เข้าสู่ระบบتحركت سيارة نقل الفاكهة الكبيرة خارج المزرعة ببطء، تهتزّ تحت ثقل صناديق المانجا والعنب والخوخ والخضار الطازج.
وفي الخلف، فوق الصناديق مباشرة، جلست ديجا وإيمان بعدما أصرتا بعناد على الركوب هناك بدلًا من كابينة القيادة.
كانت ديجا تمد يدها كل دقيقة تقريبًا إلى صندوق العنب المجاور، تلتقط حبة وتلقيها في فمها بلا اكتراث، بينما احتضنت إيمان حبة مانجا كبيرة وكأنها غنيمة حرب لا تُقدَّر بثمن.
جاء صوت رجب من الأمام، يصل إليهما عبر المرآة الجانبية:
- "أنا مش فاهم... دي عربية نقل بضاعة ولا بوفيه مفتوح؟"
ضحكت ديجا، ثم رمت حبة عنب في فمها وقالت بثقة مصطنعة:
- "إحنا بنعمل اختبار جودة قبل التسليم يا رجب."
هزّ رأسه بيأس تمثيلي.
- "آه طبعًا... لجنة التفتيش الزراعي قاعدة فوق قفص العنب."
ضحكت إيمان وهي تشق المانجا بحذر.
- "بصراحة... المانجا دي خطيرة."
رد فورًا:
- "طب خفّوا أكل بالله عليكم. أنا لو حسبت اللي اتاكل من أول الطريق، التاجر هيستلم صناديق فاضية."
رفعت إيمان حاجبها بدلال خفيف.
- "مستخسر فيّا قفصين فاكهة؟"
ابتسم، ولان صوته قليلًا وهو يقول:
- "ده إنتِ لو طلبتي محصول المزرعة كلها أديهولك."
شهقت ديجا وضربت كفًا بكف.
- "يا نهار أبيض! طب أنا هقول لتيتة إن رجب قال لإيمان تاكل المحصول كله."
ضحك رجب وعيناه مثبتتان على الطريق.
- "ساعتها الحاجة فاطمة هتخصم تمن الفاكهة من المهر، وتقول الجوازة اتأجلت بسبب خساير أكل إيمان للمحصول."
انفجرت الفتاتان بالضحك، ثم قالت ديجا وهي تشير إلى الصناديق حولها:
- "قول إنك خايف على الجوازة مش على البضاعة. وبعدين تيتة وخالتي أم رجب هما السبب... خرجونا من غير فطار. ليه؟ وعاوزني أصرف من مصروفي وأعزم الهانم على الفطار والغدا؟ لا يا حبيبي... ناكل المحصول أهون."
ضحك رجب بخفة.
- "بقى كده؟ طب كلي العربية كلها يا إيمان. ولو الحاجة فاطمة زعلت، أقولها تخصمهم من مصروف ديجا."
اتسعت عينا ديجا بصدمة تمثيلية.
- "إنت بتضحي بمصروفي يا رجب؟"
هزّ كتفه ببساطة، قبل أن يقول بنبرة امتزج فيها المزاح بالصدق، بينما اختلس نظرة سريعة إلى إيمان:
- "مش أحسن ما تتأجل الجوازة؟ ده أنا كل يوم بدعي ربنا يهونها ويتمّهالي ويجمعني بنبض القلب."
احمرّ وجه إيمان فورًا، بينما انفجرت ديجا ضاحكة وهي تغمز لها بمكر، فازدادت وجنتا إيمان احمرارًا.
خفّ الضحك تدريجيًا بعد لحظات، واستندت ديجا بظهرها إلى الصناديق، ثم رفعت عينيها إلى الطريق الممتد أمام السيارة بشرود صامت.
لاحظت إيمان التغيّر السريع في ملامحها، فسألتها بنبرة أهدأ:
- "مالك؟ سرحانة في إيه؟"
ثم ابتسمت بمكر وأضافت:
- "أكيد في يوسف... وحشك."
عضّت ديجا شفتها وهي تعبث بحبة خوخ بين أصابعها.
- "أوي..."
خرجت الكلمة ناعمة ومترددة، قبل أن تضيف بصوت أخفض:
- "ونفسي أفهمه. ساعات بحس إنه بيحبني بجد... وساعات بحس إنه شايفني أخته الصغيرة وبس."
زفرت بضيق وهزّت رأسها.
- "ده غير طنط نهاد... كل شوية تقول: يوسف بيعتبر خديجة أخته الصغيرة."
وقلدت طريقتها الساخرة بدقة جعلت إيمان تنفجر ضاحكة.
- "والله بتقلديها صح أوي!"
كشّرت ديجا وهي تعود للعبث بالخوخة.
- "أصلها قالتها مليون مرة من وأنا صغيرة."
مالت إيمان نحوها قليلًا وقالت بهدوء:
- "طب سيبك من كلامها... بصّي لتصرفات يوسف نفسها."
رفعت ديجا عينيها إليها بتردد.
- "تصرفاته كلها عادية. لا قال حاجة، ولا لمح حتى."
برقت عينا إيمان بدهشة، ثم بدأت تعدّ على أصابعها:
- "عادية إيه بس؟ غيرته عليكي، وخوفه الزيادة، وطريقته في التحكم في لبسك... وبسيبك من ده كله، هتقولي إيه عن خناقته مع عز ابن صاحب البازار لما طلب إيدك؟ ده كان هيموته وفضحه قدام السياح كلهم."
تنهدت ديجا وهي تنظر بعيدًا.
- "ما هو وقتها تيتة عتبته لما عم شفيق، أبو عز، اتصل يشتكي لها. ويومها قالت ليوسف إن عادي يتقدملي عرسان، وإن أي بنت آخرها الجواز... فقام قال لها إني لسه صغيرة، وعندي ثانوية عامة، ولازم أركز في دراستي، وبعدها أبقى أفكر في الجواز."
ردت إيمان بسرعة:
- "لو شايفك صغيرة فعلًا، كان رفض بهدوء... مش كان مسك الواد ضربه قدام الناس كلها."
جاء صوت رجب من الأمام ممتزجًا بالضحك:
- "والله لولا إني دخلت بينهم، كان زمان عز اترمى في البحر."
التفتت ديجا للأمام بصدمة.
- "هو إنت مركز في السواقة ولا بتتصنت علينا؟"
ضحكت إيمان بقوة، بينما قال رجب:
- "إنتِ اللي صوتك داخل جوه العربية يا ديجا."
قالت إيمان وهي تحاول كتم ضحكتها:
- "طب مش هو يا رجب قالك: أوعى تاخد ديجا البازار تاني؟"
هزّ رجب رأسه.
- "بازار إيه؟ ده كان مش عايزها تنزل شرم أصلًا. ولما قلتله مينفعش عشان المدرسة والدروس، قالي: يبقى متقربش حتى من الشارع اللي فيه البازار. وقال: لو الواد ده اتعرض لها في أي طريق، أكلمه فورًا... ناوي يسيب الهندسة ويبقى مجرم بسببك يا ديجا."
ضحكتا معًا، بينما خفضت ديجا عينيها وقالت بصوت خافت:
- "طب ينفع واحد يحب واحدة ويقعد شهرين ما يكلمهاش؟ ده غير إنه بقاله تمن شهور ما جاش أصلًا."
نظرت لها إيمان بخبث لطيف.
- "كله بسبب حوار عيد ميلاد أخت عز."
برقت ديجا بضيق.
- "شوفي البت! ما إنتِ اللي قولتيلي أقوله كده."
ضحكت إيمان.
- "ماكنتش أعرف إنه هياخدها بجد ويقاطعك."
قلدت ديجا صوت يوسف بعصبية مكتومة:
- "يعني إيه تروحي عيد ميلاد أخته؟ عاجبك تلزيق الواد وبصّه عليكي؟"
ثم عقدت ذراعيها وتمتمت بضيق:
- "وأنا أصلًا ماكنتش هروح... ما ادانيش فرصة أقول له إني مش رايحة. فضل يتخانق معايا، وقفل السكة، واتصل على تيتة نبه عليها إني ما أخرجش. ومن ساعتها، لا بيتصل ولا بيرد."
ابتسمت إيمان وهي تراقبها.
- "وده كله ليه؟ عشان بيحبك."
هزّت ديجا كتفها بحيرة، لكنها لم ترد.
وفجأة قطع رجب اللحظة بصوت درامي:
- "بقولكم إيه... سيبكم من قصة الحب دي وركزوا معايا شوية."
رفعت ديجا حاجبها.
- "في إيه؟"
قال بمأساوية مضحكة:
- "إنتوا وإنتوا بتتكلموا خلصتوا صندوقين عنب ونص المانجا... وأنا اللي هتفضح قدام التاجر."
انفجرتا بالضحك من جديد، بينما مدت ديجا يدها بسرعة وخطفت حبة مانجا أخرى.
شهق رجب:
- "يا بنتي حرام عليكي!"
رفعت المانجا عاليًا وهي تضحك:
- "آخر واحدة... والله!"
ردت إيمان فورًا:
- "متصدقهاش... قالت الجملة دي من نص ساعة ولسه بتاكل!"
---
في القاهرة، دوّى جرس باب الشقة بقوة متواصلة، كأن الطارق يضغط عليه بعصبية.
خرجت نهاد من غرفتها بضيق واضح، وعدّلت روب المنزل سريعًا قبل أن تتجه إلى الباب وتفتحه بعنف خفيف.
ظهرت نادية أمامها، تتنفس بسرعة من أثر صعود السلالم، وخلفها زوجها عماد بملامحه المتجهمة المعتادة.
كانت نادية، الأخت الصغرى لنهاد، قد تجاوزت السادسة والأربعين بقليل، لكن اهتمامها المبالغ بمظهرها كان يخفي عمرها نسبيًا. أما عماد، الأصغر منها بست سنوات، فوقف خلفها ببدلته الأنيقة وعينيه اللتين لا تفارقهما نظرة الحسابات والطمع.
تزوّجها بعدما عرف حجم الأموال التي تملكها العائلة، وحلم بحياة مترفة وسهلة، لكن السنوات لم تسر كما تخيل.
فالمصنع بدأ يخسر تدريجيًا بسبب إدارة نهاد العشوائية، والمظاهر الباهظة التي عاشوا فيها لسنوات دون حساب، حتى بدأت الديون تلتف حولهم ببطء.
تحولت حياتهم تدريجيًا من فيلا واسعة في حي راقٍ إلى شقة متوسطة، ثم انتهى الحال بنادية وعماد داخل شقة ضيقة في منطقة شعبية بالكاد يتحملان العيش فيها.
بدأ عماد يفكر جديًا في ترك نادية بعدما أصبحت الأموال التي تزوجها لأجلها تتبخر أمام عينيه، لكن ظهور المستثمر غيّر كل شيء.
فقد تعرّف على رجل أعمال يبحث هو وشركاؤه من المستثمرين الأجانب عن أرض سياحية ضخمة لبناء منتجع فاخر، وحين عرض عليه عماد أرض المزرعة، انبهر الرجل بالموقع والمساحة، وعرض رقمًا خياليًا.
أما عماد، فكان ينتظر حصته الحقيقية من الصفقة.
عمولة تتجاوز ثلاثين مليون جنيه لحسابه الخاص، غير الأموال التي يخطط للاستيلاء عليها من نصيب يوسف، الذي سيكون تحت تصرف نهاد ونادية.
ولشدة ثقتهم في إتمام البيع، قاموا بسحب جزء من الأموال مقدمًا بحجة "تخليص الإجراءات"، ووقّعوا إيصالات أمانة جعلت رقابهم تحت المقصلة إن فشلت الصفقة.
أغلقت نهاد الباب خلفهما بعصبية، ثم التفتت إليهما قائلة بحدة:
- "اتفضلوا."
ألقت نادية حقيبتها على الأريكة وهي تتمتم بضيق:
- "في إيه يا نهاد؟ صحّتينا من الصبح بدري وفضلتي تصرخي في التليفون: تعالوا حالًا. حصل إيه؟"
جلست نهاد وهي تمرر يدها في شعرها بتوتر واضح، ثم قالت بغضب مكتوم:
- "فاطمة كلمت يوسف... وطلبت منه يسافر له يوم الأربعاء عشان يحضر فرح الواد اللي اسمه رجب."
عقد عماد حاجبيه فورًا.
- "وبعدين؟ فين المشكلة؟ كويس عشان يكلم جدته في موضوع الأرض."
ضربت نهاد بيدها على طرف المقعد بعصبية.
- "البيه رفض !"
اعتدل عماد في جلسته بصدمة.
- "رفض يسافر ؟!"
نهاد بعصبية وغضب.
- "رفض يكلمهم يبيعوا المزرعه. بقوله يطلب فلوس، ويفهم فاطمة إن ليه نصيب في المزرعة، ويقنعها بالبيع وياخد حقه... يرد عليّا بكل برود ويقولي: أطلب فلوس بتاع إيه؟ المزرعة كلها ملك لخديجة ، وأنا ماليش ورث فيها."
شهقت نادية بحدة.
- "إيه؟!"
تابعت نهاد بانفعال أكبر:
- "والأهبل مقتنع بكده! بيقولي إن أبوه باع نصيبه زمان وخد فلوسه بأعلى سعر وقتها. أقول له: المزرعة دلوقتي بقت بملايين، يقولّي: إحنا مش محتاجين فلوس، وأنا هسافر أكون نفسي."
ثم أطلقت ضحكة مريرة.
- "والبيه بيقول لي إن معاش أبوه وشوية الفلوس اللي داخلة من المصنع يكفوا يعيشوني حياة كريمة!"
اشتعل الغضب في عينيها وهي تضيف:
- "شايف إن الملاليم دي تكفيني؟! عاوز فاطمة وخديجة يتمتعوا بالملايين وأنا أعيش على الفتات؟"
ضربت نادية كفًا بكف بعصبية شديدة.
- "ابنك ده أكيد اتجنن! هو فاكر نفسه هيشتغل كام سنة عشان يعمل فلوس زي تمن المزرعة؟!"
ثم مالت للأمام بانفعال.
- "ولو هو مش محتاج... إحنا محتاجين! هو مش شايف الشقة اللي إنتِ اتنقلتي فيها؟ ولا شايف الحارة المعفنة اللي أنا عايشة فيها؟! إنتِ لازم تتصرفي... أنا مش هستحمل العيشة دي أكتر من كده."
ثم التفتت إلى عماد بعصبية.
- "إنت ساكت ليه يا عماد؟ اتكلم!"
ظل عماد صامتًا لثوانٍ، قبل أن يقول بصوت متوتر:
- "لأن الموضوع كده بقى خطر."
التفتت نهاد إليه بسرعة.
فرك جبينه بتوتر واضح، ثم قال:
- "لو يوسف سافر وقال للحاجة فاطمة على المستثمر، وأقنعهم ما يبيعوش... إحنا هنروح في داهية."
اتسعت عينا نادية بصدمة.
أكمل بصوت منخفض:
- "إحنا واخدين من الناس دي تلاتة مليون جنيه على حس بيع المزرعة... ومش هنعرف نردهم. ده إحنا ما معناش حتى خمسة آلاف منهم."
ساد الصمت للحظة، بينما أكمل بقلق حقيقي:
- "إحنا مضينا إيصالات أمانة... يعني مش هنعيش في الحارة المعفنة وبس، ده إحنا هنتسجن."
شهقت نادية وهي تنظر إليه بفزع.
- "إنت بتقول إيه؟! أنا مستحيل أتحبس! اتصرف يا عماد... لازم تلاقي حل!"
رد بعصبية وانفعال مكبوت:
- "حل إيه؟! أنا موقف سراج بيه والشركة اللي معاه بالعافية، وأقنعتهم إن كل حاجة في إيد يوسف، وإنه الوحيد اللي يقدر يقنع الحاجة فاطمة وحفيدتها بالبيع."
ثم أشار بإصبعه محذرًا:
- "وقولتلهم ما يعملوش أي خطوة غير لما يوسف يتكلم معاهم الأول."
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يكمل بصوت ممتلئ بالتوتر:
- "ودلوقتي يوسف نفسه رفض... بعد ما كنت فاكر إن ليكي تأثير على ابنك، وإنه هيعرف يقنع جدته تبيع بالوصاية اللي معاها على حفيدتها. الدنيا كده هتبوظ، وإحنا هنروح في داهية. إنتِ لازم تتصرفي... البيعة دي لازم تتم."
سألته نهاد بحدة:
- "عاوزني أتصرف أعمل إيه يعني؟"
هتف عماد بغضب شديد:
- "اعملي أي حاجة! اقنعي ابنك، كلمي فاطمة، اضغطي عليهم... اعملي أي حاجة عشان البيعة دي تتم."
ابتلع ريقه، ثم قال ببطء:
- "الناس دي مش هتصبر علينا كتير. سراج طول الليل امبارح بيتصل بيا، وعايز يروح يشوف المزرعة ويصورها."
ثم تابع بصوت أثقل:
- "دول بدأوا يخططوا للمنتجع السياحي، ولمّوا مهندسين وشركات تصميم عشان يجهزوا المشروع ويختاروا أفضل تصور للمكان."
تبادلت الأختان النظرات بقلق واضح.
ثم أضاف بهدوء مخيف:
- "لو اتأخرنا عليهم أكتر من كده، هيسافروا بنفسهم ويتكلموا مع الحاجة فاطمة، وهيحاولوا يقنعوها. ولو ما اقتنعتش... هما هيعرفوا ياخدوا الأرض إزاي. الناس دي عايزة الأرض... وهتاخدها بأي شكل. وغصب عن اي حد هيدوا المزرعة فوق راس اي حد "
ساد الصمت الثقيل للحظات، قبل أن يهمس عماد أخيرًا:
- "وإحنا أول ناس الا هتتهد عليهم."
دخل سالم إلى الشقة التي يجري تجهيزها لابنته إيمان، وأخذ يتأمل المكان في صمت. كانت الشقة بسيطة؛ صالة متوسطة المساحة، ومطبخًا صغيرًا، وغرفتين، وحمامًا. وقف في منتصف الصالة وأخذ يشرح للعمال التعديلات التي يريدها، من تغيير الأرضيات إلى دهانات الحوائط والتجهيزات المختلفة، ثم تركهم يباشرون عملهم. اقترب بعد ذلك من النافذة المطلة على الحقول الخضراء، وأسند يديه إلى إطارها وهو يسرح بعيدًا في ذكرياته. تذكر إيمان... ابنته الصغيرة... فرحة عمره . تذكر يوم ولادتها، وكيف حملها بين ذراعيه لأول مرة وهو يشعر أن الدنيا كلها أصبحت ملكه. تذكر أول ضحكة رسمتها على وجهها الصغير، وأول كلمة نطقتها، وأول خطوة خطتها نحوه وهي تترنح ببراءة الأطفال. ثم تذكر اليوم الأصعب في حياته... يوم فقدت إيمان أمها وهي لم تتجاوز العامين من عمرها. تنهد سالم بحزن وهو يتذكر زوجته الراحلة على فراش الموت، وهي تمسك يده وتوصيه بابنتهما الوحيدة. وتذكر بعدها زواجه من صابرين، بعدما أقنع نفسه أنها ستكون أمًا بديلة لإيمان، لكنها للأسف لم تكن يومًا كما تمنى. عاد يتذكر بكاء إيمان يوم أخبرها أنه سيسافر للعمل بالخارج، وكي
ظلَّ سالم يقود سيارته مسرعًا في الطريق الترابي المؤدي إلى المزرعة، بينما كانت الأفكار تضرب رأسه بلا رحمة.لم يكن قادرًا على استيعاب ما اكتشفه داخل بيته.سنوات طويلة قضاها في الغربة...سنوات من التعب والشقاء تحت شمسٍ حارقة ووحدةٍ قاسية، كان يهوِّن على نفسه خلالها بفكرة واحدة فقط...أن بناته بخير.لكن الحقيقة التي انكشفت أمامه قبل دقائق كانت كفيلة بأن تهز عالمه كله.شدَّ على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، بينما تسارعت أنفاسه غضبًا وألمًا.وفي المقابل...لم تكن صورة الحاجة فاطمة تفارق ذهنه.تلك المرأة التي وقفت إلى جواره بعد وفاة زوجته، واحتضنت بناته بحنان أمٍّ حقيقية، ولم تبخل يومًا على إيمان بكلمة طيبة أو قلبٍ رحيم.لذلك كان خبر مرضها كافيًا ليزرع القلق في قلبه.تنهد بضيق وهو يزيد من سرعة السيارة.---في تلك الأثناء...كانت صابرين تقف في منتصف الغرفة وعيناها تقدحان شررًا.استمعت إلى صوت باب المنزل وهو يُغلق بقوة خلف سالم، فعرفت أنه غادر.ضمت ذراعيها إلى صدرها وهمست من بين أسنانها:— مش هيحصل يا سالم...ثم ارتفع صوتها وهي تتمتم بغضب:— مش هسيب لك دهبي تاخده عشان تجوز بنتك!احتقن و
قبل المزرعة بمسافة قصيرة كان يقع بيت سالم، بيت ريفي بسيط من دور واحد، تحيط به الأشجار من كل جانب.داخل البيت، كان سالم يجلس على الطبليّة الخشبية القديمة التي يعشقها منذ صغره، وإلى جواره ابنتاه الصغيرتان؛ أسماء ذات الثمانية أعوام، وآية التي لم تتجاوز السادسة.في تلك اللحظة خرجت صابرين من المطبخ وهي تحمل طاسة كبيرة بين يديها، ثم وضعتها على الطبليّة بضيق واضح وقالت:ـ أنا مش فاهمة إيه غاويتك في القعدة على الطبليّة دي! ما عندنا ترابيزة سفرة، أمال أنا اشتريتها ليه؟رفع سالم رأسه إليها مبتسمًا وقال بهدوء:ـ يا ستي أنا بحب أقعد على الطبليّة، وبصراحة مش عارف إنتِ اشتريتي ترابيزة السفرة ليه أصلًا. ضيقتِ المكان وخلاص.نفخت صابرين بضيق وهي تضع يديها في خصرها.ـ الحق عليّا إني عاوزة أخلي بيتنا على الموضة زي بيوت الناس الأكابر!ثم استدارت نحو المطبخ وهي تتمتم:ـ هروح أجهز الأكل اللي طلبته... والله مش فاهمة لما إنت عاوز محشي وفراخ وكل الأكل ده، سمحت ليه للهانم بنتك تخرج طول اليوم وتسيبني لوحدي متدبسة في الطبيخ؟ ما كانت قعدت تساعدني.اختفت الابتسامة من وجه سالم فورًا.ـ يا وليّة يا مفتريّة! أنا بقال
رنّ هاتف عماد فجأة، فقطع الصمت المشحون داخل الغرفة.نظر إلى شاشة الهاتف، فتغيّرت ملامح عماد على الفور."ده سراج."رفعت نهاد رأسها بسرعة، وقالت بحدة خافتة:"رد عليه... واتعامل عادي."ابتلع عماد ريقه، ثم ضغط زر الإجابة محاولًا أن يبدو هادئًا:"ألو... صباح الخير يا سراج بيه."جاءه صوت سراج حادًا ومتوترًا:"صباح إيه؟ أنا من امبارح باتصل عليك! يوسف كلم جدته ولا لسه؟"تبادل عماد نظرة سريعة مع نهاد قبل أن يجيب بحذر:"لسه ما اتكلمش معاها في موضوع البيع... بس هو مسافر لهم الأربعاء عشان يحضر فرح مهم هناك، وهناك هيقعد معاها ويتكلم."ساد صمت قصير، قبل أن يقول سراج بنبرة جعلت قلب عماد يهبط:"حلو... يبقى جات في وقتها."عقد عماد حاجبيه بقلق."تقصد إيه؟"رد سراج بهدوء بارد:"أنا كمان مسافر شرم الأربعاء."شهقت نادية دون وعي، بينما انتفض عماد في جلسته.أكمل سراج:"وفرصة إن يوسف موجود هناك أشوف المزرعة بنفسي."شحب وجه عماد، والتفت فورًا إلى نهاد التي اتسعت عيناها بصدمة مماثلة.قال بسرعة وهو يحاول التماسك:"لا... لا يا سراج بيه، الأفضل تستنى شوية. خلّي يوسف الأول يقعد مع جدته ويفهمها الموضوع بهدوء."لكن
تحركت سيارة نقل الفاكهة الكبيرة خارج المزرعة ببطء، تهتزّ تحت ثقل صناديق المانجا والعنب والخوخ والخضار الطازج.وفي الخلف، فوق الصناديق مباشرة، جلست ديجا وإيمان بعدما أصرتا بعناد على الركوب هناك بدلًا من كابينة القيادة.كانت ديجا تمد يدها كل دقيقة تقريبًا إلى صندوق العنب المجاور، تلتقط حبة وتلقيها في فمها بلا اكتراث، بينما احتضنت إيمان حبة مانجا كبيرة وكأنها غنيمة حرب لا تُقدَّر بثمن.جاء صوت رجب من الأمام، يصل إليهما عبر المرآة الجانبية:- "أنا مش فاهم... دي عربية نقل بضاعة ولا بوفيه مفتوح؟"ضحكت ديجا، ثم رمت حبة عنب في فمها وقالت بثقة مصطنعة:- "إحنا بنعمل اختبار جودة قبل التسليم يا رجب."هزّ رأسه بيأس تمثيلي.- "آه طبعًا... لجنة التفتيش الزراعي قاعدة فوق قفص العنب."ضحكت إيمان وهي تشق المانجا بحذر.- "بصراحة... المانجا دي خطيرة."رد فورًا:- "طب خفّوا أكل بالله عليكم. أنا لو حسبت اللي اتاكل من أول الطريق، التاجر هيستلم صناديق فاضية."رفعت إيمان حاجبها بدلال خفيف.- "مستخسر فيّا قفصين فاكهة؟"ابتسم، ولان صوته قليلًا وهو يقول:- "ده إنتِ لو طلبتي محصول المزرعة كلها أديهولك."شهقت ديجا
وفي القاهرة، كان جرس الهاتف يقطع سكون الشقة الهادئة، فيتردد صداه بين الجدران كأنه يحمل خبرًا عاجلًا.التقطت نهاد السماعة بفتور، وقالت بنبرة خالية من الحماس:- "ألو."جاءها صوت الجدة من الطرف الآخر، يحمل عتابًا واضحًا رغم هدوئه:- "السلام عليكم... إزيك يا مرات ابني؟"ما إن سمعت نهاد الصوت حتى تجهم وجهها، لكنها سرعان ما رسمت ابتسامة مصطنعة، وأجابت بنبرة متكلفة:- "وعليكم السلام يا طنط... الحمد لله. حضرتك عاملة إيه؟ وحشاني."ضحكت الجدة ضحكة قصيرة امتزجت بالسخرية المريرة:- "وحشاكي؟ طيب ما دام أنا وحشاكي ، ليه ما بترفعيش سماعة التليفون حتى تطمني عليا؟"شدّت نهاد على أسنانها وهي تحاول إخفاء ضيقها:- "والله يا طنط مشغولة في المصنع طول النهار... وبعدين يوسف دايمًا بيسأل عنك، وبطمن عليكي منه ."تنهدت الجدة بحزن:- "ربنا يعينك ... بس يوسف بيسأل عني فين وأنا بقالي شهرين ما سمعتش صوته؟ وكل ما أتصل، التليفون يرن ومحدش يرد."قالت نهاد بنفاد صبر:- "أصله مشغول في الماجستير، وأنا طول اليوم في المصنع. بنرجع بالليل مهدودين، ما بنلحقش ناخد نفسنا. بندخل ننام"ردت الجدة بنبرة هادئة لكنها لا تخلو من العتا







