Beranda / الرومانسية / رجال الله / ما وراء الملثّم

Share

ما وراء الملثّم

last update Tanggal publikasi: 2026-06-03 08:15:07

ارتجفت يدُ ملك وهي تُشير إلى الهاتف الملقى بين يديه، عيناها متسعتان كمن وقعت لتوّها على لعنةٍ لا سبيل للهرب منها، وانفجرت الكلمات من فمها كالرصاص:

– أنت… إرهابي! هذا أنت، يا مالك! وجهك، صوتك… أنت الملثّم في هذا التسجيل!

اهتز الهواء بينهما بتلك التهمة، كأن جدارًا شُيّد فجأة ليفصل روحين اعتقدتا أنهما اقتربتا للحظة واحدة، قلبها كان يخبط في صدرها بعنفٍ، حتى أحست أن الضلوع تُوشك على التصدع، وأن الأرض تميد تحت قدميها فترنحت قليلًا قبل أن يخطو مالك نحوها ببطء، وجهه جامد الملامح لكن عينيه تضجّان باضطرابٍ مكتوم، رفع يده في محاولةٍ للمس كتفها، وصوته خرج مبحوحًا لكنه ثابت:

– ملك… اسمعيني، الأمر ليس كما ترينه؛ لم تكن عينيك يومًا عدوّتي، فكيف تجعلينني عدوًّا الآن؟

ارتدت إلى الوراء بسرعة، حتى اصطدم ظهرها بجدار الغرفة، حدّقت فيه بعينين دامعتين، وهي تهز رأسها بعنف:

– لا تقترب! لا تلمسني… كذبتَ عليّ طوال الوقت، كنتَ تُخفي وجهك وحقيقتك… وما ظننته حبًّا صار خداعًا! كله خداع.

ارتسم الألم على تقاطيع وجهه، لكنه لم يترك لمشاعره أن تسقط، فاقترب خطوة أخرى منها وصوته هذه المرة أشدّ رجاءً، وأقرب إلى المناجاة:

– أنا لم أخدعكِ أبدًا يا ملك… لا لتُحطّمي قلبي بهذا الشكل، كل ما فعلته، فعلته لأجلك.

لكنها لم تُصغِ، دموعها انسابت على وجنتيها، وبصوتٍ متقطع صرخت به:

– كفى! لا تلوّن الأكاذيب بالحب، الحقيقة أنك رجلٌ يعيش بالدماء، لا بالرحمة! لقد كرهتُك يا مالك.

سكت لحظة، ارتجف فكّه، وبدت في عينيه ومضة جنون عابرة، ثم ما لبث أن خمدت لتحلّ محلها نارٌ أكثر اتقادًا، تقدم نحوها خطوة أخرى، حتى صارت المسافة بينهما أنفاسًا ثقيلة، وعيناه تُحدّقان فيها بلهفةٍ تكاد تحرق الهواء حولهما وهو يقول لها:

– قوليها مرة أخرى… قولي إنني لا أحبك، إنني لم أكن لك الأمان يومًا، تجرّئي وكرريها أمام قلبك قبل لسانك حتى وإن لم تتذكري أنك زوجتي بإرادتك!

ارتجفت شفتاها، ترددت الكلمة في حلقها، لكنها اختنقت، ورفضت الخروج مرة أخرى، كان الخوف يجثم فوق صدرها، لكن في أعماقها ومضة قديمة تتحرك، ذكرى مُهملة تكاد تنبعث من الرماد..

وفجأة، كما لو اخترقت حاجزًا مظلمًا، شهقت وهي تضع يدها على فمها، والدموع تزداد انهمارًا، حتى خرجت الكلمات من فمها كالسيف:

– أنا… أنا تذكّرت… تذكّرت كل شيء!

تجمّد مالك في مكانه، عيناه اتسعتا بصدمةٍ ممزوجة بنشوة لا تُصدّق، للحظة بدت على وجهه ابتسامة مجنونة، ابتسامة المنتظر الذي عثر أخيرًا على مفتاح الجحيم الذي عاش فيه ليالي سوداء، مدّ يده إليها بسرعة، يحاول أن يلمس وجهها، كمن يريد أن يتأكد أنها حقيقة وليست وهمًا آخر يطارده..

لكنها دفعته بعنف، وصوتها خرج صارخًا مرتجفًا:

— إياك… إياك أن تقترب!

تراجعت خطواتها نحو الباب، جسدها كله يهتز كوترٍ مشدود، عيناها تلمعان ببحرٍ من الذعر والرفض، أما هو فظلّ واقفًا في منتصف الغرفة، يلهث كمن ركض آلاف الأميال ليصل إليها، وها هي تقف أمامه ولا تمدّ يدها إليه، كان وجهه مزيجًا من فرحٍ مشتعِل كشرارةٍ في عاصفة، وجنونٍ كامن تحت رماد صبرٍ طويل، كأنما جسده كله يتأرجح على حافة هاوية..

حاول الاقتراب منها بيأس هذه المرة ومدّ يديه نحوها وقد خرج صوته متحشرج، يتوسّل في قسوة:

– اسمعيني يا ملك… لستُ كما تظنين، ذلك الوجه الملثّم لم يكن قاتلًا بلا قلب، كان رجلًا يحاول إنقاذ ما تبقّى من حياته… ومنكِ.

صرخت وهي تضرب الهواء بكفها كأنها تطرده:

– كفى! لا أريد أن أسمع شيئًا منكَ، كل ما أراه أمامي أنني تزوجتُ مع رجلٍ مخادع… رجلٌ لا أعرفه!

تجمّدت ابتسامته، وتحوّل الفرح في عينيه إلى ظلالٍ دامية، للحظةٍ بدا كما لو أن صدره ينزف بلا دماء، وقد أدرك أنّ كلماته لن تجد في قلبها الآن موطئًا، عندها؛ وببطءٍ مقصود، أخرج هاتفه من جيبه، وأدار بصره إليها بلمعانٍ بارد، ضغط الرقم، ورفع الهاتف إلى أذنه، وصوته خرج واثقًا كالسيف:

– معاذ.

تسمرت مكانها، اسم أخيها اخترق أذنها كصفعةٍ مزّقت ما تبقى من تماسكها، اتسعت عيناها في ذهولٍ لم تقوَ على كبحه، وكل خلية في جسدها تنبض بفزعٍ لا يوصف، حاولت أن تخطو نحوه لتوقفه، لكن قدميها كانتا كأحجارٍ مغروسة في الأرض، لا تحملانها خطوة..

أما هو، فظلّ واقفًا يراقب ارتجافها بدهشةٍ صافية، كأنّه أمام مشهدٍ غريب لا يمتّ للمنطق بصلة، ارتسمت على شفتاه ابتسامةً غامضة، وهو يقول ببرودٍ وصرامة:

– حان الوقت أن نضع النقاط على الحروف… أنا في انتظارك.

شهقت شهقةً مكتومة، ثم صرخت عبر الهاتف بكل ما تملكه من قهرٍ وذعر:

– لا تأتي يا معاذ! أرجوك، لا تأتِ!

أطبقت كفها على صدرها، وانهمرت دموعها كالسيل وهي تهتز من رأسها حتى أخمص قدميها، رفعت عينيها إليه، ورأت في نظرته حيرةً تتسع الغرفة بأكملها، كأنّه لا يصدق ما تراه عيناها الأن..

اقترب خطوة منها، وصوته منخفض لكنه محمّل بالاستغراب:

- ما الذي تفعلينه يا ملك؟ لمَ تقولين هذا؟

لكنها اندفعت تهتف وسط بكائها، صوتها يتكسر كزجاجٍ يُداس بالأقدام:

- ماذا تريد أن تفعل بأخي؟! لماذا تجرّه إلى لعبتك؟! ألم يكفيكَ ما فعلتَه بي… لا تأخذ معاذ منّي أيضًا!

وقف مذهولًا، كأن الكلمات اصطدمت به أكثر مما أصابها الرعب، حدّق فيها طويلًا، ثم هزّ رأسه ببطء، وهو يقول بغير تصديق:

- أيّ هراء هذا؟ ما الذي تظنينه بي؟

لكنها لم تسمع، أو ربما لم تعد قادرة على الإصغاء، كانت تنهار بين يديه كأغنيةٍ حزينة تعزفها الريح في فراغٍ موحش..

اقترب منها بخطواتٍ بطيئة كأنّه يخشى أن يثير خوفها أكثر، لكنّ قلبه كان يصرخ من الداخل، يدفعه دفعًا نحوها باشتياق يكاد يمزقه، وكلما أزال حاجزٌ من بينهما أرتفع آخر بشكل جنوني، مدّ يده المرتعشة نحوها ليس لشدّها بقوة، بل كمن يمدّ حبل نجاة لمن يغرق في بحرٍ هائج، وما إن كادت أن تتراجع حتى سبقها هو وسحبها إلى صدره باندفاعٍ خافت، فارتطم وجهها بجسده المتصلّب كالصخر، وتشبّثت بأطراف ثوبه كمن لم تجد مأوى سواه..

هو… مالك، الذي ظلّ طوال حياته يحتمي بجدارٍ من الجليد بينه وبين البشر، يخاف من اللمسة أكثر مما يخاف من السيف، وجد نفسه فجأة يحتضنها، بالضبط كما لمست يدها كفه للمرة الأولى في حياته، لم يفرّ، لم ينكمش، لم يهرب كما اعتاد حين يقترب أحدهم من جسده، بل شعر أنّ تلك اللحظة، بكل ما فيها من ارتعاش وأنين، كسرت لعنةً قديمة كانت تقيّده منذ طفولته..

أنفاسها الساخنة تتسرب إلى صدره المرتجف، وأصابعها التي ترتعد فوق ثوبه أيقظت شيئًا دفينًا فيه، لم يكن ألمًا، بل دفئًا لم يعرفه يومًا إلا بقربها..

همس في أذنها، كان صوته مبحوح كمن يقاوم انكساره:

- اطمئني… لن يمسّ أخاكِ سوء، أقسم لكِ، فهو صديقي الوحيد وأنت تعلمين ذلك.

لكنها لم تجبه، بل زاد ارتجاف جسدها وهو ينساب في أحضانه، أغمض عينيه للحظة، كأنّه يستعيد ذكرى بعيدة جدًا، يوم كان شابًا غضًّا، لم يعرف من العالم إلا قسوة أبيه ونظرات الشكّ التي تطارده في كل وجه، يومها، كانت هي الوحيدة التي رأته غير ما يراه الجميع..

أبعد رأسه قليلًا لينظر إليها، وعيناه تتقدان بمزيجٍ من الحزن والعشق والرجاء وهو يقول لها بذات النبرة الهائمة:

- أما تذكرينني يا ملك؟ أنا مالك… الذي لم يعرف قلبه امرأةً سواكِ، الذي ظلّ ينتظر لحظةً مثل هذه منذ كان صبيًّا في مطلع شبابه.

شدّ ذراعيه حولها أكثر، كأنّه يخشى أن تنزلق من بين يديه لو تراخى، وأضاف بصوتٍ أشبه باعترافٍ أخير:

- أنتِ الوحيدة التي كسرت صمتي… والوحيدة التي جعلتني أؤمن أن قلبي لم يُخلق ليبقى ميتًا.

دموعها انحدرت على وجنتيها، تختلط بأنفاسه القريبة، وهي تتأرجح بين الخوف واليقين، بين الهروب والارتماء في أحضانه، لكن كلماته، وصوته الذي حمل صدقًا عميقًا لا يشبه أي شيءٍ آخر، جعلها ترتجف ارتعاشة مختلفة… ارتعاشة ليست من الرعب، بل من الوعي أنّها لم تكن يومًا غريبة عنه، ولم يكن هو يومًا سوى مالكها، الذي عرفت روحه قبل أن تعرف وجهه..

وهو في تلك اللحظة، نسي كل شيء: الملثم، الصراع، الدم، الخيانة، الماضي..

لم يبقَ في ذاكرته سوى لمستها وهي بين ذراعيه، وسرّه الأعمق الذي تحطّم أمامها:

"أنّ لمسها لا يؤذيه، بل يداويه!"

استسلمت ملك بين ذراعيه أخيرًا، كأنها أفرغت كل ما تبقى لها من مقاومة في تلك اللحظة، صدرها يعلو ويهبط بأنفاسٍ متقطعة، كأنها كانت تركض منذ زمن طويل وتوقفت الآن فقط لتستريح، لكنه لم يكن استراحة عابرة… كان انهيارًا..

بينما كان يضمها بقوةٍ لم يعهدها من نفسه، ارتجفت أصابعه وهو يلامس كتفيها وتسقط على ظهرها ببطء، كأن كل خلية في جسده ترفض فكرة اللمس، ثم تذوب تحت وطأة حضورها بل والتصاقها به، الخوف الذي قيده عمرًا كاملًا يتلاشى الآن… بين يديها فقط..

رفعت ملك وجهها قليلًا، وعينيها اللامعتين بالدموع تبحثان عن ملامحه في الظل، ثم انفرجت شفتاها المرتعشتان بكلمات خرجت كأنها اعترافٌ ثقيل:

– كنتُ دائمًا أظن أنك… لم تُحب أحدًا غيري، مثلما أنا… لم يدق قلبي لأحدٍ غيرك.

ارتعش جسده من وقع الجملة، كأنها اخترقت أعمق جرحٍ فيه، التقى بصره بعينيها، ولم يستطع أن يحيد عنهما؛ في نظرتها صدقٌ لم يحتمله، وفي صوتها رعشة جعلته على وشك الانكسار..

اقترب منها أكثر، حتى صار أنفاسه تلامس وجنتها المرتجفة، ولمع في عينيه بريقٌ متناقض بين الشوق والذنب، بين الرغبة والندم، لم يستطع أن ينطق، لكن يده انسابت إلى شعرها المرتبك، تتحسس خصلاته كأنها تبحث عن يقينٍ ضائع، ثم قرب شفتيه منها ليُقبلها بهدوءٍ وروية حتى انقطعت أنفاسها بين شفتيه..

ابتعدت عنه وهي تلهث وجسدها مستسلم بين يديه بينما جسده يشتعل بالرغبة ويريد المزيد، كان الصمت يثقل الهواء حولهما، لكنه لم يكن صمتًا عادياً؛ كان اعترافًا أبلغ من الكلام، نبضاتهما تتصارع في إيقاعٍ واحد، وكل لحظة تمر تزيدها قناعة أنه سيصبح جزءٌ منها، وأنها ليست مخطئة حين سلمت نفسها لدفئه..

ارتعشت شفتاها ثانية، وانحنى رأسها ليستقر على صدره، لتسمع ضربات قلبه القلقة وهي تهمس، كأنها تكمل اعترافها المبتور:

– حتى عندما حاولت أن أكرهك… لم أستطع، كنتُ أقاوم، لكن قلبي كان يعود إليك، دائمًا.

شدّ عليها ذراعيه، كأن هذه الكلمات كانت حياةً أُعيد ضخّها في عروقه من جديد، أغمض عينيه للحظة، يحاول أن يخبئ دمعة لم يرد لها أن تنفضح، وهو يدرك أن كل حواجزه القديمة قد انهارت، ولم يبقَ بينهما إلا حقيقة واحدة: هي، والقدر الذي جمعهما منذ سنواتٍ رغم كل شيء..

لم يستطع التماسك أكثر بينما تهاوت قدمها بين يديه فحملها على ذراعيه بينما هي تركت جسدها بالكامل له ليضعه على الفراش، رفع مالك رأسها نحوه برفقٍ وعيناه تشتعلان بمزيجٍ من الرغبة والدهشة، وقد خرج صوته مبحوحًا، كأنما الكلمات تندفع من أعماق جرحٍ قديم:

– ملك… بأي عقلٍ تظنين أنني يمكن أن أُحب غيرك؟ وبأي قلبٍ تتخيلين أنني قد أفتح بابًا لامرأةٍ سواك؟!

ارتجفت شفتاها، والدموع تبلل وجنتيها، أرادت أن تُجيب بذات الكلمات التي ألقتها في وجهه مررًا، لكنها عجزت، كان يقترب أكثر، يطوق وجهها بيديه، أصابعه المرتعشة كادت أن تلمس أزرار فستانها الذي يغطي جسدها كي يحله عنها لكنه قاوم، وقد انخفض صوته، وصار همسًا متحشرجًا وهو يقول لها:

– أتعرفين لماذا؟

ترددت الكلمة في حلقه، وارتجف صوته وهو يقترب منها أكثر، يوشك أن ينزع عن روحه أثقل الأسرار، عيناه تحترقان باعترافٍ لم يجرؤ يومًا على نطقه، شفتاه تتهيأان لبوحٍ كاد أن يهزّ الأرض تحت قدميها..

لكن فجأة… ارتطم الباب بقوةٍ هزّت جدران الغرفة، صوت الطرق دوّى كالرعد المفاجئ، صاخبًا، عنيفًا، يقتحم اللحظة كخنجرٍ يمزّق ستارها..

شهقت ملك بعنف، وانتفض جسدها بين ذراعيه وهي تحاول أن تعتدل لكنه منعها من التحرك وظل ملتصقًا بها وهي تقول له:

- دعني يا مالك، وانظر إلى من يناديك.

اتسعت عيناه بغيظ وهو يتمتم:

– معاذ.

تململ مالك بجسده وهو لا يريد منها أن تبتعد عنه بأي ثمن، كانت حدقتاه تشتعلان غضبًا مكتومًا، كمن انتُزع من لحظة خلاصٍ كان على بُعد أنفاسٍ منها، الطرق تكرر مرةً أخرى، أكثر إصرارًا، كأن القادم خلف الباب لن يرحل قبل أن يحطّم كل جدارٍ بينه وبين الداخل..

كانت أنفاسهما تتقاطع في صمتٍ متوتر، واللحظة التي كانت على وشك أن تكشف المستور تبعثرت وتلاشت كحلمٍ استيقظ صاحبه قبل اكتماله...

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status