Home / الرومانسية / دموع تطفئ العشق / البارت الحادى والعشرون

Share

البارت الحادى والعشرون

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-26 04:22:27

ساد صمت ثقيل خانق بين جمال وسندس طوال طريق العودة، صمت كان يسبق العاصفة ولم تبدده سوى تكات الساعة الرتيبة. وما إن دلفا من باب شقتهما وأُغلق خلفهما، حتى تفجر مخزون القهر في صدر سندس؛ التفتت إليه بجسد يرتجف، وجلبت شجاعتها المبعثرة لتعاتبه بنبرة باكية على تصرفاته الفظة، وآخرها ذلك الموقف المهين الذي جردها من كرامتها وسبب لها حرجاً بالستاً أمام صديقاتها وخال سيليا.

لكن الكلمات تيبست في حلقها، وتوقفت عن الحديث تماماً عقب رؤية نظرته؛ كانت عيناه جمرتين متقدتين بالشرر، وتحملان وعيداً لا يوحي بخير أبداً. ابتلعت باقي حديثها في جوفها وهي ترتعب من أقصى أعماقها، لتتفاجأ به يتقدم نحوها بخطوات فاحشة القرب، ويصرخ بوجهها بصوت جهوري زلزل أركان الشقة

- أنا اللي تصرفاتي غلط يا هانم؟! وإنتي إيه؟ قاعدة تتنططي وتضحكي وتكلمي ده وتسلمي على ده ولا كأن ليكي راجل مالي مركزة... لا ليا قيمة ولا إعتبار في حياتك

استمر في صب جام غضبه وهو يلوح بيده بحدة، متذكراً تفاصيل الحفل التي أثارت حنقه

- عاجبك قوي المسخرة اللي كانت في الحفلة دي؟ عاوزة واحد مش مكسوف من نفسه ومن قلة رجولته وهو بيبوس إيدها وسط الناس؟ والّا المياعة والسهوكة اللي كانت صاحبتك فيها؟ والّا الطين اللي زاد لما دخل الراجل ده اللي جاي نازل أحضان وبوس فيكم وعاوز يسلم ويضايف؟ فاكرين نفسكم في زريبة

كان صوته يدوي ويدق في رأسها كالمطارق، يستمر في قذف اتهاماته اللاذعة، بينما تخلت سندس عن المقاومة؛ هربت بروحها وجوارحها إلى عالم آخر بعيد. توقف بها الزمان تماماً، وشعرت بخلو المكان من حولها، وصمتت الأصوات في أذنها لتجد نفسها واقفة في مواجهة عارية مع حقيقتها. اعترفت لنفسها الآن، وبمرارة تفوق الوصف، أنها خسرت شبابها.. نعم، لقد ضاع ربيع عمرها وتبددت أحلامها الطفولية مع رجل لا يجمعه بها أي قاسم مشترك، رجل يرى في عفويتها جرماً وفي بهجتها خطيئة.

وفجأة، وبلا أي تمهيد، سُحبت عنوة من أفكارها لتقع بين أحضانه الحديدية؛ طوقها بذراعيه بقسوة وعنف، واندفعت أنفاسه اللاهثة الحارقة تلفح بشرتها وهو يدفن وجهه في عنقها، يقبلها بوحشية وضراوة لا تحمل من الحب شيئاً بل تفيض برغبة الانتقام وإثبات السيطرة. كان يهمس من بين أنفاسه المتقطعة بنبرة أجشة تملكها الجنون

- إنتي ملكي.. ملكي أنا وبس.. ومحدش في الدنيا دي ليه الحق إنه يشوفك أو يتمتع بيكي غيري

ودون أي مقدمات أو مراعاة لضعفها وانكسارها، ساقها بعنف إلى غرفة النوم، ليفرغ شحنة غضبه العارم وأمواج غيرته المريضة عليها بوحشية جردتها من إنسانيتها.

بعد وقت مر كأنه دهر، ابتعد عنها ونهض ليتطلع إليها بنظرة انتصار متجبرة، كصياد يزهو بكسر جناح فريسته. أما هي، فكانت تستلقي على الفراش كجثة هامدة، بلا حراك وبلا روح؛ انكمشت على نفسها وشعور طاغٍ بالاشمئزاز ينهش أحشاءها، اشمئزاز من النظر إليه، واشمئزاز أشد قسوة من النظر إلى نفسها وجسدها المستباح.

لم تجد وسيلة للمقاومة سوى أن تسبل جفنيها، وتغلق عينيها على أحزانها الدفينة، لتستسلم لنوم عميق، ثقيل أشبه بالغيبوبة؛ هروباً اضطرارياً من ذلك الواقع المرير الذي بدأت تتجرع أولى قطراته السامة.

✨✨✨✨✨

(تشرق أيامي مع إشراقة ابتسامتك الصافية.. وتتلوى نجوم سعادتي بالقرب منك يا حبيبتي. أشتاق للقاء طال انتظاره، لأروي ظمأ سنوات من الانتظار.)

كانت تلك هي الرسالة العذبة التي خطّها أحمد بقلبه قبل يده، وأرسلها إلى نور لتبدد وحشتها، ثوانٍ قبيل أن يخطو نحو ساحة مناوبته العسكرية الشاقة في ذلك اليوم. استقبلت نور الكلمات لا بعينيها، بل بنبضات قلبها المتسارعة؛ قرأتها وكأنها غيث هطل على أرض روحها القاحلة ليروي ظمأ شوقها الجارف إليه. تنفست الصعداء وهي تردد في سرها عزاء العشاق.... صبراً.. فإن بعد الصبر جبراً، وبعد العسر يسراً

ولأن العشق سجال، لم تطق نور صمتاً، فصاغت مشاعرها في حروف ممتزجة باللوعة، وأرسلت إليه تجيبه

(أحببتك أضعاف عدد حبات الرمال.. ويكاد شوقي إليك يحرقني كأشعة الشمس الملتهبة في ظهيرة أيلول. تنبض دقات قلبي بحروف اسمك ليتغذى عليها وجداني.. يا أجمل من رأت عيني، وفي عينيك أوطاني.)

لم تكن هذه الكلمات مجرد رسائل عابرة، بل كانت تمثل لأحمد الغذاء اليومي لروحه، والمصل الواقي ضد قسوة المأموريات العسكرية وأخطارها. كانت حروف نور تمنحه القوة والجلد الباسل ليجاهد بكل ما أوتي من عزم، ويسابق الزمن كي ينهي مهمته الوطنية سريعا؛ مدفوعاً برغبة حارقة في العودة إليها، ليقتلعها من غيابها ويزرعها بأمان بين أحضانه الدافئة، حيث تلفح أنفاسها وجهه، ويتسلل ضوء القمر الفضي من بين الستائر ليشهد، في صمت مهيب، على اكتمال أجمل قصة حب صاغها القدر.

✨✨✨✨✨✨✨✨

تطوّح حسن في تمدده على الفراش الوثير بجوار والدته، مسبلاً جفنيه في استرخاء تام، مستمتعاً بلمسات كفها الحانية وهي تتخلل خصلات شعره الكثيف برقة معهودة أعادته طفلاً في المهد. انفرجت أسارير الجدة العجوز، وقالت بنبرة يملؤها المرح والود الأموي

- لسه زي ما أنت يا حسن.. كبرت وبقيت راجل بشنبات وعندك أولاد، ولسه برضه مابتعرفش تنام إلا لما أمشي إيدي في شعرك؟

انكمش حسن في جلسته واقترب أكثر من صدرها، يضم جسده إلى جسدها الواهن، مستزيداً من دفء تلك الأحضان التي بات يخشى في سره حرمانها قريباً مع تقدم سنها؛ وقال بصوت خفيض ونعاس عذب وهو مغمض العينين

- إيديكي فيها سحر خاص يا أمي.. بتسحب أي تعب وهمّ من جسمي في ثانية.

انطلقت من شفتي والدته ضحكة واهنة، ممزوجة ببركة العمر، رداً على كلماته الدافئة.

ساد سكون مؤقت، فتح حسن على إثره عينيه وتطلع إلى ملامح والدته العتيقة؛ بدا التردد واضحاً في نظراته، يعبث بفكره ألف سؤال وسؤال، يعلم أن فتح هذا الملف الشائك قد يعكر صفو الجلسة، لكنه أدرك أنه لا مفر من المواجهة. تنحنح ونظف حلقه بصعوبة، مجاهداً لكي يخرج الحروف متزنة؛ ولم تخفَ هذه الرجفة على والدته التي قرأته على الفور بغريزتها، فقاطعته بنبرة حازمة دعتها فيه للحديث دون مقدمات

- قول اللي في جواه يا حسن.. أنا فاهماك، اتكلم ومن غير لف ودوران

أخذ نفساً عميقاً، وقال بتردد يشوبه الخوف على مصير ابنة أخته الراحلة

- ماما.. إنتي شايفة فعلاً إن جوازة سيليا من خالد دي صح؟ أنا بسأل عشان نكون ضامنين مصلحتها.. مش عاوزين نظلم البنت أو نلبسها في حيطة وهي يتيمة.

انتفضت والدته بدافع دفاعي خالص، وردت عليه باندفاع وحسم لا يقبل المشاحنة

- وإيه الغلط فيها بس فهمّني؟ رانيا أختك بتموت في سيليا وبتعاملها زي بناتها وأكتر وهتشيلها في عيونها وتحافظ عليها.. وخالد إنت سيد العارفين إنه كان رايدها من زمان وفضل مستنيها السنين دي كلها لحد ما تخلص تعليمها.. يعني محدش غصب عليه ولا لوى دراعه، شاريها بأصلها

أومأ حسن برأسه موافقاً على مضض لكي يهدئ من روعها، لكن عقله ظل شارداً في عالم آخر؛ لم يكن قلقه نابعاً من خالد أو رانيا، بل كان يخشى من النيران المكتومة التي تغلي في صدر شقيقته نجلاء. هو يعلم طبيعتها الجشعة حق المعرفة، ويعلم أن خطتها الكيدلية التي أفسدها بنزوله المفاجئ لن تمر مرور الكرام، وأنها لن تترك هذه الزيجة تتم بسلام دون أن تنفث سمومها في طريق سيليا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • دموع تطفئ العشق    البارت الرابع والعشرون

    تحولت أيام سندس التالية إلى حلقة مفرغة، رتيبة، مملة، وخالية تماماً من أي شغف؛ باتت تتحرك في أرجاء شقتها الواسعة كآلة صماء تُنفذ الأوامر دون روح. وما زاد الطين بلة، هو ذلك الدوار المفاجئ الذي بات يجتاح رأسها في الأيام الأخيرة، ويجعل الدنيا تدور من حولها كلما بذلت أدنى مجهود. التفتت سندس بوجل، وأطلقت تنهيدة ثقيلة يملؤها الأسى عقب سماعها لصوت حركة المفتاح المألوفة في قفل الباب الخارجي؛ لقد وصل جلادها. نهضت بآلية تامة متوجهة نحو المطبخ لتحضير طعام العشاء، وهي تقبض بيدها على حافة المقعد لتحارب ذلك الشعور اللعين بالدوار الذي أخذ يضغط على صدغيها. دلج جمال إلى الداخل بوجهه المتجهم الصارم كالعادة، ألقى بمفاتيحه على المنضدة الخشبية بعنف أحدث جلبة، ثم ألقى بجسده في تعب وضعف بادٍ على مقعده الوثير، فالسن لها أحكامها التي يحاول إخفاءها دائماً بفرض سطوته. تتطلعت إليه سندس بطرف عينها وهي واجفة، واعتصر قلبها حزن مرير على نفسها وعلى ربيع عمرها المستباح مع هذا الكهل المتملّك. دلفت إلى المطبخ وبدأت في إعداد الأطباق بسرعة، ولم يمر سوى دقيقة واحدة حتى تغلغل صوته الجهوري الحاد من الخارج، ليمزق سكون

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثالت والعشرون

    وقفت وتين في بهو الجامعة الفسيح والحيرة تشل حركتها؛ كانت محاصرة بقرارات شتى وجدول زمن يغلي بالمواعيد المتضاربة. فمن جهة، اقترب موعد محاضرة هامة للغاية لا يمكنها تفويتها، ومن جهة أخرى، كان هاتفها يرتجف في يدها برسائل ملحة من شقيقها تيم، يستحلفها بالذهاب معه الآن لمقابلة مصيرية مع أحد المهندسين، لشرح فكرة ماكيت القاعة المتنقل ومساعدته في رسم خطط تنفيذها. وفي ذات التوقيت، انبثق على الشاشة اتصال من ريهام تخبرها بصوت متهدج أنها تحتاجها فوراً في أمر جلل، تلاه رنين متصل من سيليا التي تبحث عنها بالتأكيد لتبثها هماً جديداً. تطلعت وتين إلى شاشة هاتفها المضيئة بسيل من المكالمات والإشعارات المتلاحقة، وشعرت بضغط رهيب يجعل ألماً حاداً يدب في صدغيها ورأسها. أخذت نفساً عميقاً، وقررت إعمال منطق العقل؛ فرتّبت أفكارها في عقلها ب حسم: ستحضر محاضرتها أولاً، ثم تنطلق مباشرة لدعم أخيها تيم في مقابلته، وفي المساء تهبط لجمع شتات صديقتيها ريهام وسيليا. انقبض صدرها بارتياح وشعرت بالرضا عقب هذا الترتيب الاستراتيجي، واستدارت بسرعة لتتحرك نحو المدرج؛ لكن بهجتها المؤقتة تبددت في جزء من الثانية حين ارتطمت بقوة بج

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثانى والعشرون

    وسط صخب الاحتفالات، وأجواء عقود القران، والتجمعات العائلية التي تضج بالحياة في كل مكان، كان هناك ركن مظلم بارد لا يلتفت إليه أحد، حيث يجلس أيمن بمفرده. انزوى عن العالم وكأن غيابه لا يُحدث فارقاً، فلم يعد يهتم لوحدته القاتلة إنس، واستسلم لواقعه الجديد حتى أصبحت شاشة حاسوبه وهاتفه هما أصدقاءه الوحيدين، بل وعائلته البديلة التي لا تلومه ولا تنفر منه. لم يعد هناك رنين يكسر صمت هاتفه الموحش، سوى اتصالات متقطعة تأتيه من وتين وأخيها تيم. كانت الوحدة تعتصر قلب أيمن بقسوة كأنها كتلة من حديد تطبق على أنفاسه. إنه يقف الآن في منتصف طريق وعر ومؤلم؛ في برزخ خانق بين ماضٍ يطالبه بمحو ذكريات طفولته بالكامل من ذاكرته تلك الذكريات التي عاشها ولم يعد يستطيع البوح بها أو مجرد التلميح إليها وبين حاضر مجهول لا يستطيع التأقلم معه في حياته الجديدة كذكر. وما زاد الطين بلة والموقف قسوة، هو موقفه داخل بيته؛ فوالده حريص كل الحرص على الصمت التام وعدم التطرق لهذا الأمر نهائياً، بل ويتجنب النظر في عينيه، واصفاً إياه في خلواته وبعينيه القاسيتين بوصمة العار التي حلت بالعائلة. أما والدته، فبالرغم من مضي كل هذه المدة،

  • دموع تطفئ العشق    البارت الحادى والعشرون

    ساد صمت ثقيل خانق بين جمال وسندس طوال طريق العودة، صمت كان يسبق العاصفة ولم تبدده سوى تكات الساعة الرتيبة. وما إن دلفا من باب شقتهما وأُغلق خلفهما، حتى تفجر مخزون القهر في صدر سندس؛ التفتت إليه بجسد يرتجف، وجلبت شجاعتها المبعثرة لتعاتبه بنبرة باكية على تصرفاته الفظة، وآخرها ذلك الموقف المهين الذي جردها من كرامتها وسبب لها حرجاً بالستاً أمام صديقاتها وخال سيليا. لكن الكلمات تيبست في حلقها، وتوقفت عن الحديث تماماً عقب رؤية نظرته؛ كانت عيناه جمرتين متقدتين بالشرر، وتحملان وعيداً لا يوحي بخير أبداً. ابتلعت باقي حديثها في جوفها وهي ترتعب من أقصى أعماقها، لتتفاجأ به يتقدم نحوها بخطوات فاحشة القرب، ويصرخ بوجهها بصوت جهوري زلزل أركان الشقة - أنا اللي تصرفاتي غلط يا هانم؟! وإنتي إيه؟ قاعدة تتنططي وتضحكي وتكلمي ده وتسلمي على ده ولا كأن ليكي راجل مالي مركزة... لا ليا قيمة ولا إعتبار في حياتك استمر في صب جام غضبه وهو يلوح بيده بحدة، متذكراً تفاصيل الحفل التي أثارت حنقه - عاجبك قوي المسخرة اللي كانت في الحفلة دي؟ عاوزة واحد مش مكسوف من نفسه ومن قلة رجولته وهو بيبوس إيدها وسط الناس؟ والّا المي

  • دموع تطفئ العشق    البارت العشرون

    امتلأ البيت عن آخره بالأهل والأقارب، وتعالت أصوات الأغاني والزغاريد في الخارج لتعلن بدء الاحتفال، بينما كانت ريهام تجلس في غرفتها، والتوتر الإيجابي يسيطر على جوارحها، تترك وجهها لوتين التي راحت تضع لها لمسات رقيقة من مساحيق التجميل بحرفية وحب. ما إن انتهت وتين، حتى وقفت ريهام أمام المرآة الكبيرة؛ ولأول مرة منذ وقت طويل، أشرق وجهها بسعادة حقيقية كشفت عن جمالها الأخاذ الذي تضاعف بفضل تلك اللمسات البسيطة. تطلعت ريهام إلى انعكاس صورتها بفرحة غامرة، ودارت حول نفسها وهي تردد بنبرة يملؤها الهيام والشغف - أنا مش مصدقة نفسي يا بنات.. كلها دقائق معدودة وأبقى رسمياً حرم الأستاذ أشرف تبادلت وتين وسيليا نظرات ممتلئة بالدهشة والذهول من هذا الانقلاب الجذري في حال صديقتهما؛ تحولت من النقيض إلى النقيض في لمح البصر! تذكرتاها قبل فترة وجيزة وهي تبكي وتنحب بمرارة، معلنةً رفضها التام لهذه الزيجة وخوفها من قسوة الأب. تساءلت الفتاتان في سرهما... أهذه هي السطوة السحرية لفرحة البدايات؟ أم أن عقولهن لم تصل بعد إلى النضوج الكافي للحكم على تقلبات القلوب؟ أم أن ريهام، بوعي أو بدون وعي، قد وجدت ضالتها ومأمنها ب

  • دموع تطفئ العشق    البارت الناسع عشر

    دلج حسن إلى داخل أحضان والدته، في عناق طويل طالت مدته حتى بدا وكأنه يعوض به جفاء السنين. كان يشعر بنبضات قلبها الهزيلة المتسارعة تحت صدره، وهي تعانقه بشوق أموي جارف جففت به بحور الغربة. تغلغلت رائحتها المميزة العتيقة إلى أعماق رئتيه، فكانت بمثابة مسكن قوي وفوري لكل تلك الآلام والندوب التي صنعتها قسوة الأيام في بلاد السفر؛ لقد جاءت أنفاس والدته الدافئة لترمم تلك التصدعات الشروخ التي خلفتها الغربة في جدران روحه. تراجع حسن خطوة ليخرج من بين أحضانها، فسارعت العجوز ووضعت وجهه الرجولي بين كفيها المرتعشتين، تتشرب ملامحه بعينين مغرورقتين، وكأنها لا تكتفي بالنظر، بل تحتضن ملامحه وتخبئها بين أهدابها القصيرة. استندت بكامل ثقلها عليه، ليدلفا معاً إلى داخل ردهة الشقة، بينما كانت دموعها الشاخصة تأبى التوقف، لتكون في صمتها أبلغ من آلاف الكلمات والعبارات. ساعدها حسن برفق شديد حتى استقرت في جلستها على الأريكة، وجلس بجوارها، محتضناً كفها الوهن بين كفتيه القويتين، يرفعه إلى شفتيه ليقبله بين الفينة والأخرى بحفاوة بالغة. أخذت والدته ترحب به بنبرة متهدجة، وتسأله بلهفة عن أحواله، وعن زوجته، وأولاده الذين

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثالث

    فتحت إيمان باب الشقة بهدوء، يسبقها أمل ضئيل في أن تجد صدرًا رحبًا يستمع إليها في نهاية هذا العام الدراسي الشاق. رأت والدتها تقف في الردهة، فألقت عليها التحية بنبرة حانية محبة، لكن الأم التفتت إليها بوجه متجهم وملامح جامدة لم تحمل أي دفء، وردت بتحية مقتضبة وجافة قبل أن توليها ظهرها وتدلف إلى المطبخ

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثانى

    كانت ليلة الامتحان الأخير تحمل في هوائها مزيجًا غريبًا من الترقب والرهبة.في تلك الغرفة الصغيرة أسفل الدرج، التفت الفتيات الخمس حول منضدة خشبية قديمة، تكدست عليها الكتب والمذكرات، وسادت أجواء الصمت إلا من حفيف تقليب الأوراق وصوت أنفاسهن المتلاحقة. غدًا ينتهي المارثون، غدًا يُسدل الستار على مرحلة ال

  • دموع تطفئ العشق    البارت الأول

    كانت الجدران العتيقة لحي الأميرية تحمل في طياتها دفء زمنٍ مضى، لكنها في تلك الليلة لم تفلح في حماية براءة سيليا. في غرفتها الصغيرة، انكمشت الطفلة ذات السنوات الخمس، واحتضنت دميتها القماشية المهترئة كأنها تلوذ بها من إعصار الكلمات القادمة من ردهة المنزل.كان صوت زوجة أبيها يخترق الأبواب الخشبية، حاد

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثامن عشر

    كعادة هذا البيت، كان يضج بالصخب والضوضاء المألوفة؛ أصوات الأطفال المرتفعة، وصراخ منال المستمر لمحاولة السيطرة على الفوضى. لكن وسط هذه الجلبة، ارتفعت طرقات مرحة متلاحقة على الباب، حملت نغمة غريبة ومبشرة. أسرعت منال لتفتح الباب، وتسمرت في مكانها لثوانٍ قبل أن تنفرج أساريرها؛ فلقد كانت سندس تقف أمامه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status