل إلى البناية الراقية التي يقطن بها في أحد أحياء القاهرة الهادئة. صف سيارته ب هبوط سريع، وما إن ترجل منها والضيق يرتسم على كل ملامحه، حتى تجمدت خطواته فجأة؛ وانقشعت غيوم وجهه في ثانية واحدة حين لمحت عيناه قامة "أحمد" شقيقه الأكبر والعراب الأقرب لقلبه، واقفاً على مقربة من باب البناية، ماداً ذراعيه باشتياق جارف، وتلك الابتسامة الدافئة الجميلة تشرق على وجهه لتطرد كل عتمة. نسي ساهر في تلك اللحظة وجعه، وحرقه، وبنطاله المتسخ، وجامعته التي غادرها مجبراً؛ واندفع بكامل ثقله بين ذراعي أخيه الأكبر، ليرتمي في حضنه بعفوية طفل عثر على أمانه المفقود. كان عناق أحمد بمثابة ترياق فوري ومخدر قوي سكن تلك الآلام العنيفة الناتجة عن الحريق، ومسح عن روحه وعثاء ذلك اليوم العصيب، ليعلن وجود شقيقه أن كل خطبٍ دون قربه يهون.تحولت أيام سندس التالية إلى حلقة مفرغة، رتيبة، مملة، وخالية تماماً من أي شغف؛ باتت تتحرك في أرجاء شقتها الواسعة كآلة صماء تُنفذ الأوامر دون روح. وما زاد الطين بلة، هو ذلك الدوار المفاجئ الذي بات يجتاح رأسها في الأيام الأخيرة، ويجعل الدنيا تدور من حولها كلما بذلت أدنى مجهود. التفتت سندس بوجل، وأطلقت تنهيدة ثقيلة يملؤها الأسى عقب سماعها لصوت حركة المفتاح المألوفة في قفل الباب الخارجي؛ لقد وصل جلادها. نهضت بآلية تامة متوجهة نحو المطبخ لتحضير طعام العشاء، وهي تقبض بيدها على حافة المقعد لتحارب ذلك الشعور اللعين بالدوار الذي أخذ يضغط على صدغيها. دلج جمال إلى الداخل بوجهه المتجهم الصارم كالعادة، ألقى بمفاتيحه على المنضدة الخشبية بعنف أحدث جلبة، ثم ألقى بجسده في تعب وضعف بادٍ على مقعده الوثير، فالسن لها أحكامها التي يحاول إخفاءها دائماً بفرض سطوته. تتطلعت إليه سندس بطرف عينها وهي واجفة، واعتصر قلبها حزن مرير على نفسها وعلى ربيع عمرها المستباح مع هذا الكهل المتملّك. دلفت إلى المطبخ وبدأت في إعداد الأطباق بسرعة، ولم يمر سوى دقيقة واحدة حتى تغلغل صوته الجهوري الحاد من الخارج، ليمزق سكون
وقفت وتين في بهو الجامعة الفسيح والحيرة تشل حركتها؛ كانت محاصرة بقرارات شتى وجدول زمن يغلي بالمواعيد المتضاربة. فمن جهة، اقترب موعد محاضرة هامة للغاية لا يمكنها تفويتها، ومن جهة أخرى، كان هاتفها يرتجف في يدها برسائل ملحة من شقيقها تيم، يستحلفها بالذهاب معه الآن لمقابلة مصيرية مع أحد المهندسين، لشرح فكرة ماكيت القاعة المتنقل ومساعدته في رسم خطط تنفيذها. وفي ذات التوقيت، انبثق على الشاشة اتصال من ريهام تخبرها بصوت متهدج أنها تحتاجها فوراً في أمر جلل، تلاه رنين متصل من سيليا التي تبحث عنها بالتأكيد لتبثها هماً جديداً. تطلعت وتين إلى شاشة هاتفها المضيئة بسيل من المكالمات والإشعارات المتلاحقة، وشعرت بضغط رهيب يجعل ألماً حاداً يدب في صدغيها ورأسها. أخذت نفساً عميقاً، وقررت إعمال منطق العقل؛ فرتّبت أفكارها في عقلها ب حسم: ستحضر محاضرتها أولاً، ثم تنطلق مباشرة لدعم أخيها تيم في مقابلته، وفي المساء تهبط لجمع شتات صديقتيها ريهام وسيليا. انقبض صدرها بارتياح وشعرت بالرضا عقب هذا الترتيب الاستراتيجي، واستدارت بسرعة لتتحرك نحو المدرج؛ لكن بهجتها المؤقتة تبددت في جزء من الثانية حين ارتطمت بقوة بج
وسط صخب الاحتفالات، وأجواء عقود القران، والتجمعات العائلية التي تضج بالحياة في كل مكان، كان هناك ركن مظلم بارد لا يلتفت إليه أحد، حيث يجلس أيمن بمفرده. انزوى عن العالم وكأن غيابه لا يُحدث فارقاً، فلم يعد يهتم لوحدته القاتلة إنس، واستسلم لواقعه الجديد حتى أصبحت شاشة حاسوبه وهاتفه هما أصدقاءه الوحيدين، بل وعائلته البديلة التي لا تلومه ولا تنفر منه. لم يعد هناك رنين يكسر صمت هاتفه الموحش، سوى اتصالات متقطعة تأتيه من وتين وأخيها تيم. كانت الوحدة تعتصر قلب أيمن بقسوة كأنها كتلة من حديد تطبق على أنفاسه. إنه يقف الآن في منتصف طريق وعر ومؤلم؛ في برزخ خانق بين ماضٍ يطالبه بمحو ذكريات طفولته بالكامل من ذاكرته تلك الذكريات التي عاشها ولم يعد يستطيع البوح بها أو مجرد التلميح إليها وبين حاضر مجهول لا يستطيع التأقلم معه في حياته الجديدة كذكر. وما زاد الطين بلة والموقف قسوة، هو موقفه داخل بيته؛ فوالده حريص كل الحرص على الصمت التام وعدم التطرق لهذا الأمر نهائياً، بل ويتجنب النظر في عينيه، واصفاً إياه في خلواته وبعينيه القاسيتين بوصمة العار التي حلت بالعائلة. أما والدته، فبالرغم من مضي كل هذه المدة،
ساد صمت ثقيل خانق بين جمال وسندس طوال طريق العودة، صمت كان يسبق العاصفة ولم تبدده سوى تكات الساعة الرتيبة. وما إن دلفا من باب شقتهما وأُغلق خلفهما، حتى تفجر مخزون القهر في صدر سندس؛ التفتت إليه بجسد يرتجف، وجلبت شجاعتها المبعثرة لتعاتبه بنبرة باكية على تصرفاته الفظة، وآخرها ذلك الموقف المهين الذي جردها من كرامتها وسبب لها حرجاً بالستاً أمام صديقاتها وخال سيليا. لكن الكلمات تيبست في حلقها، وتوقفت عن الحديث تماماً عقب رؤية نظرته؛ كانت عيناه جمرتين متقدتين بالشرر، وتحملان وعيداً لا يوحي بخير أبداً. ابتلعت باقي حديثها في جوفها وهي ترتعب من أقصى أعماقها، لتتفاجأ به يتقدم نحوها بخطوات فاحشة القرب، ويصرخ بوجهها بصوت جهوري زلزل أركان الشقة - أنا اللي تصرفاتي غلط يا هانم؟! وإنتي إيه؟ قاعدة تتنططي وتضحكي وتكلمي ده وتسلمي على ده ولا كأن ليكي راجل مالي مركزة... لا ليا قيمة ولا إعتبار في حياتك استمر في صب جام غضبه وهو يلوح بيده بحدة، متذكراً تفاصيل الحفل التي أثارت حنقه - عاجبك قوي المسخرة اللي كانت في الحفلة دي؟ عاوزة واحد مش مكسوف من نفسه ومن قلة رجولته وهو بيبوس إيدها وسط الناس؟ والّا المي
امتلأ البيت عن آخره بالأهل والأقارب، وتعالت أصوات الأغاني والزغاريد في الخارج لتعلن بدء الاحتفال، بينما كانت ريهام تجلس في غرفتها، والتوتر الإيجابي يسيطر على جوارحها، تترك وجهها لوتين التي راحت تضع لها لمسات رقيقة من مساحيق التجميل بحرفية وحب. ما إن انتهت وتين، حتى وقفت ريهام أمام المرآة الكبيرة؛ ولأول مرة منذ وقت طويل، أشرق وجهها بسعادة حقيقية كشفت عن جمالها الأخاذ الذي تضاعف بفضل تلك اللمسات البسيطة. تطلعت ريهام إلى انعكاس صورتها بفرحة غامرة، ودارت حول نفسها وهي تردد بنبرة يملؤها الهيام والشغف - أنا مش مصدقة نفسي يا بنات.. كلها دقائق معدودة وأبقى رسمياً حرم الأستاذ أشرف تبادلت وتين وسيليا نظرات ممتلئة بالدهشة والذهول من هذا الانقلاب الجذري في حال صديقتهما؛ تحولت من النقيض إلى النقيض في لمح البصر! تذكرتاها قبل فترة وجيزة وهي تبكي وتنحب بمرارة، معلنةً رفضها التام لهذه الزيجة وخوفها من قسوة الأب. تساءلت الفتاتان في سرهما... أهذه هي السطوة السحرية لفرحة البدايات؟ أم أن عقولهن لم تصل بعد إلى النضوج الكافي للحكم على تقلبات القلوب؟ أم أن ريهام، بوعي أو بدون وعي، قد وجدت ضالتها ومأمنها ب
دلج حسن إلى داخل أحضان والدته، في عناق طويل طالت مدته حتى بدا وكأنه يعوض به جفاء السنين. كان يشعر بنبضات قلبها الهزيلة المتسارعة تحت صدره، وهي تعانقه بشوق أموي جارف جففت به بحور الغربة. تغلغلت رائحتها المميزة العتيقة إلى أعماق رئتيه، فكانت بمثابة مسكن قوي وفوري لكل تلك الآلام والندوب التي صنعتها قسوة الأيام في بلاد السفر؛ لقد جاءت أنفاس والدته الدافئة لترمم تلك التصدعات الشروخ التي خلفتها الغربة في جدران روحه. تراجع حسن خطوة ليخرج من بين أحضانها، فسارعت العجوز ووضعت وجهه الرجولي بين كفيها المرتعشتين، تتشرب ملامحه بعينين مغرورقتين، وكأنها لا تكتفي بالنظر، بل تحتضن ملامحه وتخبئها بين أهدابها القصيرة. استندت بكامل ثقلها عليه، ليدلفا معاً إلى داخل ردهة الشقة، بينما كانت دموعها الشاخصة تأبى التوقف، لتكون في صمتها أبلغ من آلاف الكلمات والعبارات. ساعدها حسن برفق شديد حتى استقرت في جلستها على الأريكة، وجلس بجوارها، محتضناً كفها الوهن بين كفتيه القويتين، يرفعه إلى شفتيه ليقبله بين الفينة والأخرى بحفاوة بالغة. أخذت والدته ترحب به بنبرة متهدجة، وتسأله بلهفة عن أحواله، وعن زوجته، وأولاده الذين
عند سيليا، كانت أنغام الموسيقى الصاخبة تملأ أركان المطبخ، ممتزجة بصوت حركتها وهي تتنقل بخفة بين الأواني وتعد الطعام بانسجام تام. تماهت مع اللحن لدرجة فصلتها عن العالم الخارجي، فلم تسمع رنين جرس الباب، ولا الخطوات الهادئة التي تسللت لداخل البيت. وفجأة، انشقت الأرض خلفها عن صوت رجولي عميق ودافئ، داه
توقفت وتين عن السير فجأة كأنما صدمها جدار خفي، وشعرت بوخزة ألم حادة اخترقت نياط قلبها قبل مسمعها. التفتت بكامل جسدها لتصبح في مواجهة سيليا، وجعدت وجهها بملامح يكسوها الوجع والترقب؛ إذ قفز إلى مخيلتها على الفور السيناريو الأسوأ.. ظنت أن الجدة قد استسلمت أخيراً لضغط ابنتها الكبرى، وقررت الخلاص من مسؤ
قرر جمال اليوم أن يضع حداً لهذه الفجوة الجليدية، وأن يقتحم حياة تلك الفتاة لينتزع نظرة الرعب الجاثمة في عينيها. لقد سئم مراقبتها وهي تضع له الطعام بأنامل ترتجف، ثم تفر هاربة كغزال يخشى بندقية الصياد. أراد ليومه هذا أن يحمل صك غفران، وأن يسير في اتجاه مغاير تماماً. دلف من باب الشقة في غير موعده ال
عند سيليا، انشق سكون الشقة على صوت سعال حاد ومزمن، كان يخرج من صدر الجدة وكأنه يمزق أحشاءها. انتفضت سيليا من مكانها بذعر، وركضت نحو المطبخ لتعود بكوب من الماء ترتجف جوانبه، وقدمته لجدتها وهي تمسد على ظهرها بيدين مرتعشتين. جلست سيليا بجوار الفراش، وعيناها تفيضان بالدموع وتوسلت إليها بنبرة مخنوقة -







