LOGINمقدمة الرواية بين زرقة البحر الهادئة وسكون المزارع الممتدة في أرض الفيروز، عاشت ديجا حياة بسيطة يملؤها الحب والدفء في كنف جدتها، المرأة التي كانت لها الأم والأب والوطن كله. لم تعرف ديجا من الدنيا سوى قلبٍ يحتضنها، وبيتٍ صغير تنبض جدرانه بالحنان، وأحلام بريئة ترسمها بابتسامتها المشرقة. لكن خلف ذلك الهدوء الجميل، كانت الأقدار تُخبئ أسرارًا كثيرة، وقلوبًا مثقلة بالخوف، وقرارات مصيرية ستغيّر حياة الجميع. فحين يصبح الزمن أغلى من أن يُهدر، وحين يكون الحب هو السلاح الوحيد في مواجهة الفقد، تبدأ رحلة من المشاعر المتشابكة؛ بين الفرح والحزن، اللقاء والفراق، والأمل الذي يولد حتى في أحلك اللحظات. في هذه الرواية، ستضحكون، وستبكون، وستؤمنون أن أجمل الأقدار قد تبدأ من أكثر اللحظات ألمًا.
View Moreدخل سالم إلى الشقة التي يجري تجهيزها لابنته إيمان، وأخذ يتأمل المكان في صمت. كانت الشقة بسيطة؛ صالة متوسطة المساحة، ومطبخًا صغيرًا، وغرفتين، وحمامًا. وقف في منتصف الصالة وأخذ يشرح للعمال التعديلات التي يريدها، من تغيير الأرضيات إلى دهانات الحوائط والتجهيزات المختلفة، ثم تركهم يباشرون عملهم. اقترب بعد ذلك من النافذة المطلة على الحقول الخضراء، وأسند يديه إلى إطارها وهو يسرح بعيدًا في ذكرياته. تذكر إيمان... ابنته الصغيرة... فرحة عمره . تذكر يوم ولادتها، وكيف حملها بين ذراعيه لأول مرة وهو يشعر أن الدنيا كلها أصبحت ملكه. تذكر أول ضحكة رسمتها على وجهها الصغير، وأول كلمة نطقتها، وأول خطوة خطتها نحوه وهي تترنح ببراءة الأطفال. ثم تذكر اليوم الأصعب في حياته... يوم فقدت إيمان أمها وهي لم تتجاوز العامين من عمرها. تنهد سالم بحزن وهو يتذكر زوجته الراحلة على فراش الموت، وهي تمسك يده وتوصيه بابنتهما الوحيدة. وتذكر بعدها زواجه من صابرين، بعدما أقنع نفسه أنها ستكون أمًا بديلة لإيمان، لكنها للأسف لم تكن يومًا كما تمنى. عاد يتذكر بكاء إيمان يوم أخبرها أنه سيسافر للعمل بالخارج، وكي
ظلَّ سالم يقود سيارته مسرعًا في الطريق الترابي المؤدي إلى المزرعة، بينما كانت الأفكار تضرب رأسه بلا رحمة.لم يكن قادرًا على استيعاب ما اكتشفه داخل بيته.سنوات طويلة قضاها في الغربة...سنوات من التعب والشقاء تحت شمسٍ حارقة ووحدةٍ قاسية، كان يهوِّن على نفسه خلالها بفكرة واحدة فقط...أن بناته بخير.لكن الحقيقة التي انكشفت أمامه قبل دقائق كانت كفيلة بأن تهز عالمه كله.شدَّ على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، بينما تسارعت أنفاسه غضبًا وألمًا.وفي المقابل...لم تكن صورة الحاجة فاطمة تفارق ذهنه.تلك المرأة التي وقفت إلى جواره بعد وفاة زوجته، واحتضنت بناته بحنان أمٍّ حقيقية، ولم تبخل يومًا على إيمان بكلمة طيبة أو قلبٍ رحيم.لذلك كان خبر مرضها كافيًا ليزرع القلق في قلبه.تنهد بضيق وهو يزيد من سرعة السيارة.---في تلك الأثناء...كانت صابرين تقف في منتصف الغرفة وعيناها تقدحان شررًا.استمعت إلى صوت باب المنزل وهو يُغلق بقوة خلف سالم، فعرفت أنه غادر.ضمت ذراعيها إلى صدرها وهمست من بين أسنانها:— مش هيحصل يا سالم...ثم ارتفع صوتها وهي تتمتم بغضب:— مش هسيب لك دهبي تاخده عشان تجوز بنتك!احتقن و
قبل المزرعة بمسافة قصيرة كان يقع بيت سالم، بيت ريفي بسيط من دور واحد، تحيط به الأشجار من كل جانب.داخل البيت، كان سالم يجلس على الطبليّة الخشبية القديمة التي يعشقها منذ صغره، وإلى جواره ابنتاه الصغيرتان؛ أسماء ذات الثمانية أعوام، وآية التي لم تتجاوز السادسة.في تلك اللحظة خرجت صابرين من المطبخ وهي تحمل طاسة كبيرة بين يديها، ثم وضعتها على الطبليّة بضيق واضح وقالت:ـ أنا مش فاهمة إيه غاويتك في القعدة على الطبليّة دي! ما عندنا ترابيزة سفرة، أمال أنا اشتريتها ليه؟رفع سالم رأسه إليها مبتسمًا وقال بهدوء:ـ يا ستي أنا بحب أقعد على الطبليّة، وبصراحة مش عارف إنتِ اشتريتي ترابيزة السفرة ليه أصلًا. ضيقتِ المكان وخلاص.نفخت صابرين بضيق وهي تضع يديها في خصرها.ـ الحق عليّا إني عاوزة أخلي بيتنا على الموضة زي بيوت الناس الأكابر!ثم استدارت نحو المطبخ وهي تتمتم:ـ هروح أجهز الأكل اللي طلبته... والله مش فاهمة لما إنت عاوز محشي وفراخ وكل الأكل ده، سمحت ليه للهانم بنتك تخرج طول اليوم وتسيبني لوحدي متدبسة في الطبيخ؟ ما كانت قعدت تساعدني.اختفت الابتسامة من وجه سالم فورًا.ـ يا وليّة يا مفتريّة! أنا بقال
رنّ هاتف عماد فجأة، فقطع الصمت المشحون داخل الغرفة.نظر إلى شاشة الهاتف، فتغيّرت ملامح عماد على الفور."ده سراج."رفعت نهاد رأسها بسرعة، وقالت بحدة خافتة:"رد عليه... واتعامل عادي."ابتلع عماد ريقه، ثم ضغط زر الإجابة محاولًا أن يبدو هادئًا:"ألو... صباح الخير يا سراج بيه."جاءه صوت سراج حادًا ومتوترًا:"صباح إيه؟ أنا من امبارح باتصل عليك! يوسف كلم جدته ولا لسه؟"تبادل عماد نظرة سريعة مع نهاد قبل أن يجيب بحذر:"لسه ما اتكلمش معاها في موضوع البيع... بس هو مسافر لهم الأربعاء عشان يحضر فرح مهم هناك، وهناك هيقعد معاها ويتكلم."ساد صمت قصير، قبل أن يقول سراج بنبرة جعلت قلب عماد يهبط:"حلو... يبقى جات في وقتها."عقد عماد حاجبيه بقلق."تقصد إيه؟"رد سراج بهدوء بارد:"أنا كمان مسافر شرم الأربعاء."شهقت نادية دون وعي، بينما انتفض عماد في جلسته.أكمل سراج:"وفرصة إن يوسف موجود هناك أشوف المزرعة بنفسي."شحب وجه عماد، والتفت فورًا إلى نهاد التي اتسعت عيناها بصدمة مماثلة.قال بسرعة وهو يحاول التماسك:"لا... لا يا سراج بيه، الأفضل تستنى شوية. خلّي يوسف الأول يقعد مع جدته ويفهمها الموضوع بهدوء."لكن
تسلّل شعاع شمسٍ خجول إلى الغرفة، يلامس جفني خديجة برفق، بينما كانت زقزقة العصافير في الخارج تعلن ميلاد يوم جديد.ابتسمت وهي تفتح عينيها ببطء، لتكشف عن عينين بلون العسل الصافي، تشعّان براءةً وحيوية. نهضت من فراشها بخفة، واتجهت نحو النافذة المطلة على امتداد البحر. فتحتها على مصراعيها، وأغمضت عينيها،
تحركت سيارة نقل الفاكهة الكبيرة خارج المزرعة ببطء، تهتزّ تحت ثقل صناديق المانجا والعنب والخوخ والخضار الطازج.وفي الخلف، فوق الصناديق مباشرة، جلست ديجا وإيمان بعدما أصرتا بعناد على الركوب هناك بدلًا من كابينة القيادة.كانت ديجا تمد يدها كل دقيقة تقريبًا إلى صندوق العنب المجاور، تلتقط حبة وتلقيها في
وفي القاهرة، كان جرس الهاتف يقطع سكون الشقة الهادئة، فيتردد صداه بين الجدران كأنه يحمل خبرًا عاجلًا.التقطت نهاد السماعة بفتور، وقالت بنبرة خالية من الحماس:- "ألو."جاءها صوت الجدة من الطرف الآخر، يحمل عتابًا واضحًا رغم هدوئه:- "السلام عليكم... إزيك يا مرات ابني؟"ما إن سمعت نهاد الصوت حتى تجهم و





