تسجيل الدخولظلَّ سالم يقود سيارته مسرعًا في الطريق الترابي المؤدي إلى المزرعة، بينما كانت الأفكار تضرب رأسه بلا رحمة.
لم يكن قادرًا على استيعاب ما اكتشفه داخل بيته.
سنوات طويلة قضاها في الغربة...
سنوات من التعب والشقاء تحت شمسٍ حارقة ووحدةٍ قاسية، كان يهوِّن على نفسه خلالها بفكرة واحدة فقط...
أن بناته بخير.
لكن الحقيقة التي انكشفت أمامه قبل دقائق كانت كفيلة بأن تهز عالمه كله.
شدَّ على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، بينما تسارعت أنفاسه غضبًا وألمًا.
وفي المقابل...
لم تكن صورة الحاجة فاطمة تفارق ذهنه.
تلك المرأة التي وقفت إلى جواره بعد وفاة زوجته، واحتضنت بناته بحنان أمٍّ حقيقية، ولم تبخل يومًا على إيمان بكلمة طيبة أو قلبٍ رحيم.
لذلك كان خبر مرضها كافيًا ليزرع القلق في قلبه.
تنهد بضيق وهو يزيد من سرعة السيارة.
---
في تلك الأثناء...
كانت صابرين تقف في منتصف الغرفة وعيناها تقدحان شررًا.
استمعت إلى صوت باب المنزل وهو يُغلق بقوة خلف سالم، فعرفت أنه غادر.
ضمت ذراعيها إلى صدرها وهمست من بين أسنانها:
— مش هيحصل يا سالم...
ثم ارتفع صوتها وهي تتمتم بغضب:
— مش هسيب لك دهبي تاخده عشان تجوز بنتك!
احتقن وجهها وهي تضرب الأرض بقدمها.
— الدهب ده حقي... حقي أنا!
استدارت فجأة...
لتجد أسماء واقفة في منتصف الصالة، تنظر إليها بعينين خائفتين.
تجمدت الصغيرة في مكانها.
أما صابرين فاتسعت عيناها غضبًا.
اقتربت منها بخطوات سريعة وهي تقول بحدة:
— أها...
ثم أشارت إليها بإصبع مرتجف من شدة الانفعال.
— إنتِ وأختك اللي قاعدين تنقلوا كل كلمة لأبوكم؟
ارتعشت أسماء خوفًا.
فصرخت صابرين:
— والله لأقطع من جسمك نساير!
ثم أضافت وهي تزفر بغضب:
— بس حسابكم مش دلوقتي...
لم تنتظر أسماء أكثر.
أطلقت ساقيها للريح وركضت بأقصى سرعتها نحو الغرفة.
فتحت الباب بسرعة، ثم دخلت إلى آية وأغلقت الباب بالمفتاح وهي تبكي.
أما صابرين فلم تهتم.
كان عقلها منشغلًا بأمرٍ آخر أكثر أهمية.
---
أسرعت إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها بإحكام، ثم اتجهت مباشرة إلى الدولاب.
أنزلت صندوقًا معدنيًا صغيرًا من أعلى الرف، وشرعت تنزع كل قطعة ذهب كانت ترتديها.
الأساور...
السلسلة...
الأقراط...
حتى خاتمها.
وضعتهم جميعًا داخل الصندوق.
ثم أخرجت من بين الملابس عدة لفافات قماشية صغيرة.
كانت مليئة بالنقود التي ادخرتها وخبأتها على مدار سنوات طويلة.
جمعتها كلها داخل الصندوق.
ثم جلست للحظة تفكر.
إذا عاد سالم ووجد هذا الصندوق...
فسينتهي كل شيء.
رفعت رأسها فجأة، وكأن فكرة خطرت لها.
قفزت من مكانها.
ارتدت عباءتها بسرعة، وأغلقت الصندوق بإحكام، ثم حملته بين ذراعيها وخرجت من المنزل مسرعة.
---
بعد دقائق...
وصل سالم إلى فيلا المزرعة.
أوقف سيارته أمام البوابة ونزل منها على عجل.
كان قلبه يخفق بقوة.
وما إن اقترب من الفيلا حتى لمح أم رجب تقف أمام الباب تودع الطبيب.
تسارعت خطواته نحوها.
وقال بقلق واضح:
— خير يا أم رجب؟
— إيه اللي حصل؟ الحاجة فاطمة تعبانة أوي كده؟
نظرت إليه أم رجب لحظة.
كانت تعرف الحقيقة كاملة، لكنها لم تشأ أن تسبق الحاجة فاطمة بالكلام.
فاكتفت بالقول:
— ادخل لها يا سالم...
— هي مستنياك جوه.
ازدادت حيرته، لكنه لم يسأل أكثر.
واتجه مباشرة إلى غرفتها.
طرق الباب برفق.
فجاءه صوتها الهادئ:
— تعالى يا سالم.
فتح الباب ودخل.
فوجدها مستندة إلى الوسادة.
ورغم ابتسامتها المعتادة، كان الشحوب يكسو وجهها بصورة أقلقته.
اقترب منها فورًا وجلس بجوارها.
— ألف سلامة عليكِ يا حاجة.
ثم أردف بقلق:
— أنا شوفت الدكتور خارج وقلقت... خير إن شاء الله؟
ابتسمت فاطمة ابتسامة هادئة ولوّحت بيدها.
— متقلقش يا ابني.
ثم قالت ممازحة:
— شوية برد شديد دخل في العضم.
وأضافت ضاحكة:
— السن بقى... الجسم ما بقاش يستحمل زي زمان.
ابتسم سالم محاولًا التخفيف عنها.
— سن إيه بس؟
ثم قال بمودة:
— اللي يشوفك يقول عليكِ أصغر مني.
ضحكت الحاجة فاطمة بخفة.
— طول عمرك حلو اللسان يا سالم.
ثم نظرت إليه بحنان قديم.
— من يوم ما كنت تيجي هنا مع أحمد ومحمود وأنتم عيال صغيرين.
ارتسمت غصة على وجهه.
وتنهد بحنين:
— الله يرحمهم يا حاجة...
كانت أجمل أيام.
وأجمل صحبة.
ربنا يرحمهم ويجعل مثواهم الجنة ويبارك في ولادهم.
أطرقت فاطمة رأسها لحظة.
— آمين يا رب.
ثم رفعت عينيها إليه وقالت بهدوء:
— ولادهم...
أنا أصلًا عشانهم ناديتك يا سالم.
رفع حاجبيه باستغراب.
— خير؟
— حصل حاجة؟
— خديجة كويسة؟
ابتسمت فاطمة.
— خديجة الحمد لله بخير.
ثم تنهدت طويلًا.
— لكن التعب اللي حصلي خلاني أفكر.
— وأحس إن العمر اللي جاي أقل من العمر اللي راح.
انقبض قلب سالم.
لكنها أكملت بهدوء:
— وأنا عاوزة أطمن على خديجة.
— أطمن عليها وعلى مالها ومستقبلها.
سكتت لحظة ثم قالت:
— عشان كده بعت ليوسف ييجي.
ظهر الفهم في عيني سالم.
فابتسم قائلًا:
— عاوزة تجوزيه لخديجة؟
ابتسمت هي الأخرى.
— نفسي.
ثم أضافت بحنين:
— ده كان حلم أحمد ومحمود الله يرحمهم.
— كانوا دايمًا يقولوا إن ولادهم أولى ببعض.
هز سالم رأسه موافقًا.
— يا ريت.
ثم قال بحكمة:
— بس المهم يكونوا هم كمان عاوزين كده.
— إحنا منقدرش نجبر حد على الجواز... خصوصًا الأيام دي.
ابتسمت فاطمة.
— وأنا مش هاجبر حد.
— هعرض عليهم وبس.
ثم أردفت بثقة:
— ويوسف ما يتخيرش عن أبوه.
— ولد محترم وأصيل.
— وخديجة من صغرها متعلقة بيه.
تنهدت قبل أن تكمل:
— ولو ربنا ما كتبش نصيب بينهم...
فشوقي الجوهري طلبها لابنه.
— وأنت عارف شوقي كويس.
أومأ سالم.
— طبعًا أعرفه.
— راجل محترم.
قالت فاطمة:
— وأنا واثقة إنه هيصونها ويخلي ابنه يحافظ عليها.
ثم نظرت إليه مباشرة.
— لكن قلبي متعلق بيوسف...
— وهطمن عليها أكتر معاه.
سكتت قليلًا ثم أضافت:
— هو هييجي يوم الأربعاء.
— وعاوزاك تكون موجود.
— وتتكلم معاه.
— أنت عارف قد إيه بيحبك.
— يمكن ما شافكش من سنين...
— لكن كل ما ييجي أو يتصل يسأل عليك.
— لسه فاكر كلام أبوه عنك وحبه ليك.
ابتسم سالم ابتسامة صادقة.
وقال بحزم:
— لو ده يطمن قلبك يا حاجة...
أنا هكون أول واحد واقف جنبك.
ثم مال نحوها قائلًا بحنان:
— بس شدي حيلك كده.
— أنا عايز أطمن عليكِ زي ما إنتِ عاوزة تطمني على خديجة.
ارتسمت الراحة على وجه الحاجة فاطمة لأول مرة منذ بداية الحديث.
ابتسمت له في امتنان...
لكن خلف تلك الابتسامة كانت تخفي سرًا أكبر من مجرد نزلة برد...
نظرت إليه الحاجة فاطمة لثوانٍ طويلة، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
— ونيجي بقى للمهم...
رفعت رأسها قليلًا وأردفت:
— العمال جايين كمان شوية عشان يبدأوا شغل في شقة بنتك إيمان.
ثم أضافت وهي تشير بيدها:
— ورجب نزل النهارده يسلّم الشغل في شرم الشيخ.
ابتسمت بحنان وأكملت:
— فأنا عاوزاك تقف مع العمال بنفسك، وتقول لهم كل اللي نفسك فيه. لشقة بنتك
— دي بنتك يا سالم، ولازم تختار لها أحسن حاجة.
ما إن أنهت كلامها حتى انخفضت عينا سالم إلى الأرض.
تنهد ببطء، وكأن جبلًا من الهموم استقر فوق صدره.
قبل ساعات فقط كان يظن أن كل شيء يسير كما خطط له طوال سنوات غربته.
أما الآن...
فقد اكتشف أنه لا يملك شيئًا تقريبًا من المال الذي ادخره لجهاز ابنته.
رفع رأسه أخيرًا، ونظر إلى الحاجة فاطمة بعينين يملؤهما الحزن.
وقال بصوت خافت:
— معلش يا حاجة...
سكت لحظة قبل أن يكمل بصعوبة:
— أنا كنت هستأذنكم إننا نأجل الفرح سنتين كمان.
تجمدت الابتسامة على وجه الحاجة فاطمة.
ونظرت إليه بدهشة واضحة.
— نأجل الفرح؟
ثم عقدت حاجبيها بقلق.
— ليه يا ابني؟
— ما إحنا متفقين من قبل ما تنزل الإجازة أصلًا إننا نجهز كل حاجة.
وأكملت باستغراب:
— ده إحنا كنا جايين لك بكرة بالليل عشان ناكد علي ميعاد الفرح رسمي نظرت له بستغراب وتقول:
— والناس كلها عارفه ان الفرح الاسبوع دا وأنا كلمت يوسف وخليته علي يجي عشان الفرح الجمعة الجاية.
صمتت لحظة ثم سألت بقلق:
— إيه اللي حصل يا سالم؟
شعر سالم بالخزي وهو يشيح بوجهه عنها.
وبعد تردد طويل...
بدأ يحكي.
حكى لها كل شيء.
عن الأموال التي كان يرسلها.
وعن الذهب الذي اشتراه.
وعن الحقيقة التي اكتشفها داخل منزله.
وعن صابرين...
وكل ما فعلته طوال تلك السنوات.
ظل يتحدث بينما كانت الحاجة فاطمة تستمع إليه في صمت.
حتى انتهى تمامًا.
ساد الصمت بينهما للحظات.
ثم...
ابتسمت الحاجة فاطمة ابتسامة هادئة، ثم تنهدت وقالت:
— وأنا عارفة الكلام ده من زمان يا سالم.
رفع سالم رأسه فجأة وحدق فيها بصدمة، وكأن ما سمعه للتو لا يمكن أن يكون حقيقيًا.
— عارفة؟!
هزت رأسها بهدوء وقالت:
— أيوه يا ابني... وعشان كده بقولك متشلش هم.
ثم أردفت بابتسامة مطمئنة:
— خديجة نازلة مع إيمان دلوقتي، وبيشتروا جهازها.
اتسعت عينا سالم أكثر، لكنه لم ينطق.
أما الحاجة فاطمة فأكملت وكأنها تريد أن تزيح الحمل عن كتفيه دفعة واحدة:
— وإيمان... أنا متكفلة بجهازها كله.
انتفض سالم من مكانه، واشتعلت الكبرياء في عينيه.
— لا يا حاجة!
قالها بحزم شديد قبل أن يضيف:
— إيمان بنتي وأنا المسؤول عنها.
— جهازها فلوسه موجودة، وأنا هجيبهم وهجهزها بفلوسي.
ضغط على أسنانه بغضب وهو يكمل:
— وهجبر صابرين ترجع كل حاجة أخدتها.
— ولو أصرت على موقفها...
توقف لحظة ثم قال بمرارة:
— هطلقها.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم أردف بصوت متحشرج:
— تاخد اللي أخدته وتمشي.
— وأنا هرجع أسافر من أول وجديد وأجهز بنتي بنفسي.
تنهدت الحاجة فاطمة وهزت رأسها بأسف.
— تطلق إيه بس يا سالم؟
ثم نظرت إليه بعينين تمتلئان بحنان الأم وخوفها.
— وبناتك الصغيرين؟
— هتبعدهم عن أمهم؟
سكت سالم، فاستغلت هي صمته وأكملت:
— مين هيربيهم يا ابني؟
— صابرين أيوه طماعة، وغلطت في حاجات كتير.
— لكن في الآخر أمهم.
خفضت صوتها قليلًا وقالت:
— والعيال مهما زعلوا منها... عمرهم ما يقدروا يستغنوا عنها.
اشتعل الغضب في صدر سالم من جديد.
— أمهم؟!
هز رأسه بألم وقال:
— يا حاجة... إنتِ ما تعرفيش أنا عرفت إيه.
— ده حتى الأكل كانت بتحرمه عليهم!
ارتسم الحزن على وجه الحاجة فاطمة.
— ربنا يهديها.
ثم أمسكت يده برفق وقالت:
— بص يا ابني...
— جهاز إيمان خلاص بيتجهز.
— وأول ما العمال يوصلوا هتروح تخلص شقة بنتك.
— وإن شاء الله الجمعة الجاية تبقى عروسة في بيت جوزها.
ثم ابتسمت وأضافت:
— أما الفلوس اللي مع صابرين...
— فهي في الأول وفي الآخر راجعة لبناتك.
— وانت بعد كده خليك أذكى.
— حافظ على قرشك بإيدك.
— ومتخربش بيتك.
ظل سالم صامتًا، بينما كانت كلماتها تتسلل إلى قلبه رغم مقاومته.
فأكملت بهدوء:
— وبناتك متخافش عليهم.
— إيمان ورجب هيبقوا سند ليهم.
رفع عينيه إليها وقال بألم:
— يعني إيه يا حاجة؟
— أخلي رجب هيأكل على بناتي وأنا عايش؟
ربتت على يده بحنان وقالت:
— لا يا ابني.
— ربنا يخليك ليهم ويطول عمرك.
— ويفضلوا عايشين في خيرك أنت.
ثم أضافت بحكمة:
— انت بعد كده ابعت الفلوس على إيمان. وابعت لصابرين حاجه بسيطه
— وايمان اللي تتصرف في مصاريف اخواتها وتاخد بالها منهم. إيمان ورجب هيبقوا ضهر ليهم.
تنهدت قبل أن تكمل:
— لكن مهما حصل...
— العيال ما يقدروش يستغنوا عن أمهم.
أطرق سالم رأسه في صمت.
كان يعلم أن جزءًا كبيرًا من كلامها صحيح.
ورغم الغضب الذي يشتعل بداخله كلما تذكر ما فعلته صابرين، إلا أن صورة أسماء وآية كانت كفيلة بأن تربك كل قراراته.
ابتسمت الحاجة فاطمة ابتسامة حانية وقالت:
— قوم يا سالم...
— روح شوف شقة بنتك.
— واعمل لها أحسن حاجة.
— البنت دي استحملت كتير.
— وإحنا عايزين نفرحها.
رفع سالم رأسه إليها، ثم انحنى وقبّل يدها باحترام.
وقال بصوت امتزج فيه الامتنان بالحزن:
— ربنا يخليكِ لينا يا أمي...
— ويديكِ الصحة وطولة العمر.
ابتسمت له ودعت له من قلبها.
ثم غادر الغرفة ببطء.
وما إن أُغلق الباب خلفه حتى اختفت الابتسامة من على وجه الحاجة فاطمة.
رفعت عينيها نحو السقف، بينما لمعت الدموع داخل عينيها.
وضعت يدها فوق صدرها وهمست بصوت مرتجف:
— يا رب...
— متاخدنيش عندك إلا وأنا مطمنة عليهم كلهم.
انسابت دمعة وحيدة على خدها.
وأغمضت عينيها تستند إلى الوسادة.
كان قلبها لا يزال معلقًا بهم جميعًا...
بخديجة ويوسف.. وايمان ورجب وسالم وبناته...
وبكل من أحبتهم يومًا.
كانت خائفه و تشعر أن الزمن يركض أسرع مما ينبغي...وتخشى أن يسبقها قبل أن ترى فرحتهم تكتمل.
في الوقت نفسه...
كان سالم يسير في ممرات الفيلا شارد الذهن.
كلمات الحاجة فاطمة ما زالت تتردد داخل رأسه.
"متخربش بيتك..."
"العيال ما يقدروش يستغنوا عن أمهم..."
تنهد بضيق وهو يهبط درجات السلم.
لكنه ما إن وصل إلى فناء الفيلا حتى لمح سيارة صغيرة تتوقف أمام البوابة.
نزل منها عدد من العمال يحملون أدواتهم.
فتقدم كبيرهم نحوه قائلًا:
— السلام عليكم يا حاج سالم.
— إحنا جايين نبدأ شغل الشقة.
أومأ سالم برأسه.
— وعليكم السلام.
— يلا بينا.
دخل سالم إلى الشقة التي يجري تجهيزها لابنته إيمان، وأخذ يتأمل المكان في صمت. كانت الشقة بسيطة؛ صالة متوسطة المساحة، ومطبخًا صغيرًا، وغرفتين، وحمامًا. وقف في منتصف الصالة وأخذ يشرح للعمال التعديلات التي يريدها، من تغيير الأرضيات إلى دهانات الحوائط والتجهيزات المختلفة، ثم تركهم يباشرون عملهم. اقترب بعد ذلك من النافذة المطلة على الحقول الخضراء، وأسند يديه إلى إطارها وهو يسرح بعيدًا في ذكرياته. تذكر إيمان... ابنته الصغيرة... فرحة عمره . تذكر يوم ولادتها، وكيف حملها بين ذراعيه لأول مرة وهو يشعر أن الدنيا كلها أصبحت ملكه. تذكر أول ضحكة رسمتها على وجهها الصغير، وأول كلمة نطقتها، وأول خطوة خطتها نحوه وهي تترنح ببراءة الأطفال. ثم تذكر اليوم الأصعب في حياته... يوم فقدت إيمان أمها وهي لم تتجاوز العامين من عمرها. تنهد سالم بحزن وهو يتذكر زوجته الراحلة على فراش الموت، وهي تمسك يده وتوصيه بابنتهما الوحيدة. وتذكر بعدها زواجه من صابرين، بعدما أقنع نفسه أنها ستكون أمًا بديلة لإيمان، لكنها للأسف لم تكن يومًا كما تمنى. عاد يتذكر بكاء إيمان يوم أخبرها أنه سيسافر للعمل بالخارج، وكي
ظلَّ سالم يقود سيارته مسرعًا في الطريق الترابي المؤدي إلى المزرعة، بينما كانت الأفكار تضرب رأسه بلا رحمة.لم يكن قادرًا على استيعاب ما اكتشفه داخل بيته.سنوات طويلة قضاها في الغربة...سنوات من التعب والشقاء تحت شمسٍ حارقة ووحدةٍ قاسية، كان يهوِّن على نفسه خلالها بفكرة واحدة فقط...أن بناته بخير.لكن الحقيقة التي انكشفت أمامه قبل دقائق كانت كفيلة بأن تهز عالمه كله.شدَّ على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، بينما تسارعت أنفاسه غضبًا وألمًا.وفي المقابل...لم تكن صورة الحاجة فاطمة تفارق ذهنه.تلك المرأة التي وقفت إلى جواره بعد وفاة زوجته، واحتضنت بناته بحنان أمٍّ حقيقية، ولم تبخل يومًا على إيمان بكلمة طيبة أو قلبٍ رحيم.لذلك كان خبر مرضها كافيًا ليزرع القلق في قلبه.تنهد بضيق وهو يزيد من سرعة السيارة.---في تلك الأثناء...كانت صابرين تقف في منتصف الغرفة وعيناها تقدحان شررًا.استمعت إلى صوت باب المنزل وهو يُغلق بقوة خلف سالم، فعرفت أنه غادر.ضمت ذراعيها إلى صدرها وهمست من بين أسنانها:— مش هيحصل يا سالم...ثم ارتفع صوتها وهي تتمتم بغضب:— مش هسيب لك دهبي تاخده عشان تجوز بنتك!احتقن و
قبل المزرعة بمسافة قصيرة كان يقع بيت سالم، بيت ريفي بسيط من دور واحد، تحيط به الأشجار من كل جانب.داخل البيت، كان سالم يجلس على الطبليّة الخشبية القديمة التي يعشقها منذ صغره، وإلى جواره ابنتاه الصغيرتان؛ أسماء ذات الثمانية أعوام، وآية التي لم تتجاوز السادسة.في تلك اللحظة خرجت صابرين من المطبخ وهي تحمل طاسة كبيرة بين يديها، ثم وضعتها على الطبليّة بضيق واضح وقالت:ـ أنا مش فاهمة إيه غاويتك في القعدة على الطبليّة دي! ما عندنا ترابيزة سفرة، أمال أنا اشتريتها ليه؟رفع سالم رأسه إليها مبتسمًا وقال بهدوء:ـ يا ستي أنا بحب أقعد على الطبليّة، وبصراحة مش عارف إنتِ اشتريتي ترابيزة السفرة ليه أصلًا. ضيقتِ المكان وخلاص.نفخت صابرين بضيق وهي تضع يديها في خصرها.ـ الحق عليّا إني عاوزة أخلي بيتنا على الموضة زي بيوت الناس الأكابر!ثم استدارت نحو المطبخ وهي تتمتم:ـ هروح أجهز الأكل اللي طلبته... والله مش فاهمة لما إنت عاوز محشي وفراخ وكل الأكل ده، سمحت ليه للهانم بنتك تخرج طول اليوم وتسيبني لوحدي متدبسة في الطبيخ؟ ما كانت قعدت تساعدني.اختفت الابتسامة من وجه سالم فورًا.ـ يا وليّة يا مفتريّة! أنا بقال
رنّ هاتف عماد فجأة، فقطع الصمت المشحون داخل الغرفة.نظر إلى شاشة الهاتف، فتغيّرت ملامح عماد على الفور."ده سراج."رفعت نهاد رأسها بسرعة، وقالت بحدة خافتة:"رد عليه... واتعامل عادي."ابتلع عماد ريقه، ثم ضغط زر الإجابة محاولًا أن يبدو هادئًا:"ألو... صباح الخير يا سراج بيه."جاءه صوت سراج حادًا ومتوترًا:"صباح إيه؟ أنا من امبارح باتصل عليك! يوسف كلم جدته ولا لسه؟"تبادل عماد نظرة سريعة مع نهاد قبل أن يجيب بحذر:"لسه ما اتكلمش معاها في موضوع البيع... بس هو مسافر لهم الأربعاء عشان يحضر فرح مهم هناك، وهناك هيقعد معاها ويتكلم."ساد صمت قصير، قبل أن يقول سراج بنبرة جعلت قلب عماد يهبط:"حلو... يبقى جات في وقتها."عقد عماد حاجبيه بقلق."تقصد إيه؟"رد سراج بهدوء بارد:"أنا كمان مسافر شرم الأربعاء."شهقت نادية دون وعي، بينما انتفض عماد في جلسته.أكمل سراج:"وفرصة إن يوسف موجود هناك أشوف المزرعة بنفسي."شحب وجه عماد، والتفت فورًا إلى نهاد التي اتسعت عيناها بصدمة مماثلة.قال بسرعة وهو يحاول التماسك:"لا... لا يا سراج بيه، الأفضل تستنى شوية. خلّي يوسف الأول يقعد مع جدته ويفهمها الموضوع بهدوء."لكن
تحركت سيارة نقل الفاكهة الكبيرة خارج المزرعة ببطء، تهتزّ تحت ثقل صناديق المانجا والعنب والخوخ والخضار الطازج.وفي الخلف، فوق الصناديق مباشرة، جلست ديجا وإيمان بعدما أصرتا بعناد على الركوب هناك بدلًا من كابينة القيادة.كانت ديجا تمد يدها كل دقيقة تقريبًا إلى صندوق العنب المجاور، تلتقط حبة وتلقيها في فمها بلا اكتراث، بينما احتضنت إيمان حبة مانجا كبيرة وكأنها غنيمة حرب لا تُقدَّر بثمن.جاء صوت رجب من الأمام، يصل إليهما عبر المرآة الجانبية:- "أنا مش فاهم... دي عربية نقل بضاعة ولا بوفيه مفتوح؟"ضحكت ديجا، ثم رمت حبة عنب في فمها وقالت بثقة مصطنعة:- "إحنا بنعمل اختبار جودة قبل التسليم يا رجب."هزّ رأسه بيأس تمثيلي.- "آه طبعًا... لجنة التفتيش الزراعي قاعدة فوق قفص العنب."ضحكت إيمان وهي تشق المانجا بحذر.- "بصراحة... المانجا دي خطيرة."رد فورًا:- "طب خفّوا أكل بالله عليكم. أنا لو حسبت اللي اتاكل من أول الطريق، التاجر هيستلم صناديق فاضية."رفعت إيمان حاجبها بدلال خفيف.- "مستخسر فيّا قفصين فاكهة؟"ابتسم، ولان صوته قليلًا وهو يقول:- "ده إنتِ لو طلبتي محصول المزرعة كلها أديهولك."شهقت ديجا
وفي القاهرة، كان جرس الهاتف يقطع سكون الشقة الهادئة، فيتردد صداه بين الجدران كأنه يحمل خبرًا عاجلًا.التقطت نهاد السماعة بفتور، وقالت بنبرة خالية من الحماس:- "ألو."جاءها صوت الجدة من الطرف الآخر، يحمل عتابًا واضحًا رغم هدوئه:- "السلام عليكم... إزيك يا مرات ابني؟"ما إن سمعت نهاد الصوت حتى تجهم وجهها، لكنها سرعان ما رسمت ابتسامة مصطنعة، وأجابت بنبرة متكلفة:- "وعليكم السلام يا طنط... الحمد لله. حضرتك عاملة إيه؟ وحشاني."ضحكت الجدة ضحكة قصيرة امتزجت بالسخرية المريرة:- "وحشاكي؟ طيب ما دام أنا وحشاكي ، ليه ما بترفعيش سماعة التليفون حتى تطمني عليا؟"شدّت نهاد على أسنانها وهي تحاول إخفاء ضيقها:- "والله يا طنط مشغولة في المصنع طول النهار... وبعدين يوسف دايمًا بيسأل عنك، وبطمن عليكي منه ."تنهدت الجدة بحزن:- "ربنا يعينك ... بس يوسف بيسأل عني فين وأنا بقالي شهرين ما سمعتش صوته؟ وكل ما أتصل، التليفون يرن ومحدش يرد."قالت نهاد بنفاد صبر:- "أصله مشغول في الماجستير، وأنا طول اليوم في المصنع. بنرجع بالليل مهدودين، ما بنلحقش ناخد نفسنا. بندخل ننام"ردت الجدة بنبرة هادئة لكنها لا تخلو من العتا







