تسجيل الدخولدخل سالم إلى الشقة التي يجري تجهيزها لابنته إيمان، وأخذ يتأمل المكان في صمت. كانت الشقة بسيطة؛ صالة متوسطة المساحة، ومطبخًا صغيرًا، وغرفتين، وحمامًا.
وقف في منتصف الصالة وأخذ يشرح للعمال التعديلات التي يريدها، من تغيير الأرضيات إلى دهانات الحوائط والتجهيزات المختلفة، ثم تركهم يباشرون عملهم.
اقترب بعد ذلك من النافذة المطلة على الحقول الخضراء، وأسند يديه إلى إطارها وهو يسرح بعيدًا في ذكرياته.
تذكر إيمان...
ابنته الصغيرة...
فرحة عمره .
تذكر يوم ولادتها، وكيف حملها بين ذراعيه لأول مرة وهو يشعر أن الدنيا كلها أصبحت ملكه.
تذكر أول ضحكة رسمتها على وجهها الصغير، وأول كلمة نطقتها، وأول خطوة خطتها نحوه وهي تترنح ببراءة الأطفال.
ثم تذكر اليوم الأصعب في حياته...
يوم فقدت إيمان أمها وهي لم تتجاوز العامين من عمرها.
تنهد سالم بحزن وهو يتذكر زوجته الراحلة على فراش الموت، وهي تمسك يده وتوصيه بابنتهما الوحيدة.
وتذكر بعدها زواجه من صابرين، بعدما أقنع نفسه أنها ستكون أمًا بديلة لإيمان، لكنها للأسف لم تكن يومًا كما تمنى.
عاد يتذكر بكاء إيمان يوم أخبرها أنه سيسافر للعمل بالخارج، وكيف كانت تتشبث بثيابه بيدها الصغيرة وهي ترفض أن يتركها.
وتذكر أيضًا فرحتها كلما عاد من سفره، وهي تركض نحوه وتلقي نفسها بين ذراعيه.
أغمض عينيه للحظة وتنهد بحرقة، ثم أخرج هاتفه من جيبه وضغط على رقمها.
---
وفي شرم الشيخ...
كانت إيمان وخديجة داخل أحد أكبر معارض المفروشات، تتجولان بين الأقسام المختلفة.
لكن كعادتها، كانت إيمان تختار الأشياء البسيطة، بينما كانت خديجة تصر على شراء الأفضل والأجمل.
وضعت خديجة يديها على خصرها وقالت بضيق:
ـ يا إيمان، هتجننيني! اقعدي ساكتة شوية. بقولك ده أحلى وأشيك، وإنتِ مصممة تختاري الحاجات البسيطة دي!
ابتسمت إيمان بهدوء وقالت:
ـ يا ستي ده عاجبني أنا... مالك إنتِ؟ هي حاجتي ولا حاجتك؟ ابقي اشتري دا في جهازك إنتِ.
رفعت خديجة حاجبها وقالت:
ـ اللي هشتريه في جهازي هو اللي هشتريه في جهازك. بصي، إنتِ روحي اقعدي هناك على جنب كده، ومالكش دعوة بأي حاجة. أنا هختار اللي يعجبني... يلا امشي من هنا مش هآخد رأيك في حاجة!
ضحكت إيمان وهي تهز رأسها باستسلام.
وقبل أن ترد، رن هاتفها.
أخرجته من جيبها، وما إن رأت اسم والدها حتى ابتعدت قليلًا عن خديجة وأجابت بسرعة:
ـ ألو... السلام عليكم.
جاءها صوت سالم الدافئ:
ـ وعليكم السلام يا حبيبتي... عاملة إيه؟
ابتسمت إيمان وقالت:
ـ الحمد لله يا بابا، كويسة. انا اسفه لو اتاخرت بس اصل
م ترددت قليلًا قبل أن تضيف:
ـ بابا... الحاجة فاطمة أصرت إنها تشتري جهازي. والله كنت رافضة، بس هي وخديجة اللي صمموا. أنا أصلًا واقفة بعيد وسايبة خديجة هي اللي بتختار.
تنهد سالم بحزن.
فهمت إيمان من نبرة صوته ما يدور داخله، فسارعت تقول بلهفة:
ـ بابا حبيبي... إنت زعلان؟ لو زعلان أنا هخليهم يرجعوا كل حاجة. والله ما عايزة أي حاجة.
ابتسم سالم رغم الألم الذي يعتصر قلبه وقال:
ـ لا يا إيمان... اشتري يا حبيبتي. اشتري كل اللي نفسك فيه. اشتري يا بنتي كل اللي يعجبك
سكت لحظة ثم أكمل:
ـ أنا عرفت كل حاجة يا بنتي... عرفت إن صابرين خدت فلوس جهازك.
اتسعت عينا إيمان، بينما تابع سالم بصوت مكسور:
ـ أوعدك إن كل حاجة الحاجة فاطمة تشتريها هتبقي من فلوس ابوكي. اشتري اللي نفسك فيه، وأنا هسد كل حاجة. للحاجه فاطمة دا وعد من ابوكي يا بنتي
لم تتمالك إيمان نفسها، وانهمرت الدموع من عينيها.
وقالت بصوت مرتجف:
ـ ربنا يخليك ليا يا بابا... أنا عارفة إنك ما اتأخرتش عليا يوم، وعارفة إنك كنت بتبعت فلوس جهازي. وعارفة كمان إن خالتي صابرين هي اللي كانت بتاخدها.
مسحت دموعها وأكملت:
ـ والله يا بابا مش مهم عندي الجهاز ولا الفلوس... كل اللي يهمني انك تكون راضي عني.
شعر سالم بغصة في حلقه وهو يسمع كلماتها.
وقال بحب:
ـ ربنا يخليكي ليا يا إيمان. إن شاء الله يا بنتي هعوضك عن كل حاجة. اشتري اللي نفسك فيه، وافرحي... إنتِ عروسة.
ابتسمت إيمان وسط دموعها وقالت:
ـ حاضر يا بابا... ربنا يخليك ليا.
أنهى سالم المكالمة، بينما ظلت إيمان تنظر إلى الهاتف لثوانٍ قبل أن تمسح دموعها وتعود إلى خديجة.
ما إن رأتها خديجة حتى رفعت أحد أغطية السرير وقالت:
ـ ها؟ إيه رأيك في ده؟
أمسكت إيمان المفرش ونظرت إليه قليلًا ثم ابتسمت:
ـ حلو أوي... أنا موافقة.
فتحت خديجة عينيها بدهشة مصطنعة ثم ضحكت قائلة:
ـ أيوه كده! أخيرًا عقلتي. روحي بقى انت شوفي الفوط والبشاكير على ما انا اخلص باقي الملايات وبعد كده نروح نشوف السجاد والستائر
وبعد ساعات طويلة من التسوق، انتهتا من شراء المفروشات والسجاد والستائر وكل ما تحتاجه إيمان.
نظرت خديجة إليها بمكر وهي تبتسم:
ـ كده خلاصنا المفرووشات يلا بقى علي المهم
تعالي على قسم الملابس.
سألتها إيمان باستغراب:
ـ ليه؟
اقتربت خديجة منها وهمست وهي تضحك:
ـ عشان أنا شفت شوية هدوم عرايس... إنما إيه! هيخلوا عقل رجب يطير.
احمر وجه إيمان فورًا، وضربتها بخفة على ذراعها وهي تقول بخجل:
ـ يا بنتي بطلي كلامك ده!
انفجرت خديجة بالضحك، ثم أمسكت يدها وسحبتها خلفها.
وغادرتا قسم المفروشات وسط ضحكاتهما، متجهتين نحو قسم الملابس، بينما كانت السعادة تتسلل إلى قلب إيمان لأول مرة منذ فترة طويلة، وكأن الحياة قررت أخيرًا أن تعوضها عن بعض ما فاتها.
سارت إيمان خلف خديجة وهي تحاول إخفاء خجلها، بينما كانت الأخيرة تسحبها بين أقسام الملابس وكأنها في مهمة لا تقبل التأجيل.
توقفت خديجة أمام أحد المحال الفاخرة داخل المول، ثم أشارت إلى الواجهة الزجاجية قائلة بحماس:
ـ بصي!شوفي طقم الدخله دا هيبقي روعة عليكي تعالي ندخل نشوفه
دخلوا الي المحل خديجه وهي تمسك بيدها وتريه لايمان
بصي.. هيبقى روعة عليكي! وقالت بضحك دا رجب هيدعي ليا دعا لما يشوفك بيه
شهقت ايمان بخجل وهي تخطفه من يدها بسرعة.
ـ ايه الا بتقوليه دا يا خديجة! عيب كده وبعدين مين قالك اني هلبس الكلام دا انا هحيب عبايات وبيحامات مقفوله
انفجرت خديجة بالضحك وقالت:
ـ عبايات وبيجامات مقفوله ايه ؟ يا بت إنتِ عروسة يعني كل شئ هينكشف ويبان !
احمر وجه إيمان أكثر وهي تتمتم:
ـ والله لو ما سكتِّيش همشي وأسيبك هنا.
اقتربت خديجة منها وهمست بمكر:
ـ طيب قوليلي الأول... لو رجب شافك بالطقم ده هيقول إيه؟
ضربتها إيمان بخفة على كتفها وهي تقول بخجل شديد:
ـ يا بنتي اتلمي بقى! إنتِ مالك ومال رجب هيقول إيه ولا ما يقولش إيه؟
ضحكت خديجة بصوت عالٍ وقالت:
ـ انا نفسي اعرف لما انتي مكسوفه وانتي بتشتري امال هتعملي ايه لما تلبسيه قدم رجب؟
ايمان بكسوف ومين قالك اني هشتريه والا البسه
أمسكت إيمان عبايه منزليه وجدتها أمامها وأشارت إليها بسرعة:
ـانا هشتري دي.
نظرت خديجة إلى ثم انفجرت ضاحكة:
ـ دي؟!
ـ مالها؟
ـ دي تنفع خالتي أم رجب مش للعروسة جديدة!
اختطفتها من يدها وأعادتها إلى مكانها ثم بدأت تسحب مجموعة أخرى من الملابس.
ـ بصي بقى... ده حلو.
ـ لا.
ـ وده؟
ـ لا.
ـ وده؟
ـ لا.
وضعت خديجة يديها على خصرها وقالت بيأس:
ـ ىبنا يصبرك يا رجب ! انا مش عارفه هو داخل يتجوزي ولا داخلة الجيش؟هيتجوز واحد دفعه صاحبه
لم تستطع إيمان منع نفسها من الضحك هذه المرة.
وفي النهاية، وبعد مفاوضات طويلة، نجحت خديجة في إقناعها ببعض الملابس الجميلة الخاصة بالعرائيس واشتروا ايضا بعض الملابس المحتشمة التي أرضت الطرفين.
وبينما كانتا يقوم بالجدال علي قطعة من الماابس التي تصر خديجه على شرائها وتعترض ايمان لانها مكشوفه ، رن هاتف خديجة.
نظرت إلى الشاشة ثم ابتسمت بمكر.
ـ اهو جالنا هيفصل بينا ويقول تشتريه ولا لا
سألتها إيمان باستغراب:
ـ مين؟
أدارت خديجة الهاتف نحوها.
فوجدت اسم رجب.
اتسعت عينا إيمان فورًا.
أما خديجة فابتسمت ابتسامة شريرة وقالت:
ـ أهو اخليه يجيب نفسه عشان يختار اللي يعجبه!
ـ ايمان بكسوف وخجل
خديجه ما تستهبليش اوعي تخليه يجي ولا تعرفيه ان احنا بنشتري الحاجات بصي اقفلي وما ترديش لحد ما نخلص
لكن خديجة كانت قد أجابت بالفعل:
ـ ألو يا عريس!
جاء صوت رجب مرهق بعد ان انهى عمله وقام بتسليم الفاكهه والخضروات:
ـ أيوة يا خديجة... طمنيني، خلصتوا ولا لسه؟
نظرت خديجة إلى إيمان التي كانت تهز رأسها بعنف وهي تشير لها ألا تتكلم.
فقالت بخبث:
ـ لا لسه... أصلًا إحنا في أهم قسم .
تجمدت إيمان في مكانها.
وسأل رجب باستغراب:
ـ قسم إيه؟
ردت خديجة وهي تكتم ضحكتها:
ـ قسم ملابس العرايس... وإيمان لونها بقى أحمر زي الطماطم. ومش عارفه تختار انا بقول تيجي انت تختار بنفسك
وصل صوت ضحكة رجب عبر الهاتف.
أما إيمان فخطفت الهاتف من يد خديجة بسرعة وقالت بخجل وغضب:
ـ ما تسمعش كلامها يا رجب... دي مجنونة! اوعى تيجي احنا خلاص بنخلص وخارجين اهو
فضحك رجب أكثر وقال بحنان:
ـ لا لا خارجين فين خليكوا براحتكم انا بقول اجي انا اختار معاكم واريحك بدل الكسوف والاحراج
ازدادت حمرة وجه إيمان واغلقت الهاتف في وجهه، بينما انفجرت خديجة بالضحك
وابعت ساعه وقد قامت خديجه بشراء كل شيء مناسب من لانجريهات وكاشات وبيجامات وعبايات للاستقبال وملابس للخروج واخذوا كل شيء واتصلوا برجب لكي ياتي ويحمل معهم المشتريات
في القاهرة... الساعة العاشرة مساءً
كانت نهاد تجلس في غرفة المعيشة بأناقتها المعتادة، وقد أسندت ظهرها إلى الأريكة بينما تضع طبقة جديدة من طلاء الأظافر، وعيناها معلقتان بشاشة التلفاز تتابع أحد البرامج بملل واضح.
في تلك اللحظة، انفتح باب الشقة ودخل يوسف.
بدت عليه علامات الإرهاق الشديد؛ كتفاه متراخيتان، وملامحه متعبة بعد يوم طويل قضاه بين الجامعة والسفارة والعمل.
رفع رأسه عندما لمح والدته جالسة في الصالة، فتوقف للحظة، ثم اتجه نحو الأريكة المقابلة وجلس عليها وهو يقول:
ـ مساء الخير يا ماما.
ثم ابتسم باستغراب وأضاف:
ـ غريبة... رجعتي بدري النهارده! كل يوم بتكوني بره وما بترجعيش غير بعد ما أكون نمت.
رفعت نهاد عينيها عن أظافرها ونظرت إليه بلا اهتمام يُذكر، ثم قالت:
ـ أنا أصلًا ما خرجتش النهارده.
وأغلقت زجاجة الطلاء قبل أن تكمل:
ـ نادية وعماد كانوا هنا، اتغدوا معايا ومشوا من شوية. فضلوا قاعدين مستنيينك، بس إنت اتأخرت.
هز يوسف رأسه وهو يخلع سترته ويضعها على المقعد المجاور.
ـ كان عندي شغل كتير لازم أخلصه النهارده. رحت الجامعة والسفارة، وبعد ما خلصت رحت حجزت تذكرة الطيران عشان أسافر المزرعة يوم الأربعاء.
فور سماعها ذلك، تركت نهاد زجاجة الطلاء تمامًا ونظرت إليه باهتمام مفاجئ.
ـ يعني حجزت؟
ثم سألت بسرعة:
ـ طيب إحنا هنسافر إمتى؟ والطيارة الساعة كام؟
نظر إليها يوسف باستغراب واضح.
ـ إحنا؟!
ثم عقد حاجبيه وقال:
ـ أنا حجزت لنفسي يا ماما. حضرتك ما قولتيش إنك مسافرة معايا.
اعتدلت نهاد في جلستها وقالت وكأن الأمر بديهي:
ـ ليه؟ هو إنت فاكر إنك هتسافر لوحدك؟ أكيد هاجي معاك.
ثم أضافت بنبرة حادة:
ـ ولا إنت عايز جدتك تلعب في دماغك وتخليك تلغي المنحة اللي مسافر عشانها؟ بحجة إنك تقعد تاخد بالك منها ومن خديجة وتضيع مستقبلك بإيدك؟
قطب يوسف حاجبيه بضيق.
ـ تيته عمرها ما هتضيع مستقبلي.:، لما تعرف إن المنحة دي في مصلحتي أكيد هتشجعني عليها.
وصمت لحظة قبل أن يضيف:
ـ وبعدين حضرتك أصلًا ما بتتبسطيش في المزرعة. كل مرة بتروحي بتبقي مضايقة ومخنوقه وبتفصلي تضايقي تيته وخديجه بالكلام علي إنهم بيناموا بدري وإنك بتتخنقي هناك، وبعدها تفضلي تقولي عايزة أنزل شرم وأتفسح.
هز رأسه بيأس وقال:
ـ وأنا بصراحة مش فاضي أنزل أفسح حد.
ثم تنهد وأكمل:
ـ أنا رايح أسلم على جدتي وبنت عمي قبل السفر، وأحضر فرح رجب وإيمان،يعني هقعد يومين تلاتة بالكتير وأرجع. مفيش حاجة تستاهل سفرك.
شعرت نهاد أن رفضه يقترب، فحاولت تغيير أسلوبها فورًا.
ارتسمت على وجهها ابتسامة مصطنعة وقالت بنبرة أكثر هدوءًا:
ـ يا سيدي مش هضايق حد.
ثم أضافت:
ـ وبعدين أنا عايزة أحضر فرح رجب. بقالي فترة طويلة ما سافرتش ولا حضرت أفراح، وعايزة أغير جو.
واقتربت منه قليلًا وهي تقول:
ـ أوعدك مش هضايق حد والا هقولك وديني شرم ولا فسحني. هقعد في المزرعة وخلاص.
تنهد يوسف باستسلام.
كان يعرف جيدًا أن والدته إذا وضعت شيئًا في رأسها فلن تتراجع عنه بسهولة.
لذلك قال أخيرًا:
ـ حاضر يا ماما... بكرة هروح أحجز لك.
ارتسمت على شفتي نهاد ابتسامة انتصار خفية، لكنها سرعان ما أخفتها.
وفجأة قال يوسف:
ـ طيب بما إن حضرتك قاعدة في البيت النهارده...
ثم نظر حوله وسأل:
ـ طبختي ايه فيه أكل؟ أنا طول اليوم ما أكلتش أي حاجة.
أجابته نهاد ببساطة شديدة:
ـ... مفيش.اكل افتكرت إنك أكلت بره. احنا طلبنا سوشي واكلنا
ثم رفعت هاتفها وسألته:
ـ أطلب لك حاجة من بره؟ تحب أجيب لك سوشي؟
نظر إليها يوسف باشمئزاز واضح.
ـ لا السوشي إيه؟ ما بحبوش.
ونهض من مكانه وهو يضحك بمرارة:
ـ أنا قلت بما إنك قاعدة في البيت النهارده، كانت فرصة تعملي أكلة ناكلها.
ثم أضاف:
ـ إنتِ عارفة بقالي قد إيه ما أكلتش أكل بيتي؟
تغيرت ملامح نهاد قالت بضيق واضح،
ـ أكل بيتي إيه اللي عايزني أعمله؟ هو أنا طباخة؟ما إنت عارف إني ما بحبش المطبخ أصلًا، وما بعرفش أطبخ.
رفع يوسف يديه مستسلمًا.
ـ خلاص... خلاص، ما تتعصبيش.
وقف بضيق وتجه إلى غرفته:
ـ هروح آخد دش وأغير هدومي، وبعدها اخرج أعمل لنفسي بيضتين .
وقبل أن يختفي داخل غرفته تمتم بصوت منخفض:
ـ الحمد لله إني رايح المزرعة...ـ أهو الواحد ياكل لقمة عدلة من ايد تيته وام رجب قبل ما يسافر. اما انا وحشتوني الفطير والبط والمحشي بشكل امتي يوم الاربعاء يجي بسرعه
أغلق باب غرفته خلفه.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، اختفت الابتسامة من وجه نهاد تمامًا.
التقطت هاتفها بسرعة واتصلت بعماد.
لم تنتظر سوى ثوانٍ قليلة حتى جاءها صوته من الطرف الآخر.
ـ أيوة يا نهاد؟
قالت بلهفة:
ـ يوسف رجع من شوية.
استمعت إليه للحظات ثم تابعت:
ـ آه... حجز يوم الأربعاء.
صمتت قليلًا قبل أن تقول بضيق:
ـ هو أنا كنت أعرف إنه هيحجز النهارده؟! أنا فوجئت بيه داخل بيقول إنه خلص الحجز.
ثم أضافت:
ـ تخيل؟ حجز لنفسه وما حجزش ليا!
نهضت من مكانها وبدأت تتجول في الصالة ذهابًا وإيابًا.
ـ بص... أول ما يخرج من أوضته هحاول أعرف منه الطيارة الساعة كام بالظبط.
ثم خفضت صوتها بحذر وأكملت:
ـ وإنت بقى ظبط نفسك مع سراج، وخليه يحجز ليكم على نفس الرحلة.
جاءها رد عماد، فأومأت برأسها وهي تستمع.
ـ تمام... المهم ما تتأخروش.
ثم أضافت:
ـ بكرة إنت ونادية تعالوا بدري.
ثم زفرت ببطء وأكملت:
ـ انا اصلا مش عارفه هيعمل ايه لما يعرف ان ناديه مسافره معانا ده وافق إني أسافر بالعافية.
تمام خلاص انت بكره بقى اعمل اللي اتفقنا عليه لازم نسافر كلنا ولازم موضوع المزرعه ده يخلص
أنهت المكالمة بعد دقائق، وتوقفت أمام النافذة تنظر الي الخارج بضيق وقرف فهي كانت في فيلاتها القديمه تنظر الى شوارع المضيئه الواسعه ولكن الان تنظر الى الشارع الضيق المظلم.
تنهدت وهي تقول بتصميم كل ده هيتغير وهرجع تاني مش للفيلا لا هعيش في قصر في احسن مكان موجود في القاهره
أما داخل غرفته، فكان يوسف انهى حمامه ووقفت امام المراه يمشط شعره وهو يبتسم بحنين وهو يتذكر انه خلال ايام قليله سوف يرى محبوبته الصغيره وجدته الحبيبه
لم يكن يعلم أن والدته تخطط لأكثر من مجرد حضور الفرح...
ولا أن الأيام القادمة ستحمل معها أحداثًا ستغير الكثير من الأمور.
دخل سالم إلى الشقة التي يجري تجهيزها لابنته إيمان، وأخذ يتأمل المكان في صمت. كانت الشقة بسيطة؛ صالة متوسطة المساحة، ومطبخًا صغيرًا، وغرفتين، وحمامًا. وقف في منتصف الصالة وأخذ يشرح للعمال التعديلات التي يريدها، من تغيير الأرضيات إلى دهانات الحوائط والتجهيزات المختلفة، ثم تركهم يباشرون عملهم. اقترب بعد ذلك من النافذة المطلة على الحقول الخضراء، وأسند يديه إلى إطارها وهو يسرح بعيدًا في ذكرياته. تذكر إيمان... ابنته الصغيرة... فرحة عمره . تذكر يوم ولادتها، وكيف حملها بين ذراعيه لأول مرة وهو يشعر أن الدنيا كلها أصبحت ملكه. تذكر أول ضحكة رسمتها على وجهها الصغير، وأول كلمة نطقتها، وأول خطوة خطتها نحوه وهي تترنح ببراءة الأطفال. ثم تذكر اليوم الأصعب في حياته... يوم فقدت إيمان أمها وهي لم تتجاوز العامين من عمرها. تنهد سالم بحزن وهو يتذكر زوجته الراحلة على فراش الموت، وهي تمسك يده وتوصيه بابنتهما الوحيدة. وتذكر بعدها زواجه من صابرين، بعدما أقنع نفسه أنها ستكون أمًا بديلة لإيمان، لكنها للأسف لم تكن يومًا كما تمنى. عاد يتذكر بكاء إيمان يوم أخبرها أنه سيسافر للعمل بالخارج، وكي
ظلَّ سالم يقود سيارته مسرعًا في الطريق الترابي المؤدي إلى المزرعة، بينما كانت الأفكار تضرب رأسه بلا رحمة.لم يكن قادرًا على استيعاب ما اكتشفه داخل بيته.سنوات طويلة قضاها في الغربة...سنوات من التعب والشقاء تحت شمسٍ حارقة ووحدةٍ قاسية، كان يهوِّن على نفسه خلالها بفكرة واحدة فقط...أن بناته بخير.لكن الحقيقة التي انكشفت أمامه قبل دقائق كانت كفيلة بأن تهز عالمه كله.شدَّ على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، بينما تسارعت أنفاسه غضبًا وألمًا.وفي المقابل...لم تكن صورة الحاجة فاطمة تفارق ذهنه.تلك المرأة التي وقفت إلى جواره بعد وفاة زوجته، واحتضنت بناته بحنان أمٍّ حقيقية، ولم تبخل يومًا على إيمان بكلمة طيبة أو قلبٍ رحيم.لذلك كان خبر مرضها كافيًا ليزرع القلق في قلبه.تنهد بضيق وهو يزيد من سرعة السيارة.---في تلك الأثناء...كانت صابرين تقف في منتصف الغرفة وعيناها تقدحان شررًا.استمعت إلى صوت باب المنزل وهو يُغلق بقوة خلف سالم، فعرفت أنه غادر.ضمت ذراعيها إلى صدرها وهمست من بين أسنانها:— مش هيحصل يا سالم...ثم ارتفع صوتها وهي تتمتم بغضب:— مش هسيب لك دهبي تاخده عشان تجوز بنتك!احتقن و
قبل المزرعة بمسافة قصيرة كان يقع بيت سالم، بيت ريفي بسيط من دور واحد، تحيط به الأشجار من كل جانب.داخل البيت، كان سالم يجلس على الطبليّة الخشبية القديمة التي يعشقها منذ صغره، وإلى جواره ابنتاه الصغيرتان؛ أسماء ذات الثمانية أعوام، وآية التي لم تتجاوز السادسة.في تلك اللحظة خرجت صابرين من المطبخ وهي تحمل طاسة كبيرة بين يديها، ثم وضعتها على الطبليّة بضيق واضح وقالت:ـ أنا مش فاهمة إيه غاويتك في القعدة على الطبليّة دي! ما عندنا ترابيزة سفرة، أمال أنا اشتريتها ليه؟رفع سالم رأسه إليها مبتسمًا وقال بهدوء:ـ يا ستي أنا بحب أقعد على الطبليّة، وبصراحة مش عارف إنتِ اشتريتي ترابيزة السفرة ليه أصلًا. ضيقتِ المكان وخلاص.نفخت صابرين بضيق وهي تضع يديها في خصرها.ـ الحق عليّا إني عاوزة أخلي بيتنا على الموضة زي بيوت الناس الأكابر!ثم استدارت نحو المطبخ وهي تتمتم:ـ هروح أجهز الأكل اللي طلبته... والله مش فاهمة لما إنت عاوز محشي وفراخ وكل الأكل ده، سمحت ليه للهانم بنتك تخرج طول اليوم وتسيبني لوحدي متدبسة في الطبيخ؟ ما كانت قعدت تساعدني.اختفت الابتسامة من وجه سالم فورًا.ـ يا وليّة يا مفتريّة! أنا بقال
رنّ هاتف عماد فجأة، فقطع الصمت المشحون داخل الغرفة.نظر إلى شاشة الهاتف، فتغيّرت ملامح عماد على الفور."ده سراج."رفعت نهاد رأسها بسرعة، وقالت بحدة خافتة:"رد عليه... واتعامل عادي."ابتلع عماد ريقه، ثم ضغط زر الإجابة محاولًا أن يبدو هادئًا:"ألو... صباح الخير يا سراج بيه."جاءه صوت سراج حادًا ومتوترًا:"صباح إيه؟ أنا من امبارح باتصل عليك! يوسف كلم جدته ولا لسه؟"تبادل عماد نظرة سريعة مع نهاد قبل أن يجيب بحذر:"لسه ما اتكلمش معاها في موضوع البيع... بس هو مسافر لهم الأربعاء عشان يحضر فرح مهم هناك، وهناك هيقعد معاها ويتكلم."ساد صمت قصير، قبل أن يقول سراج بنبرة جعلت قلب عماد يهبط:"حلو... يبقى جات في وقتها."عقد عماد حاجبيه بقلق."تقصد إيه؟"رد سراج بهدوء بارد:"أنا كمان مسافر شرم الأربعاء."شهقت نادية دون وعي، بينما انتفض عماد في جلسته.أكمل سراج:"وفرصة إن يوسف موجود هناك أشوف المزرعة بنفسي."شحب وجه عماد، والتفت فورًا إلى نهاد التي اتسعت عيناها بصدمة مماثلة.قال بسرعة وهو يحاول التماسك:"لا... لا يا سراج بيه، الأفضل تستنى شوية. خلّي يوسف الأول يقعد مع جدته ويفهمها الموضوع بهدوء."لكن
تحركت سيارة نقل الفاكهة الكبيرة خارج المزرعة ببطء، تهتزّ تحت ثقل صناديق المانجا والعنب والخوخ والخضار الطازج.وفي الخلف، فوق الصناديق مباشرة، جلست ديجا وإيمان بعدما أصرتا بعناد على الركوب هناك بدلًا من كابينة القيادة.كانت ديجا تمد يدها كل دقيقة تقريبًا إلى صندوق العنب المجاور، تلتقط حبة وتلقيها في فمها بلا اكتراث، بينما احتضنت إيمان حبة مانجا كبيرة وكأنها غنيمة حرب لا تُقدَّر بثمن.جاء صوت رجب من الأمام، يصل إليهما عبر المرآة الجانبية:- "أنا مش فاهم... دي عربية نقل بضاعة ولا بوفيه مفتوح؟"ضحكت ديجا، ثم رمت حبة عنب في فمها وقالت بثقة مصطنعة:- "إحنا بنعمل اختبار جودة قبل التسليم يا رجب."هزّ رأسه بيأس تمثيلي.- "آه طبعًا... لجنة التفتيش الزراعي قاعدة فوق قفص العنب."ضحكت إيمان وهي تشق المانجا بحذر.- "بصراحة... المانجا دي خطيرة."رد فورًا:- "طب خفّوا أكل بالله عليكم. أنا لو حسبت اللي اتاكل من أول الطريق، التاجر هيستلم صناديق فاضية."رفعت إيمان حاجبها بدلال خفيف.- "مستخسر فيّا قفصين فاكهة؟"ابتسم، ولان صوته قليلًا وهو يقول:- "ده إنتِ لو طلبتي محصول المزرعة كلها أديهولك."شهقت ديجا
وفي القاهرة، كان جرس الهاتف يقطع سكون الشقة الهادئة، فيتردد صداه بين الجدران كأنه يحمل خبرًا عاجلًا.التقطت نهاد السماعة بفتور، وقالت بنبرة خالية من الحماس:- "ألو."جاءها صوت الجدة من الطرف الآخر، يحمل عتابًا واضحًا رغم هدوئه:- "السلام عليكم... إزيك يا مرات ابني؟"ما إن سمعت نهاد الصوت حتى تجهم وجهها، لكنها سرعان ما رسمت ابتسامة مصطنعة، وأجابت بنبرة متكلفة:- "وعليكم السلام يا طنط... الحمد لله. حضرتك عاملة إيه؟ وحشاني."ضحكت الجدة ضحكة قصيرة امتزجت بالسخرية المريرة:- "وحشاكي؟ طيب ما دام أنا وحشاكي ، ليه ما بترفعيش سماعة التليفون حتى تطمني عليا؟"شدّت نهاد على أسنانها وهي تحاول إخفاء ضيقها:- "والله يا طنط مشغولة في المصنع طول النهار... وبعدين يوسف دايمًا بيسأل عنك، وبطمن عليكي منه ."تنهدت الجدة بحزن:- "ربنا يعينك ... بس يوسف بيسأل عني فين وأنا بقالي شهرين ما سمعتش صوته؟ وكل ما أتصل، التليفون يرن ومحدش يرد."قالت نهاد بنفاد صبر:- "أصله مشغول في الماجستير، وأنا طول اليوم في المصنع. بنرجع بالليل مهدودين، ما بنلحقش ناخد نفسنا. بندخل ننام"ردت الجدة بنبرة هادئة لكنها لا تخلو من العتا







