Compartir

البارت الخامس

last update Fecha de publicación: 2026-06-06 06:55:43

قبل المزرعة بمسافة قصيرة كان يقع بيت سالم، بيت ريفي بسيط من دور واحد، تحيط به الأشجار من كل جانب.

داخل البيت، كان سالم يجلس على الطبليّة الخشبية القديمة التي يعشقها منذ صغره، وإلى جواره ابنتاه الصغيرتان؛ أسماء ذات الثمانية أعوام، وآية التي لم تتجاوز السادسة.

في تلك اللحظة خرجت صابرين من المطبخ وهي تحمل طاسة كبيرة بين يديها، ثم وضعتها على الطبليّة بضيق واضح وقالت:

ـ أنا مش فاهمة إيه غاويتك في القعدة على الطبليّة دي! ما عندنا ترابيزة سفرة، أمال أنا اشتريتها ليه؟

رفع سالم رأسه إليها مبتسمًا وقال بهدوء:

ـ يا ستي أنا بحب أقعد على الطبليّة، وبصراحة مش عارف إنتِ اشتريتي ترابيزة السفرة ليه أصلًا. ضيقتِ المكان وخلاص.

نفخت صابرين بضيق وهي تضع يديها في خصرها.

ـ الحق عليّا إني عاوزة أخلي بيتنا على الموضة زي بيوت الناس الأكابر!

ثم استدارت نحو المطبخ وهي تتمتم:

ـ هروح أجهز الأكل اللي طلبته... والله مش فاهمة لما إنت عاوز محشي وفراخ وكل الأكل ده، سمحت ليه للهانم بنتك تخرج طول اليوم وتسيبني لوحدي متدبسة في الطبيخ؟ ما كانت قعدت تساعدني.

اختفت الابتسامة من وجه سالم فورًا.

ـ يا وليّة يا مفتريّة! أنا بقالي أسبوعين هنا والبنت هي اللي شايلة البيت كله. من طبيخ لتنضيف لترتيب، وحتى أخواتها الصغيرين هي اللي بتراعيهم. مش هان عليكي تسيبيها يوم ترتاح؟

عضّت صابرين على شفتيها غيظًا.

ـ هي ترتاح وأنا أتمرمط؟! والله لأعرفها لما ترجع.

ثم دخلت المطبخ وهي تغمغم بكلمات غاضبة.

ما إن اختفت حتى اندفعت أسماء وآية نحو الخبز وبدأتا تلتهمان البيض بالبسطرمة بشهية كبيرة.

ضحك سالم وهو يراقبهما.

ـ بالراحة يا بنات، إيه اللي بيحصل؟ الأكل مش هيطير.

رفعت آية رأسها وقالت بسعادة:

ـ أصل البيض بالبسطرمة ده حلو أوي يا بابا... كان نفسي آكله من زمان.

ابتسم سالم بحنان.

ـ طب ما قلتوش لمامتكم أو لإيمان أختكم تعملهولكم؟

تبادلت الطفلتان النظرات، ثم قالت أسماء ببساطة:

ـ هتعمله منين يا بابا؟ البسطرمة والبيض إنت اللي بتجيبهم لما تيجي. طول ما إنت مسافر محدش بيجيبهم.

وأضافت آية وهي تبتسم له:

ـ يا ريتك تفضل هنا على طول وما تسافرش تاني. إحنا بناكل الأكل الحلو ده بس لما تكون موجود.

توقفت يد سالم في الهواء، وبدأ شيء من القلق يتسلل إلى قلبه.

ـ يعني إيه؟ أمال إنتوا بتفطروا إيه وأنا مسافر؟ وبتاخدوا معاكم المدرسة سندوتشات إيه؟

أجابت آية بعفوية:

ـ ماما بتطلع لنا جبنة من الزلعة... أو شوية فول. وده اللي بناخده معانا المدرسة. وساعات ما بناخدش حاجة أصلًا.

عقد سالم حاجبيه.

ـ والجبنة والفول دول فطار كل يوم؟ ما بتعملكوش أي حاجة تانية؟

هزّت أسماء رأسها.

ـ ده إحنا بنفطر ونتغدى ونتعشى بيهم كمان.

شعر سالم وكأن أحدهم صفعه بقوة.

نظر إلى ابنتيه غير مصدق.

ـ يعني أمكم ما بتطبخش لكم؟

قالت ااسماء بسرعة:

ـ بتطبخ أول يوم لما الفلوس توصل أول الشهر، وبعد كده لأ... أو لما عمو رجب وخالتي زينب ييجوا زيارة لأبلة إيمان ويجيبوا حاجات معاهم.

ثم أضافت آية بحماس طفولي:

ـ ولما عمو رجب يدي أبلة إيمان فلوس، أبلة إيمان بتخبي شوية منهم قبل ما ماما تاخدهم كلهم، وبالليل تشتري لنا أكل وتخلينا ناكل معاها في الأوضة.

اتسعت عينا سالم بصدمة.

ـ فلوس إيه اللي رجب بيديها لإيمان؟

قالت آية:

ـ فلوس العيد والمواسم... وساعات لما يزورنا كل شهر. بيحاول يديها لأبلة إيمان، وهي تقول له لأ، بس ماما بتاخدها منه وتقول إنها هتديها لها بعدين

بس هي ما بتديهاش حاجة. وأبلة إيمان بتفضل تعيط وتقول إن الفلوس دي مش المفروض تاخدها من عمو رجب، وإنه مش صح إن خطيبها يصرف عليها وهي لسه في بيت أبوها.

وفجأة ضربت أسماء أختها بخفة على ذراعها.

ـ اسكتي! لو ماما عرفت إننا قلنا لبابا هتزعل مننا وهتضربنا.

أخذ سالم نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على غضبه حتى لا يخيف الطفلتين.

ـ لا يا حبايبي، محدش هيزعق لكم. قولولي بس... أمكم بتودي الفلوس دي فين؟

أجابت أسماء:

ـ بتشتري بيها دهب، وبتقول إنها بتأمّن المستقبل. واللي يفضل منها بتجيب بيه عفش للبيت.

ظل سالم ينظر إليهما في ذهول.

ـ يعني بتشتري دهب وعفش للبيت... وسايباكم من غير أكل؟

ثم سأل ببطء:

ـ طب اشترت حاجة لجهاز أختكم إيمان؟

هزّت آية رأسها سريعًا.

ـ لا. مرة أبلة إيمان طلبت منها الفلوس اللي عمو رجب بيديها لها عشان تشتري حاجات لجهازها.

فقالت لها ماما سكتت لحظة ثم أكملت مقلدة صوت أمها:

ـ : "جهاز إيه يا أم جهاز؟ البيت أولى بالفلوس دي. كفاية إنك قاعدة في البيت، لا بتشتغلي ولا بتصرفي."

شعر سالم بأن الدم يغلي في عروقه.

هل وصل الأمر إلى أن رجب ينفق على ابنته وهي ما زالت في بيت أبيها، بينما زوجته تستولي على المال كله؟

قبض على يده بقوة حتى برزت عروقها، ثم نظر إلى ابنتيه الصغيرتين اللتين عادتا للأكل وكأنهما لم تقولا شيئًا خطيرًا.

أما هو، فكان يشعر أن أشياء كثيرة تحدث داخل بيته أثناء سفره بدأت تنكشف أمامه للمرة الأولى... أشياء لم يكن يتخيل يومًا أنها تصل إلى هذا الحد

.

ظل سالم يحاول السيطرة على غضبه حتى انتهت الطفلتان من تناول الطعام. كان يسمع صوت ارتطام الأواني القادم من المطبخ، وكل صوت يزيد النار المشتعلة داخله اشتعالًا.

ما إن فرغت أسماء وآية من الطعام حتى نظر إليهما بهدوء مصطنع وقال:

ـ يلا يا أسماء، خدي أختك وادخلوا الأوضة. اقعدوا احفظوا القرآن، وأنا هاجي أسمع لكم بعد شوية. وما تخرجوش إلا لما أنادي عليكم.

أومأت الطفلتان بطاعة، ثم توجهتا إلى غرفتهما.

انتظر سالم حتى أغلق باب الغرفة خلفهما، ثم نادى بصوت مرتفع:

ـ صابرين!

جاءه صوتها من المطبخ:

ـ أيوة يا سالم! هجيب لك الشاي حالًا، بس أخلص اللي في إيدي.

هتف بحدة:

ـ سيبي الشاي وسيبي اللي في إيدك وتعالي هنا.

خرجت صابرين وهي تمسح يديها في مريلتها، وعلى وجهها علامات الضيق.

ـ في إيه يا سالم؟ بتعطلني ليه؟ ما تسيبني أخلص الأكل بدل ما نقعد لآخر النهار.

وقف سالم من مكانه وقال ببرود مخيف:

ـ تعالي ورايا على الأوضة.

رفعت حاجبيها باستنكار.

ـ أوضة إيه يا راجل دلوقتي؟ هو ده وقته والبنات صاحية؟

التفت إليها بعينين مشتعلة بالغضب.

ـ قلت تعالي ورايا.

ثم استدار ودخل غرفته دون أن ينتظر ردها.

نفخت بضيق ولحقت به.

ما إن دخلت حتى قال:

ـ اقفلي الباب.

توقفت مكانها ونظرت إليه باستغراب.

ـ جرى إيه يا سالم؟ مالك النهارده؟ العفاريت نطت لك ولا إيه؟

قال ببرود:

ـ ... مش اللي في دماغك. اقفلي الباب وتعالي هنا.

ازدادت حيرتها لكنها نفذت طلبه.

اقتربت منه وقالت:

ـ خير؟

ابتسم سالم ابتسامة خالية من أي مرح.

ـ أبدًا... كنت بس عاوز أشوف جهاز بنتي إيمان.

شحب وجه صابرين قليلًا.

أما سالم فأكمل:

ـ الجهاز اللي كل شهر تطلبي له فلوس زيادة عشانه. الجهاز اللي بقالي سنين ببعث لك فلوس مخصوص علشان يتجهز.

ثم ألقى نظرة متعمدة حول الغرفة.

ـ أصل أنا مستغرب... لا شايف قطن تنجيد، ولا كراتين أجهزة، ولا أي حاجة تدل إن فيه جهاز بيتجهز. فقلت أسألك... فين جهاز بنتي؟

ابتلعت صابرين ريقها بصعوبة.

ـ ما هو... أصل... أنا كنت هقول لك...

قاطعها سالم بحدة:

ـ قولي.

فركت يديها بتوتر وقالت:

ـ بص يا أخويا... أنا قلت جهاز إيه اللي نجيبه؟ هي كده كده هتعيش في أوضة في الفيلا عند الحاجة فاطمة، ورجب هو اللي هيجيب أوضة النوم. والبيت هناك ما شاء الله كامل ومش محتاج حاجة.

ثم أضافت بسرعة:

ـ فقلت الفلوس نوفرها بدل ما نرميها في حاجات مالهاش لازمة.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم انفجر سالم:

ـ مين قال لك إن بنتي هتعيش في أوضة؟!

ارتجفت صابرين من ارتفاع صوته.

ـ أنا متفق مع الحاجة فاطمة من زمان إنها توضب الأوضتين اللي جنب الفيلا وتعملهم شقة صغيرة لإيمان وجوزها. والمفروض أنا اللي أجهز بنتي وأفرش بيتها.

ثم اقترب منها خطوة.

ـ فين الجهاز؟

تراجعت خطوة للخلف.

لكن الصدمة الحقيقية ظهرت على وجهها حين استوعبت ما قاله.

ـ شقة؟! شقة كاملة جنب الفيلا؟

ضيقت عينيها بعدم تصديق.

ـ إنت ما قلتليش الكلام ده قبل كده!

نظر إليها سالم باحتقار وقال:

ـ عشان كنت فاكر إنك أمينة على بنتي اليتيمة. فاكر إنك في مقام أمها وهتجهزيها أحسن جهاز وتفرحي بيها يوم فرحها.

ثم كرر السؤال بصوت أكثر حدة:

ـ فين فلوس الجهاز يا صابرين؟

رفعت صوتها محاولة الدفاع عن نفسها:

ـ ما فيش فلوس الفلوس كانت بتتصرف على البيت! هو إنت فاكر المعيشة ببلاش؟ الدنيا بقت نار، وبناتك مصاريفهم كتير. 

اقترب منها أكثر.

ـ وأنا عمري قصرت؟

أشار بيده بعصبية.

ـ أنا ببعت مصروف البيت كامل. وببعت فوقيه فلوس زيادة مخصوص لجهاز إيمان. ولما رجعت لقيت البيت فاضي. لا أكل، ولا فاكهة، ولا حتى أبسط الحاجات.

ثم أردف وعيناه تقدحان شررًا:

ـ أنا اللي نزلت السوق ومليت البيت كله من أول وجديد.

ارتبكت صابرين أكثر.

أما هو فأكمل:

ـ وبناتي بيقولوا إنهم ما شافوش البيض بالبسطرمة من ساعة ما سافرت... يعني من سنتين!

ثم ضرب كفه بالحائط المجاور بعنف.

ـ سنتين يا صابرين!

انتفضت من مكانها.

ـ عاوز أعرف... بتودي فين الفلوس اللي ببعتها؟

صمتت.

ـ ومدام مفيش جهاز... راحت فين فلوس جهاز إيمان؟

ظل الصمت سيد الموقف.

ـ وفين فلوس المواسم والأعياد اللي رجب كان بيديها للبنت وإنتِ بتاخديها؟

ارتجف جسدها وهي تقول بسرعة:

ـ فلوس إيه؟ رجب ما بيديهاش فلوس! هو حيلته فلوس إيه أصلًا عشان يديها لها؟وبناتك دول كدابين وانا هعرف اربيهم ازاي

رفع سالم إصبعه في وجهها محذرًا.

ـ اياك يا صابرين تيجي جمب بنت من بناتي و أوعي تكذبي عليّا.

ثم أردف بغضب متصاعد:

ـ البنات حكوا لي كل حاجة. ورجب حيلته كتير . دا راجل شغال وبيشقى من صغره، والحاجة فاطمة بتقدر تعبه كويس.

اقترب منها أكثر حتى اضطرت للتراجع للخلف.

ـ قولي بقى... فين الفلوس اللي كان بيديها لإيمان في الأعياد والمواسم؟

صمتت.

ـ وفين الفلوس اللي كان بيديها لها كل شهر لما ييجي يزوركم؟

ازداد شحوب وجهها.

ـ الفلوس اللي كنتِ بتاخديها منه مع ان البنت رفضت انها تاخد منه الفلوس الفلوس اللي كنت بتاخديها وتقولي لها حق قعدتك واكلك وشربك هو رجب بيصرف على بنتي وهي لسه في بيتي يا صابرين؟

تجمدت ملامحها تمامًا.

لأول مرة أدركت أن الموضوع خرج من تحت سيطرتها.

أما سالم فكان ينظر إليها بعينين لم ترهما من قبل.

عينان لرجل بدأ يكتشف أن سنوات كاملة من الغربة والعمل والشقاء كانت كافية ليحدث داخل بيته ما لم يكن يتخيله يومًا.

وقال بصوت منخفض أخطر من الصراخ:

ـ آخر مرة هسألك يا صابرين....

ـ الفلوس دي كلها راحت فين؟

تجمدت الكلمات في حلقها.

لكن نظرات سالم انتقلت من وجهها إلى أذنيها المعلقتين فيهما أقراط ذهبية جديدة، ثم إلى الأساور التي تملأ معصميها، ثم إلى السلسلة السميكة حول رقبتها. ثم الي خزانتها الخشبية الكبيرة في ركن الغرفة

فلم يفته ذلك الصندوق المعدني الموضوع أعلى الدولاب، والذي كانت تمنع أي شخص من الاقتراب منه.

عندها ضاقت عيناه فجأة.

وشعر أن الإجابة قد تكون أقرب مما كان يتوقع..

وقال ببطء وهو يحاول استيعاب ما يراه:

ـ الذهب اللي في إيدك ده... أول ما سألتك عليه قلتي لي إنه صيني. هو ده شكل ذهب الصيني؟ لونه ما بيتغير ولا اتأثر بالمية.

ثم أشار نحو أعلى الدولاب.

ـ وإيه الصندوق اللي فوق ده؟ كل مرة أحاول أنزله تقولي لي: "سيبه، ده فيه حاجات خاصة بيا."

ضيّقت صابرين عينيها بتوتر.

لكن سالم كان قد اقترب بالفعل من الدولاب.

ـ إيه بقى الحاجات الخاصة دي؟

وما إن مد يده نحو الصندوق حتى تغير لون وجهها فجأة.

ـ سيبه يا سالم!

التفت إليها.

ـ ليه؟

ـ دي... دي حاجات خاصة بيا هدوم وحاجات حريمي خاصه.

رفع حاجبه ساخرًا.

ـ هدوم وحاجات خاصة؟! ان لبستي لي حاجه خاصه من ساعه ما جيت!

ثم ابتسم بسخرية لاذعة:

ـ طيب فرصة نتفرج على الحاجات الخاصة دي. يمكن ألاقي حاجة تعجبني وأقول لك تلبسيها لي.

شهقت صابرين وهي تراه ينزل الصندوق من فوق الدولاب.

وقبل أن تتمكن من الوصول إليه كان قد فتحه بالفعل.

في اللحظة التالية تجمد مكانه.

امتلأ الصندوق بالمشغولات الذهبية.

غوايش... وسلاسل... وخواتم... وأطقم كاملة.

كمية من الذهب أكبر بكثير مما توقع.

رفع رأسه ببطء نحوها.

وعيناه تمتلئان بالصدمة والغضب معًا.

ـ إيه ده كله يا صابرين؟!

لم تجب.

ـ لهو... إنتِ حارمة بناتي من الأكل والشرب، وأخدة فلوس جهاز بنتي، وفلوس البيت، ... عشان تشتري دهب وتخبيه هنا؟!

أشار إلى الصندوق بعصبية.

ـ إيه؟ ناوية تفتحي محل دهب؟

ثم هتف بغضب أكبر:

ـ ما كنتِ اكتفيتي باللي في إيدك! وكنتِ أكلتي العيال، وجهزتي البت، وبعد كده اشتري اللي إنتِ عاوزاه!

اقتربت صابرين بسرعة من الصندوق وكأنها تخشى أن يختفي.

وقالت بعناد:

ـ أيوة! بشتري دهب.

ثم ضمت الصنددوق بذراعيها إلى صدرها وأكملت:

ـ ده مستقبلي ومستقبل بناتي. أنا مش عاوزة أعيش الفقر تاني. لا أنا ولا بناتي.

كانت عيناها تلمعان بإصرار غريب.

ـ بعمل قرشين للمستقبل. أتسند عليهم لو الزمن غدر بيا.

نظر إليها سالم وكأنه لا يعرفها.

ـ مش عاوزة تعيشي بناتك في فقر؟!

ثم أشار نحو الخارج حيث توجد غرفتا الطفلتين.

ـ أمال إنتِ عاملة فيهم إيه دلوقتي يا صابرين؟!

ارتفع صوته.

ـ لما تكوني حارماهم من الأكل... يبقى ده اسمه إيه؟

ثم أكمل بغضب موجوع:

ـ اشتري دهب... أنا مش همنعك. لكن أكليهم الأول. عيشيهم في خير أبوهم اللي طالع عينه في الغربة عشانهم.

وضرب صدره بكفه.

ـ ده أنا كنت بستخسر في نفسي اللقمة والهدوم عشان أبعت الفلوس وأجيب لهم اللي نفسهم فيه.

ثم أشار إلى الصندوق.

ـ وفي الآخر ألاقي كل حاجة متخزنة هنا!

هز رأسه بيأس.

ـ منك لله يا صابرين... منك لله.

وواخد الصندوق منها وأغلق بعنف.

لكنها اندفعت نحوه فورًا وخطفته من بين يديه، ثم ضمته إلى صدرها مرة اخري كأنها تحتضن طفلها.

قالت بخوف وامتلاك واضح:

ـ إنت واخد الصندوق ليه؟

ثم ضمته أكثر.

ـ الصندوق ده بتاعي!

اتسعت عينا سالم من المنظر.

وأشارت إليه بإصبع مرتجف.

ـ والدهب ده كله بتاعي! انت هنعمل بيه ايه

سالم بغضب:

ـ هبيعه.

شهقت صابرين.

ـ إيه؟!

ـ أيوة هبيعه. هجهز بنتي. وهجيب لبناتي كل حاجة اتحرموا منها.

ثم أكمل بصوت مخنوق:

ـ كل الا اتحرمه منه طول ما أنا في الغربة كانوا دا انتي حتي الاكل حرمهم منه هاتي الصندوق عشان ابيع الا فيه والحق اشتري جهاز البت؟!

برقت عيناها بجنون.

ـ لا!

هتفت بها بقوة.

ـ الدهب ده مش هيتباع!

ثم صاحت بعصبية:

ـ جهاز إيه اللي عايز تجهزه لبنتك؟! إنت بنفسك قلت إن رجب مش محتاج حاجة، وإن الحاجة فاطمة مغرقاه في خيرها.وبنتك هتعيش معاهم في العز وخير. هتاكل أحسن أكل وتلبس أحسن لبس.

وأشارت بيدها بعنف.

وضمت الصندوق أكثر.

ـ إنما الدهب ده... ده دهبي أنا.

توقفت لحظة ثم خرجت الكلمات المختبئة داخلها منذ سنوات.

ـ أنا حرمت نفسي من كل حاجة.

ارتجف صوتها.

ـ اتجوزتك وأنا عندي تمنطاشر سنة... وإنت كنت راجل قد أبويه داخل على الأربعين.

تسمرت ملامح سالم.

أما هي فواصلت بانفعال:

ـ كنت متجوز قبلي، وعندك بنت .

وأشارت نحوه.

ـ اتجوزتني عشان أربي بنتك وأخدم بيتك.

ثم ارتفع صوتها أكثر:

ـ وبعد العمر ده كله... جاي تستكثر عليا شوية دهب؟!

وضربت على الصندوق بيدها.

ـ لا يا سالم.

ثم قالت بحزم:

ـ الدهب ده حقي. حق شبابي الا راح في بيتك وانت سايبني ومسافر وتيجي ليا كل سننتين

ساد الصمت.

وكان سالم ينظر إليها بذهول.

لأول مرة يرى هذا القدر من الجشع والخوف والطمع مختلطين في شخص واحد.

كان يعرف أنها عاشت الفقر في بيت أهلها.

لكنه لم يتخيل يومًا أن يتحول خوفها من الفقر إلى هذا الشكل.

وفجأة...

قطع صمت الغرفة صوت رنين الهاتف.

لكن أحدًا منهما لم يتحرك.

استمرت حرب النظرات بينهما.

ثم انفتح الباب فجأة.

وظهرت أسماء وهي تلهث.

ـ بابا!

التفت إليها سالم.

ـ في إيه؟

قالت الصغيرة بقلق:

ـ خالتي زينب على التليفون... وبتعيط. وعاوزاك ضروري.

اختفى الغضب من وجه سالم في لحظة.

وأسرع نحو الهاتف.

ـ ألو؟

جاءه صوت زينب مختنقًا بالبكاء:

ـ سالم... تعالى بسرعة.

شعر قلبه ينقبض.

ـ خير يا أم رجب؟

ـ تعالى حالًا... الفيلا ومن غير ما تقول لحد.

ازداد قلقه.

ـ حصل إيه؟

سمع شهقة باكية من الطرف الآخر.

ثم قالت:

ـ الحاجة فاطمة تعبانة يا سالم... وعايزاك ضروري.

انتفض واقفًا.

ـ إيه؟!كانت

ـ تعالى بسرعة وما تتأخرش.

ـ حاضر... حاضر. أنا جاي حالًا.

أغلق الهاتف وهو يشعر بأن قلبه يخفق بعنف.

ارتدى شبشبه بسرعة واتجه نحو الباب.

وما إن وصل إليه حتى التفت فوجد صابرين

واقفة عند باب الغرفة التي خرج منها .

 بعد ان أعادت إخفاء الصندوق في مكان.

لكنها كانت تراقبه بقلق واضح.

توقف سالم أمامها للحظة.

ثم نظر إليها نظرة باردة جعلتها ترتجف.

وقال بصوت منخفض:

ـ كلامنا ما خلصش يا صابرين...

ثم فتح الباب بعنف.

ـ وأنا راجع لك.

وتركها واقفة في مكانها، بينما اندفع خارج البيت مسرعًا نحو المزرعة، وقلبه منشغل بشيئين لا يعرف أيهما أخطر...

الحاجة فاطمة التي استدعته على عجل...

أم الحقيقة المظلمة التي اكتشفها للتو داخل بيته.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • ديجا وارض الفيروز    البارت السابع

    دخل سالم إلى الشقة التي يجري تجهيزها لابنته إيمان، وأخذ يتأمل المكان في صمت. كانت الشقة بسيطة؛ صالة متوسطة المساحة، ومطبخًا صغيرًا، وغرفتين، وحمامًا. وقف في منتصف الصالة وأخذ يشرح للعمال التعديلات التي يريدها، من تغيير الأرضيات إلى دهانات الحوائط والتجهيزات المختلفة، ثم تركهم يباشرون عملهم. اقترب بعد ذلك من النافذة المطلة على الحقول الخضراء، وأسند يديه إلى إطارها وهو يسرح بعيدًا في ذكرياته. تذكر إيمان... ابنته الصغيرة... فرحة عمره . تذكر يوم ولادتها، وكيف حملها بين ذراعيه لأول مرة وهو يشعر أن الدنيا كلها أصبحت ملكه. تذكر أول ضحكة رسمتها على وجهها الصغير، وأول كلمة نطقتها، وأول خطوة خطتها نحوه وهي تترنح ببراءة الأطفال. ثم تذكر اليوم الأصعب في حياته... يوم فقدت إيمان أمها وهي لم تتجاوز العامين من عمرها. تنهد سالم بحزن وهو يتذكر زوجته الراحلة على فراش الموت، وهي تمسك يده وتوصيه بابنتهما الوحيدة. وتذكر بعدها زواجه من صابرين، بعدما أقنع نفسه أنها ستكون أمًا بديلة لإيمان، لكنها للأسف لم تكن يومًا كما تمنى. عاد يتذكر بكاء إيمان يوم أخبرها أنه سيسافر للعمل بالخارج، وكي

  • ديجا وارض الفيروز    البارت السادس

    ظلَّ سالم يقود سيارته مسرعًا في الطريق الترابي المؤدي إلى المزرعة، بينما كانت الأفكار تضرب رأسه بلا رحمة.لم يكن قادرًا على استيعاب ما اكتشفه داخل بيته.سنوات طويلة قضاها في الغربة...سنوات من التعب والشقاء تحت شمسٍ حارقة ووحدةٍ قاسية، كان يهوِّن على نفسه خلالها بفكرة واحدة فقط...أن بناته بخير.لكن الحقيقة التي انكشفت أمامه قبل دقائق كانت كفيلة بأن تهز عالمه كله.شدَّ على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، بينما تسارعت أنفاسه غضبًا وألمًا.وفي المقابل...لم تكن صورة الحاجة فاطمة تفارق ذهنه.تلك المرأة التي وقفت إلى جواره بعد وفاة زوجته، واحتضنت بناته بحنان أمٍّ حقيقية، ولم تبخل يومًا على إيمان بكلمة طيبة أو قلبٍ رحيم.لذلك كان خبر مرضها كافيًا ليزرع القلق في قلبه.تنهد بضيق وهو يزيد من سرعة السيارة.---في تلك الأثناء...كانت صابرين تقف في منتصف الغرفة وعيناها تقدحان شررًا.استمعت إلى صوت باب المنزل وهو يُغلق بقوة خلف سالم، فعرفت أنه غادر.ضمت ذراعيها إلى صدرها وهمست من بين أسنانها:— مش هيحصل يا سالم...ثم ارتفع صوتها وهي تتمتم بغضب:— مش هسيب لك دهبي تاخده عشان تجوز بنتك!احتقن و

  • ديجا وارض الفيروز    البارت الخامس

    قبل المزرعة بمسافة قصيرة كان يقع بيت سالم، بيت ريفي بسيط من دور واحد، تحيط به الأشجار من كل جانب.داخل البيت، كان سالم يجلس على الطبليّة الخشبية القديمة التي يعشقها منذ صغره، وإلى جواره ابنتاه الصغيرتان؛ أسماء ذات الثمانية أعوام، وآية التي لم تتجاوز السادسة.في تلك اللحظة خرجت صابرين من المطبخ وهي تحمل طاسة كبيرة بين يديها، ثم وضعتها على الطبليّة بضيق واضح وقالت:ـ أنا مش فاهمة إيه غاويتك في القعدة على الطبليّة دي! ما عندنا ترابيزة سفرة، أمال أنا اشتريتها ليه؟رفع سالم رأسه إليها مبتسمًا وقال بهدوء:ـ يا ستي أنا بحب أقعد على الطبليّة، وبصراحة مش عارف إنتِ اشتريتي ترابيزة السفرة ليه أصلًا. ضيقتِ المكان وخلاص.نفخت صابرين بضيق وهي تضع يديها في خصرها.ـ الحق عليّا إني عاوزة أخلي بيتنا على الموضة زي بيوت الناس الأكابر!ثم استدارت نحو المطبخ وهي تتمتم:ـ هروح أجهز الأكل اللي طلبته... والله مش فاهمة لما إنت عاوز محشي وفراخ وكل الأكل ده، سمحت ليه للهانم بنتك تخرج طول اليوم وتسيبني لوحدي متدبسة في الطبيخ؟ ما كانت قعدت تساعدني.اختفت الابتسامة من وجه سالم فورًا.ـ يا وليّة يا مفتريّة! أنا بقال

  • ديجا وارض الفيروز    البارت الرابع

    رنّ هاتف عماد فجأة، فقطع الصمت المشحون داخل الغرفة.نظر إلى شاشة الهاتف، فتغيّرت ملامح عماد على الفور."ده سراج."رفعت نهاد رأسها بسرعة، وقالت بحدة خافتة:"رد عليه... واتعامل عادي."ابتلع عماد ريقه، ثم ضغط زر الإجابة محاولًا أن يبدو هادئًا:"ألو... صباح الخير يا سراج بيه."جاءه صوت سراج حادًا ومتوترًا:"صباح إيه؟ أنا من امبارح باتصل عليك! يوسف كلم جدته ولا لسه؟"تبادل عماد نظرة سريعة مع نهاد قبل أن يجيب بحذر:"لسه ما اتكلمش معاها في موضوع البيع... بس هو مسافر لهم الأربعاء عشان يحضر فرح مهم هناك، وهناك هيقعد معاها ويتكلم."ساد صمت قصير، قبل أن يقول سراج بنبرة جعلت قلب عماد يهبط:"حلو... يبقى جات في وقتها."عقد عماد حاجبيه بقلق."تقصد إيه؟"رد سراج بهدوء بارد:"أنا كمان مسافر شرم الأربعاء."شهقت نادية دون وعي، بينما انتفض عماد في جلسته.أكمل سراج:"وفرصة إن يوسف موجود هناك أشوف المزرعة بنفسي."شحب وجه عماد، والتفت فورًا إلى نهاد التي اتسعت عيناها بصدمة مماثلة.قال بسرعة وهو يحاول التماسك:"لا... لا يا سراج بيه، الأفضل تستنى شوية. خلّي يوسف الأول يقعد مع جدته ويفهمها الموضوع بهدوء."لكن

  • ديجا وارض الفيروز    البارت الثالث

    تحركت سيارة نقل الفاكهة الكبيرة خارج المزرعة ببطء، تهتزّ تحت ثقل صناديق المانجا والعنب والخوخ والخضار الطازج.وفي الخلف، فوق الصناديق مباشرة، جلست ديجا وإيمان بعدما أصرتا بعناد على الركوب هناك بدلًا من كابينة القيادة.كانت ديجا تمد يدها كل دقيقة تقريبًا إلى صندوق العنب المجاور، تلتقط حبة وتلقيها في فمها بلا اكتراث، بينما احتضنت إيمان حبة مانجا كبيرة وكأنها غنيمة حرب لا تُقدَّر بثمن.جاء صوت رجب من الأمام، يصل إليهما عبر المرآة الجانبية:- "أنا مش فاهم... دي عربية نقل بضاعة ولا بوفيه مفتوح؟"ضحكت ديجا، ثم رمت حبة عنب في فمها وقالت بثقة مصطنعة:- "إحنا بنعمل اختبار جودة قبل التسليم يا رجب."هزّ رأسه بيأس تمثيلي.- "آه طبعًا... لجنة التفتيش الزراعي قاعدة فوق قفص العنب."ضحكت إيمان وهي تشق المانجا بحذر.- "بصراحة... المانجا دي خطيرة."رد فورًا:- "طب خفّوا أكل بالله عليكم. أنا لو حسبت اللي اتاكل من أول الطريق، التاجر هيستلم صناديق فاضية."رفعت إيمان حاجبها بدلال خفيف.- "مستخسر فيّا قفصين فاكهة؟"ابتسم، ولان صوته قليلًا وهو يقول:- "ده إنتِ لو طلبتي محصول المزرعة كلها أديهولك."شهقت ديجا

  • ديجا وارض الفيروز    البارت الثاني

    وفي القاهرة، كان جرس الهاتف يقطع سكون الشقة الهادئة، فيتردد صداه بين الجدران كأنه يحمل خبرًا عاجلًا.التقطت نهاد السماعة بفتور، وقالت بنبرة خالية من الحماس:- "ألو."جاءها صوت الجدة من الطرف الآخر، يحمل عتابًا واضحًا رغم هدوئه:- "السلام عليكم... إزيك يا مرات ابني؟"ما إن سمعت نهاد الصوت حتى تجهم وجهها، لكنها سرعان ما رسمت ابتسامة مصطنعة، وأجابت بنبرة متكلفة:- "وعليكم السلام يا طنط... الحمد لله. حضرتك عاملة إيه؟ وحشاني."ضحكت الجدة ضحكة قصيرة امتزجت بالسخرية المريرة:- "وحشاكي؟ طيب ما دام أنا وحشاكي ، ليه ما بترفعيش سماعة التليفون حتى تطمني عليا؟"شدّت نهاد على أسنانها وهي تحاول إخفاء ضيقها:- "والله يا طنط مشغولة في المصنع طول النهار... وبعدين يوسف دايمًا بيسأل عنك، وبطمن عليكي منه ."تنهدت الجدة بحزن:- "ربنا يعينك ... بس يوسف بيسأل عني فين وأنا بقالي شهرين ما سمعتش صوته؟ وكل ما أتصل، التليفون يرن ومحدش يرد."قالت نهاد بنفاد صبر:- "أصله مشغول في الماجستير، وأنا طول اليوم في المصنع. بنرجع بالليل مهدودين، ما بنلحقش ناخد نفسنا. بندخل ننام"ردت الجدة بنبرة هادئة لكنها لا تخلو من العتا

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status